المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب السيرة العطرة; عن سيرة اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم



مجدى بدوى
11-28-2009, 12:18 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


كتاب السيرة العطرة
عن سيرة اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم

خاص للمنتدى
تم نقله من كتاب الكترونى للسيرة



المقدمه


الحياة بالنسبة للمسلم عمل وعبادة يتقرب بها الى الله سبحانه
ونهج المسلم في التقرب الى الله هو سنة نبيه محمد صلى الله عليه

وسلم ثم سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده التي امرنا أن نعض

عليها بالنواجذ ولقد اغفل الكثير منا الإطلاع على سيرة هذا الجيل

القرآني الفريد الذي نشأ وتربى في ظل المدرسة المحمدية لذلك

اصدرنا هذا الكتيب الذي يحمل في طياته شذا هذه السيرة العطرة

لنستفيد منها ونتأمل أروع الأمثلة التي ضربوها لنا في مدى محبتهم

للنبي صلى الله عليه وسلم و سرعة استجابتهم لأوامره وكيف آثروه

على أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم حتى أكرمهم الله سبحانه

وقال عنهم :

( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا )


رضي الله عنهم وارضاهم وجمعنا معهم في مستقر رحمته

يتبع

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:20 PM
من هو الصحابي



الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام وجمعها صحابة .

وهم رجال ونساء عظام حملوا الأمانة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

و بذلوا كل غالي و نفيـس من أجل إعلاء كلمـة الحـق ، حتى آثروه على أنفسهم

وأموالهم وأزواجهم وأولادهم ، وبلغ من محبتهم له وإيثارهم الموت فى سبيله

أن هان عليهم اقتحام المنية كراهة أن يجدوه فى موقف مؤذ أو كربة يغض من قدره.

فضائل الصحابة في القرآن والسنة


ولما للصحابة من الفضل العظيم فإن الله تعالى ذكرهم فيما أنزل من الكتب

حتى لا يذهب ذكرهم ولا تمحى من رؤوس القبائل والشعوب مآثرهم .. قال تعالى :

(( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا



سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود

ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ

فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار



وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ))وقال تعالى :

(( والسابقون السابقون * أولئك المقربون * فى جنات النعيم * ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين ))

وقال تعالى :

(( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضى

الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ))

وقال تعالى :

(( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة

من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم ))

وقد حضر غزوة تبوك جميع من كان موجودا من الصحابة ، إلا من عذر الله من النساء والعجزة.

أما الثلاثة الذين خُلفوا فقد نزلت توبتهم بعد ذلك.


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" الله الله فى أصحابى ، فلو أن أحدكم تصدق بمثل أحد ذهبا ما ساوى مده ولا نصيفه "

وقال فيهم ورحى الحرب دائرة فى بدر :

" اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الأرض "

- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :

كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شئ، فسبه خالد.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" لا تسبوا أحدا من أصحابي ، فإن أحدكم لو أنفق مثل اُحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصِيفه "

قال ابن تيمية رحمه الله :

كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم سنة أو شهرا أو يوما أو رآه مؤمنا

به ، فهو من أصحابه ، له من الصحبة بقدر ذلك.

فإن قيل :

فلم نهى خالدا عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضا ؟

قلنا :

لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه من السابقين الأولين ، الذين صحبوه في

وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه ، وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا ،

وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى.

فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ، ممن أسلم بعد

الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل.

فنهى أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله ، ومن لم يصحبه قط نسبته إلى

من صحبه ، كنسبة خالد إلى السابقين .

- قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :

" وما يدريك، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "

قال ابن القيم رحمه الله :

( والله أعلم ، إن هذا الخطاب لقوم قد علم الله سبحانه أنهم لا يفارقون دينهم ،

بل يموتون على الإسلام ، وأنهم قد يقارفون بعض ما يقارفه غيرهم من الذنوب ،

ولكن لا يتركهم سبحانه مصرين عليها، بل يوفقهم لتوبة نصوح واستغفار وحسنات

تمحو أثر ذلك ، ويكون تخصيصهم بهذا دون غيرهم ، لأنه قد تحقق ذلك فيهم ، وأنهم مغفور لهم.

ولا يمنع ذلك كون المغفرة حصلت بأسباب تقوم بهم، كما لا يقتضي ذلك أن

يعطلوا الفرائض وثوقا بالمغفرة.

فلو كانت حصلت بدون الاستمرار على القيام بالأوامر لما احتاجوا بعد ذلك إلى

صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة ولا جهاد وهذا محال )

ثوابت تعم الصحابة



ومن هذه الثوابت :

1- الصحابة كلهم عدول ، لا يجوز تجريحهم ولا تعديل البعض منهم دون البعض.

2- الصحابة كالنجوم يهدون الحائر، ويرشدون الضال ، وفيهم يقول النبى

صلى الله عليه وسلم :

" أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " .

3- الصحابة لم يذكرهم الله تعالى فى كتابه إلا وأثنى عليهم وأجزل الأجر

والمثوبة لهم ، ولم يفرق بين فرد منهم وفرد ولا بين طائفة وطائفة.

وفيهم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

" خيرالقرون قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم "

وقد تميز عصرهم من بين سائر عصور الدول الإسلامية بجملة من المميزات التي

تميزه عن غيره وأصبح عصر الخلفاء الراشدين مع عصر النبوة معلما بارزا

ونموذجا مكتملا ، تسعى الأمة الإسلامية وكل مصلح إلى محاولة الوصول إلى

ذلك المستوى السامي والرفيع ويجعله كل داعية نصب عينيه فيحاول في دعوته

رفع الأمة إلى مستوى ذلك العصر أو قريبا منه .

وإن فضيلة صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعدلها عمل وذلك

لمشاهدتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم و الذب عنه والسبق إليه بالهجرة

أو النصرة أو ضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده ..

لذلك فإنه لا يعدلهم أحد ممن يأتي بعدهم لأنه ما من خصلة إلا وللذي سبق

بها مثل أجر من عمل بها من بعده ..

وهنا يظهر فضلهم رضي الله عنهم جميعا وارضاهم

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:21 PM
من هو الصديق رضي الله عنه


هو عبد الله بن أبي قحافة، من قبيلة قريش، ولد بعد الرسول صلى الله عليه

وسلم بثلاث سنيـن ، أمه أم الخير سلمى بنت صخر التيمية بنت عم أبيه

كان يعمل بالتجارة ومـن أغنياء مكـة المعروفين ، وكان أنسب قريشاً لقريش

وأعلم قريـش بها وبما كان فيها من خير وشـر وكان ذا خلق ومعروف يأتونه الرجال

ويألفونـه اعتنـق الاسلام دون تردد فهو أول من أسلم من الرجال الأحرار ثم أخذ

يدعو لدين اللـه فاستجاب له عدد من قريش من بينهم عثمـان بن عفـان ، والزبيـر بن

العـوام ، وعبدالرحمـن بن عـوف ، والأرقـم ابن أبي الأرقـم .


إسلامه



لقي أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال :

( أحق ما تقول قريش يا محمد من تركِكَ آلهتنا ، وتسفيهك عقولنا وتكفيرك آباءَنا ؟ )

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" إني رسول الله يا أبا بكر ، ونبّيه بعثني لأبلغ رسالته ، وأدعوك الى الله بالحق ،

فوالله إنه للحق أدعوك الى الله يا أبا بكر ، وحده لا شريك له ، ولا نعبد غيره ، و الموالاة على طاعته أهل طاعته "

وقرأ عليه القرآن فلم ينكر ، فأسلم وكفر بالأصنام وخلع الأنداد ،



و أقر بحق الإسلام ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق .

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

" ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد



ونظر إلا أبا بكر ما عتم عنه حين ذكرته له وما تردد فيه "

قال علي بن ابي طالب رضي الله عنه :

( ان كل نبي أعطى سبعة نقباء وان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أربعة

عشر نقيبا نجيبا انا وابني الحسن والحسين وحمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وابن

مسعود وحذيفة وأبو ذر والمقداد وسلمان وعمار وبلال رضى الله تعالى عنهم )


أول خطيب



عندما بلغ عدد المسلمين تسعة وثلاثين رجلا ، ألح أبو بكر على الرسول صلى الله

عليه وسلم في الظهور فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " يا أبا بكر إنا قليل "

فلم يزل يلح حتى ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي

المسجد ، وكل رجل معه ، وقام أبو بكر خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم

جالس ، وكان أول خطيب دعا الى الله عز وجل والى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين ، فضربوهم ضربا شديدا ، ووطىء

أبو بكر ودنا منه عتبة بن ربيعة ، فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ، وأثر على وجه

أبي بكر حتى لا يعرف أنفه من وجهه ، وجاء بنو تيم تتعادى ، فأجلوا المشركين

عن أبي بكر ، وحملوا أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه ولا يشكون في موته ، ورجعوا بيوتهم و قالوا :

والله لئن مات أبو بكـر لنقتلـن عتبة ..

ورجعوا الى أبي بكر وأخذوا يكلمونـه حتى أجابهم فتكلم آخر النهار فقال :

( ما فعـل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟ ) فنالوه بألسنتهم وقاموا

ولما خلت أم الخير ( والـدة أبي بكر ) به جعـل يقول :

( ما فعل رسول الله صلـى اللـه عليه وسلم ؟ )

قالت : والله ما لي علم بصاحبك

قال : ( فاذهبي الى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه )

فخرجت حتى جاءت أم جميل ، فقالت : إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟

قالت : ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن تحبي أن أمضي معك الى ابنك فعلت .

قالت : نعم ... فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا ، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت :

إن قوما نالوا منك هذا لأهل فسق ، وإني لأرجو أن ينتقـم اللـه لك .

قال : فما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ؟

قالت : هذه أمك تسمع ؟

قال : ( فلا عين عليك منها )

قالت : سالم صالح

قال : ( فأين هو ؟ )

قالت : ( في دار الأرقم )

قال : ( فإن لله علي ألِية ألا أذوق طعاما أو شرابا أو آتي رسول الله صلى الله عليه

وسلم ) ، فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرِجل وسكن الناس خرجتا به يتكىء عليهما حتى

دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكب عليه يقبله وانكب عليه المسلمون

ورق رسول الله فقال أبو بكر : ( بأبي أنت وأمي ليس بي إلاّ ما نال الفاسق من

وجهي ، وهذه أمي برة بوالديها ، وأنت مبارك فادعها الى الله ، وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار )

فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلمة ثم دعاها الى الله عز وجل ،



فأسلمت فأقاموا مع رسول الله في الدار شهرا .


جهاده بماله


أنفق أبوبكر رضي الله عنه معظم ماله في شراء من أسلم من العبيد ليحررهم من

العبودية ويخلصهم من العذاب الذي كان يلحقه بهم ساداتهم من مشركي قريش ،

فأعتق بلال بن رباح وستة آخرين من بينهم عامر بن فهيرة وأم عبيس ..

فنزل فيه قوله تعالى :

(( وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى ))

منزلته من الرسول


كان رضي الله عنه من أقرب الناس الى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم

وأعظمهم منزلة عنده حتى قال فيه :

" ان من أمن الناس علي في صحبته وماله أبوبكر ، ولو كنت متخذا خليلا غير

ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الاسلام ومودته ، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر "

كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أبا بكر أرحم الأمة للأمة ، وأنه

أول من يدخل معه الجنة فقد قال له الرسول صلى الله عليه وسلم :

" أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي "

وأنه صاحبه على الحوض فقد قال له الرسول صلى الله عليه وسلم

" أنت صاحبي على الحوض ، وصاحبي في الغار "

كما أن أبو بكر الصديق رضي الله عنه هو والد أم المؤمنين عائشة لذا كان عظيـم

الإفتخـار بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومصاهرته له وفي ذلك يقول :

( والذي نفسي بيـده لقرابة رسـول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أن أصل قرابتي )

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" ‏أي الناس أحب إليك قال ‏عائشة ‏ ‏فقلت من الرجال فقال أبوها "

‏عن عمرو بن العاص ‏ ‏رضي الله عنه ‏ أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بعثه على جيش

ذات السلاسل فأتيته فقلت ‏ أي الناس أحب إليك قال ‏ ‏"

" عائشة ‏ ‏"

فقلت من الرجال

فقال " أبوها "

قلت ثم من

قال " ثم ‏عمر بن الخطاب ‏فعد رجالا ‏ "

الصديق والإسراء والمعراج


حينما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة الى بيت المقدس ذهب الناس

الى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا له :

هل لك يا أبا بكر في صاحبك ، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع الى مكة

فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه : ( إنكم تكذبون عليه )

فقالوا : بلى ، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس

فقال أبو بكر رضي الله عنه : ( والله لئن كان قاله لقد صدق ، فما يعجبكم من ذلك !

فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من الله من السماء الى الأرض في ساعة من

ليل أو نهار فأصدقه ! فهذا أبعد مما تعجبون منه )

ثم أقبل حتى انتهى الى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال :

( يا نبي الله ، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة ؟ )

قال : " نعم "

قال : ( يا نبي الله فاصفه لي ، فإني قد جئته )

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" فرفع لي حتى نظرت إليه " فجعل الرسول الكريم يصفه لأبي بكر رضي الله عنه ..

ويقول أبو بكر : ( صدقت ، أشهد أنك رسول الله ) حتى إذا انتهى

قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر :

" وأنت يا أبا بكر الصديق "

فيومئذ سماه الصديق .


الصحبة


ولقد سجل له القرآن الكريم شرف الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء

الهجرة الى المدينةالمنورة ، فقال تعالى :

(( ثاني اثنين اذ هما في الغار ، اذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا ))

كان أبو بكر رجلا ذا مال ، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فقال

له الرسول : " لا تعْجل لعل الله يجعل لك صاحباً "

فطمع بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعني نفسه حين قال له ذلك ،

فابتاع راحلتين فاحتبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك ، وفي يوم الهجرة ، أتى

الرسول صلى الله عليه وسلم بيت أبي بكر رضي الله عنه بالهاجرة في ساعة كان

لا يأتي فيها ، فلما رآه أبو بكر قال :

( ما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث )

فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس

عند أبي بكر رضي الله عنه إلا أسماء وعائشة ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" أخرج عني من عندك "

فقال أبو بكر رضي الله عنه : ( يا رسول الله ، إنما هما ابنتاي ، وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي )

فقال : " إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة "

فقال أبو بكر رضي الله عنه : ( الصحبة يا رسول الله ؟ )

قال : " الصحبة "

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها : ( فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي

من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ )

ثم قال أبو بكر رضي الله عنه : ( يا نبي الله إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا )

فاستأجرا عبد الله بن أرقط ، وكان مشركا يدلهما على الطريق ، فدفعا إليه راحلتيهما ،

وأثناء السير كان أبو بكر شديد الحراسة لرسول الله صلى الله علبه وسلم ، يمشى

ساعة بين يديه، وساعة خلفه، ففطن رسول الله صلى الله علبه وسلم لتغيير أبي بكر

رضي الله عنه لمواقعه في أثناء المسيرة المباركة، فقال له :

" يا أبا بكر، مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي؟! " فقال :

( يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك )

فقال صلى الله علبه وسلم :

"يا أبا بكر لو كان شىء لأحببت أن يكون بك دوني؟ "

قال: ( نعم والذي بعثك بالحق )


أبواب الجنـة


‏عن أبي هريرة ‏رضي الله عنه قال :‏ ‏سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏يقول :

" من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب‏ ‏( يعني الجنة )

يا عبد الله هذا خير ، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من

أهل الجهاد ، دعي من باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ،

ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان "

فقال أبو بكر ‏رضي الله عنه : ( ‏ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة )

وقال : ( هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله )

قال : " نعم ، وأرجو أن تكون منهم يا ‏‏أبا بكر "


من مناقبه وكراماته


مناقب أبو بكر رضي الله عنه كثيرة ومتعددة فمن مناقبه السبق الى أنواع الخيرات

والعبادات حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

( ما سبقت أبا بكر الى خير إلاّ سبقني )

وكان أبو بكر الصديق يفهم إشارات الرسول صلى الله عليه وسلم التي تخفى على غيره كحديث :

" أن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عنده " ، ففهم أنه

عليه الصلاة والسلام ينعي نفسه ، ومن ذلك أيضا فتواه في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وإقراره على ذلك .

وهو أول خليفة في الإسلام وأول من جمع المصحـف الشريـف

وأول من أقام للناس حجهـم في حياة رسـول اللـه صلى اللـه عليـه وسلم وبعده

وكان في الجاهلية قد حرم على نفسه شرب الخمر ، وفي الإسلام امتنع عن قولالشعر

كما أنه رضي الله عنه لم يفته أي مشهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم

وقد قال له الرسول صلى اللـه عليه وسلم : " أنت عتيق الله من النار " فسمي عتيقا .

وقد بلغ بلال بن رباح رضي الله عنه أن ناسا يفضلونه على أبي بكر رضي الله عنه

فقال : ( كيف تفضلوني عليه ، وإنما أنا حسنة من حسناته )

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال :

‏كنت جالسا عند النبي ‏ صلى الله عليه وسلم ‏‏إذ أقبل ‏‏أبو بكر‏ ‏آخذا بطرف ثوبه حتى



أبدى عن ركبته ، فقال النبي ‏‏صلى الله عليه وسلم :

" أما صاحبكم فقد ‏‏غامر ‏‏" فسلم وقال :

( إني كان بيني وبين ‏‏ابن الخطاب ‏ ‏شيء ، فأسرعت إليه ثم ندمت ، فسألته أن يغفر لي ، فأبى علي فأقبلت إليك )

فقال : " يغفر الله لك يا ‏أبا بكر ‏" ثلاثا ، ثم إن ‏عمر ‏ندم ، فأتى منزل ‏أبي بكر ‏،

‏فسأل : ( أثم ‏أبو بكر ‏) فقالوا : لا

فأتى إلى النبي ‏-صلى الله عليه وسلم ‏‏فسلم ، فجعل وجه النبي‏ -صلى الله عليه وسلم

‏‏يتمعر ، حتى أشفق ‏‏أبو بكر ،‏ ‏فجثا ‏‏على ركبتيه فقال :

( يا رسول الله ، والله أنا كنت أظلم مرتين )

فقال النبي ‏صلى الله عليه وسلم :

" ‏إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت ، وقال ‏ أبو بكر‏ ‏صدق ، وواساني بنفسه وماله ،

فهل أنتم تاركوا لي صاحبي " مرتين فما أوذي بعدها .


خلافته



في أثناء مرض الرسول صلى الله عليه وسلم أمره أن يصلي بالمسلمين ، وبعد

وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بويع أبوبكر رضي الله عنه بالخلافة

في سقيفة بني ساعدة ، وكان زاهدا فيها ولم يسع اليها ، اذ دخل عليه ذات يوم

عمر بن الخطاب رضي الله عنه فوجده يبكي ، فساله عن ذلك فقال له :

( يا عمر لا حاجة لي في امارتكم )

فرد عليه عمر : ( أين المفر ؟ والله لا نقيلك ولا نستقيلك)


جيش أسامة


وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد في سبعمائة الى الشام ، فلما

نزل بـذي خشـب ( واد على مسيرة ليلة من المدينة ) قبِض رسول الله صلى الله عليه

وسلم وارتدت العرب حول المدينة ، فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا :

يا أبا بكر رد هؤلاء ، توجه هؤلاء الى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟ فقال :

( والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه

وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله ولا حللت عقده رسول الله )

فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا :

لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ، ولكن ندعهم حتى يلقوا

الروم فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام.


حروب الردة


بعد وفـاة الرسـول صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب ومنعت الزكاة ، واختلـف رأي

الصحابة في قتالهم مع تكلمهم بالتوحيـد ، قال عمر بن الخطاب :

( كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم

وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله "

فقال أبو بكر : ( الزكاة حق المال )

وقال : ( والله لأقاتلن من فرق الصلاة والزكاة ، والله لو منعوني عقالاا كانوا يؤدونها

الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها )

ونصب أبو بكر الصديق وجهه وقام وحده حاسرا مشمرا حتى رجع الكل الى رأيه ،

ولم يمت حتى استقام الدين ، وانتهى أمر المرتدين .


جيوش العراق والشام


ولما فرغ أبو بكر رضي الله عنه من قتال المرتدين بعث أبا عبيدة رضي الله عنه الى

الشام وخالد بن الوليد رضي الله عنه الى العراق ، وكان لا يعتمد في حروب الفتوحات

على أحد ممن ارتد من العرب ، فلم يدخل في الفتوح إلا من كان ثابتا على الإسلام .


استخلاف عمر


لما أراد أبو بكر أن يستخلف عمر بن الخطاب بعث إليه وقال :

( إني أدعوك إلى أمر متعب لمن وليه ،فاتق الله يا عمر بطاعته ، وأطعه بتقواه ،

فإن المتقي آمن محفوظ ، ثم إن الأمر معروض لا يستوجبه إلا من عمل به ، فمن أمر

بالحق وعمل بالباطل ، وأمر بالمعروف وعمل بالمنكر يوشك أن تنقطع أمنيته ،

وأن يحبط عمله ، فإن أنت وليت عليهم أمرهم فإن استطعت أن تخف يدك من دمائهم ،

وأن تصم بطنك من أموالهم ، وأن يخف لسانك عن أعراضهم ، فافعل ولا حول ولا قوة إلا بالله )


وفاته


ولد أبو بكر رضي الله عنه في مكة عام ( 51 قبل الهجرة ) ومات بالمدينة بعد الرسول

صلى الله عليه وسلم بسنتين وثلاثة أشهر وبضع ليال سنة ( 13 هـ )

ولما كان اليوم الذي قبض فيه أبو بكر رجت المدينة بالبكاء ، ودهش الناس كيوم قبض

الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه باكيا مسرعا

وهو يقول : ( اليوم انقطعت خلافة النبوة )

حتى وقف على البيت الذي فيه أبو بكر رضي الله عنه مسجى فقال :

( رحمك الله يا أبا بكر ، كنت أول القوم إسلاما ، وأكملهم إيمانا ، وأخوفهم لله ،

وأشدهم يقينا ، وأعظمهم عناء ، وأحوطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

وأحدبهم على الإسلام ، وآمنهم على أصحابه ، وأحسنهم صحبة ، وأفضلهم مناقب ،

وأكثرهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم به هديا وخلقا وسمتا وفعلا .


وقفات مع الصديق

- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر "

فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال

( وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله )

- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" من أنفق زوجا أو قال زوجين من ماله أراه قال في سبيل الله دعته خزنة

الجنة يا مسلم هذا خير هلم إليه "

فقال أبو بكر رضي الله عنه : ( هذا رجل لا توى عليه )

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" ما نفعني مال قط إلا مال أبي بكر "

قال فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال

( وهل نفعني الله إلا بك وهل رفعني الله إلا بك )

- وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

" سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر "

- عن أبي أروى الدوسي رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم جالسا

فطلع أبو بكر وعمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحمد لله الذي أيدني بكما "

- عن النعمان بن بشير قال جاء أبو بكر يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع

عائشة رضي الله عنها وهي رافعة صوتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن

له فدخل فقال : ( يابنة أم رومان وتناولها أترفعين صوتك على رسول الله )

قال فحال النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينها قال فلما خرج أبو بكررضي الله عنه

جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها يترضاها

" ألا ترين أني حلت بين الرجل وبينك "

قال أبو عبد الرحمن أحسبه قال ثم جاء أبو بكر فاستأذن عليه فوجده يضاحكها قال

فأذن له فدخل فقال أبو بكر رضي الله عنه :

(يا رسول الله أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما )

- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"من أصبح اليوم منكم صائما،

قال أبو بكر: أنا.

قال: من عاد منكم اليوم مريضا ؟

قال أبو بكر: أنا.

قال: من شهد منكم اليوم جنازة ؟

قال أبو بكر: أنا.

قال: من أطعم منكم اليوم مسكينا ؟

قال أبو بكر: أنا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في رجل إلا دخل الجنة".


لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر


‏فى عهد الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم كان صحابة رسول الله صلى الله عليه

وسلم والتابعين يتسابقون لفعل الخير ومساعدة المحتاج ونصرة المظلوم وكان

أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما من أشد المتنافسين على هذه

الأعمال العظيمه التي يلقى صاحبها الخير الكبير والثواب الكثير في الدنيا والآخرة ..

وقعت أحداث هذه القصة فى عهد خلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعندها

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يراقب ما يفعله أبو بكر الصديق ويأتى بضعف

ما يفعل حتى ينال الخير ويسبقه إلى أعلى مراتب الجنة ..

في أحد الأيام كان عمر يراقب أبو بكر الصديق في وقت الفجر وشد انتباهه أن

أبا بكر يخرج الى أطراف المدينة بعد صلاة الفجر ويمر بكوخ صغير ويدخل به لساعات ثم ينصرف لبيته ...

وهو لا يعلم ما بداخل البيت ولا يدري ما يفعلة أبو بكر الصديق رضي الله عنه

داخل هذا البيت لأن عمر رضي الله عنه يعرف كل ما يفعله أبو بكر الصديق رضي الله

عنه من خير إلا ما كان من أمر هذا البيت الذى لا يعلم عمر سره !!

مرت الايام ومازال خليفة المؤمنين أبابكر الصديق رضي الله عنه يزور هذا البيت

ومازال عمر لا يعرف ماذا يفعل الصديق داخله إلى أن قرر عمر بن الخطاب دخول البيت

بعد خروج أبو بكر منه ليشاهد بعينه ما بداخله وليعرف ماذا يفعل فيه الصديق رضي الله عنه بعد صلاة الفجر !!

حينما دخل عمر رضي الله عنه في هذا الكوخ الصغير وجد سيدة عجوز لا تقوى على

الحراك كما أنها عمياء العينين ولم يجد شيئا آخر في هذا البيت فاستغرب ابن الخطاب رضي الله عنه مما شاهد !!

وأراد أن يعرف ما سر علاقة الصديق رضي الله عنه بهذه العجوز العمياء ؟

سأل عمر العجوز : ماذا يفعل هذا الرجل عندكم ؟

( يقصد أبو بكر الصديق رضي الله عنه )

فأجابت العجوز وقالت : والله لا أعلم يا بنى فهذا الرجل يأتى كل صباح وينظف لي البيت

ويكنسه ومن ثم يعد لى الطعام وينصرف دون أن يكلمنى !

جثم عمر ابن الخطاب رضي الله عنه على ركبتيه واجهشت عيناه بالدموع وقال عبارته المشهورة :

( لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر )

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:23 PM
عمر بن الخطاب

عمر بن الخطاب هو ثاني الخلفاء الراشدون ، كان من أصحاب سيدنا رسول الله

محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، إسمه :



عمر بن الخطاب بن نوفل بن عبد العزى بن رباح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي .

وفي كعب يجتمع نسبه مع نسب سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله رسول الإسلام.

أمه حنتمة بنت هشام المخزوميه أخت أبي جهل . هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ،

ومن علماء الصحابة وزهادهم. أول من عمل بالتقويم الهجري. لقبه الفاروق. وكنيته

أبو حفص، والحفص هو شبل الأسد، وقد لقب بالفاروق لانه كان يفرق بين الحق والباطل

ولايخاف في الله لومة لاإم. أنجب اثنا عشر ولدا ، ستة من الذكور هم عبد الله وعبد الرحمن

وزيد وعبيد الله وعاصم وعياض، وست من الإناث وهن حفصة ورقية وفاطمة وصفية وزينب وأم الوليد .




اسلامه




وظلَّ "عمر" على حربه للمسلمين وعدائه للنبي (صلى الله عليه وسلم)

حتى كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، وبدأ "عمر" يشعر بشيء من الحزن والأسى

لفراق بني قومه وطنهم بعدما تحمَّلوا من التعذيب والتنكيل، واستقرَّ عزمه على الخلاص

من "محمد"؛ لتعود إلى قريش وحدتها التي مزَّقها هذا الدين الجديد! فتوشَّح سيفه،

وانطلق إلى حيث يجتمع محمد وأصحابه في دار الأرقم، وبينما هو في طريقه لقي

رجلاً من "بني زهرة" فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا، فقال:

أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم! وأخبره بإسلام أخته "فاطمة بنت الخطاب"،

وزوجها "سعيد بن زيد بن عمر" (رضي الله عنه)، فأسرع "عمر" إلى دارهما، وكان

عندهما "خبَّاب بن الأرت" (رضي الله عنه) يقرئهما سورة "طه"، فلما سمعوا صوته

اختبأ "خباب"، وأخفت "فاطمة" الصحيفة، فدخل عمر ثائرًا، فوثب على سعيد فضربه،

ولطم أخته فأدمى وجهها، فلما رأى الصحيفة تناولها فقرأ ما بها، فشرح الله صدره

للإسلام، وسار إلى حيث النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، فلما دخل عليهم وجل

القوم، فخرج إليه النبي (صلى الله عليه وسلم)، فأخذ بمجامع ثوبه، وحمائل السيف،

وقال له: أما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال، ما نزل بالوليد بن المغيرة؟

فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، فكبَّر رسول

الله والمسلمون، فقال عمر: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟

قال: بلى، قال: ففيم الاختفاء؟ فخرج المسلمون في صفين حتى دخلوا المسجد، فلما

رأتهم قريش أصابتها كآبة لم تصبها مثلها، وكان ذلك أول ظهور للمسلمين على المشركين،

فسمَّاه النبي (صلى الله عليه وسلم) "الفاروق" منذ ذلك العهد.


بيعة عمر


رغب ابو بكر الصديق في شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية من بعده ،

واتجه رأيه نحو عمر بن الخطاب فاستشار في ذلك عدد من الصحابة مهاجرين وأنصارا

فأثنوا عليه خيرا ومما قاله عثمان بن عفان : ( اللهم علمي به أن سريرته أفضل من

علانيته ، وأنه ليس فينا مثله ) وبناء على تلك المشورة وحرصا على وحدة المسلمين

ورعاية مصلحتهم، أوصى أبو بكر الصديق بخلافة عمر من بعده ، وأوضح سبب اختياره

قائلا : (اللهم اني لم أرد بذلك الا صلاحهم ، وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت

أعلم ، واجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم ). ثم أخذ البيعة العامة له

بالمسجد اذ خاطب المسلمين قائلا :

(أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ فوالله ما آليت من جهد الرأي ، ولا وليت ذا قربى ، واني

قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا) فرد المسلمون : (سمعنا وأطعنا) وبايعوه سنة ( 13 هـ ).

الهجرة إلى المدينة



كان إسلام "الفاروق" عمر في ذي الحجة من السنة السادسة للدعوة، وهو ابن ست وعشرين

سنة، وقد أسلم بعد نحو أربعين رجلاً، ودخل "عمر" في الإسلام بالحمية التي كان يحاربه

بها من قبل، فكان حريصًا على أن يذيع نبأ إسلامه في قريش كلها، وزادت قريش في حربها

وعدائها للنبي وأصحابه؛ حتى بدأ المسلمون يهاجرون إلى "المدينة" فرارًا بدينهم من أذى

المشركين، وكانوا يهاجرون إليها خفية، فلما أرادعمر الهجرة تقلد سيفه، ومضى إلى الكعبة

فطاف بالبيت سبعًا، ثم أتى المقام فصلى، ثم نادى في جموع المشركين: "من أراد أن يثكل أمه

أو ييتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي".

وفي "المدينة" آخى النبي (صلى الله عليه وسلم) بينه وبين "عتبان بن مالك" وقيل:

"معاذ بن عفراء"، وكان لحياته فيها وجه آخر لم يألفه في مكة، وبدأت تظهر جوانب

عديدة ونواح جديدة، من شخصية "عمر"، وأصبح له دور بارز في الحياة العامة في "المدينة".


موافقة القرآن لرأي عمر



تميز "عمر بن الخطاب" بقدر كبير من الإيمان والتجريد والشفافية، وعرف بغيرته

الشديدة على الإسلام وجرأته في الحق، كما اتصف بالعقل والحكمة وحسن الرأي،

وقد جاء القرآن الكريم، موافقًا لرأيه في مواقف عديدة من أبرزها: قوله للنبي صلى

الله عليه وسلم يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى: فنزلت الآية

( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) [ البقرة: 125]، وقوله يا رسول الله، إن نساءك

يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب:

(وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب) [الأحزاب: 53].

وقوله لنساء النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد اجتمعن عليه في الغيرة:

(عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن) [ التحريم: 5] فنزلت ذلك.

ولعل نزول الوحي موافقًا لرأي "عمر" في هذه المواقف هو الذي جعل النبي

(صلى الله عليه وسلم) يقول:

"جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه". وروي عن ابن عمر: "ما نزل بالناس أمر قط

فقالوا فيه وقال فيه عمر بن الخطاب، إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر رضي الله عنه".




خلافته



بويع أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" خليفة للمسلمين في اليوم التالي لوفاة

"أبي بكر الصديق" [ 22 من جمادى الآخرة 13 هـ: 23 من أغسطس 632م].

وبدأ الخليفة الجديد يواجه الصعاب والتحديات التي قابلته منذ اللحظة الأولى وبخاصة

الموقف الحربي الدقيق لقوات المسلمين بالشام، فأرسل على الفور جيشًا إلى العراق

بقيادة أبي عبيدة بن مسعود الثقفي" الذي دخل في معركة متعجلة مع الفرس دون

أن يرتب قواته، ولم يستمع إلى نصيحة قادة جيشه الذين نبهوه إلى خطورة عبور جسر

نهر الفرات، وأشاروا عليه بأن يدع الفرس يعبرون إليه؛ لأن موقف قوات المسلمين غربي

النهر أفضل، حتى إذا ما تحقق للمسلمين النصر عبروا الجسر بسهولة، ولكن "أبا عبيدة"

لم يستجب لهم، وهو ما أدى إلى هزيمة المسلمين في موقعة الجسر، واستشهاد أبي عبيدة

وأربعة آلاف من جيش المسلمين.

ولد قبل بعثة سيدنا رسول الله الرسول بثلاثين سنة وكان عدد المسلمين يوم أسلم تسعة

وثلاثين مسلماً. وامتدّت خلافة عمر 10 سنين و 6 أشهر وأربعة أيام.


الفاروق يواجه الخطر الخارجي



بويع أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" خليفة للمسلمين في اليوم التالي لوفاة

"أبي بكر الصديق" [ 22 من جمادى الآخرة 13 هـ: 23 من أغسطس 632م].

وبدأ الخليفة الجديد يواجه الصعاب والتحديات التي قابلته منذ اللحظة الأولى وبخاصة الموقف

الحربي الدقيق لقوات المسلمين بالشام، فأرسل على الفور جيشًا إلى العراق بقيادة أبي

عبيدة بن مسعود الثقفي" الذي دخل في معركة متعجلة مع الفرس دون أن يرتب قواته،

ولم يستمع إلى نصيحة قادة جيشه الذين نبهوه إلى خطورة عبور جسر نهر الفرات، وأشاروا

عليه بأن يدع الفرس يعبرون إليه؛ لأن موقف قوات المسلمين غربي النهر أفضل، حتى إذا

ما تحقق للمسلمين النصر عبروا الجسر بسهولة، ولكن "أبا عبيدة" لم يستجب لهم، وهو ما

أدى إلى هزيمة المسلمين في موقعة الجسر، واستشهاد أبي عبيدة وأربعة آلاف من جيش المسلمين.


الفتوحات الإسلامية في عهد الفاروق


بعد تلك الهزيمة التي لحقت بالمسلمين "في موقعة الجسر" سعى "المثنى بن حارثة"

إلى رفع الروح المعنوية لجيش المسلمين في محاولة لمحو آثار الهزيمة، ومن ثم فقد

عمل على استدراج قوات الفرس للعبور غربي النهر، ونجح في دفعهم إلى العبور

بعد أن غرهم ذلك النصر السريع الذي حققوه على المسلمين، ففاجأهم "المثنى"

بقواته فألحق بهم هزيمة منكرة على حافة نهر "البويب" الذي سميت به تلك المعركة.

ووصلت أنباء ذلك النصر إلى "الفاروق" في "المدينة"، فأراد الخروج بنفسه على رأس

جيش لقتال الفرس، ولكن الصحابة أشاروا عليه أن يختار واحدًا غيره من قادة المسلمين

ليكون على رأس الجيش، ورشحوا له "سعد بن أبي وقاص" فأمره "عمر" على الجيش

الذي اتجه إلى الشام حيث عسكر في "القادسية".

وأرسل "سعد" وفدًا من رجاله إلى "بروجرد الثالث" ملك الفرس؛ ليعرض عليه الإسلام على

أن يبقى في ملكه ويخيره بين ذلك أو الجزية أو الحرب، ولكن الملك قابل الوفد بصلف وغرور

وأبى إلا الحرب، فدارت الحرب بين الفريقين، واستمرت المعركة أربعة أيام حتى أسفرت عن

انتصار المسلمين في "القادسية"، ومني جيش الفرس بهزيمة ساحقة، وقتل قائده "رستم"،

وكانت هذه المعركة من أهم المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي، فقد أعادت "العراق"

إلى العرب والمسلمين بعد أن خضع لسيطرة الفرس قرونًا طويلة، وفتح ذلك النصر الطريق

أمام المسلمين للمزيد من الفتوحات.

الطريق من المدائن إلى نهاوند


أصبح الطريق إلى "المدائن" عاصمة الفرس ـ ممهدًا أمام المسلمين، فأسرعوا بعبور نهر

"دجلة" واقتحموا المدائن، بعد أن فر منها الملك الفارسي، ودخل "سعد" القصر الأبيض

مقر ملك الأكاسرة ـ فصلى في إيوان كسرى صلاة الشكر لله على ما أنعم عليهم من النصر

العظيم، وأرسل "سعد" إلى "عمر" يبشره بالنصر، ويسوق إليه ما غنمه المسلمون من غنائم وأسلاب.

بعد فرار ملك الفرس من "المدائن" اتجه إلى "نهاوند" حيث احتشد في جموع هائلة بلغت

مائتي ألف جندي، فلما علم عمر بذلك استشار أصحابه، فأشاروا عليه بتجهيز جيش لردع

الفرس والقضاء عليهم فبل أن ينقضوا على المسلمين، فأرس عمر جيشًا كبيرًا بقيادة النعمان

بن مقرن على رأس أربعين ألف مقاتل فاتجه إلى "نهاوند"، ودارت معركة كبيرة انتهت

بانتصار المسلمين وإلحاق هزيمة ساحقة بالفرس، فتفرقوا وتشتت جمعهم بعد هذا النصر

العظيم الذي أطلق عليه "فتح الفتوح".


فتح مصر



اتسعت أركان الإمبراطورية الإسلامية في عهد الفاروق عمر، خاصة بعد القضاء

نهائيًا على الإمبراطورية الفارسية في "القادسية" ونهاوند ـ فاستطاع فتح الشام وفلسطين،

واتجهت جيوش المسلمين غربًا نحو أفريقيا، حيث تمكن "عمرو بن العاص" من فتح "مصر"

في أربعة آلاف مقاتل، فدخل العريش دون قتال، ثم فتح الفرما بعد معركة سريعة مع حاميتها،

الرومية، واتجه إلى بلبيس فهزم جيش الرومان بقيادة "أرطبون" ثم حاصر "حصن بابليون"

حتى فتحه، واتجه بعد ذلك إلى "الإسكندرية" ففتحها، وفي نحو عامين أصبحت "مصر" كلها

جزءًا من الإمبراطورية الإسلامية العظيمة.

وكان فتح "مصر" سهلاً ميسورًا، فإن أهل "مصر" ـ من القبط ـ لم يحاربوا المسلمين الفاتحين،

وإنما ساعدوهم وقدموا لهم كل العون؛ لأنهم وجدوا فيهم الخلاص والنجاة من حكم الرومان

الطغاة الذين أذاقوهم ألوان الاضطهاد وصنوف الكبت والاستبداد، وأرهقوهم بالضرائب الكثيرة.


عمر أمير المؤمنين


[كان "عمر بن الخطاب" نموذجًا فريدًا للحاكم الذي يستشعر مسئوليته أمام الله وأمام

الأمة، فقد كان مثالا نادرًا للزهد والورع، والتواضع والإحساس بثقل التبعة وخطورة مسئولية

الحكم، حتى إنه كان يخرج ليلا يتفقد أحوال المسلمين، ويلتمس حاجات رعيته التي استودعه

الله أمانتها، وله في ذلك قصص عجيبة وأخبار طريفة، من ذلك ما روي أنه بينما كان يعس

بالمدينة إذا بخيمة يصدر منها أنين امرأة، فلما اقترب رأى رجلا قاعدًا فاقترب منه وسلم عليه،

وسأله عن خبره، فعلم أنه جاء من البادية، وأن امرأته جاءها المخاض وليس عندها أحد،

فانطلق عمر إلى بيته فقال لامرأته "أم كلثوم بنت علي" ـ هل لك في أجر ساقه الله إليك؟

فقالت: وما هو؟ قال: امرأة غريبة تمخض وليس عندها أحد ـ قالت نعم إن شئت فانطلقت معه،

وحملت إليها ما تحتاجه من سمن وحبوب وطعام، فدخلت على المرأة، وراح عمر يوقد النار

حتى انبعث الدخان من لحيته، والرجل ينظر إليه متعجبًا وهو لا يعرفه، فلما ولدت المرأة نادت

أم كلثوم "عمر" يا أمير المؤمنين، بشر صاحبك بغلام، فلما سمع الرجل أخذ يتراجع وقد أخذته

الهيبة والدهشة، فسكن عمر من روعه وحمل الطعام إلى زوجته لتطعم امرأة الرجل، ثم قام

ووضع شيئًا من الطعام بين يدي الرجل وهو يقول له: كل ويحك فإنك قد سهرت الليل!

وكان "عمر" عفيفًا مترفعًا عن أموال المسلمين، حتى إنه جعل نفقته ونفقة عياله كل يوم

درهمين، في الوقت الذي كان يأتيه الخراج لا يدري له عدا فيفرقه على المسلمين، ولا يبقي

لنفسه منه شيئا. وكان يقول: أنزلت مال الله مني منزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه،

وإن افتقرت أكلت بالمعروف. وخرج يومًا حتى أتى المنبر، وكان قد اشتكى ألمًا في بطنه

فوصف له العسل، وكان في بيت المال آنية منه، فقال يستأذن الرعية: إن أذنتم لي فيها

أخذتها، وإلا فإنها علي حرام، فأذنوا له فيها.


عدل عمر وورعه



كان عمر دائم الرقابة لله في نفسه وفي عماله وفي رعيته، بل إنه ليشعر بوطأة المسئولية

عليه حتى تجاه البهائم العجماء فيقول: "والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا

عنها أمام الله، لماذا لم أعبد لها الطريق". وكان "عمر" إذا بعث عاملاً كتب ماله، حتى

يحاسبه إذا ما استعفاه أو عزله عن ثروته وأمواله، وكان يدقق الاختيار لمن يتولون أمور

الرعية، أو يتعرضون لحوائج المسلمين، ويعد نفسه شريكًا لهم في أفعالهم.

واستشعر عمر خطورة الحكم والمسئولية، فكان إذا أتاه الخصمان برك على ركبته وقال:

اللهم أعني عليهم، فإن كل واحد منهما يريدني على ديني. وقد بلغ من شدة عدل عمر

وورعه أنه لما أقام "عمرو بن العاص" الحد على "عبد الرحمن بن عمر" في شرب الخمر،

نهره وهدده بالعزل؛ لأنه لم يقم عليه الحد علانية أمام الناس، وأمره أن يرسل إليه ولده

"عبد الرحمن" فلما دخل عليه وكان ضعيفًا منهكًا من الجلد، أمر "عمر" بإقامة الحد عليه

مرة أخرى علانية، وتدخل بعض الصحابة ليقنعوه بأنه قد أقيم عليه الحد مرة فلا يقام عليه

ثانية، ولكنه عنفهم، وضربه ثانية و"عبد الرحمن" يصيح:

أنا مريض وأنت قاتلي، فلا يصغي إليه.

وبعد أن ضربه حبسه فمرض فمات!!


إنجازات عمر الإدارية والحضارية



وقد اتسم عهد الفاروق "عمر" بالعديد من الإنجازات الإدارية والحضارية، لعل من أهمها

أنه أول من اتخذ الهجرة مبدأ للتاريخ الإسلامي، كما أنه أول من دون الدواوين، وقد اقتبس

هذا النظام من الفرس، وهو أول من اتخذ بيت المال، وأول من اهتم بإنشاء المدن الجديدة،

وهو ما كان يطلق عليه "تمصير الأمصار"، وكانت أول توسعة لمسجد الرسول

(صلى الله عليه وسلم) في عهده، فأدخل فيه دار "العباس بن عبد المطلب"، وفرشه بالحجارة

الصغيرة، كما أنه أول من قنن الجزية على أهل الذمة، فأعفى منها الشيوخ والنساء والأطفال،

وجعلها ثمانية وأربعين درهمًا على الأغنياء، وأربعة وعشرين على متوسطي الحال، واثني

عشر درهمًا على الفقراء.

فتحت في عهده بلاد الشام و العراق و فارس و مصر و برقة و طرابلس الغرب وأذربيجان و نهاوند

و جرجان. و بنيت في عهده البصرة والكوفة. وكان عمر أوّل من أخرج اليهود من الجزيرة العربية الى الشام.


مماته

كان عمر يتمنى الشهادة في سبيل الله و يدعو ربه لينال شرفها : ( اللهم أرزقني شهادة في

سبيلك و اجعل موتي في بلد رسولك)... و في ذات يوم وبينما كان يؤدي صلاة الفجر بالمسجد

طعنه أبو لؤلؤة المجوسي ( غلاما للمغيرة بن شعبة ) عدة طعنات في ظهره أدت الى مماته ليلة

الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين من الهجرة ، و لما علم قبل وفاته

أن الذي طعنه مجوسي حمد الله تعالى أن لم يقتله مسلم... و دفن الى جوار سيدنا رسول الله

محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم و سيدناأبي بكر الصديق في الحجرة النبوية الشريفة

الموجودة الآن في المسجد النبوي في المدينة المنورة.

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:24 PM
من هو ذي النورين


هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي ، أحد العشرة المبشرين

بالجنة وأحد الستة الذي جعل عمررضي الله عنه الأمر شورى بينهم ، وأحد

الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، توفي رسول

الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ

أنفق معظم ماله لخدمة الإسلام وشهد عهده نسخ القرآن واتساع الفتوحات

مات شهيدا ودمه على المصحف رافضًا إراقة دماء المسلمين لوأد الفتنة

صلى إلى القبلتيـن وهاجر الهجرتيـن وبمقتله كانت الفتنة الأولى في الإسلام


إسلامه

كان عثمان بن عفان رضي الله عنه غنيا شريفا في الجاهلية ، وأسلم بعد

البعثة بقليل ، فكان من السابقين إلى الإسلام .

فهو أول من هاجر إلى الحبشة مع زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه

وسلم الهجرة الأولى والثانية

وهو أول من شيد المسجد

وأول من ختم القرآن في ركعة

قال عثمان رضي الله عنه :

( ان الله عز وجل بعث محمدا بالحق ، فكنت ممن استجاب لله ولرسوله ، وآمن بما

بعث به محمد ، ثم هاجرت الهجرتين وكنت صهررسول الله صلى الله عليه وسلم

وبايعت رسول الله فوالله ما عصيه ولا غششته حتى توفاه الله عز وجل )


الصلابة


لما أسلم عثمان رضي الله عنه أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا ، وقال :

أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث ، والله لا أحلك أبدا حتى

تدع ما أنت عليه من هذا الدين

فقال عثمان رضي الله عنه :

( والله لاأدعه أبداً ولا أفارقه )

فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه .

ذي النورين


لقّب عثمان رضي الله عنه بذي النورين لتزوجه بنتي النبي صلى الله عليه

وسلم رقية ثم أم كلثوم ، فقد زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته رقية ،

فلما ماتت زوجه أختها أم كلثوم فلما ماتت تأسف رسول الله صلى الله عليه وسلم

على مصاهرته فقال :

" والذي نفسي بيده لو كان عندي ثالثة لزوجتكها يا عثمان "


سهم بدر


أثبت له رسول الله -صلى الله عليه وسلم سهم البدريين وأجرهم ، وكان غاب

عنها لتمريضه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال الرسول

صلى الله عليه وسلم :

" إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه "

الحديبية

بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان يوم الحديبية إلى أهل مكة ،

لكونه أعز بيت بمكة ، واتفقت بيعة الرضوان في غيبته ، فضرب الرسول صلى

الله عليه وسلم بشماله على يمينه وقال :

"هذه يد عثمان "

فقال الناس : هنيئا لعثمان .

جهاده بماله


قام عثمان بن عفان رضي الله عنه بنفسه وماله في واجب النصرة ، كما

اشترىبئر رومة بعشرين ألفا وتصدق بها ، وجعل دلوه فيها لدلاء المسلمين ،

كما ابتاع توسعة المسجد النبوي بخمسة وعشرين ألفا .

كان الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ، فأصاب الناس

جهد حتى بدت الكآبة في وجوه المسلمين ، والفرح في وجوه المنافقين ،

فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك قال :

" والله لا تغيب الشمس حتى يأتيكم الله برزق "

فعلم عثمان أن الله ورسوله سيصدقان ، فاشترى أربع عشرة راحلة بما عليها

من الطعام ، فوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم منها بتسعٍ ، فلما رأى ذلك النبي قال : " ما هذا ؟ "

قالوا : أهدي إليك من عثمان فعرف الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه

وسلم والكآبة في وجوه المنافقين ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه

حتى رؤي بياض إبطيه ، يدعو لعثمان دعاء ما سمِع دعا لأحد قبله ولا بعده :

" اللهم اعط عثمان ، اللهم افعل بعثمان "

قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم

علي فرأى لحما فقال : "من بعث بهذا ؟ "

قلت : عثمان

فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان .

جيش العُسرة


جهز عثمان بن عفان رضي الله عنه جيش العُسرة بتسعمائة وخمسين بعيرا

وخمسين فرسا ، واستغرق الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء له يومها ،

ورفع يديه حتى أري بياض إبطيه فقد جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى

الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره ، فجعل صلى

الله عليه وسلم يقلبها ويقول :

"ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم " مرتين .

ودعا له قائلا :

" غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما هو كائن إلى يوم القيامة "

الحياء


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أشد أمتي حياءً عثمان "

قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : استأذن أبو بكر على رسول الله صلى

الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراش ، عليه مرط لي ، فأذن له وهو على

حاله ، فقضى الله حاجته ، ثم انصرف ثم استأذن عمر فأذن له ، وهو على تلك

الحال ، فقضى الله حاجته ، ثم انصرف ثم استأذن عثمان ، فجلس رسول الله

صلى الله عليه وسلم وأصلح عليه ثيابه وقال :

"اجمعي عليك ثيابك "

فأذن له ، فقضى الله حاجته ثم انصرف ، فقلت :

( يا رسول الله ، لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان !! )

فقال : " يا عائشة إن عثمان رجل حيي ، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي حاجته "

وفي رواية أخرى : " ألا أستحي ممن تستحيي منه الملائكة "

فضله


دخل رسـول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته وهي تغسل رأس عثمان فقال :

" يا بنية أحسني إلى أبي عبد الله فإنه أشبه أصحابي بي خلقـا "

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"من يُبغض عثمان أبغضه الله "

وقال : " اللهم ارض عن عثمان "

وقال : " اللهم إن عثمان يترضاك فارض عنه "

اختصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابة الوحي ، وقد نزل بسببه آيات

من كتاب الله تعالى ، وأثنى عليه جميع الصحابة ، وبركاته وكراماته كثيرة ،

وكان عثمان رضي الله عنه شديد المتابعة للسنة ، كثير القيام بالليل .


اللهم اشهد


عن الأحنف بن قيس قال : انطلقنا حجاجا فمروا بالمدينة ، فدخلنا المسجد ،

فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص فلم يكن بأسرع

من أن جاء عثمان عليه ملاءة صفراء قد منع بها رأسه فقال :

( أها هنا علي ؟ )

قالوا : نعم

قال : ( أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه

وسلم قال : " من يبتاع امربد بني فلان غفر الله له ؟" فابتعته بعشرين ألفا أو

بخمسة وعشرين ألفا ، فأتيت رسـول الله صلى الله عليه وسلم فقلت :

( إني قد ابتعته )

فقال : ( اجعله في مسجدنا وأجره لك ) ؟

قالوا : نعم

قال : ( أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال : ( من يبتاع بئر رومة غفر الله له ) فابتعتها بكذا وكذا ، فأتيت رسول الله صلى

الله عليه وسلم فقلت :( إني قد ابتعتها )

فقال : ( اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك )

قالوا : نعم

قال : ( أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

نظر في وجوه القوم يوم ( جيش العُسرة ) فقال :( من يجهز هؤلاء غفر الله له )

فجهزتهم ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً )؟

قالوا : نعم

قال :( اللهم اشهد اللهم اشهد ) ثم انصرف .


الخلافة


كان عثمان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين ، فقد بايعه المسلمون بعد

مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 23 هـ ، فقد عين عمر ستة للخلافة

فجعلوا الأمرفي ثلاثة ، ثم جعل الثلاثة أمرهم إلى عبد الرجمن بن عوف بعد أن

عاهد الله لهم أن لا يألوا عن أفضلهم ، ثم أخذ العهد والميثاق أن يسمعوا ويطيعوا

لمن عينه وولاه ، فجمع الناس ووعظهم وذك هم ثم أخذ بيد عثمان وبايعه الناس

على ذلك ، فلما تمت البيعة أخذ عثمان بن عفان حاجبا هو مولاه وكاتبا هو

مروان بن الحكم ومن خطبته يوم استخلافه لبعض من أنكر استخلافه أنه قال :

( أما بعد ، فإن الله بعث محمدا بالحق فكنت ممن استجاب لله ورسوله ، وهاجرت

الهجرتين ، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ما غششته ولا عصيته

حتى توفاه الله ، ثم أبا بكر مثله ، ثم عمر كذلك ، ثم استخلفت ، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم ؟ )


الخير


انبسطت الأموال في زمنه حتى بيعت جارية بوزنها ، وفرس بمائة ألف ، ونخلة

بألف درهم ، وحج بالناس عشر حجج متوالية


الفتوح الإسلامية


استمرت خلافته نحو اثني عشر عاما تم خلالها الكثير من الأعمال فانشاء أول

اسطول اسلامي بحري في عهده لحماية الشواطيء الاسلامية من هجمات البيزنطيين

واستمرت الفتوحات واتسعت الدولة الاسلامية في عهده وتوسع المسجد الحرام .


الفتنة


ويعود سبب الفتنة التي أدت إلى الخروج عليه وقتله أنه كان كلفا بأقاربه وكانوا

قرابة سوء ، وكان قد ولى على أهل مصر عبدالله بن سعد بن أبي السرح فشكوه

إليه ، فولى عليهم محمد بن أبي بكر الصديق باختيارهم له ، وكتب لهم العهد ، وخرج

معهم مدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي السرح ، فلما

كانوا على ثلاثة أيام من المدينة ، إذ هم بغلام عثمان على راحلته ومعه كتاب مفترى ،

وعليه خاتم عثمان ، إلى ابن أبي السرح يحرضه ويحثه على قتالهم إذا قدموا عليه ،

فرجعوا به إلى عثمان فحلف لهم أنه لم يأمره ولم يعلم من أرسله ، وصدق رضي الله

عنه فهو أجل قدرا وأنبل ذكراً وأروع وأرفع من أن يجري مثل ذلك على لسانه

أو يده ، وقد قيل أن مروان هو الكاتب والمرسل .

ولما حلف لهم عثمان رضي الله عنه طلبوا منه أن يسلمهم مروان فأبى عليهم ،

فطلبوا منه أن يخلع نفسه فأبى ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد قال

له : "عثمان ، أنه لعل الله أن يلبسك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه "


الحصار


فاجتمع نفر من أهل مصر والكوفة والبصرة وساروا إليه ، فأغلق بابه دونهم ،

فحاصروه عشرين أو أربعين يوما ، وكان يشرف عليهم في أثناء المدة ، ويذكرهم

سوابقه في الإسلام ، والأحاديث النبوية المتضمنة للثناء عليه والشهادة له بالجنة ،

فيعترفون بها ولا ينكفون عن قتاله !!

وكان يقول : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه )

"إنك ستبتلى بعدي فلا تقاتلن "

وعن أبي سهلة مولى عثمان قال : قلت لعثمان رضي الله عنه يوما : قاتل يا أمير المؤمنين

قال : ( لا والله لا أقاتل ، قد وعدني رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً فأنا صابر عليه )

واشرف عثمان على الذين حاصروه فقال :

( يا قوم ! لا تقتلوني فإني وال وأخ مسلم ، فوالله إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت ،

أصبت أو أخطأت ، وإنكم إن تقتلوني لا تصلوا جميعاً أبدا ، ولا تغزوا جميعا أبداً ولا

يقسم فيؤكم بينكم ) فلما أبوا قال :( اللهم احصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحداً )

فقتل الله منهم من قتل في الفتنة ، وبعث يزيد إلى أهل المدينة عشرين ألفا فأباحوا

المدينة ثلاثا يصنعون ما شاءوا لمداهنتهم .


مقتله


كان مع عثمان رضي الله عنه في الدار نحو ستمائة رجل ، فطلبوا منه الخروج

للقتال ، فكره وقال :

( إنما المراد نفسي وسأقي المسلمين بها )

فدخلوا عليه من دار أبي حزم الأنصاري فقتلوه ، و المصحف بين يديه فوقع شيء

من دمـه عليه ، وكان ذلك صبيحـة عيد الأضحـى سنة 35 هـ في بيته بالمدينة

ومن حديث مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه :

أن عثمان رضي الله عنه أعتق عشرين عبدا مملوكا ، ودعا بسراويل فشد بها عليه ،

ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام وقال :

( إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في المنام ، ورأيت أبا بكر وعمر

وأنهم قالوا لي : اصبر ، فإنك تفطر عندنا القابلة )

فدعا بمصحف فنشره بين يديه ، فقتل وهو بين يديه

كانت مدة ولايته رضي الله عنه وأرضاه إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وأربعة

عشر يوما ، واستشهد وله تسعون أو ثمان وثمانون سنة .

ودفن رضي الله عنه بالبقيع ، وكان قتله أول فتنة انفتحت بين المسلمين فلم تنغلق إلى اليوم .


يوم الجمل


في يوم الجمل قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

( اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان ، وأنكرت

نفسي وجاؤوني للبيعة فقلت :

( إني لأستحيي من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله صلى الله عليه

وسلم: " ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة " وإني لأستحي من الله وعثمان على الأرض لم يدفن بعد )

فانصرفوا ، فلما دفِن رجع الناس فسألوني البيعة فقلت :

( اللهم إني مشفق مما أقدم عليه )

ثم جاءت عزيمة فبايعت فلقد قالوا :

(يا أمير المؤمنين ، فكأنما صدع قلبي وقلت : (اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى )


مما قيل عنه رضي الله عنه


- قال تعالى :

(( امن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ))

سورة الزمر آية ( 9 )

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" ‏ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ‏"

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" ‏ما ضر ‏ ‏عثمان ‏ ‏ما عمل بعد اليوم " ‏

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" ‏لكل نبي رفيق ورفيقي ‏ ‏يعني في الجنة ‏ ‏عثمان "

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :

رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه يدعو لعثمان :

" اللهم عثمان رضيت عنه فأرض عنه"

- قالت ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها :

" قتلتموه وانه ليحيي الليل كله بالقرآن "

- قال الحسن بن علي رضي الله عنه :

( رأيت عثمان نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فيجيء الرجل فيجلس إليه ثم

يجيء الرجل فيجلس إليه كأنه أحدهم )

- عن هانيء مولى عثمان رضي الله عنهما قال :

كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر يبكي حتى تخضل لحيته من البكاء وكان يقول :

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه "

وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

"القبر أول منزل من منازل الآخرة ، فأن نجا منه فما بعده أيسر ، وإن لم ينج فما بعده أعظم "


بشارات لعثمان رضي الله عنه


‏- عن ‏ ‏أبي موسى الأشعري ‏رضي الله عنه ‏قال ‏بينما رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه

وسلم ‏في ‏حائط ‏ ‏من ‏ ‏حائط ‏ ‏المدينة ‏وهو متكئ يركز بعود معه بين الماء والطين إذا

استفتح رجل فقال : " ‏افتح وبشره بالجنة "

قال فإذا ‏ ‏أبو بكر ‏ ‏ففتحت له وبشرته بالجنة قال ثم استفتح رجل آخر

فقال : " افتح وبشره بالجنة "

قال فذهبت فإذا هو ‏ ‏عمر ‏ففتحت له وبشرته بالجنة ثم استفتح رجل آخر قال فجلس

النبي صلى الله عليه وسلم ‏فقال : " افتح وبشره بالجنة على بلوى تكون "

قال فذهبت فإذا هو ‏عثمان بن عفان ‏قال ففتحت وبشرته بالجنة قال وقلت الذي

قال فقال : ( اللهم صبرا ‏ ‏أو الله المستعان )

- عن ‏ ‏قتادة ‏رضي الله عنه أن ‏أنس ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏حدثهم قال ‏:

صعد النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أحدا ‏ ‏ومعه ‏ ‏أبو بكر ‏ ‏وعمر ‏ ‏وعثمان ‏ ‏فرجف وقال ‏:

" ‏اسكن ‏أحد ‏أظنه ضربه برجله فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان "

- ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال :

" يقتل فيها هذا مظلوما لعثمان "

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:26 PM
علي بن أبي طالب كرم الله وجهه


هو ابـن عم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولد قبل البعثة النبوية بعشـر سنين

وأقام في بيت النبوة فكان أول من أجاب الى الاسلام من الصبيان ، هو أحد

العشرة المبشرين بالجنة ، وزوجته فاطمة الزهراء ابنة النبي صلى الله عليه وسلم

ووالد الحسن والحسين سيدي شباب الجنة .


نشأته في بيت النبوة


أصابت قريشا أزمة شديدة ، وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله صلى

الله عليه وسلم للعباس عمه : " يا عباس ، إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد

أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمـة ، فانطلق بنا إليه فلنخفـف عنه من عياله ، آخذ

من بنيـه رجلا وتأخذ أنت رجلا فنكفهما عنه " فقال العباس : ( نعم ) فانطلقا حتى

أتيا أبا طالب فقالا له : إنا نريد أن نخفف من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب :

إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم عليا رضي

الله عنه فضمه إليه ، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه ، فلم يزل علي رضي الله عنه

مع رسول الله حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيا ، فاتبعه علي رضي الله عنه وآمن

به وصدقه ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حضرت الصلاة خرج الى شعاب مكة ،

وخرج علي معه مستخفيا من أبيه وسائر قومه ، فيصليان الصلوات معا ، فإذا أمسيا رجعا .

صفاته


صفاته تدلنا على مدى قوته الجسدية والنفسية ، فهو يتمتع بقوة بالغة ، فربما رفع

الفارس بيده فجلد به الأرض غير جاهد ، وقد اشتهر عنه انه لم يصارع أحدا إلا صرعه ، ولم يبارز أحدا إلا قتله .

لا يهاب الموت ، فقد اجترأ وهو فتى ناشىء على عمرو بن ورد فارس الجزيرة العربية

الذي كان يقوم بألف رجل ، وكان ذلك يوم وقعة الخندق أو الأحزاب ، حين خرج عمرو

مقنعا بالحديد ينادي جيش المسلمين : من يبارز ؟

فصاح علي رضي الله عنه : ( أنا يا رسول الله ) فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم :

" اجلس انه عمرو " . وفي النهاية أذن له الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنظر إليه

عمرو فاستصغره ، لكن عليا قتله .

ليلة الهجرة


في ليلة الهجرة ، اجتمع رأي المشركين في دار الندوة على أن يقتلوا الرسول صلى الله

عليه وسلم في فراشه ، فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

( لا تبيت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه ) فلما كانت عتمة من الليل اجتمع

المشركون على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه

وسلم مكانهم قال لعلي رضي الله عنه :

" نم على فراشي ، وتَسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم "

ونام علي رضي الله عنه تلك الليلة بفراش رسول الله ، واستطاع الرسول صلى الله عليه سلم

من الخروج من الدار ومن مكة ، وفي الصباح تفاجأ المشركون بعلي في فراش الرسول

صلى الله عليه وسلم وأقام علي كرم الله وجهه بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول

الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس ، حتى إذا فرغ منها لحق برسول الله في قباء .

يوم خيبر


في غزوة خيبـر قال الرسـول صلى اللـه عليه وسلم :

" لأُعْطينّ الرايةَ غداً رجلاً يحب الله ورسوله ، ويُحبه الله ورسوله ، يفتح الله عليه ، أو على

يديه " فكان رضي الله عنه هو المعطى وفتحت على يديه .‏

خلافته


عندما استشهد عثمان رضي الله عنه سنة ( 35 هـ ) بايعه الصحابة والمهاجرين و الأنصار

وأصبح رابع الخلفاء الراشدين ، يعمل جاهدا على توحيد كلمة المسلمين واطفاء نار الفتنة ،

وعزل الولاة الذين كانوا مصدر الشكوى . كانت السيدة عائشة رضي الله عنها زوجة الرسول

صلى الله عليه وسلم ذهبت الى مكة المكرمة لتأدية العمرة في شهر محرم عام 36 هجري ،

ولما فرغت من ذلك عادت الى المدينة ، وفي الطريق علمت باستشهاد عثمان واختيار علي

بن أبي طالبرضي الله عنه خليفة للمسلمين ، فعادت ثانية الى مكة حيث لحق بها طلحة بن

عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهما وطالب الثلاثة الخليفة بتوقيع القصاص على الذين

شاركوا في الخروج على الخليفة عثمان رضي الله عنه، وكان من رأي الخليفة الجديد عدم

التسرع في ذلك ، والانتظار حتى تهدأ نفوس المسلمين ، وتستقر الأوضاع في الدولة الاسلامية ،

غير أنهم لم يوافقوا على ذلك واستقر رأيهم على التوجه الى البصرة ، فساروا اليها مع أتباعهم .

معركة الجمل


خرج الخليفة رضي الله عنه من المدينة المنورة على رأس قوة من المسلمين

على أمل أن يدرك السيدة عائشة رضي الله عنها، ويعيدها ومن معها الى مكة المكرمة ،

ولكنه لم يلحق بهم ، فعسكر بقواته في ( ذي قار ) قرب البصرة ، وجرت محاولات للتفاهم

بين الطرفين ولكن الأمر لم يتم ، ونشب القتال بينهم وبذلك بدأت موقعة الجمل في شهر جمادي

الآخرة عام 36 هجري ، وسميت بذلك نسبة الى الجمل الذي كانت تركبه السيدة عائشة

رضي الله عنها خلال الموقعة ، التي انتهت بانتصار قوات الخليفةذرضي الله عنه ، وقد أحسن

علي رضي الله عنه استقبال السيدة عائشة وأعادها الى المدينة المنورة معززة مكرمة ، بعد

أن جهزها بكل ما تحتاج اليه ، ثم توجه بعد ذلك الى الكوفة في العراق ، واستقر بها ،

وبذلك أصبحت عاصمة الدولة الاسلامية .

مواجهة معاوية


قرر علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( بعد توليه الخلافة ) عزل معاوية بن أبي سفيان

عن ولاية الشام ، غير أن معاوية رفض ذلك ، كما امتنع عن مبايعته بالخلافة ، وطالب

بتسليم قتلة عثمان -رضي الله عنه- ليقوم معاوية باقامة الحد عليهم ، فأرسل الخليفة رضي

الله عنه الى أهل الشام يدعوهم الى مبايعته ، وحقن دماء المسلمين ، ولكنهم رفضوا .

فقرر المسير بقواته اليهم وحملهم على الطاعة ، وعدم الخروج على جماعة المسلمين ، والتقت

قوات الطرفين عند ( صفين ) بالقرب من الضفة الغربية لنهر الفرات ، وبدأ بينهما القتال يوم

الأربعاء ( 1 صفر عام 37 هجري ) وحينما رأى معاوية أن تطور القتال يسير لصالح علي

وجنده ، أمر جيشه فرفعوا المصاحف على ألسنة الرماح ، وقد أدرك الخليفة خدعتهم وحذر

جنوده منها وأمرهم بالاستمرار في القتال ، لكن فريقا من رجاله ، اضطروه للموافقة على

وقف القتال وقبول التحكيم ، بينما رفضه فريق آخر .

وفي رمضان عام 37 هجري اجتمع عمرو بن العاص رضي الله عنه ممثلا عن معاوية وأهل

الشام ، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن علي رضي الله عنه وأهل العراق ، واتفقا

على أن يتدارسا الأمر ويعودا للاجتماع في شهر رمضان من نفس العام ، وعادت قوات الطرفين

الى دمشق والكوفة ، فلما حان الموعد المتفق عليه اجتمعا ثانية ، وكانت نتيجة التحكيم لصالح معاوية .

الخوارج


أعلن فريق من جند علي رفضهم للتحكيم بعد أن اجبروا عليا رضي الله عنه على قبوله ،

وخرجوا على طاعته ، فعرفوا لذلك باسم الخوارج ، وكان عددهم آنذاك حوالي اثني عشر

ألفا ، حاربهم الخليفة رضي الله عنه وهزمهم في معركة (النهروان ) عام 38 هجري ، وقضى

على معظمهم ، ولكن تمكن بعضهم من النجاة والهرب ، وأصبحوا منذ ذلك الحين مصدر كثير

من القلاقل في الدولة الاسلامية .


استشهاده


لم يسلم الخليفة من شر هؤلاء الخوارج اذ اتفقوا فيما بينهم على قتل علي ومعاوية وعمرو بن

العاص رضي الله عنهم في ليلة واحدة ، ظنا منهم أن ذلك يحسم الخلاف ويوحد كلمة المسلمين

على خليفة جديد ترتضيه كل الأمة ، وحددوا لذلك ثلاثة من بينهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه ، ونجح

عبد الرحمن بن ملجم فيما كلف به ، اذ تمكن من طعن علي رضي الله عنه بالسيف وهو خارج

لصلاة الفجر من يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان عام أربعين هجرية بينما أخفق الآخران .

وعندما هجم المسلمون على ابن ملجم ليقتلوه نهاهم علي رضي الله عنه قائلا :

( ان أعش فأنا أولى بدمه قصاصا أو عفوا ، وان مت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين ،

ولا تقتلوا بي سواه ، ان الله لا يحب المعتدين ) وحينما طلبوا منه أن يستخلف عليهم وهو في

لحظاته الأخيرة قال لهم رضي الله عنه : ( لا آمركم ولا أنهاكم ، أنتم بأموركم أبصر ) واختلف

في مكان قبره ، وباستشهاده رضي الله عنه انتهى عهد الخلفاء الراشدين .


قالوا عنه


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" لأعطين هذه الراية غدا رجلا بفتح الله عليه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله "

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ? غير أنه لا نبي بعدي "

- قال الحسن بن علي رضي الله عنه :

( لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون بعلم ، ولم يدركه الآخرون ، كان رسول الله

صلى الله عليه وسلم يبعثه بالراية، جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله، لا ينصرف حتى يفتح له )

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:28 PM
العشرة المبشرون بالجنة

روي عن سعيد بن زيد رضي الله عنه أنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" عشرة من قريش في الجنة ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير ،

وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن مالك ( بن أبي وقاص ) ، وسعيد بن زيد بن عمرو

بن نُفَيل ، و أبو عبيدة بن الجراح "

إذا العشرة المبشرون بالجنة هم :


أبوبكر الصديق رضي الله عنه (ada99:3.html)

عمر بن الخطاب رضي الله عنه (ada99:4.html)

عثمان بن عفان رضي الله عنه (ada99:5.html)

علي بن أبي طالب رضي الله عنه (ada99:6.html)

طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه

الزبير بن العوام رضي الله عنه

عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه

سعد بن مالك ( بن أبي وقاص ) رضي الله عنه

سعيد بن زيد بن عمرو رضي الله عنه

أبوعبيدة بن الجراح رضي الله عنه

ولقد تم ذكر السيرة العطرة للخلفاء الراشدين الاربعة

وسنواصل السيرة العطرة للستة الباقين المبشرين بالجنة


============

طلحة بن عبيد الله


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"من سره أن ينظر الى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه ، فلينظر الى طلحة "


نسبه


هو طلحة بن عبيـد اللـه بن عثمان التيمـي القرشي المكي المدني ، وهو أحد العشرة

المبشرين بالجنة، و لقد كان في تجارة له بأرض بصرى ، حين لقي راهبا من خيار

رهبانها ، وأنبأه أن النبي الذي سيخرج من أرض الحرم ، قد أهل عصره ، ونصحه

باتباعه وعاد الى مكـة ليسمع نبأ الوحي الذي يأتي الصادق الأميـن ، والرسالة التي

يحملها ، فسارع الى أبي بكر فوجـده الى جانب محمد مؤمنا ، فتيقن أن الاثنان لن

يجتمعا الا علـى الحق ، فصحبه أبـو بكر الى الرسـول صلى الله عليه وسلم حيث أسلم وكان من المسلمين الأوائل


ايمانه


لقد كان طلحة رضي الله عنه من أثرياء قومه ومع هذا نال حظه من اضطهاد المشركين ،

وهاجر الى المدينة وشهد المشاهد كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم الا غزوة بدر ،

فقد ندبه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه سعيد بن زيد الى خارج المدينة ، وعند

عودتهما عاد المسلمون من بدر ، فحزنا الا يكونا مع المسلمين ، فطمأنهما النبي صلى

الله عليه وسلم بأن لهما أجر المقاتلين تماما ، وقسم لهما من غنائم بدر كمن شهدها

وقد سماه الرسول الكريم يوم أحُد ( طلحة الخير ) وفي غزوة العشيرة ( طلحة الفياض ) ويوم حنين ( طلحة الجود )


بطولته يوم أحد


في أحدأبصر طلحة رضي الله عنه جانب المعركة الذي يقف فيه الرسول صلى الله

عليه وسلم فلقيه هدفا للمشركين ، فسارع وسط زحام السيوف والرماح الى رسول

الله صلى الله عليه وسلم فرآه والدم يسيل من وجنتيه ، فجن جنونه وقفز أمام

الرسول صلى الله عليه وسلم يضرب المشركين بيمينه ويساره ، وسند الرسول صلى

الله عليه وسلم وحمله بعيدا عن الحفرة التي زلت فيها قدمه ، ويقول أبو بكر رضي

الله عنه عندما يذكر أحدا :( ذلك كله كان يوم طلحة ، كنت أول من جاء الى النبي

صلى الله عليه وسلم فقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم ولأبي عبيدة بن الجراح

رضي الله عنه : " دونكم أخاكم " ونظرنا ، واذا به بضع وسبعون بين طعنة وضربة

ورمية ، واذا أصبعه مقطوعة ، فأصلحنا من شأنه )

وقد نزل قوله تعالى :

(( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر * وما بدلوا تبديلا ))

تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية أمام الصحابة الكرام ، ثم أشار الى طلحة قائلا :

" من سره أن ينظر الى رجل يمشي على الأرض ، وقد قضى نحبه ، فلينظر الى طلحة "

ما أجملها من بشرى لطلحة رضي الله عنه ، فقد علم أن الله سيحميه من الفتنة طوال حياته وسيدخله الجنة فما أجمله من ثواب


عطائه وجوده


وهكذا عاش طلحة رضي الله عنه وسط المسلمين مرسيا لقواعد الدين ، مؤديا لحقوقه ،

واذا أدى حق ربه اتجه لتجارته ينميها ، فقد كان من أثرى المسلمين ، وثروته كانت

دوما في خدمة الدين ، فكلما أخرج منها الشيء الكثير ، أعاده الله اليه مضاعفا ،

تقول زوجته سعدى بنت عوف : دخلت على طلحة يوما فرأيته مهموما ، فسألته : ما شأنك ؟

فقال : المال الذي عندي ، قد كثر حتى أهمني وأكربني

فقلت له : ما عليك ، اقسمه

فقام ودعا الناس ، وأخذ يقسمه عليهم حتى ما بقي منه درهما

وفي احدى الأيام باع أرضا له بثمن عال ، فلما رأى المال أمامه فاضت عيناه من الدمع وقال :

ان رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري مايطرق من أمر ، لمغرور بالله ، فدعا

بعض أصحابه وحملوا المال معه ومضى في الشوارع يوزعها حتى أسحر وما عنده منها درهما .

وكان رضي الله عنه من أكثر الناس برا بأهله وأقاربه ، وكان يعولهم جميعا ،

لقد قيل : كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا الا كفاه مئونته ، ومئونة عياله ، وكان

يزوج أياماهم ، ويخدم عائلهم ، ويقضي دين غارمهم .

ويقول السائب بن زيد : صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر و الحضر فما وجدت

أحدا ، أعم سخاء على الدرهم ، والثوب ، والطعام من طلحة .


طلحة والفتنة


عندما نشبت الفتنة في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه أيد طلحة حجة المعارضين

لعثمان ، وزكى معظمهم فيما ينشدون من اصلاح ، ولكن أن يصل الأمر الى قتل

عثمان رضي الله عنه ، لا لكان قاوم الفتنة ، وما أيدها بأي صورة ، ولكن ماكان

كان ، أتم المبايعة هو والزبير لعلي رضي الله عنهم جميعا وخرجوا الى مكة معتمرين ،

ومن هناك الى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت ( وقعة الجمل ) عام 36 هجري طلحة

والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع علي رضي الله عنه

عندما رأى أم المؤمنين ( عائشة ) في هودجها بأرض المعركة ، وصاح بطلحة :

( يا طلحة ، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها ، وخبأت عرسك في البيت ؟)

ثم قال للزبير : ( يا زبير : نشدتك الله ، أتذكر يوم مر بك رسول الله صلى الله عليه

وسلم ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، الا تحب عليا ؟

فقلت : ألا أحب ابن خالي ، وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟؟

فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم )

فقال الزبير : ( نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لاأقاتلك )


الشهادة


وأقلع طلحـة و الزبيـر رضي الله عنهما عن الاشتراك في هذه الحرب ، ولكن دفعـا

حياتهما ثمنا لانسحابهما ، و لكن لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا ، فالزبير تعقبه

رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي ، وطلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته .

وبعد أن انتهى علي رضي الله عنه من دفنهما ودعهما بكلمات أنهاها قائلا :

( اني لأرجو أن أكون أنا وطلحـة والزبيـر وعثمـان من الذين قال الله فيهم :

(( ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين ))

ثم نظر الى قبريهما وقال : ( سمعت أذناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم

يقول : " طلحة و الزبير ، جاراي في الجنة " )


قبر طلحة


لما قتل طلحة دفن الى جانب الفرات ، فرآه حلما بعض أهله فقال :

ألاتريحوني من هذا الماء فإني قد غرقت .. قالها ثلاثا .

فأخبر من رآه ابن عباس ، فاستخرجوه بعد بضعة وثلاثين سنة ، فإذا هو أخضر

كأنه السلق ، ولم يتغير منه إلا عقصته ، فاشتروا له دارا بعشرة آلاف ودفنوه

فيها ، وقبره معروف بالبصرة ، وكان عمره يوم قتل ستين سنة وقيل أكثر من ذلك .



============

الزبيـر بن العوام


حواري رسول الله


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :


" إن لكل نبي حوارياً ، وحواريّ الزبير بن العوام "


نسبه


هو الزبير بن العوام يلتقي نسبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم في قصي بن كلاب

كما أن أمه صفية )رضي الله عنه عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته أسماء

بنت أبي بكر ذات النطاقين ، كان رفيع الخصال عظيم الشمائل ، يدير تجارة ناجحة

وثراؤه عريضا لكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا


الزبير وطلحة


يرتبط ذكرالزبيـر دوما مع طلحة بن عبيد الله ، فهما الاثنان متشابهان في النشأة

والثراء والسخاء والشجاعة وقوة الدين ، وحتى مصيرهما كان متشابها فهما من

العشرة المبشرين بالجنة وآخى بينهما الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويجتمعان

بالنسب والقرابة معه ، وتحدث عنهما الرسول قائلا :( طلحة والزبيـر جاراي في الجنة ،

و كانا من أصحاب الشورى الستة الذين اختارهم عمر بن الخطاب لإختيار خليفته .


أول سيف شهر في الإسلام


أسلم الزبير بن العوام وعمره خمس عشرة سنة ، وكان من السبعة الأوائل الذين سارعوا

بالإسلام ، وقد كان فارسا مقداما ، وإن سيفه هو أول سيف شهر بالإسلام ، ففي أيام

الإسلام الأولى سرت شائعة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فما كان من الزبير

إلا أن استل سيفه وامتشقه ، وسار في شوارع مكة كالإعصار ، وفي أعلى مكة لقيه

الرسول صلى الله عليه وسلم فسأله ماذا به ؟

فأخبره النبأ فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا له بالخير ولسيفه بالغلب


إيمانه وصبره


كان للزبير رضي الله عنه نصيبا من العذاب على يد عمه ، فقد كان يلفه في حصير ويدخن

عليه بالنار كي تزهق أنفاسه ، ويناديه : اكفر برب محمد أدرأ عنك هذا العذاب فيجيب

الفتى الغض : ( لا والله ، لا أعود للكفر أبدا )

وهاجر الزبيررضي الله عنه الى الحبشة الهجرتين ، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع

الرسول صلى الله عليه وسلم


غزوة أحد


في غزوة أحد وبعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكة ، ندب الرسول صلى الله عليه

وسلم الزبير وأبوبكر لتعقب جيش المشركين ومطاردته ، فقاد أبوبكر والزبير رضي الله

عنهما سبعين من المسلمين قيادة ذكية ، أبرزا فيها قوة جيش المسلمين ، حتى أن قريش

ظنت أنهم مقدمة لجيش الرسول القادم لمطاردتهم فأسرعوا خطاهم لمكة هاربين


بنو قريظة


وفي يوم الخندق قال الرسول صلى الله عليه وسلم :" مَنْ رجلُ يأتينا بخبر بني قريظة ؟ "

فقال الزبير : ( أنا ) فذهب

ثم قالها الثانية فقال الزبير : ( أنا ) فذهب

ثم قالها الثالثة فقال الزبيـر : ( أنا ) فذهب

فقال النبـي صلى الله عليه وسلم : " لكل نبيّ حَوَارِيٌّ، والزبيـر حَوَاريَّ وابن عمتي "

وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا للرسول صلى الله عليه وسلم ، أرسل

الرسول الزبيـر وعلي بن أبي طالب فوقفا أمام الحصن يرددان:

( والله لنذوقن ماذاق حمزة ، أو لنفتحن عليهم حصنهم )

ثم ألقيا بنفسيهما داخل الحصن وبقوة أعصابهما أحكما وأنزلا الرعب في أفئدة

المتحصـنين داخله وفتحا للمسلمين أبوابه


يوم حنين


وفي يوم حنين أبصر الزبيـر ( مالك بن عوف ) زعيم هوازن وقائد جيوش الشرك في تلك

الغزوة ، أبصره واقفا وسط فيلق من أصحابه وجيشه المنهزم ، فاقتحم حشدهم وحده ،

وشتت شملهم وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض المسلمين العائدين من المعركة

حبه للشهادة


كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة ، فهاهو يقول :

( إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء ، وقد علم ألا نبي بعد محمد ، وإني

لأسمي بني بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون )

وهكذا سمى ولده عبد الله تيمنا بالشهيد عبد الله بن جحش

وسمى ولـده المنـذر تيمنا بالشهيد المنـذر بن عمـرو

وسمى ولـده عـروة تيمنا بالشهيد عـروة بن عمـرو

وسمى ولـده حمـزة تيمنا بالشهيد حمزة بن عبد المطلب

وسمى ولـده جعفـراً تيمنا بالشهيد جعفر بن أبي طالب

وسمى ولـده مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عميـر

وسمى ولـده خالـدا تيمنا بالشهيد خالـد بن سعيـد

وصيته


كان توكله على الله منطلق جوده وشجاعته وفدائيته ، وحين كان يجود بروحه أوصى

ولده عبد الله بقضاء ديونه قائلا :

( إذا أعجزك دين ، فاستعن بمولاي )

وسأله عبد الله : أي مولى تعني ؟

فأجابه : ( الله ، نعم المولى ونعم النصير )

يقول عبدالله فيما بعد : فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت : يا مولى الزبير اقضي دينه ، فيقضيه


موقعة الجمل


بعد استشهاد عثمان بن عفان أتم المبايعة الزبير و طلحة لعلي رضي الله عنهم جميعا

وخرجوا الى مكة معتمرين ، ومن هناك الى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت وقعة

الجمل عام 36 هجري طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع

علي رضي الله عنه عندما رأى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في هودجها بأرض المعركة ، وصاح بطلحة :

( يا طلحة ، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها ، وخبأت عرسك في البيت ؟)

ثم قال للزبير : ( يا زبير : نشدتك الله ، أتذكر يوم مر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم

ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، الا تحب عليا ؟؟ فقلت : ألا أحب ابن خالي ،

وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟؟

فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم )

فقال الزبير : ( نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لاأقاتلك )

وأقلع طلحة و الزبير رضي الله عنهما عن الاشتراك في هذه الحرب ، ولكن دفعا حياتهما

ثمنا لانسحابهما ، و لكن لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا فالزبير تعقبه رجل اسمه

عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي ، وطلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته .


الشهادة


لما كان الزبير بوادي السباع نزل يصلي فأتاه ابن جرموز من خلفه فقتله و سارع قاتل

الزبير الى علي يبشره بعدوانه على الزبير ويضع سيفه الذي استلبه بين يديه ، لكن

عليا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن وأمر بطرده قائلا :

( بشر قاتل ابن صفية بالنار )

وحين أدخلوا عليه سيف الزبير قبله وأمعن في البكاء وهو يقول :

( سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله )

وبعد أن انتهى علي رضي الله عنه من دفنهما ودعهما بكلمات انهاها قائلا :

( اني لأرجو أن أكون أنا وطلحـة والزبيـر وعثمان من الذين قال الله فيهم :

(( ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين ))

ثم نظر الى قبريهما وقال :

سمعت أذناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" طلحة و الزبير ، جاراي في الجنة "



============



عبدالرحمن بن عوف

نسبه


عبد الرحمن بن عوف أحد الثمانية السابقين الى الإسلام ، عرض عليه أبو بكر

الإسلام فما غـم عليه الأمر ولا أبطأ ، بل سارع الى الرسول صلى الله عليه وسلم

يبايعه وفور إسلامه حمل حظـه من اضطهاد المشركين .

ولد بعد الفيل بعشر سنين وأسلم قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم

دار الأرقم وكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذي أسلموا

على يد أبي بكر، وكان من المهاجرين الأولين، هاجر إلى الحبشة، وإلى المدينة‏

وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع‏.‏

وكان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، الذين جعل

عمر بن الخطاب الخلافة فيهم، وأخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي

وهو عنهم راضٍ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في سفرة، وجرح

يوم أحد إحدى وعشرين جراحة، وجرح في رجله فكان يعرج منها، وسقطت ثنيتاه فكان أهتم‏.‏


التجارة


كان رضي الله عنه محظوظا بالتجارة إلى حد أثار عجبه فقال :

( لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا ) وكانت التجارة عنده رضي

الله عنه عملا وسعيا لا لجمع المال ولكن للعيش الشريف ، وهذا ما

نراه حين آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار ، فآخى بين

عبد الرحمن بن عوف و سعد بن ربيع ، قال سعد لعبد الرحمن رضي الله عنهما :

أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا ، فانظر شطر مالي فخذه ، وتحتي امرأتان ،

فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلّقها وتتزوجها .

فقال عبد الرحمن رضي الله عنه : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلوني على

السوق وخرج الى السوق فاشترى وباع وربح .


حق الله


كانت تجارة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ليست له وحده ، وإنما لله والمسلمون

حقا فيها ، فقد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول يوما :

" يا بن عوف إنك من الأغنياء ، وإنك ستدخل الجنة حَبْوا ، فأقرض الله يُطلق لك قدميك "

ومنذ ذاك الحين وهو يقرض الله قرضـا حسنا ، فيضاعفـه الله له أضعافـا ، فقد باع يوما

أرضا بأربعين ألف دينار فرقها جميعا على أهله من بني زهرة وأمهات المسلمين وفقراء

المسلمين ،وقدم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام ، ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة .

وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله ، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن

شهدوا بدرا حتى وصل للخليفة عثمان رضي الله عنه نصيبا من الوصية فأخذها وقال :

( إن مال عبد الرحمن حلال صفو ، وإن الطعمة منه عافية وبركة )

وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه قيل :

أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله ، ثلث يقرضهم ، وثلث يقضي عنهم ديونهم ،

وثلث يصلهم ويعطيهم ) وخلف بعده ذهب كثير ، ضرب بالفؤوس حتى مجلت منه أيدي الرجال .


قافلة الإيمان


في أحد الأيام اقترب على المدينة ريح تهب قادمة اليها حسبها الناس عاصفة تثير الرمال ،

لكن سرعان ما تبين أنها قافلة كبيرة موقَرة الأحمال تزحم المدينة وترجها رجا ، وسألت

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : ( ما هذا الذي يحدث في المدينة ؟ )

وأجيبت أنها قافلة لعبد الرحمن بن عوف أتت من الشام تحمل تجارة له فعجِبت أم المؤمنين

رضي الله عنها :( قافلة تحدث كل هذه الرجة ؟ ) قالوا لها : أجل يا أم المؤمنين ، إنها سبعمائة راحلة .

وهزت أم المؤمنين رضي الله عنها رأسها وتذكرت :

( أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْوا " ووصلت هذه الكلمات الى عبد الرحمن

بن عوف ، فتذكر أنه سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة ،

فحث خطاه الى السيدة عائشة رضي الله عنها وقال لها :

( لقد ذكرتني بحديث لم أنسه ) ثم قال :

( أما إني أشهدك أن هذه القافلة بأحمالها وأقتابها وأحْلاسِها في سبيل الله )

ووزعت حمولة سبعمائة راحلة على أهل المدينة وما حولها

الخوف


وثراء عبد الرحمن رضي الله عنه كان مصدر إزعاج له وخوف ، فقد جيء له يوما

بطعام الإفطار وكان صائما ، فلما وقعت عليه عيناه فقد شهيته وبكى ثم قال :

( استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني فكـفن في بردة إن غطت رأسه بدت رجلاه ،

وإن غطت رجلاه بدا رأسه ، واستشهد حمزة وهو خير مني ، فلم يوجد له ما يكـفـن

فيه إلا بردة ، ثم بسـطَ لنا في الدنيا ما بُسـط ، وأعطينا منها ما أعطينا وإني

لأخشى أن نكون قد عجلـت لنا حسناتنا )

كما وضع الطعام أمامه يوما وهو جالس مع أصحابه فبكى ، وسألوه : ما يبكيك يا أبا محمد ؟

قال : ( لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ، ما أرانا أخرنا لما هو خير لنا )

وخوفه هذا جعل الكبر لا يعرف له طريقا ، فقد قيل : أنه لو رآه غريب لا يعرفه وهو

جالس مع خدمه ، ما استطاع أن يميزه من بينهم .


الهروب من السلطة



كان عبد الرحمن بن عوف من الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة لهم من

بعده قائلا : ( لقد توفي رسول الله وهو عنهم راض ) وأشار الجميع الى عبد الرحمن

في أنه الأحق بالخلافة فقال :

( والله لأن تؤخذ مدية فتوضع في حلقي ، ثم ينفذ بها إلى الجانب الآخر ، أحب إلي من ذلك )

وفور اجتماع الستة لإختيار خليفة الفاروق تنازل عبد الرحمن بن عوف عن حقه الذي

أعطاه إياه عمر ، وجعل الأمر بين الخمسة الباقين ، فاختاروه ليكون الحكم بينهم

وقال له علي كرم الله وجهه :

( لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفك بأنك أمين في أهل السماء ،

وأمين في أهل الأرض ) فاختار عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ( عثمان بن عفان )

رضي الله عنه للخلافة ، ووافق الجميع على إختياره .


وفاته


في العام الثاني والثلاثين للهجرة جاد بأنفاسه رضي الله عنه وأرادت أم المؤمنين

عائشة رضي الله عنها أن تخصه بشرف لم تخص به سواه ، فعرضت عليه أن يدفن

في حجرتها الى جوار الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله

عنهما ، لكنه استحى أن يرفع نفسه الى هذا الجوار ، وطلب دفنه بجوار عثمان بن

مظعون إذ تواثقا يوما أيهما مات بعد الآخر يدفن الى جوار صاحبه وكان يتمتم وعيناه تفيضان بالدمع :

( إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال )

ولكن سرعان ما غشته السكينة واشرق وجهه وأرهفت أذناه للسمع كما لو كان

هناك من يحادثه ، ولعله سمع ما وعده الرسول صلى الله عليه وسلم :

" عبد الرحمن بن عوف في الجنة "


============

سعد بن أبي وقاص


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"يا سعد : ارم فداك أبي و امي "


نسبه


هو سعد بن مالك بن أهيب الزهري القرشي أبو اسحاق فهو من بني زهرة أهل

آمنة بنت وهب أم الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان الرسول صلى الله عليه

وسلم يعتز بهذه الخؤولة فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا مع نفر من

أصحابه فرأى سعد بن أبي وقاص مقبلا فقال لمن معه :

" هذا خالي فليرني أمرؤ خاله "


اسلامه


كان سعد قد رأى وهو ابن سبع عشرة سنة في منامه أنه يغرق في بحر الظلمات،

وبينما هو يتخبط فيها، إذ رأى قمرًا، فاتبعه، وقد سبقه إلى هذا القمر ثلاثة، هم:

زيد بن حارثة، وعلي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، ولما طلع الصباح سمع أن

رسول الله يدعو إلى دين جديد ، فعلم أن هذا هو القمر الذي رآه ، فذهب على الفور

ليلحق بركب السابقين إلى الإسلام ، فكان سعد رضي الله عنه من النفر الذين دخلوا

في الاسلام أول ما علموا به فلم يسبقه الا أبوبكر و علي وزيد و خديجة قال سعد :

( بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا الى الاسلام مستخفيا فعلمت أن الله

أراد بي خيرا وشاء أن يخرجني بسببه من الظلمات الى النور فمضيت اليه مسرعا حتى

لقيته في شعب جياد وقد صلى العصر فأسلمت فما سبقني أحد الا أبي بكر وعلي وزيد رضي الله عنهم )


ثورة أمه


يقول سعد رضي الله عنه : ( وما سمعت أمي بخبر اسلامي حتى ثارت ثائرتها وكنت فتى

بارا بها محبا لها فأقبلت علي تقول :

يا سعد ما هذا الدين الذي اعتنقته فصرفك عن دين أمك و أبيك ؟ والله لتدعن دينك الجديد

أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فيتفطر فؤادك حزنا علي ويأكلك الندم على فعلتك التي فعلت وتعيرك الناس أبد الدهر

فقلت : ( لاتفعلي يا أماه فأنا لا أدع ديني لأي شيء )

الا أن أمه اجتنبت الطعام ومكثت أياما على ذلك فهزل جسمها وخارت قواها فلما رأها

سعد قال لها: ( يا أماه اني على شديد حبي لك لأشد حبا لله ولرسوله ووالله لو كان لك

ألف نفس فخرجت منك نفسا بعد نفس ما تركت ديني هذا بشيء )

فلما رأت الجد أذعنت للأمر وأكلت وشربت على كره منها . ونزل قوله تعالى :

(( ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي

ولوالديك الي المصيروأن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما

وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب الي ثم الي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ))


الدعوة المجابة


كان سعد بن أبي وقاص إذا رمى عدوا أصابه وإذا دعا الله دعاء أجابه ، وكان الصحابة

يردون ذلك لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم له :" اللهم سدد رميته ، وأجب دعوته "

ويروى أنه رأى رجلا يسب طلحة وعليا والزبير فنهاه فلم ينته فقال له : ( إذن أدعو عليك )

فقال الرجل : أراك تتهددني كأنك نبي !

فانصرف سعد وتوضأ وصلى ركعتين ثم رفع يديه قائلا :

( اللهم إن كنت تعلم أن هذا الرجل قد سب أقواما سبقت لهم منك الحسنى ، وأنه قد أسخطك سبه إياهم ، فاجعله آية وعبرة )

فلم يمض غير وقت قصير حتى خرجت من إحدى الدور ناقة نادة لا يردها شيء ، حتى دخلت

في زحام الناس ثم اقتحمت الرجل فأخذته بين قوائمها ، ومازالت تتخبطه حتى مات .

أول دم هريق في الإسلام



في بداية الدعوة ، كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب

فاستخفوا بصلاتهم من قومهم ، فبينما سعد بن أبي وقاص في نفر من الصحابة في شعب

من شعاب مكة ، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون ، فناكروهم وعابوا عليهم

ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد رضي الله عنه يومئذ رجلا من المشركين بلحي

بعير فشجه العظم الذي فيه الأسنان ، فكان أول دم هريق في الإسلام .


أول سهم رمي في الإسلام


بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في سرية عبيدة بن الحارث رضي الله عنه الى ماء

بالحجاز أسفل ثنية المرة فلقوا جمعا من قريش ولم يكن بينهم قتال ألا أن سعد قد رمى

يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في الاسلام

غزوة أحد



وشارك في أحد وتفرق الناس أول الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقف سعد

يجاهد ويقاتل فلما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم يرمي جعل يحرضه ويقول له :

" يا سعد ارم فداك أبي وأمي "

وظل سعد يفتخر بهذه الكلمة طوال حياته ويقول :

( ما جمع الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد أبويه إلا لي )

وذلك حين فداه بهما



إمرة الجيش



عندما احتدم القتال مع الفرس ، أراد أمير المؤمنين عمر أن يقود الجيش بنفسه ، ولكن

رأى الصحابة أن تولى هذه الإمارة لرجل آخر واقترح عبدالرحمن بن عوف :

( الأسد في براثنه ، سعد بن مالك الزهري ) وقد ولاه عمر رضي الله عنه امرة جيش

المسلمين الذي حارب الفرس في القادسية وكتب الله النصر للمسلمين وقتلوا الكافرين

وزعيمهم رستم وعبر مع المسلمين نهر دجلة حتى وصلوا المدائن وفتحوها ، وكان إعجازا

عبور النهر بموسم فيضانه حتى أن سلمان الفارسي قد قال :

( إن الإسلام جديد ، ذللت والله لهم البحار ، كما ذللت لهم البر ، والذي نفس سلمان بيده

ليخرجن منه أفواجا ، كما دخلوه أفواجا )

وبالفعل أمن القائد الفذ سعد مكان وصول الجيش بالضفة الأخرى بكتيبة الأهوال وكتيبة

الخرساء ، ثم اقتحم النهر بجيشه ولم يخسر جنديا واحدا في مشهد رائع ، ونجاح باهر

ودخل سعد بن أبي وقاص ايوان كسرى وصلى فيه ثماني ركعات صلاة الفتح شكرا لله على نصرهم .


إمارة العراق



ولاه عمر رضي الله عنهما إمارة العراق ، فراح سعد يبني ويعمر في الكوفة ، وذات يوم

اشتكاه أهل الكوفة لأمير المؤمنين فقالوا : إن سعدا لا يحسن يصلي

ويضحك سعدا قائلا : ( والله إني لأصلي بهم صلاة رسول الله ، أطيل في الركعتين الأوليين وأقصر في الآخرين )

واستدعاه عمر الى المدينة فلبى مسرعا ، وحين أراد أن يعيده الى الكوفة ضحك سعدا

قائلا : ( أتأمرني أن أعود إلى قوم يزعمون أني لا أحسن الصلاة )

ويؤثر البقاء في المدينة



الستة أصحاب الشورى



و عندما حضرت عمر رضي الله عنه الوفاة بعد أن طعنه المجوسي جعل الأمر من بعده الى

الستة الذين مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض و أحدهم سعد بن أبي وقاص ،

وقال عمر : ( إن وليها سعد فذاك ، وإن وليها غيره فليستعن بسعد )


سعد والفتنة


اعتزل سعد الفتنة وأمر أهله وأولاده ألا ينقلوا له أخبارها ، وذات يوم ذهب إليه ابن أخيه

هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ويقول له : يا عم ، ها هنا مائة ألف سيف يرونك أحق الناس

بهذا الأمر ، فيجيبه سعد رضي الله عنه :

( أريد من مائة ألف سيف ، سيفا واحدا ، إذا ضربت به المؤمن لم يصنع شيئا ، وإذا ضربت بهالكافر قطع )

فتركه ابن أخيه بسلام وحين انتهى الأمر لمعاوية سأل سعدا : مالك لم تقاتل معنا ؟

فأجابه : ( إني مررت بريح مظلمة فقلت : أخ أخ وأنخت راحلتي حتى انجلت عني )

فقال معاوية : ليس في كتاب الله أخ أخ ولكن قال الله تعالى :

(( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى

فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ))

وأنت لم تكن مع الباغية على العادلة ، ولا مع العادلة مع الباغية

فأجاب سعد رضي الله عنه قائلا :

( ما كنت لأقاتل رجلا يعني علي بن أبي طالب قال له الرسول : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي )


وفاته


وعمر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كثيرا وأفاء الله عليه من المال الخير الكثير لكنه

حين أدركته الوفاة دعا بجبة من صوف بالية وقال :

( كفنوني بها فاني لقيت بها المشركين يوم بدرواني أريد أن ألقى بها الله عز وجل أيضا )

وكان رأسه بحجر ابنه الباكي فقال له :

( ما يبكيك يا بني ؟ إن الله لا يعذبني أبدا ، وإني من أهل الجنة )

فقد كان إيمانه بصدق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرا وكانت وفاته سنة

خمس وخمسين بالعقيق، فحمل على الأعناق إلى المدينة، ودفن بها ليكون آخر من مات

من العشرة المبشرين بالجنة وآخر من مات من المهاجرين رضي الله عنهم ودفن في البقيع .


============

سعيد بن زيد عمرو

نسبه


هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل العدوي القرشي أبو الأعور ، من خيار الصحابة

وابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وزوج أخته ، ولد بمكة عام ( 22 قبل الهجرة )

وهاجر الى المدينـة ، شهد المشاهد كلها إلا بدرا لقيامه مع طلحة بتجسس خبر العير ،

وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، كان من السابقين الى الإسلام هو و زوجته

أم جميل فاطمة بنت الخطـاب رضي الله عنها


والده


وأبوه رضي الله عنه ( زيـد بن عمرو ) اعتزل الجاهليـة وحالاتها ووحـد اللـه تعالى

بغيـر واسطـة حنيفيـا ، وقد سأل سعيـد بن زيـد الرسول صلى الله عليه وسلم فقال :

( يا رسـول الله ، إن أبـي زيـد بن عمرو بن نفيل كان كما رأيت وكما بلغك ،

ولو أدركك آمن بـك ، فاستغفر له ؟ )

قال صلى الله عليه وسلم : " نعم "

واستغفر له وقال :

" إنه يجيءَ يوم القيامة أمة وحدهُ "

المبشرين بالجنة


روي عن سعيد بن زيد رضي الله عنه أنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" عشرة من قريش في الجنة ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليّ ، وطلحة ، والزبير ،

وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن مالك ( بن أبي وقاص ) " ، وسعيد بن زيد بن عمرو

بن نُفَيل ، و أبو عبيدة بن الجراح " رضي الله عنهم أجمعين

الدعوة المجابة


كان رضي الله عنه مجاب الدعوة ، وقصته مشهورة مع أروى بنت أوس ، فقد شكته

الى مروان بن الحكم ، وادَّعت عليه أنّه غصب شيئاً من دارها ، فقال :

( اللهم إن كانت كاذبة فاعْمِ بصرها ، واقتلها في دارها ) فعميت ثم تردّت في بئر دارها ، فكانت منيتها


الولاية


كان سعيد بن زيد رضي الله عنه موصوفا بالزهد محترما عند الولاة ، ولما فتح

أبو عبيدة بن الجراح دمشق ولاه إياها ، ثم نهض مع من معه للجهاد ، فكتب إليه سعيد رضي الله عنه :

( أما بعد ، فإني ما كنت لأُوثرك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يدنيني

من مرضاة ربي ، وإذا جاءك كتابي فابعث إلى عملك من هو أرغب إليه مني ،

فإني قادم عليك وشيكا إن شاء الله والسلام )


وفاته


توفي بالمدينة سنة ( 51 هـ ) ودخل قبره سعد بن أبي الوقاص وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين .



============

أبوعبيدة بن الجراح


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" لكل أمة أمينا وأميننا أيتها الأمة أبوعبيدة عامر الجراح "


نسبه


أبوعبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح الفهري يلتقي مع النبي صلى الله عليه

وسلم في أحد أجداده (فهر بن مالك) وأمه من بنات عم أبيه أسلمت وقتل أبوه كافرا يوم بدر .

كان رضي الله عنه طويل القامة ، نحيف الجسم ، خفيف اللحية أسلم على يد

أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للاسلام ، وهاجر الى الحبشة

في الهجرة الثانية ثم عاد ليشهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها.


غزوة بدر


في غزوة بدر جعل أبو ( أبو عبيدة ) رضي الله عنه يتصدى له، فجعل

أبو عبيدة يحيد عنه ، فلما أكثر قصده فقتله ، فأنزل الله هذه الآية :

(( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليومِ الآخر يوادون مَنْ حادَّ الله ورسوله ولو كانوا

آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الأيمان ))


غزوة أحد


يقول أبوبكر الصديق رضي الله عنه :

( لما كان يوم أحد ، ورمي الرسول صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته

حلقتان من المغفر ، أقبلت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانسان

قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا ، فقلت :

اللهم اجعله طاعة ، حتى اذا توافينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا هو

أبوعبيدة بن الجراح قد سبقني ، فقال :

( أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم )

فتركته ، فأخذ أبوعبيدة بثنيته احدى حلقتي المغفر ، فنزعها وسقط على

الأرض وسقطت ثنيته معه ، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت ،

فكان أبوعبيدة في الناس أثرم .


غزوة الخبط


أرسل النبي صلى الله عليه وسلم أباعبيدة بن الجراح أميرا على ثلاثمائة وبضعة

عشرة مقاتلا ، وليس معهم من الزاد سوى جراب تمر ، والسفر بعيد ، فاستقبل

أبوعبيدة واجبه بغبطة وتفاني ، وراح يقطع الأرض مع جنوده وزاد كل واحد منهم

حفنة تمر ، وعندما قل التمر أصبح زادهم تمرة واحدة في اليوم ، وعندما فرغ التمر

راحوا يتصيدون ( الخبط ) أي ورق الشجر فيسحقونه ويسفونه ويشربون عليه الماء ،

غير مبالين الا بانجاز المهمة ، لهذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط .


مكانة .. أمين الأمة


قدم أهل نجران على النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه ان يرسل اليهم واحدا

فقال عليه الصلاة والسلام : " لأبعثن - يعني عليكم - أمينا حق امين ) فتشوف أصحابه

رضوان الله عليهم يريدون أن يبعثوا لا لأنهم يحبون الامارة أو يطمعون فيها ولكن

لينطبق عليهم وصف النبي صلى الله عليه و سلم " أمينا حق امين " وكان عمر نفسه

رضي الله عليه من الذين حرصوا على الامارة لهذا آنذاك بل صار - كما قال يتراءى -

أي يري نفسه للنبي صلى الله عليه وسلم حرصا منه رضي الله عنه أن يكون أمينا حق أمين.

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوز جميع الصحابة وقال : " قم يا أباعبيدة "

كما كان لأبي عبيدة رضي الله عنه مكانة عالية عند عمر فقد قال عمر بن الخطاب

رضي الله عنه وهو يجود بأنفاسه :

( لو كان أبوعبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته فان سألني ربي عنه ، قلت :

استخلفت أمين الله ، وأمين رسوله )



معركة اليرموك


في أثناء قيادة خالد رضي الله عنه معركة اليرموك التي هزمت فيها الامبراطورية

الرومانية توفي أبوبكر الصديق رضي الله عنه ، وتولى الخلافة بعده عمر رضي

الله عنه ، وقد ولى عمر قيادة جيش اليرموك لأبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة

وعزل خالد وصل الخطاب الى أبي عبيدة رضي الله عنه فأخفاه حتى انتهت المعركة ،

ثم أخبر خالدا بالأمر ، فسأله خالد رضي الله عنه:

( يرحمك الله أباعبيدة ، ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب ؟ )

فأجاب أبوعبيدة رضي الله عنه

: ( اني كرهت أن أكسر عليك حربك ، وما سلطان الدنيا نريد ، ولا للدنيا نعمل ، كلنا في الله أخوة )

وأصبح أبوعبيدة رضي الله عنه أمير الأمراء بالشام .

تواضعه


ترامى الى سمعه أحاديث الناس في الشام عنه ، وانبهارهم بأمير الأمراء ، فجمعهم وخطب فيهم قائلا :

( يا أيها الناس ، اني مسلم من قريش ، وما منكم من أحد أحمر ولا أسود ، يفضلني

بتقوى الا وددت أني في اهابه )

وعندما زار أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الشام سأل عن أخيه ، فقالوا له : من ؟

قال رضي الله عنه : ( أبوعبيدة بن الجراح )

وأتى أبوعبيدة رضي الله عنه وعانقه أمير المؤمنين رضي الله عنه ثم صحبه الى

داره ، فلم يجد فيها من الأثاث شيئا ، الا سيفه وترسه ورحله ، فسأله عمر وهو يبتسم :

( ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس ؟ )

فأجاب أبوعبيدة رضي الله عنه :

( يا أمير المؤمنين ، هذا يبلغني المقيل )


طاعون عمواس


حل الطاعون بعمواس وسمي فيما بعد " طاعون عمواس " وكان أبوعبيدة رضي

الله عنه أمير الجند هناك فخشي عليه عمر رضي الله عنه من الطاعون فكتب اليه

يريد أن يخلصه منه قائلا :

( اذا وصلك خطابي في المساء فقد عزمت عليك ألا تصبح الامتوجها الي واذا

وصلك في الصباح ألا تمسي الا متوجها الي فان لي حاجة اليك )

وفهم أبوعبيدة رضي الله عنه المؤمن الذكي قصد عمر وانه يريد أن ينقذه من

الطاعون فكتب الى عمر رضي الله عنه متأدبا معتذرا عن عدم الحضور اليه وقال :

( لقد وصلني خطابك يا أمير المؤمنين وعرفت قصدك وانما أنا في جند من

المسلمين يصيبني ما أصابهم فحللني من عزمتك يا أمير المؤمنين )

ولما وصل الخطاب الى عمررضي الله عنه بكى فسأله من حوله : هل مات أبوعبيدة ؟

فقال رضي الله عنه : ( كأن قد )

والمعنى أنه اذا لم يكن قد مات بعد والا فهو صائر الى الموت لا محالة ، اذ لا خلاص منه مع الطاعون .

كان أبو عبيـدة رضي الله عنه في ستة وثلاثيـن ألفاً من الجند ، فلم يبق إلا ستـة

آلاف رجـل والآخرون ماتوا ومات أبوعبيـدة رضي الله عنه سنة ( 18 ) ثماني

عشرة للهجرة في طاعون عمواس وقبره في غور الأردن

رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:30 PM
مصعب الخير وقصة إسلامه


كان غرة فتيان قريش وأوفاهم بهاء وجمالا وشبابا ، وكان مصعب بن عمير

رضي الله عنه أعطر أهل مكة ، ولد في النعمة، وغذي بها، وشب تحت

خمائلها ، لم يظفر بالتدليل مثله أي فتى من قريش ، فكان المدلل المنعم أو كما

يصفه المسلمين مصعب الخير ، والى جانب أناقة مظهره كان لؤلؤة مجالس مكة

وندواتها رغم حداثة سنه، ثم تحول الى أسطورة من أساطير الايمان والفداء .

انه واحد من أولئك الذين صاغهم الاسلام ورباهم محمد صلى الله عليه وسلم

سمع ذات يوم ، ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين صلى الله عليه

وسلم ، حين كانت مكة تمسي وتصبح ولا هم لها، ولا حديث يشغلها الا الرسول

صلى الله عليه وسلم ودينه، فكان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا

الحديث ، ذلك أنه كان زينة المجالس والندوات ، تحرص كل ندوة أن يكون مصعب

بين شهودها، وذلك لأناقة مظهره ورجاحة عقله التي تفتح له القلوب والأبواب .

فسمع فيما سمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه، يجتمعون بعيدا

عن فضول قريش وأذاهاعلى الصفا في دار الأرقم بن أبي الأرقم فلم يطل به

التردد ، ولا التلبث والانتظار ، بل صحب نفسه ذات مساء الى دار الأرقم تسبقه

أشواقه ورؤاه ، هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو

عليهم القرآن، ويصلي معهم لله سبحانه ، ولم يكد مصعب يأخذ مكانه، وتنساب

الآيات من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم متألفة على شفتيه، ثم آخذة طريقها

الى الأسماع والأفئدة، حتى كان فؤاد ابن عمير رضي الله عنه في تلك الأمسية

هو الفؤاد الموعود ، ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه، وكأنه من الفرحة الغامرة

يطير ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه الحانية حتى لامست الفؤاد

المتوثب، فكانت السكينة العميقة عمق المحيط ، وفي لمح البصر كان الفتى الذي

آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنه وعمره، ومعه من التصميم ما يغير سير الزمان .


أمه


كانت أم مصعب " خناس بنت مالك " تتمتع بقوة فذة في شخصيتها، وكانت تهاب

إلى حد الرهبة ، ولم يكن مصعب رضي الله عنه حين أسلم ليحاذر أو يخاف على

ظهر الأرض قوة سوى امه، ولقد فكر سريعا، وقرر أن يكتم اسلامه ، وظل يتردد

على دار الأرقم، ويجلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قرير العين

بايمانه ، وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر إسلامه خبرا.

ولكن مكة في تلك الأيام بالذات، لا يخفى فيها سر، فعيون قريش وآذانها على

كل طريق، ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة، الواشية.

ولقد أبصر به عثمان بن طلحة وهو يدخل خفية الى دار الأرقم ، ثم رآه مرة أخرى

وهو يصلي كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم ، فسابق ريح الصحراء وزوابعها،

شاخصا الى أم مصعب رضي الله عنه حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها.

ووقف مصعب أمام أمه، وعشيرته، وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في

يقين الحق وثباته ، القرآن الذي يغسل به الرسول صلى الله عليه وسلم قلوبهم،

ويملؤها به حكمة وشرفا ، وعدلا وتقى ، وهمت أمه أن تسكته بلطمة قاسية،

ولكن اليد التي امتدت كالسهم، ما لبثت أن استرخت وتنحت أمام النور الذي زاد

وسامة وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام، وهدوءا يفرض الاقناع.

ولكن، إذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى، فان في

مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر.

وهكذا مضت به الى ركن قصي من أركان دارها، وحبسته فيه، وأحكمت عليه

اغلاقه، وظل رهين محبسه ذاك، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين الى أرض

الحبشة، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ، وغافل أمه وحراسه، ومضى الى الحبشة مهاجرا أوابا .

ولكن سواء كان مصعب رضي الله عنه بالحبشة أم في مكة، فان تجربة ايمانه تمارس

تفوقها في كل مكان وزمان ، ولقد فرغ من إعداد صياغة حياته على النسق الجديد

الذي أعطاهم محمد صلى الله عليه وسلم نموذجه المختار ، واطمأن مصعب رضي الله

عنه الى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدم قربانا لبارئها الأعلى، وخالقها العظيم.

خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما

أن بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيا ،

ذلك أنهم رأوه ، يرتدي جلبابا مرقعا باليا، وعاودتهم صورته الأولى قبل اسلامه،

حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة، وألقا وعطرا ، وتملى رسول الله صلى الله

عليه وسلم مشهده بنظرات حكيمة، شاكرة محبة، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة، وقال :

" لقد رأيت مصعبا هذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله "


ترك نعيم الدنيا


لقد منعته أمه حين يئست من ردته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة ، وأبت أن

يأكل طعامها انسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها، حتى ولو يكون هذا الانسان

ابنها ، ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرة أخرى بعد رجوعه من الحبشة ،

فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه ، وانها لتعلم

صدق عزمه اذا هم وعزم ، فودعته باكية ، وودعها باكيا ، وكشفت لحظة الوداع عن

اصرارعجيب على الكفر من جانب الأم واصرار أكبر على الايمان من جانب الابن ..

فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها : اذهب لشأنك لم أعد لك أما.

اقترب منها وقال: يا أمه اني لك ناصح ، وعليك شفوق ، فاشهدي بأنه لا اله

الا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله .

أجابته غاضبة مهتاجة : قسما بالثواقب، لا أدخل في دينك، فيزرى برأيي، ويضعف عقلي .

وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الشظف والفاقة ،

وأصبح الفتى المتأنق المعطر، لا يرى الا مرتديا أخشن الثياب، يأكل يوما،

ويجوع أياما ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة، والمتألقة بنور الله، كانت

قد جعلت منه انسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة.


أول سفير


وآنئذ، اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لأعظم مهمة في حينها ، أن يكون

سفيره الى المدينة ، يفقه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول صلى الله عليه

وسلم عند العقبة، ويدخل غيرهم في دين الله، ويعد المدينة ليوم الهجرة العظيم.

كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ من هم أكبر منه سنا

وأكثر جاها، وأكثرهم منه قرابة.ولكنه اختار مصعب الخير رضي الله عنه ، وهو

يعلم أنه يكل اليه بأخطر قضايا الساعة، ويلقي بين يديه مصير الاسلام في المدينة

التي ستكون دار الهجرة، ومنطلق الدعوة والدعاة، والمبشرين والغزاة، بعد حين من الزمان قريب.

وحمل مصعب رضي الله عنه الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل

وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه واخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجا.


إسلام سادة المدينة على يده


لقد جاءها يوم بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم اليها وليس فيها سوى اثني عشر

مسلما هم الذين بايعوا في بيعة العقبة، ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول.

وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة، كان مسلمو المدينة يرسلون الى مكة للقاء

الرسول صلى الله عليه وسلم وفدا يمثلهم وينوب عنهم ، وكان عدد أعضائه سبعين

مؤمنا ومؤمنة ، جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم اليهم مصعب ابن عمير رضي الله عنه.

لقد أثبت بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار ،

فلقد فهم مصعب رضي الله عنه رسالته تماما ووقف عند حدودها ، و عرف أنه داعية

الى الله تعالى ، ومبشر بدينه الذي يدعوا الناس الى الهدى، والى صراط مستقيم ،

وأنه كرسوله صلى الله عليه وسلم الذي آمن به، ليس عليه الا البلاغ.

كان في ضيافة أسعد بن زرارة رضي الله عنه وكانا يمشيان معا إلى القبائل والبيوت

والمجالس، يتلوا على الناس ما كان معه من كتاب ربه ،هاتفا بينهم في رفق عظيم

بكلمة الله ( إنما الله اله واحد )

ولقد تعرض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه، لولا فطنة عقله،

وعظمة روحه ، فذات يوم فاجأه وهو يعظ الناس أسيد بن خضير سيد بني عبد الأشهل

بالمدينة، فاجأه شاهرا حربته و يتوهج غضبا وحنقا على هذا الذي جاء يفتن قومه

عن دينهم ، ويدعوهم لهجر آلهتهم ، ويحدثهم عن إله واحد لم يعرفوه من قبل، ولم يألفوه من قبل .

وما ان رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أسيد ابن حضير متوشحا

غضبه المتلظي، وثورته المتحفزة، حتى وجلوا ، ولكن مصعب الخير رضي الله عنه ظل ثابتا وديعا، متهللا .

وقف اسيد أمامه مهتاجا، وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة :

ما جاء بكما الى حينا، تسفهان ضعفاء نا ؟ اعتزلانا، اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة .

وفي مثل هدوء البحر وقوته ، وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته ، انفرجت أسارير

مصعب الخير رضي الله عنه وتحرك بالحديث الطيب لسانه فقال : أولا تجلس فتستمع ؟

فان رضيت أمرنا قبلته ، وان كرهته كففنا عنك ما تكره.

كان أسيد رجلا عاقلا ، وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه الى ضميره، فيدعوه أن

يسمع لا غير ، فان اقتنع ، تركه لاقتناعه ، وان لم يقتنع ترك مصعب حيهم وعشيرتهم،

وتحول إلى حي خر وعشيرة أخرى غير ضار ولا مضار.

هنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت.. وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي.

ولم يكد مصعب رضي الله عنه يقرأ القرآن ، ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد

بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ، حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق ، وتتغير

مع مواقع الكلم، وتكتسي بجماله.

ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلا :

ما أحسن هذا القول وأصدقه ، كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين ؟

وأجابوه بتهليلة رجت الأرض رجا، ثم قال له مصعب رضي الله عنه :

يطهر ثوبه وبدنه، ويشهد أن لا اله الا الله .

فغاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه ، ووقف يعلن

أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله.

وسرى الخبر كالضوء ، وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب رضي الله عنه واقتنع،

وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة، وتمت باسلامهم النعمة، وأقبل أهل المدينة بعضهم

على بعض يتساءلون ، اذا كان أسيد بن حضير، وسعد ابن معاذ، وسعد بن عبادة قد أسلموا، ففيم تخلفنا ؟

هيا الى مصعب، فلنؤمن معه، فانهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه .

لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير ، نجاحا هو له أهل، وبه جدير.

وتمضي الأيام والأعوام، ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه رضي الله عنهم

الى المدينة، وتتلمظ قريش بأحقادها ، وتعد عدة باطلها، لتواصل مطاردتها الظالمة

لعباد الله الصالحين ، وتقوم غزوة بدر، قيتلقون فيها درسا يفقدهم بقية صوابهم ويسعون الى الثأر .


غزوة أحد


و تجيء غزوة أحد ، ويعبئ المسلمون أنفسهم، ويقف الرسول صلى الله عليه

وسلم وسط صفوفهم يتفرس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية ،

ويدعو مصعب الخير رضي الله عنه ، فيتقدم ويحمل اللواء.

وتشب المعركة الرهيبة، ويحتدم القتال، ويخالف الرماة أمر الرسول صلى الله عليه

وسلم، ويغادرون موقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين،

لكن عملهم هذا ، سرعان ما يحول نصر المسلمين الى هزيمة ، ويفاجأ المسلمون

بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل، وتعمل فيهم على حين غرة، السيوف الظامئة المجنونة ،

وحين رأوا الفوضى والذعر في صفوف المسلمين ، ركزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه .


الشهادة


أدرك مصعب بن عمير رضي الله عنه الخطر الغادر، فرفع اللواء عاليا، وأطلق تكبيرة

كالزئير، ومضى يجول ويتواثب ، وكل همه أن يلفت نظر الأعداء اليه ويشغلهم عن

الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، وجرد من ذاته جيشا بأسره ، أجل ، ذهب

مصعب رضي الله عنه يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير ، يد تحمل الراية في تقديس ،

ويد تضرب بالسيف في عنفوان ، ولكن الأعداء يتكاثرون عليه، يريدون أن يعبروا

فوق جثته الى حيث يلقون الرسول صلى الله عليه وسلم .

يقول ابن سعد عن المشهد الاخير في حياته رضي الله عنه : أخبرنا ابراهيم بن محمد

بن شرحبيل العبدري، عن أبيه قال :

حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد ، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن

قميئة وهو فارس، فضربه على يده اليمنى فقطعها، ومصعب رضي الله عنه يقول :

" وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل "

وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء

وضمه بعضديه الى صدره وهو يقول :

" وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل "

ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه وأندق الرمح، ووقع مصعب، وسقط اللواء .

وقع مصعب.. وسقط اللواء.. وقع كوكب الشهداء.. وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والايمان..

كان يظن أنه اذا سقط ، فسيصبح طريق القتلة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم

خاليا من المدافعين والحماة ، ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله صلى الله

عليه وسلم من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع

منه ذراعا : " وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل "

هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها، ويكملها، ويجعلها، قرآنا يتلى.


وداع الشهيد

وبعد انتهاء المعركة المريرة، وجد جثمان الشهيد راقدا ، وقد أخفى وجهه في

تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية، لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله

صلى الله عليه وسلم يصيبه السوء ، فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يحاذره ويخشاه .

أو لكأنه خجلان اذ سقط شهيدا قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله صلى الله عليه

وسلم ، وقبل أن يؤدي الى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه.

وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها ،

وعند جثمان مصعب، سالت دموع وفية غزيرة .

يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه :

هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، نبتغي وجه الله، فوجب

أجرنا على الله ، فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منهم مصعب

بن عمير رضي الله عنه ، قتل يوم أحد ، فلم يوجد له شيء يكفن فيه الا نمرة ،

فكنا اذا وضعناها على رأسه تعرت رجلاه، واذا وضعناها على رجليه برزت رأسه،

فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات الاذخر "

وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه مصاب الرسول صلى الله عليه وسلم

في عمه حمزة، وتمثيل المشركين يجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول صلى الله

عليه وسلم وأوجع فؤاده ، وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه

الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالما من الصدق والطهر والنور ،على الرغم من

كل هذا، فقد وقف على جثمان أول سفرائه، يودعه وينعاه ، وقال وعيناه تلفانه

بضيائهما وحنانهما ووفائهما :

(( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ))

ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي دفن بها وقال :

" لقد رأيتك بمكة، وما بها أرق حلة، ولا أحسن لمة منك ، ثم هأنتذا شعث الرأس في بردة " .

وهتف الرسول صلى الله عليه وسلم وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل

من عليها من رفاق مصعب وقال :

" ان رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة ".

ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال :

" أيها الناس زوروهم ، وأتوهم ، وسلموا عليهم ، فوالذي نفسي بيده ، لا يسلم

عليهم مسلم الى يوم القيامة ، الا ردوا عليه السلام

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:31 PM
جعفر بن أبي طالب ذي الجناحين


هو جعفر بن أبي طالب ، أبو عبد الله ، ابن عم رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخو

علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ويكبر بعشر سنين ..

امتلك روائع الحسن، والفضيلة، والعظمة، والحلم ، والبر، والتواضع ، والتقى ، والطهر ،

والعفه و لاعجب في ذلك ، فأنه كان أشبه الناس بالرسول صلى الله عليه وسلم خلقا، وخُلقا..

أنه طائر الجنة الغريد، عظيم من عظماء الرعيل الأول الذين تربوا في المدرسة المحمدية

أسلم قبل دخول النبـي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ، آخذا مكانه العالي بين المؤمنين

المبكرين بعد واحد وثلاثين شخص وأسلمـت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عميـس

رضي الله عنهما ، وحملا نصيبهما من الأذى والاضطهاد في شجاعة وغبطة فلما أذن

الرسـول صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة الى الحبشـة خرج جعفر وزوجـه رضي

الله عنهما حيث لبثا بها سنين عدة ، رزقـا خلالها بأولادهما الثلاثة .


جعفر في الحبشة


وفي الحبشة كان جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه المتحدث اللبق، الموفق باسم

الاسلام ورسوله ، وذلك أن الله أنعم عليه فيما أنعم ، بذكاء القلب ، واشراق العقل،

وفطنة النفس، وفصاحة اللسان ، ولئن كان يوم مؤتة الذي سيقاتل فيه فيما بعد حتى

يستشهد أروع أيامه وأمجاده وأخلدها ، فان يوم المحاورة التي أجراها أمام النجاشي

بالحبشة، لن يقل روعة ولا بهاء، ولا مجدا ، لقد كان يوما فذا، ومشهدا عجبا...

وذلك أن قريشا لم يهدئ من ثورتها، ولم يذهب من غيظها هجرة المسلمين الى الحبشة،

بل خشيت أن يقوى هناك بأسهم، ويتكاثر طمعهم ، وحتى اذا لم تواتهم فرصة التكاثر

والقوة، فقد عز على كبريائها أن ينجو هؤلاء من نقمتها، ويفلتوا من قبضتها .

هنالك قرر ساداتها ارسال مبعوثين الى النجاشي يحملان هدايا قريش النفيسة، ويحملان

رجاءهما في أن يخرج هؤلاء الذين جاؤوا اليها لائذين ومستجيرين.

وكان هذان المبعوثان هما :

عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وكانا لم يسلما بعد.

وكان النجاشي رجلا يحمل ايمانا مستنيرا ، وكان في قرارة نفسه يعتنق مسيحية صافية

واعية، بعيدة عن الانحراف، نائية عن التعصب والانغلاق ، ومن أجل هذا، اختار الرسول

صلى الله عليه وسلم بلاده دار هجرة لأصحابه.

ومن أجل هذا، خافت قريش ألا تبلغ لديه ما تريد فحملت مبعوثيها هدايا ضخمة للأساقفة،

وكبار رجال الكنيسة هناك ، وأوصى زعماء قريش مبعوثيها ألا يقابلا النجاشي حتى

يعطيا الهدايا للبطارقة أولا، وحتى يقنعاهم بوجهة نظرهما، ليكونوا لهم عونا عند النجاشي .

وحط الرسولان رحالهما بالحبشة ، ودفعوا لكل بطريق بهديته وقالوا له ما يريدون من

كيد بالمسلمين ، ثم قدما الى النجاشي هداياه وطلبا الأذن برؤياه .

وفي وقار مهيب ، وتواضع جليل ، جلس النجاشي على كرسيه العالي ، تحف به الأساقفة

ورجال الحاشية ، وجلس أمامه في البهو الفسيح ، المسلمون المهاجرون، تغشاهم سكينة

الله، وتظلهم رحمته .

ووقف مبعوثا قريش يكرران الاتهام الذي سبق أن ردداه أمام النجاشي حين أذن لهم

بمقابلة خاصة قبل هذ الاجتماع الحاشد الكبير وقالا له :

أيها الملك ، انه قد ضوى الى بلدك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا

في دينك ، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا اليك فيهم أشراف

قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشيرتهم لتردهم اليهم ، فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما

عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .

فولى النجاشي وجهه شطر المسلمين، ملقيا عليهم سؤاله :

ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن ديننا ؟؟

ونهض جعفر رضي الله عنه قائما ، ليؤدي المهمة التي كان المسلمون المهاجرون قد

اختاروه لها ابان تشاورهم ، وقبل مجيئهم الى هذا الاجتماع.

نهض جعفر رضي الله عنه في تؤدة وجلال ، وألقى نظرات محبة على الملك الذي أحسن

جوارهم وقال :

( أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ،

ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله

الينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه ، وأمانته وعفافه ، فدعانا الى الله لنوحده ونعبده،

وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، فعبدنا الله وحده ،

فلم نشرك به شيا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ،

فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا الى عبادة الأوثان ، فخرجنا إلى بلادك ، واخترناك

على من سواك ، ورغبنا في جوارك ، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك )

فقال النجاشي : هل معك مما جاء به الله من شيء .

فقال له جعفر رضي الله عنه : ( نعم )

وقرأ عليه من صدر سورة مريم ، فبكى النجاشي وبكت أساقفته ، ثم قال النجاشي :

ان هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة ! انطلقا فلا والله لا أسلمهم اليكما ، ولا يكادون

لكن عمرو بن العاص كان داهية واسع الحيلة، لا يتجرع الهزيمة، ولا يذعن لليأس ، وهكذا لم

يكد يعود مع صاحبه الى نزلهما، حتى ذهب يفكر ويدبر، وقال لزميله :

والله لأرجعن للنجاشي غدا، ولآتينه عنهم بما يستأصل خضراءهم

وأجابه صاحبه : لا تفعل ، فان لهم أرحاما، وان كانوا قد خالفونا

قال عمرو : والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد، كبقية العباد

وفي الغداة سار الى مقابلة الملك، وقال له :

أيها الملك : انهم ليقولون في عيسى قولا عظيما

واضطرب الأساقفة ، واهتاجتهم هذه العبارة القصيرة ، ونادوا بدعوة المسلمين لسؤالهم

عن موقف دينهم من المسيح.

وعلم المسلمون بالمؤامرة الجديدة، فجلسوا يتشاورون ، ثم اتفقوا على أن يقولوا الحق ا

لذي سمعوه من نبيهم عليه الصلاة والسلام، لايحيدون عنه قيد شعرة، وليكن ما يكن..

وانعقد الاجتماع من جديد ، وبدأ النجاشي الحديث سائلا جعفر رضي الله عنه :

ماذا تقولون في عيسى ؟؟

ونهض جعفر رضي الله عنه مرة أخرى كالمنار المضيء وقال :

( نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم فهو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته

ألقاها الى مريم العذراء البتول )

فهتف النجاشي مصدقا ومعلنا أن هذا هو ما قاله المسيح عن نفسه..

لكن صفوف الأساقفة ضجت بما يشبه النكير..

ومضى النجاشي المستنير المؤمن يتابع حديثه قائلا للمسلمين :

اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي، ومن سبكم أو آذاكم، فعليه غرم ما يفعل .

ثم التفت صوب حاشيته، وقال وسبابته تشير الى مبعوثي قريش :

ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها ، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه .

وخرج مبعوثا قريش مخذولين، حيث وليا وجهيهما من فورهما شطر مكة عائين اليها ،

وخرج المسلمون بزعامة جعفر ليستأنفوا حياتهم الآمنة في الحبشة، لابثين فيها كما

قالوا : " بخير دار.. مع خير جار.."

حتى يأذن الله لهم بالعودة الى رسولهم واخوانهم وديارهم.


العودة من الحبشة


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفل مع المسلمين بفتح خيبر حين طلع عليهم

قادما من الحبشة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومعه من كانوا لا يزالون في الحبشة من المهاجرين..

وأفعم قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدمة غبطة، وسعادة وبشرا ، وعانقه النبي

صلى الله عليه وسلم وهو يقول :

" لا أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر.. أم بقدوم جعفر.."

وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الى مكة، حيث اعتمروا عمرة القضاء،

وعادوا الى المدينة، وقد اكتلأت نفس جعفر رضي الله عنه روعة بما سمع من انباء اخوانه

المؤمنين الذين خاضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر، وأحد وغيرهما من

المشاهد والمغازي ، وفاضت عيناه بالدمع على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقضوا نحبهم شهداء أبرار..

وطار فؤداه شوقا الى الجنة، وأخذ يتحين فرصة الشهادة ويترقب لحظتها المجيدة..


الشهادة


في غزوة مؤتة في جمادي الأول سنة ثمان كان لجعفر رضي الله عنه موعدا مع الشهادة ،

فقد رأى جعفر في هذه الغزوة فرصة العمر، فاما أن يحقق فيها نصرا كبيرا لدين الله،

واما أن يظفر باستشهاد عظيم في سبيل الله ، وتقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم

يرجوه أن يجعل له في هذه الغزوة مكانا..

كان جعفر رضي الله عنه يعلم علم اليقين أنها ليست نزهة ، بل ولا حربا صغيرة، انما هي

حرب لم يخض الاسلام منها من قبل ، حرب مع جيوش امبراطورية عريضة باذخة، تملك من

العتاد والأعداد، والخبرة والأموال ما لا قبل للعرب ولا للمسلمين به، ومع هذا طار شوقا

اليها، وكان ثالث ثلاثة جعلهم رسول الله قواد الجيش وأمراءه..

وخرج الجيش وخرج جعفر معه ، والتقى الجمعان في يوم رهيب..

وبينما كان من حق جعفر أن تأخذ الرهبة عنده عندما بصر جيش الروم ينتظم مائتي ألف

مقاتل، فانه على العكس، أخذته نشوة عارمة اذ احس في أنفه المؤمن العزيز، واعتداد

البطل المقتدر أنه سيقاتل أكفاء له وأندادا..

وما كادت الراية توشك على السقوط من يمين زيد بن حارثة، حتى تلقاها جعفر باليمين

ومضى يقاتل بها في اقدام خارق ، اقدام رجل لا يبحث عن النصر، بل عن الشهادة...

وتكاثر عليه وحوله مقاتلي الروم، ورأى فرسه تعوق حركته فاقتحم عنها فنزل ، وراح

يصوب سيفه ويسدده الى نحور أعدائه كنقمة القدر ، ولمح واحدا من الأعداء يقترب من

فرسه ليعلو ظهرها، فعز عليه أن يمتطي صهوتها هذا الرجس، فبسط نحوها سيفه، وعقرها..

وانطلق وسط الصفوف المتكالبة عليه يدمدم كالاعصار، وصوته يتعالى بهذا الرجزالمتوهج :

يا حبذا الجنة واقترابها *** طيبة، وبارد شرابها

والروم روم، قد دنا عذابها *** كافرة بعيدة أنسابها

علي اذا لاقيتها ضرابها

وأدرك مقاتلو الروم مقدرة هذا الرجل الذي يقاتل، وكانه جيش ، وأحاطوا به في اصرار

مجنون على قتله ، وحوصر بهم حصارا لا منفذ فيه لنجاة..

وضربوا بالسيوف يمينه، وقبل أن تسقط الراية منها على الأرض تلقاها بشماله ، وضربوها

هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه ، في هذه اللحظة تركزت كل مسؤوليته في ألا يدع

راية رسول الله صلى الله عليه وسلم تلامس التراب وهو حي.. فقتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة

وحين تكومت جثته الطاهرة، كانت سارية الراية مغروسة بين عضدي جثمانه، ونادت

خفقاتها عبدالله بن رواحة رضي الله عنه فشق الصفوف كالسهم نحوها، واخذها في قوة،

ومضى بها الى مصير عظيم..


الحزن على جعفر


تقول السيدة عائشة رضي الله عنها :

( لما أتى وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن )

فعندما أتاه نعي جعفر رضي الله عنه دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على امرأته

أسماء بنت عميس رضي الله عنها وقال لها : " ائتني ببني جعفر "

فأتت بهم فشمهم ودمعت عيناه فقالت :

يا رسول الله بأبي وأمي ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابـه شيء ؟

فقال : " نعم أصيبـوا هذا اليوم "

فقامت تصيح ، ودخلت فاطمـة وهي تبكي وتقول : واعماه !!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "على مثل جعفر فلتبكِ البواكي "

ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال :

" لا تغفلوا آلَ جعفر ، فإنهم قد شُغلوا "

ثم عاد الى مجلسه، وأصحابه حافون به ، ووقف شاعرالاسلام حسان بن ثابت يرثي

جعفر ورفاقه :

غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم

الى الموت ميمون النقيبة أزهر

أغرّ كضوء البدر من آل هاشم

أبي اذا سيم الظلامة مجسر

فطاعن حتى مال غير موسد

لمعترك فيه القنا يتكسّر

فصار مع المستشهدين ثوابه

جنان، ومتلف الحدائق أخضر

وكنا نرى في جعفر من محمد

وفاء وأمرا حازما حين يأمر

فما زال في الاسلام من آل هاشم

دعائم عز لا يزلن ومفخر

وذهب المساكين جميعهم يبكون أباهم، فقد كان جعفر رضي الله عنه أبا المساكين..

يقول أبو هريرة:

" كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب"...


فضله


- قال أبو هريرة رضي الله عنه :

( ما احتذى النعَال ولا ركب المطَايا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر )

- وكان رسول صلى الله عليه وسلم يقول لجعفر رضي الله عنه : " أشبهتَ خلقي وخُلقي "

- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميه : " أبا المساكين "

- دخل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في هم شديد بعد استشهاده حتى أتاه جبريل

عليه السلام فأخبره أن الله تعالى قد جعل لجعفر جناحَين مضرجينِ بالدم ، يطير بهما مع الملائكة .

- كما قال عبد الله بن جعفر رضي الله عنه :

( كنت إذا سألت عليا شيئا فمنعني وقلت له : بحق جعفر .. إلا أعطاني )

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رأى عبد الله بن جعفررضي الله عنه

قال : ( السلام عليك يا ابن ذي الجناحين )

يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنه :

( كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه، فوجدناه وبه بضع وتسعون ما بين رمية وطعنة )

بضع وتسعون طعنة سيف ورمية رمح..!!

ومع هذا، فهل نال القتلة من روحه ومن مصيره منالا..؟؟

أبدا.. وما كانت سيوفهم ورماحهم سوى جسر عبر عليه الشهيد المجيد الى جوار الله

الأعلى الرحيم، حيث نزل في رحابه مكانا عليا..

انه هنالك في جنان الخلد، يحمل أوسمة المعركة على كل مكان من جسد أنهكته السيوف والرماح

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:40 PM
بلال بن رباح

بلال بن رباح الحبشي ، هذا الرجل شديد السمرة ، النحيف الناحل ، المفرط الطول الكث الشعر ، لم يكن يسمع كلمات المدح والثناء توجه اليه ، الا ويحني رأسه ويغض طرفه ويقول وعبراته على وجنتيه تسيل :( انما أنا حبشي كنت بالأمس عبدا )
ذهب يوما -رضي الله عنه- يخطب لنفسه ولأخيه زوجتين فقال لأبيهما :
( أنا بلال وهذا أخي ، عبدان من الحبشة ، كنا ضالين فهدانا الله ، وكنا عبدين فأعتقنا الله ،
ان تزوجونا فالحمد لله ، وان تمنعونا فالله أكبر)


نسبه واسلامه

انه حبشي من أمة سوداء ، عبدا لأناس من بني جمح بمكة ، حيث كانت أمه احدى امائهم وجواريهم ولقد بدأت أنباء محمد تنادي سمعه ، حين أخذ الناس في مكة يتناقلوها ،
وحين كان يصغي الى أحاديث سادته وأضيافهم ،وذات يوم يبصر بلال نور الله ،
ويسمع في أعماق روحه الخيرة رنينه ، فيذهب الى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويسلم ولا يلبث خبر اسلامه أن يذيع ،
وتدور الأرض برءوس أسياده من بني جمح ،وتجثم شياطين الأرض فوق
صدر أمية بن خلف الذي رأى في اسلام عبد من عبدانهم لطمة جللتهم بالخزي والعار ، ويقول أمية لنفسه :( ان شمس هذا اليوم لن تغرب الا ويغرب معها اسلام هذا العبد الآبق)


العذاب و الحرية

لقد كانوا يخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها الى جهنم قاتلة ،
فيطرحونه على حصاها الملتهب وهو عريان ، ثم يأتون بحجر متسعر كالحميم
ينقله من مكانه بضعة رجال ويلقون به فوقه ، ويصيح به جلادوه :
( اذكر اللات والعزى )...... فيجيبهم : ( أحد أحد)
واذا حان الأصيل أقاموه ، وجعلوا في عنقه حبلا ، ثم أمروا صبيانهم أن يطوفوا
به جبال مكة وطرقها ،وبلال -رضي الله عنه- لا يقول سوى
( أحد أحد ) ويذهب اليهم أبوبكر الصديق وهم يعذبونه ،
ويصيح بهم : ( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ ؟ )
ثم يصيح في أمية :( خذ أكثر من ثمنه واتركه حرا )
وباعوه لأبي بكر الذي حرره من فوره ، وأصبح بلال من الرجال الأحرار .....


غزوة بدر

و بعد هجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين الى المدينة ،
يشرع الرسول للصلاة آذانها ويختار بلال -رضي الله عنه- ليكون أول مؤذن للاسلام ، وينشب القتال بين المسلمين وجيش قريش وبلال هناك يصول ويجول في أول غزوة يخوضها الاسلام ، غزوة بدر ،
تلك الغزوة التي أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يكون شعارها ( أحد أحد)
وبينما المعركة تقترب من نهايتها ، لمح أمية بن خلف ( عبد الرحمن بن عوف)
صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاحتمى به وطلب اليه أن يكون أسيره
رجاء أن يخلص بحياته فلمحه بلال فصاح
قائلا :( رأس الكفر ، أمية بن خلف لا نجوت أن نجا )
ورفع سيفه ليقطف الرأس الذي طالما أثقله الغرور والكبر فصاح به
( عبدالرحمن بن عوف) :( أي بلال انه أسيري ) ورأى بلال أنه لن يقدر وحده
على اقتحام حمى أخيه في الدين فصاح بأعلى صوته في المسلمين :
( يا أنصار الله ، رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت أن نجا )
وأقبلت كوكبة من المسلمين وأحاطت بأمية وابنه ، ولم يستطع عبد الرحمن بن عوف
أن يصنع شيئا ، وألقى بلال على جثمان أمية الذي هوى تحت السيوف نظرة طويلة
ثم هرول عنه مسرعا وصوته يصيح :( أحد أحد )


يوم الفتح

وعاش بلال مع الرسـول -صلى اللـه عليه وسلم- يشهد معه المشاهـد كلها ،
وكان يزداد قربا من قلب الرسـول الذي وصفه بأته( رجل من أهل الجنة)
وجاء فتح مكة ، ودخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- الكعبة ومعه بلال ،
فأمره أن يؤذن ، ويؤذن بلال فيا لروعة الزمان والمكان والمناسبة


بلال من المرابطين

وذهب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الى الرفيق الأعلى ،
ونهض بأمر المسلمين من بعده أبوبكر الصديق ، وذهب بلال الى الخليفة يقول له :
( يا خليفة رسول الله ، اني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
يقول : أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله )
قال له أبو بكر : ( فما تشاء يا بلال ؟)
قال :( أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت )
قال أبو بكر :( ومن يؤذن لنا ؟؟)
قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع :( اني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله )
قال أبو بكر :( بل ابق وأذن لنا يا بلال )
قال بلال :( ان كنت قد أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد ، وان كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له )
قال أبو بكر :( بل أعتقتك لله يا بلال ) ويختلف الرواة في أنه سافر الى الشام حيث بقي مرابطا ومجاهدا ، ويروي بعضهم أنه قبل رجاء أبي بكر وبقي في المدينة فلما قبض وولى الخلافة عمر ، استأذنه وخرج الى الشام ....


الآذان الأخير

وكان آخر آذان له ،أيام زار الشام أمير المؤمنين عمر-رضي الله عنه-
وتوسل المسلمون اليه أن يحمل بلالا على أن يؤذن لهم صلاة واحدة ،
ودعا أمير المؤمنين بلالا ، وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لها ،
وصعد بلال وأذن فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
وبلال يؤذن ، بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا ، وكان عمر أشدهم بكاء


وفاته

ومات بلال في الشام مرابطا في سبيل الله كما أراد ورفاته تحت ثرى دمشق

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:43 PM
خباب بن الأرت أستاذ فن الفداء


خباب بن الأرت بن جندلة التميمي وكنيته أبو يحيى وقيل أبو عبد الله

صحابي من السابقين إلى الإسلام ، فأسلم سادس ستة ، وهو أول من

أظهر إسلامه ، وكان قد سُبي في الجاهليـة ، فبيع في مكة ثم حالف

بني زُهرة ، وأسلم وكان من المستضعفين .


إسلامه


خرج نفر من القرشيين، يغدون الخطى، ميممين شطر دار خباب ليتسلموا منه

سيوفهم التي تعاقدوا معه على صنعها..

وقد كان خباب رضي الله عنه سيافا، يصنع السيوف ويبيعها لأهل مكة، ويرسل بها إلى الأسواق..

وعلى غير عادة خباب رضي الله عنه الذي لا يكاد يفارق بيته وعمله، لم

يجده ذلك النفر من قريش فجلسوا ينتظرونه..

وبعد حين طويل جاء خباب رضي الله عنه على وجهه علامة استفهام مضيئة،

وفي عينيه دموع مغتبطة ، وحيا ضيوفه وجلس..

وسألوه عجلين : هل أتممت صنع السيوف يا خباب ؟

وجفت دموع خباب رضي الله عنه ، وحل مكانها في عينيه سرور متألق،

وقال وكأنه يناجي نفسه : ( إن أمره لعجب )

وعاد القوم يسألونه : أي أمر يا رجل ؟

نسألك عن سيوفنا، هل أتممت صنعها ؟

ويستوعبهم خباب رضي الله عنه بنظراته الشاردة الحالمة ..

ويقول : هل رأيتموه..؟ هل سمعتم كلامه..؟

وينظر بعضهم لبعض في دهشة وعجب ، ويعود أحدهم فيسأله

في خبث : هل رأيته أنت يا خباب ؟

ويسخر خباب رضي الله عنه من مكر صاحبه، فيرد عليه السؤال قائلا : من تعني ؟

ويجيب الرجل في غيظ : أعني الذي تعنيه ؟

ويجيب خباب رضي الله عنه بعد إذ أراهم أنه أبعد منالا من أن

يستدرج ، وأنه اعترف بإيمانه الآن أمامهم، فليس لأنهم خدعوه

عن نفسه، واستدرجوا لسانه، بل لأنه رأى الحق وعانقه، وقرر أن يصدع به ويجهر..

فأجابهم قائلا وهو هائم في نشوته وغبطة روحه :

( أجل رأيته، وسمعته ، رأيت الحق يتفجر من جوانبه، والنور يتلألأ بين ثناياه )

وبدأ عملاؤه القرشيون يفهمون، فصاح به أحدهم :

من هذا الذي تتحدث عنه يا عبد أم أنمار ؟

وأجاب خباب رضي الله عنه في هدوء القديسين :

( ومن سواه، يا أخا العرب من سواه في قومك، من يتفجر من جوانبه

الحق، ويخرج النور بين ثناياه ؟ )

وصاح آخر وهب مذعورا: أراك تعني محمدا.

وهز خباب رضي الله عنه رأسه المفعم بالغبطة، وقال:

( نعم انه هو رسول الله إلينا، ليخرجنا من الظلمات إلى النور )

ولا يدري خباب رضي الله عنه ماذا قال بعد هذه الكلمات، ولا ماذا

قيل له ، كل ما يذكره أنه أفاق من غيبوبته بعد ساعات طويلة

ليرى زواره قد انفضوا ، وجسمه وعظامه تعاني رضوضا وآلاما، ودمه النازف يضمخ ثوبه وجسده.

وحدقت عيناه الواسعتان فيما حوله ، وكان المكان أضيق من أن يتسع

لنظراتهما النافذة، فتحمل على آلامه، ونهض شطر الفضاء وأمام باب

داره وقف متوكئا على جدارها، وانطلقت عيناه الذكيتان في رحلة طويلة

تحدقان في الأفق، وتدوران ذات اليمين وذات الشمال ، انهما لا تقفان

عند الأبعاد المألوفة للناس.. انهما تبحثان عن البعد المفقود...

أجل تبحثان عن البعد المفقود في حياته، وفي حياة الناس الذين معه في مكة، والناس في كل مكان وزمان..

ترى هل يكون الحديث الذي سمعه من محمد عليه الصلاة والسلام اليوم،

هو النور الذي يهدي إلى ذلك البعد المفقود في حياة البشر كافة ؟

واستغرق خباب رضي الله عنه في تأملات سامية، وتفكير عميق..

ثم عاد إلى داخل داره.. عاد يضمد جراح جسده، ويهيئه لاستقبال تعذيب جديد، وآلام جديدة.

ومن ذلك اليوم أخذ خباب رضي الله عنه مكانه العالي بين المعذبين والمضطهدين..

أخذ مكانه العالي بين الذين وقفوا برغم فقرهم، وضعفهم يواجهون

كبرياء قريش وعنفها وجنونها..

أخذ مكانه العالي بين الذين غرسوا في قلوبهم سارية الراية التي أخذت

تخفق في الأفق الرحيب ناعية عصر الوثنية، والقيصرية..

مبشرة بأيام المستضعفين والكادحين، الذين سيقفون تحت ظل هذه الراية

سواسية مع أولئك الذين استغلوهم من قبل، وأذاقوهم الحرمان والعذاب..

وفي استبسال عظيم، حمل خباب رضي الله عنه تبعاته كرائد.. يقول الشعبي :

( لقد صبر خباب، ولم تلن له أيدي الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرضف حتى ذهب لحمه )


الاضطهاد و الصبر


كان حظ خباب رضي الله عنه من العذاب كبيرا، ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب..

لقد حول كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خباب والذي كان يصنع

منه السيوف.. حولوه كله إلى قيود وسلاسل، كان يحمى عليها في النار

حتى تستعر وتتوهج، ثم يطوق بها جسده ويداه وقدماه..

ولكنه صبر واحتسب ، فها هو يحدث :

( شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرد له في ظل

الكعبة ، فقلنا : يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا )

أي تسأل الله لنا النصر والعافية...

فجلس صلى الله عليه وسلم، وقد احمر وجهه وقال :

" قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل، فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بمنشار،

فيجعل فوق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى

يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخشى الله الله عز وجل، والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون "

سمع خباب رضي الله عنه ورفاقه هذه الكلمات، فازداد ايمانهم واصرارهم

وقرروا أن يري كل منهم ربه ورسوله ما يحبان من تصميم وصبر، وتضحية.


أم أنمار

خاض خباب معركة الهول صابرا، صامدا، محتسبا ، واستنجد القرشيون

أم أنمار سيدة خباب التي كان عبدا لها قبل أن تعتقه، فأقبلت واشتركت في حملة تعذيبه..

وكانت تأخذ الحديد المحمى الملتهب، وتضعه فوق رأسه ونافوخه، وخباب

رضي الله عنه يتلوى من الألم، لكنه يكظم أنفاسه، حتى لا تخرج منه زفرة ترضي غرور جلاديه.

ومر به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، والحديد المحمى فوق رأسه

يلهبه ويشويه، فطار قلبه حنانا وأسى، ولكن ماذا يملك عليه الصلاة

والسلام يومها لخباب .. لا شيء الا أن يثبته ويدعو له..

هنالك رفع الرسول صلى الله عليه وسلم كفيه المبسوطتين الى السماء، وقال : " اللهم أنصر خبابا "

ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قصاص عاجل،

كأنما جعله القدر نذيرا لها ولغبرها من الجلادين، ذلك أنها أصيبت بسعار

عصيب وغريب جعلها كما يقول المؤرخون تعوي مثل الكلاب..

وقيل لها يومئذ لا علاج سوى أن يكوى رأسها بالنار..

وهكذا شهد رأسها العنيد سطوة الحديد المحمى يصبحه ويمسيه.. كانت قريش تقاوم الايمان بالعذاب..

وكان المؤمنون يقاومون العذاب بالتضحية..

وكان خباب رضي الله عنه واحدا من أولئك الذين اصطفتهم المقادير

لتجعل منهم أساتذة في فن التضحية والفداء..


خدمة الدين


مضى خباب رضي الله عنه ينفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقت أعلامه..

ولم يكتف رضي الله عنه في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة، بل استثمر

قدرته على التعليم، فكان يغشى بيوت بعض اخوانه من المؤمنين الذين يكتمون

اسلامهم خوفا من بطش قريش، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم اياه..

ولقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آية آية وسورة سورة ، حتى ان

عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقراه بقراءة ابن أم عبد"

كان يعتبر خبابا رضي الله عنه مرجعا فيما يتصل بالقرآن حفظا ودراسة

وقد كان يدرس القرآن لـ فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد

رضي الله عنهما عندما فاجأهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه متقلدا سيفه

الذي خرج به ليصفي حسابه مع الاسلام ورسوله، لكنه لم يكد يتلو القرآن

المسطور في الصحيفة التي كان يعلم منها خباب رضي الله عنه ، حتى صاح

صيحته المباركة : ( دلوني على محمد )

وسمع خباب رضي الله عنه كلمات عمر رضي الله عنه هذه، فخرج من مخبئه

الذي كان قد توارى فيه وصاح :

( يا عمر.. والله اني لأرجوا أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه

وسلم، فاني سمعته بالأمس يقول :

اللهم أعز الاسلام بأحب الرجلين اليك أبي الحكم بن هشام، أوعمربن الخطاب )

وسأله عمر رضي الله عنه من فوره : وأين أجد الرسول الآن يا خباب ؟


فأجابه رضي الله عنه : (عند الصفا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم )

ومضى عمر رضي الله عنه الى حظوظه الوافية، ومصيره العظيم.


الدَين


كان خباب رضي الله عنه رجلا قينا ، وكان له على العاص بن وائل دين،

فأتاه يتقاضاه ، فقال العاص : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد

فقال خباب رضي الله عنه : ( لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث )

قال العاص : إني لمبعوث من بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد ؟

فنزل فيه قوله تعالى :

(( أفَرَأيْتَ الذَي كَفَرَ بِآياتنا وقال لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ

عند الرحمنِ عَهْداً * كلاّ سَنَكتُبُ ما يقول ونَمُدُّ له من العذاب مَدّا * َنَرِثُهُ ما يقولُ ويَأتينا فرداً ))

جهاده

شهد خباب بن الأرت رضي الله عنه جميع الغزوات مع الرسول صلى الله عليه

وسلم وعاش عمره حفيظا على إيمانه ويقينه .

يقول خباب رضي الله عنه :

( لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أملك دينارا ولا درهما ،

وإن في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف واف ، ولقد خشيت الله أن

تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا )

في عهد الخلافة


عندما فاض بيت مال المسلمين بالمال أيام عمر وعثمان رضي الله عنهما ،

كان لخباب رضي الله عنه راتب كبير بوصفه من المهاجرين السابقين إلى

الإسلام ، فبنى دارا بالكوفة ، وكان يضع ماله في مكان من البيت يعلمه

أصحابه ورواده ، وكل من احتاج يذهب ويأخذ منه .

وفاته


قال لخباب رضي الله عنه بعض عواده وهو في مرض الموت :

ابشر يا أبا عبدالله ، فإنك ملاق إخوانك غدا

فأجابهم رضي الله عنه وهو يبكي :

( أما انه ليس بي جزع ولكنكم ذكرتموني أقواما، واخوانا، مضوا بأجورهم

كلها ام ينالوا من الدنيا شيئا ، وانا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعا الا التراب )

وأشار الى داره المتواضعة التي بناها ، ثم أشار مرة أخرى الى المكان الذي فيه أمواله وقال :

( والله ما شددت عليها من خيط ، ولا منعتها من سائل )

ثم التفت الى كفنه الذي كان قد أعد له، وكان يراه ترفا وإسرافا وقال ودموعه تسيل :

( أنظروا هذا كفني ، لكن حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجد له

كفن يوم استشهد الا بردة ملحاء ذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، واذا

جعلت على قدميه قلصت عن رأسه )

ومات خباب رضي الله عنه في السنة السابعة والثلاثين للهجرة ..

مات أستاذ صناعة السيوف في الجاهلية..

مات أستاذ صناعة التضحية والفداء في الاسلام..

مات واحد من الأبناء البررة لأيام الوحي وجيل التضحية...

مات الرجل الذي كان أحد الجماعة الذين نزل القرآن يدافع عنهم، ويحييهم،

عندما طلب بعض السادة من قريش أن يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه

وسلم يوما، وللفقراء من أمثال خباب، وصهيب، وبلال يوما آخر ...

فاذا القرآن العظيم يختص رجال الله هؤلاء في تمجيد لهم وتكريم، وتهل

آياته قائلة للرسول صلى الله عليه وسلم :

(( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه * ما عليك من

حسابهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين * وكذلك فتنا بعضهم ببعض

ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ))

وهكذا ، لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يراهم بعد نزول الآيات حتى

يبالغ في اكرامهم فيفرش لهم رداءه، ويربت على أكتافهم، ويقول لهم :

" أهلا بمن أوصاني بهم ربي"

ولعل خير ما نودعه به، كلمات الامام علي كرم الله وجهه حين كان عائدا

من معركة صفين، فوقعت عيناه على قبر غض رطيب، فسأل : ( قبر من هذا..؟ )

فأجابوه : انه قبر خباب.

فتملاه خاشعا آسيا، وقال :

( رحم الله خبابا.. لقد أسلم راغبا... وهاجر طائعا.. وعاش مجاهدا ..

وابتلي في جسمه .. ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا )

ثم دنا من قبورهم فقال :

( السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ، أنتم لنا سلف فارط ،

ونحن لكم تبع عما قليل لاحِق ، اللهم اغفر لنا ولهم وتجاوز بعفوك عنا

وعنهم ، طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ، وأرضى الله عز وجل )

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:45 PM
حمزة بن عبد المطلب
أسد الله وسيد الشهداء



هو حمزة بن عبد المطلب ( أبو عمارة ) ، عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة .

الرباط الوثيق


كان حمزة رضي الله عنه يعرف عظمة ابن أخيه وكماله ، وكان

على بينة من حقيقة أمره ، وجوهر خصاله.

فهو لا يعرفه معرفة العم بابن أخيه فحسب ، بل معرفة الأخ بالأخ ،

والصديق بالصديق و ذلك لأنهما من جيل واحد، وسن متقاربة.

نشأ معا وتآخيا معا ، وسارا معا على الدرب من أوله خطوة خطوة.

ولئن كان شباب كل منهما قد مضى في طريق ، فأخذ حمزة رضي

الله عنه يزاحم أنداده في نيل طيبات الحياة ، وإفساح مكان لنفسه بين زعماء مكة وسادات قريش..

في حين عكف محمد صلى الله عليه وسلم على إضواء روحه التي

انطلقت تنير له الطريق إلى الله وعلى حديث قلبه الذي نأى به من

ضوضاء الحياة إلى التأمل العميق ، والى التهيؤ لمصافحة الحق وتلقيه..

فان حمزة رضي الله عنه لم تغب عن وعيه لحظة من نهار فضائل ابن

أخيه التي كانت تحمل لصاحبها مكانا عليا في أفئدة الناس

كافة ، وترسم صورة واضحة لمستقبله العظيم.

إسلام حمزة


خرج حمزة رضي الله عنه في صبيحة يوم وعند الكعبة فوجد نفرا

من أشراف قريش وسادتها فجلس معهم ، يستمع لما يقولون ، وكانوا

يتحدثون عن محمد صلى الله عليه وسلم ..

ولأول مرة رآهم حمزة رضي الله عنه يستحوذ عليهم القلق من دعوة

ابن أخيه ، وتظهر في أحاديثهم عنه نبرة الحقد ، والغيظ والمرارة.

وضحك من أحاديثهم طويلا ، ورماهم بالمبالغة ، وسوء التقدير ..

ومضت الأيام ، ينادي بعضها بعضا ومع كل يوم تزداد همهمة قريش

حول دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ..

ثم تتحول همهمة قريش إلى تحرش ، وحمزة رضي الله عنه يرقب الموقف من بعيد....

وهكذا طوى صدره الى حين على أمر سيتكشف في يوم قريب

.. وجاء اليوم الموعود .. وخرج حمزة رضي الله عنه من داره ،

متوشحا قوسه ، ميمما وجهه شطر الفلاة ليمارس هوايته المحببة ، ورياضته الأثيرة ، الصيد..

وقضى هناك بعض يومه ، ولما عاد من قنصه ، ذهب كعادته إلى

الكعبة ليطوف بها قبل أن يقفل راجعا إلى داره.

وقريبا من الكعبة ، لقيته خادم لعبدالله بن جدعان ولم تكد تبصره حتى قالت له :

يا أبا عمارة .. لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا ، من أبي الحكم

بن هشام ، وجده جالسا هناك ، فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره.

واستمع حمزة رضي الله عنه جيدا لقولها ، ثم أطرق لحظة ، ثم مد

يمينه الى قوسه فثبتها فوق كتفه.. ثم انطلق في خطى سريعة حازمة

صوب الكعبة راجيا أن يلتقي عندها بأبي جهل..

فإن هو لم يجده هناك ، فسيتابع البحث عنه في كل مكان حتى يلاقيه

ولكنه لا يكاد يبلغ الكعبة ، حتى يبصر أبا جهل في فنائها يتوسط نفرا من سادة قريش ..

وفي هدوء رهيب ، تقدم حمزة رضي الله عنه من أبي جهل ، ثم استل

قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجه وأدماه ، وقبل أن يفيق

الجالسون من الدهشة ، صاح حمزة رضي الله عنه في أبي جهل :

( أتشتم محمدا ، وأنا على دينه أقول ما يقول..؟ ألا فرد ذلك علي إن استطعت )

فأسلم حمزة رضي الله عنه ، وأعلن على الملأ الأمر الذي كان يطوي

عليه صدره ، وترك الجمع الذاهل يجتر خيبة أمله ، وأبا جهل يلعق

دماءه النازفة من رأسه المشجوج ..

ومد حمزة رضي الله عنه يمينه مرة أخرى إلى قوسه فثبتها فوق

كتفه ، واستقبل الطريق إلى داره في خطواته الثابتة ، وبأسه الشديد.

حمزة و الإسلام


عجب حمزة رضي الله عنه كيف يتسنى لإنسان أن يغادر دين آبائه

بهذه السهولة وهذه السرعة.. وندم على ما فعل .. ولكنه واصل رحلة

العقل .. ولما رأى أن العقل وحده لا يكفي لجأ إلى الغيب بكل إخلاصه وصدقه..

وعند الكعبة ، كان يستقبل السماء ضارعا ، مبتهلا، كي يهتدي إلى الحق

وإلى الطريق المستقيم قال رضي الله عنه وهو يروي بقية النبأ :

( ثم أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي .. وبت من الشك في أمر

عظيم .. لا أكتحل بنوم ثم أتيت الكعبة .. وتضرعت إلى الله أن يشرح

صدري للحق .. ويذهب عني الريب .. فاستجاب الله لي وملأ قلبي يقينا

وغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري

فدع الله أن يثبت قلبي على دينه )

وهكذا أسلم حمزة رضي الله عنه إسلام اليقين ..

وأعز الله الإسلام بحمزة رضي الله عنه فوقف شامخا قويا يذود عن

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن المستضعفين من أصحابه..

لقد نذر كل عافيته ، وبأسه ، وحياته لله ولدينه حتى خلع النبي صلى الله

عليه وسلم عليه هذا اللقب العظيم : " أسد الله ، وأسد رسوله "

جهاده

أول سرية خرج فيها المسلمون للقاء عدو، كان أميرها حمزة رضي الله عنه..

وأول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين

كانت لحمزة رضي الله عنه ..

ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر ، كان أسد الله ورسوله رضي الله عنه هناك يصنع الأعاجيب..

وعادت فلول قريش من بدر الى مكة تتعثر في هزيمتها وخيبتها

ورجع أبو سفيان مخلوع القلب ، مطأطئ الرأس وعشرات مثلهم من رجال قريش وصناديدها.

وما كانت قريش لتتجرع هذه الهزيمة المنكرة في سلام ، فراحت

تعد عدتها وتحشد بأسها ، لتثأر لنفسها ولشرفها ولقتلاها ،

وصممت قريش على الحرب ..


المؤامرة

جاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش على بكرة أبيها ، ومعها حلفاؤها

من قبائل العرب ، وبقيادة أبي سفيان مرة أخرى.وكان زعماء قريش

يهدفون بمعركتهم الجديدة هذه إلى رجلين اثنين :

الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحمزة رضي الله عنه .

ولقد اختاروا قبل الخروج ، الرجل الذي وكلوا إليه أمر حمزة رضي الله

عنه ، وهو حبشي ، كان ذا مهارة خارقة في قذف الحربة ، جعلوا كل

دوره في المعركة أن يتصيد حمزة رضي الله عنه ويصوب إليه ضربة قاتلة

من رمحه ، وحذروه من أن ينشغل عن هذه الغاية بشيء آخر ، مهما يكن

مصير المعركة واتجاه القتال.

ووعدوه بثمن غال وعظيم هو حريته ، فقد كان الرجل واسمه وحشي

عبدا لجبير بن مطعم ، وكان عم جبير قد لقي مصرعه يوم بدر فقال له جبير :

اخرج مع الناس وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق .

ثم أحالوه الى هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لتزيده تحريضا ودفعا إلى الهدف الذي يريدون ..

وكانت هند قد فقدت في معركة بدر أباها ، وعمها ، وأخاها ، وابنها

وقيل لها أن حمزة رضي الله عنه هو الذي قتل بعض هؤلاء ، وأجهز على البعض الآخر..

كانت المؤامرة و الحرب كلها تريد حمزة رضي الله عنه بشكل واضح وحاسم ..

استشهاد أسد الله




جاءت غزوة أحد ، والتقى الجيشان ، وتوسط حمزة رضي الله

عنه أرض الموت والقتال ، مرتديا لباس الحرب ، وعلى صدره

ريشة النعام التي تعود أن يزين بها صدره في القتال ..

وراح يصول ويجول ، لا يريد رأسا إلا قطعه بسيفه ، ومضى يضرب

في المشركين ، وكأن المنايا طوع أمره ، يقف بها من يشاء فتصيبه في صميمه.

وصال المسلمون جميعا حتى قاربوا النصر الحاسم ، وحتى أخذت

فلول قريش تنسحب مذعورة هاربة ، ولولا أن ترك الرماة مكانهم

فوق الجبل ، ونزلوا إلى أرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو المهزوم

لولا تركهم مكانهم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش لكانت

غزوة أحد مقبرة لقريش كلها ، رجالها ، ونسائها بل وخيلها وإبلها.

لقد دهم فرسانها المسلمين من ورائهم على حين غفلة ، واعملوا فيهم

سيوفهم الظامئة ، وراح المسلمون يجمعون أنفسهم من جديدو ويحملون

سلاحهم الذي كان بعضهم قد وضعه ورأى حمزة رضي الله عنه ما حدث فضاعف قوته ونشاطه وبلاءه ..

وأخذ يضرب عن يمينه وشماله ، وبين يديه ومن خلفه ، ووحشي هناك

يراقبه ، ويتحين الفرصة الغادرة ليوجه نحوه ضربته .. ويصف وحشي المشهد بكلماته :

( كنت رجلا حبشيا ، أقذف بالحربة قذف الحبشة ، فقلما أخطئ بها

شيئا .. فلما التقى الأنس خرجت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيته

في عرض الناس مثل الجمل الأورق .. يهد الناس بسيفه هدا .. ما

يقف امامه شيء .. فوالله اني لأتهيأ له أريده .. وأستتر منه بشجرة

لأقتحمه أو ليدنو مني .. إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى.

عندئذ هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها فوقعت في ثنته

حتى خرجت من بين رجليه .. ونهض نحوي فغلب على أمره ثم

مات .. وأتيته فأخذت حربتي .. ثم رجعت الى المعسكر فقعدت فيه

إذ لم يكن لي فيه حاجة .. فقد قتلته لأعتق .. فان كنت قد قتلت بحربتي

هذه خير الناس وهو حمزة .. فإني لأرجو أن يغفر الله لي إذ قتلت بها شر الناس مسيلمة )

هكذا سقط أسد الله ورسوله شهيدا مجيدا.. وكما كانت حياته مدوية

كانت موتته مدوية كذلك.. فلم يكتف أعداؤه بمقتله.. فقد أمرت هند بنت

عتبة زوجة أبي سفيان .. أمرت وحشيا أن يأتيها بكبد حمزة .. وعندما

عاد بها الى هند كان يناولها الكبد بيمناه .. ويتلقى منها قرطها وقلائدها

بيسراه .. مكافأة له على انجاز مهمته.. ومضغت هند بنت عتبة كبد حمزة

راجية أن تشفي تلك الحماقة حقدها وغلها.

حزن النبي


انتهت المعركة ، وامتطى المشركون ابلهم ، وساقوا خيلهم قافلين الى

مكة ، ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه الى أرض المعركة لينظر شهداءها ..

وهناك في بطن الوادي وهو يتفحص وجوه أصحابه الذين باعوا لله

أنفسهم .. وقف فجأة .. ونظر فوجم .. وضغط على أسنانه.. وأسبل جفنيه..

فما كان يتصور قط أن يهبط الخلق العربي على هذه الوحشية البشعة

فيمثل بجثمان ميت على الصورة التي رأى فيها جثمان عمه الشهيد

حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أسد الله وسيد الشهداء..

وفتح الرسول صلى الله عليه وسلم عينيه التي تألق بريقهما كومض

القدر وقال وعيناه على جثمان عمه :

" لن أصاب بمثلك أبدا .. وما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من موقفي هذا "

ثم التفت صلى الله عليه وسلم الى أصحابه وقال :

" لولا أن تحزن صفية ويكون سنه من بعدي ، لتركته حتى يكون في

بطون السباع وحواصل الطير ، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن

من المواطن ، لأمثلن بثلاثين رجلا منهم "

فصاح أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم :

( والله لئن ظفرنا بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم ، مثلة لم يمثلها أحد من العرب )

ولكن الله الذي أكرم حمزة بالشهادة ، يكرمه مرة أخرى بأن يجعل من

مصرعه فرصة لدرس عظيم يحمي العدالة إلى الأبد ، ويجعل الرحمة حتى في العقوبة والقصاص واجبا وفرضا..

وهكذا لم يكد الرسول صلى الله عليه وسلم يفرغ من إلقاء وعيده السالف

حتى جاءه الوحي وهو في مكانه لم يبرحه بهذه الآية الكريمة :

(( وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين *

واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يمكرون *

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ))

وكان نزول هذه الآيات ، في هذا الموطن ، خير تكريم لحمزة رضي الله عنه الذي وقع أجره على الله ..

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه أعظم الحب ، فهو لم يكن

عمه الحبيب فحسب .. بل كان أخاه من الرضاعة.. وتَربه في الطفولة وصديق العمر كله..

وفي لحظات الوداع هذه ، لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم تحية

يودعه بها خيرا من أن يصلي عليه بعدد شهداء المعركة جميعا..

وهكذا حمل جثمان حمزة رضي الله عنه إلى مكان الصلاة على أرض

المعركة التي شهدت بلاءه ، واحتضنت دماءه ، فصلى عليه الرسول

صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم جيء بشهيد آخر ، فصلى عليه الرسول

صلى الله عليه وسلم ثم رفع وترك حمزة رضي الله عنه مكانه ، وجيء

بشهيد ثالث فوضع إلى جوار حمزة رضي الله عنه وصلى عليهما الرسول صلى الله عليه وسلم ..

وهكذا جيء بالشهداء.. شهيد بعد شهيد .. والرسول صلى الله عليه وسلم

يصلي على كل واحد منهم وعلى حمزة رضي الله عنه معه حتى صلى على عمه يومئذ سبعين صلاة ..



البكاء على حمزة




انصرف الرسول صلى الله عليه وسلم من المعركة إلى بيته ، فسمع

في طريقه نساء بني عبد الأشهل يبكين شهداءهن ، فقال صلى الله عليه

وسلم من فرط حنانه وحبه :

" لكن حمزة لا بواكي له "

ويسمعها سعد بن معاذ رضي الله عنه فيظن أن الرسول صلى الله عليه

وسلم يطيب نفسا إذا بكت النساء عمه ، فيسرع الى نساء بني عبد الأشهل

ويأمرهن أن يبكين حمزة رضي الله عنه فيفعلن…

ولا يكاد الرسول صلى الله عليه وسلم يسمع بكاءهن حتى يخرج إليهن ، ويقول :

" ما إلى هذا قصدت ، ارجعن يرحمكن الله ، فلا بكاء بعد اليوم "



أجمل عزاء للنبي




لقد كان مصاب النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العظيم حمزة رضي

الله عنه فادحا ، وكان العزاء فيه مهمة صعبة ، بيد أن الأقدر كانت تدخر

لرسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل عزاء.

ففي طريقه من أحد الى داره مر صلى الله عليه وسلم بسيدة من بني دينار

استشهد في المعركة أبوها وزوجها ، وأخوها..

وحين أبصرت المسلمين عائدين من الغزو، سارعت نحوهم تسألهم عن

أنباء المعركة.. فنعوا إليها الزوج .. والأب .. والأخ..

وإذا بها تسألهم في لهفة : وماذا فعل رسول الله ؟؟

قالوا : خيرا.. هو بحمد الله كما تحبين ..

قالت : أرونيه ، حتى أنظر إليه ..

ولبثوا بجوارها حتى اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلما رأته

أقبلت نحوه تقول :

( كل مصيبة بعدك ، أمرها يهون )

لقد كان هذا أجمل عزاء ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتسم

لهذا المشهد الفذ الفريد ، فليس في دنيا البذل ، والولاء ، والفداء لهذا نظير..

لقد كان مشهد أجاد القدر رسمه وتوقيته ليجعل منه للرسول الكريم

صلى الله عليه وسلم عزاء أي عزاء.. في أسد الله وسيد الشهداء..

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:47 PM
الأرقم بن أبي الأرقم


الأرقم بن أبي الأرقم القرشي المخزومي صحابي جليل ، وأحد

السابقين إلى الإسلام بمكة ، وكنيته أبو عبد الله ، وكان سابع

سبعة في الإسلام ، وقيل بل عاشر من أسلم.

وهو الذي استخفى رسول اللـه صلى الله عليه وسلم في داره

والمسلمون معه ، فكانت داره أول دار للدعوة الى الإسلام



أول دار للدعوة


كانت داره على الصفا ، وهي الدار التي كان النبي صلى الله عليه

وسلم يجتمع بأصحابه فيها بعيدا عن أعين المشركين ، ليعلمهم

القرآن وشرائع الإسلام ، وفي هذه الدار أسلم كبار الصحابة وأوائل

المسلمين ، وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الى الإسلام في

دار الأرقم رضي الله عنه حتى تكاملوا أربعين رجلا ، خرجوا يجهرون بالدعوة الى الله .


جهاده



هاجر الأرقم رضي الله عنه إلى المدينة ، وفيها آخى رسول الله

صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد بن سهل رضي الله عنهما.

وشهد الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه بدرا وأحدا والغزوات كلها ،

ولم يتخلف عن الجهاد ، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم دارا بالمدينة.


الصلاة في مسجد الرسول


روي أن الأرقم رضي الله عنه تجهز يوما ، وأراد الخروج إلى بيت

المقدس ، فلما فرغ من التجهيز والإعداد، جاء إلى النبي صلى الله

عليه وسلم يودعه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :

" ما يخرجك يا أبا عبد الله ، أحاجة أم تجارة ؟ "

فقال له الأرقم رضي الله عنه :

( يا رسول الله .. بأبي أنت وأمى ، إني أريد الصلاة في بيت المقدس )

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم :

" صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام "

فجلس الأرقم رضي الله عنه ، وعاد إلى داره مطيعا للنبي صلى

الله عليه وسلم ومنفذا لأوامره.


وفاته



ظل الأرقم رضي الله عنه يجاهد في سبيل الله ، لا يبخل بماله

ولا نفسه ولا وقته في سبيل نصرة الإسلام والمسلمين حتى جاءه مرض الموت ..

ولما أحس رضي الله عنه بقرب أجله في عهد معاوية بن أبي سفيان

رضي الله عنه أوصى بأن يصلي عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله

عنه ، ثم مات الأرقم رضي الله عنه وكان سعد رضي الله عنه غائبا

عن المدينة آنذاك ، فأراد مروان بن الحكم رضي الله عنه أمير المدينة

أن يصلي عليه فرفض عبيد الله بن الأرقم رضي الله عنه ..

فقال مروان رضي الله عنه :

أيحبس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل غائب؟

ورفض ابنه عبيد الله بن الأرقم رضي الله عنه أن يصلي عليه أحد

غير سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، وتبعه بنو مخزوم على ذلك ،

حتى جاء سعد رضي الله عنه ، وصلى عليه ، ودفن بالعقيق سنة (55هـ).

وكان عمر الأرقم رضي الله عنه بضعا وثمانين سنة .

مجدى بدوى
11-28-2009, 12:51 PM
زيد بن حارثة حِب رسول الله



أعد حارثة أبو زيد الراحلة والمتاع لزوجته سعدى التي كانت تزمع زيارة

أهلها في بني معن ، وخرج يودع زوجته التي كانت تحمل بين يديها طفلهما

الصغير زيد بن حارثة رضي الله عنه ، وكلما هم أن يستودعهما القافلة التي

خرجت الزوجة في صحبتها ويعود هو الى داره وعمله، ودفعه حنان خفي

وعجيب لمواصلة السير مع زوجته وولده..

لكن الشقة بعدت، والقافلة أغذت سيرها، وآن لحارثة أن يودع الوليد وأمه،

ويعود..وكذا ودعهما ودموعه تسيل.. ووقف طويلا مسمرا في مكانه حتى

غابا عن بصره، وأحس كأن قلبه لم يعد في مكانه.. كأنه رحل مع الراحلين..

وذات يوم فوجئ الحي، حي بني معن، باحدى القبائل المناوئة له تغير عليه،

وتنزل الهزيمة ببني معن، ثم تحمل فيما حملت من الأسرى ذلك الطفل اليفع،زيد بن حارثة..

وعادت الأم الى زوجها وحيدة ، ولم يكد حارثة يعرف النبأ حتى خر صعقا، وحمل

عصاه على كاهله، ومضى يجوب الديار، ويقطع الصحارى، ويسائل القبائل

والقوافل عن ولده وحبة قلبه زيد رضي الله عنه

وعندما اختطفت القبيلة المغيرة على بني معن نصرها، وعادت حاملة أسراها،

ذهبت الى سوق عكاظ التي كانت منعقدة أنئذ، وباعوا الأسرى..

ووقع الطفل زيد في يد حكيم بن حزام الذي وهبه بعد أن اشتراه لعمته خديجة

وكانت خديجة رضي الله عنها، قد صارت زوجة لمحمد بن عبدالله صلى الله

عليه وسلم ، الذي لم يكن الوحي قد جاءه بعد ، بيد أنه كان يحمل كل الصفات

العظيمة التي أهلته بها الأقدار ليكون غدا من المرسلين..

ووهبت خديجة رضي الله عنها بدورها خادمها زيد لزوجها رسول اله صلى الله

عليه وسلم فتقبله مسرورا وأعتقه من فوره، وراح يمنحه من نفسه العظيمة

ومن قلبه الكبير كل عطف ورعاية..

وفي أحد مواسم الحج. التقى تفر من حي حارثة بزيد رضي الله عنه في مكة،

ونقلوا اليه لوعة والديه، وحملهم زيد سلامه وحنانه وشوقه لأمه وأبيه، وقال للحجاج من قومه :

( أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد )

ولم يكن والد زيد يعلم مستقر ولده حتى أغذ السير اليه، ومعه أخوه..

وفي مكة مضيا يسألان عن محمد الأمين صلى الله عليه وسلم ولما لقياه

قالا له : يا بن عبدالمطلب ، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم، تفكون العاني،

وتطعمون الأسير.. جئناك في ولدنا، فامنن علينا وأحسن في فدائه

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم تعلق زيد به، وكان في نفس الوقت يقدر حق ابيه فيه..

هنالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" ادعوا زيدا، وخيروه، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء ، وان اختارني فوالله

ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء "

وتهلل وجه حارثة الذي لك يكن يتوقع كل هذا السماح وقال :

لقد أنصفتنا، وزدتنا عن النصف

ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم الى زيد، ولما جاء سأله :

" هل تعرف هؤلاء"..؟

قال زيد رضي الله عنه : ( نعم.. هذا أبي.. وهذا عمي )

وأعاد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله لحارثة وهنا قال زيد :

( ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب والعم )

ونديت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدموشاكرة وحانية، ثم أمسك

بيد زيد رضي الله عنه ، وخرج به الى فناء الكعبة، حيث قريش مجتمعة هناك، ونادى :

" اشهدوا أن زيدا ابني.. يرثني وأرثه "

وكاد قلب حارثة يطير من الفرح ، فابنه لم يعد حرا فحسب، بل وابنا للرجل الذي

تسميه قريش الصادق الأمين سليل بني هاشم وموضع حفاوة مكة كلها..

وعاد الأب والعم الى قومهما، مطمئنين على ولدهما والذي تركاه سيدا في مكة،

آمنا معافى، بعد أن كان أبوه لا يدري : أغاله السهل، أم غاله الجبل .


اسلام زيد وحب رسول الله له
ما حمل الرسول صلى الله عليه وسلم تبعة الرسالة حتى كان زيد ثاني المسلمين ،بل قيل أولهم ..

أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما، وكان بهذا الحب خليقا وجديرا..

فوفاؤه الذي لا نظير له، وعظمة روحه، وعفة ضميره ولسانه ويده...

كل ذلك وأكثر من ذلك كان يزين خصال زيد بن حارثة رضي الله عنه أو زيد الحب

كما كان يلقبه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام..

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها :

( ما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في جيش قط الا أمّره عليهم، ولو بقي حيّا بعد رسول الله لاستخلفه )

الى هذا المدى كانت منزلة زيد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فمن كان زيد هذا..؟؟

انه كما قلنا ذلك الطفل الذي سبي، ثم بيع، ثم حرره الرسول وأعتقه..

وانه ذلك الرجال القصير، الأسمر، الأفطس الأنف، بيد أنه أيضا ذلك الانسان الذي

" قلبه جميع وروحه حر"..

ومن ثم وجد له في الاسلام، وفي قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى منزلة

وأرفع مكان ، فلا الاسلام ولا رسوله من يعبأ لحظه بجاه النسب، ولا بوجاهة المظهر
زواج زيد

زوج الرسول صلى الله عليه وسلم زيدا من ابنة عمته ( زينب ) رضي الله عنها ، وقبلت

زينب الزواج تحت وطأة حيائها من الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن الحياة

الزوجية أخذت تتعثر ، فانفصل زيد عن زينب رضي الله عنهما، وتزوجها الرسول

صلى الله عليه وسلم واختار لزيد زوجة جديدة هي ( أم كلثوم بنت عقبة ) ، وانتشرت

في المدينة تساؤلات كثيرة :

كيف يتزوج محمد مطلقة ابنه زيد ؟

فأجابهم القرآن ملغيا عادة التبني ومفرقا بين الأدعياء والأبناء قال تعالى :

(( ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله ، وخاتم النبيين ))

وهكذا عاد زيد رضي الله عنه الى اسمه الأول ( زيد بن حارثة )



فضله


- قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة ، فقلت : " لمن أنت ؟ "

قالت : لزيد بن حارثة

- كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" لا تلومونا على حبِّ زيدٍ "

- وآخى الرسول صلى الله عليه وسلم بين زيد بن حارثة وبين حمزة بن عبد المطلب

- بعث الرسول صلى الله عليه وسلم بعثا فأمر عليهم أسامة بن زيد ، فطعن بعض

الناس في إمارته فقال صلى الله عليه وسلم :

" إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل ، وأيمُ الله إن

كان لخليقاً للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إليّ ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده "

- قالت السيدة عائشة رضي الله عنها :

( لم يبعثه النبي صلى الله عليه وسلم في جيش قط، الا جعله أميرا على هذا الجيش )


غزوة مؤتة


كان الروم بأمبراطوريتهم الهرمة، قد بدأوا يوجسون من الاسلام خيفة..

بل صاروا يرون فيها خطرا يهدد وجودهم ، ولا سيما في بلاد الشام التي

يستعمرونها، والتي تتاخم بلاد هذا الدين الجديد، المنطلق في عنفوان واكتساح..

وهكذا راحوا يتخذون من الشام نقطة وثوب على الجزيرة العربية، وبلاد الاسلام...

وأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدف المناوشات التي بدأها الروم



ليعجموا بها عود الاسلام..

فقرر أن يبادرهم، ويقنعهم بتصميم الاسلام الى أرض البلقاء بالشام، حتى

اذا بلغوا تخومها لقيتهم جيوش هرقل من الروم ومن القبائل المستعربة التي

كانت تقطن الحدود..ونزل جيش الروم في مكان يسمى مشارف..

في حين نزل جيش الاسلام يجوار بلدة تسمى مؤتة، حيث سمّيت الغزوة باسمها...

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أهمية هذه الغزوة وخطرها فاختار

لها ثلاثة من الرهبان في الليل، والفرسان في النهار..

ثلاثة من الذين باعوا أنفسهم لله فلم يعد لهم مطمع ولا أمنية الا في استشهاد

عظيم يصافحون اثره رضوان الله تعالى، ويطالعون وجهه الكريم..

وكان هؤلاء الثلاثة وفق ترتيبهم في امارة الجيش هم:

- زيد بن حارثة

- جعفر بن أبي طالب

- عبدالله بن رواحة.

رضي الله عنهم جميعا

وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف يودع الجيش يلقي أمره السالف :

" عليكم زيد بن حارثة..

فان أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب،

فان أصيب جعفر ، فعبدالله بن رواحة "

وعلى الرغم من أن جعفر بن أبي طالب كان من أقرب الناس الى قلب ابن عمه رسول

الله صلى الله عليه وسلم..

وعلى الرغم من شجاعته، وجسارته، وحسبه ونسبه، فقد جعله رسول الله صلى الله

عليه وسلم الأمير التالي لزيد، وجعل زيدا الأمير الأول للجيش...

وبمثل هذا، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر دوما حقيقة أن الاسلام دين جديد

جاء يلغي العلاقات الانسانية الفاسدة، والقائمة على أسس من التمايز الفارغ الباطل،

لينشئ مكانها علاقات جديدة، رشيدة، قوامها انسانية الانسان..

ولكأنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ غيب المعركة المقبلة حين وضع

امراء الجيش على هذا الترتيب : زيد فجعفر ، فابن رواحة..

فقد لقوا ربهم جميعا وفق هذا الترتيب أيضا ..

ولم يكد المسلمون يطالعون جيش الروم الذي حزروه بمائتي ألف مقاتل حتى

أذهلهم العدد الذي لم يكن لهم في حساب..

ولكن متى كانت معارك الايمان معارك كثرة..؟؟

هنالك أقدموا ولم يبالوا.. وأمامهم قائدهم زيد حاملا راية رسول الله صلى الله

عليه وسلم، مقتحما رماح العدو زنباله وسيوفه، لا يبحث عن النصر، بقدر ما يبحث

عن المكان الذي ترسو عنده صفقته مع الله الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.

لم يكن زيد يرى حواليه رمال البلقاء، ولا جيوش الروم بل كانت روابي الجنة،

ورفرفها الأخضر، تخفق أمام عينيه كالأعلام، تنبئه أن اليوم يوم زفافه..

وكان هو يضرب، ويقاتل، لا يطوح رؤوس مقاتليه، انما يفتح الأبواب، ويفض الأغلاق

التي تحول بينه وبين الباب الكبير الواسع، الي سيدلف منه الى دار السلام، وجنات الخلد، وجوار الله..
وعانق زيد مصيره
وكانت روحه وهي في طريقها الى الجنة تبتسم محبورة وهي تبصر جثمان صاحبها،

لا يلفه الحرير الناعم، بل يضخمه دم طهور سال في سبيل الله..

ثم تتسع ابتساماتها المطمئنة الهانئة، وهي تبصر ثاني الأمراء جعفرا يندفع كالسهم

صوب الراية ليتسلمها، وليحملها قبل أن تغيب في التراب....
بُكاء الرسول

حزن النبـي صلى اللـه عليه وسلم على زيد رضي الله عنه حتى بكاه وانتحب ،

فقال له سعـد بن عبادة : ما هذا يا رسـول الله ؟!

قال : " شوق الحبيب إلى حبيبه "

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:00 PM
عمار بن ياسر


خرج والد عمار بن ياسر من بلده اليمن يريد أخا له ، يبحث عنه ، وفي مكة طاب له

المقام فحالف أبا حذيفة بن المغيرة ، وزوجه أبو حذيفة إحدى إمائه سمية بنت خياط

ورزقا بابنهما عمار ، وكان إسلامهم مبكرا .


اسلامه


يقول عمار بن ياسر رضي الله عنه :

( لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها

فقلت له : ماذا تريد ؟

فأجابني : ماذا تريد أنت ؟

قلت له : أريد أن أدخل على محمد ، فأسمع ما يقول

قال : وأنا أريد ذلك

فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض علينا الاسلام ، فأسلمنا ثم مكثنا على

ذلك حتى أمسينا ، ثم خرجنا ، ونحن مستخفيان ) فكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلا .


العذاب


وشأن الأبرار المبكرين أخذ آل ياسررضي الله عنهم نصيبهم الأوفى من عذاب قريش

وأهوالها ، ووكل أمر تعذيبهم إلى بني مخزوم ، يخرجون بهم جميعا ياسر و سمية

وعمار كل يوم الى رمضاء مكة الملتهبة ويصبون عليهم من جحيم العذاب ، وكان

الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج كل يوم الى أسرة ياسر محييا صمودها وقلبه

الكبير يذوب رحمة وحنانا لمشهدهم ، وذات يوم ناداه عمار :

( يا رسول الله ، لقد بلغ منا العذا كل مبلغ )

فناداه الرسول صلى الله عليه وسلم :

" صبرا أبا اليقظان ، صبرا آل ياسر فإن موعـدكم الجنة "

ولقد وصـف أصحاب عمار رضي الله عنه العذاب الذي نزل به فيقول عمـرو بن ميمون

رضي الله عنه :

أحرق المشركون عمار بن ياسررضي الله عنه بالنار ، فكان الرسول صلى الله عليه

وسلم يمر به ، ويمر يده على رأسه ويقول :

" يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت بردا وسلاما على إبراهيم "

ويقول عمرو بن الحكم رضي الله عنه :

كان عمار يعذب حتى لا يدري ما يقول وقد فقد وعيه يوما فقالوا له :

اذكر آلهتنا بخير وأخذوا يقولون له وهو يردد وراءهم من غيـر شعور ، وبعد أن أفاق

من غيبوبتـه وتذكر ما كان طار صوابـه ، فألفاه الرسـول صلى اللـه عليه وسلم يبكي

فجعل يمسح دموعه بيده ويقول له :

" أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت : كذا وكذا ؟ "

أجاب عماررضي الله عنه وهو ينتحب : ( نعم يا رسول الله )

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يبتسم :

" إن عادوا فقل لهم مثل قولك هذا "

ثم تلا عليه الآية الكريمة قال تعالى :

(( مَنْ كَفَرَ باللهِ من بعد إيمانِهِ إلا من أُكْرِه وقلبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإيمان ))

واسترد عمار سكينة نفسه ، وصمد أمام المشركين وعن عثمان بن عفان رضي

الله عنه قال :

( أقبلت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيدي نتماشى في البطحاء حتى

أتينا على أبي عمار وعمار وأمه ، وهم يعذبون فقال ياسر رضي الله عنه : ( الدهر هكذا ؟ )

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :

" اصبِر ، اللهم اغفر لآل ياسر ، وقد فعلت "

فصبروا حتى نالت أمه سمية رضي الله عنها الشهادة بعد أن طعنها أبوجهل

بحربة ماتت على إثرها فكانت اول شهيدة في الاسلام وكانت سمية حين استشهدت

امرأة عجوز ، فقيرة ، متمسكة بالدين الإسلامي ، ثابته عليه ، وكان إيمانها الراسخ

في قلبها هو مصدر ثباتها وصبرها على احتمال الأذى الذي لاقته على أيدي المشركين .


الدروس والعبر من الشهيدة سمية


سمية بن الخياط هي من أهم المجاهدات المسلمات اللواتي احتملن الأذى والعذاب،

الذي كان يلقاه المسلمون على أيدي المشركين في ذلك الوقت ، وهي ممن بذلوا

الغالي والنفيس في ذات الله تعالى كان إيمانها القوي بالله تعالى هو سبب ثباتها

على الإسلام ورفضها دينا غيره، فقد وقر الإيمان في قلبها وذاقت لذته وأيقنت

أنه فيه سعادتها في الدنيا والآخره، فوكلت أمرها إلى الله تعالى محتسبه وصابرة

أن يجزيها الله تعالى خيرا على صبرها ويعاقب المشركين .


الهجرة


وهاجر عمار ( أبو اليقظان ) رضي الله عنه الهجرة الثانية إلى الحبشة ، ولما هاجر

من مكة إلى المدينة نزل على مبشر بن عبد المنذر ، وآخى رسول الله صلى الله عليه

وسلم بين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان ، وشهد عمار بدرا والمشاهـد كلها ،

وهو أول من اتخذ في بيته مسجدا يصلي فيه


حب الرسول لعمار


استقر المسلمون بعد الهجرة في المدينة ، وأخذ عمار رضي الله عنه مكانه عاليا

بين المسلمين ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحبه حبا عظيما ، يقول عنه صلى الله عليه وسلم :

" إن عمارا ملىء إيمانا إلى مُشاشه ( تحت عظامه) "

وحين كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد بالمدينة إثر نزولهم ،

إرتجز علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنشودة راح يرددها ويرددها المسلمون معه ،

وأخذ عمار يرددها ويرفع صوته ، وظن بعض أصحابه أن عمارا رضي الله عنه يعرض

به ، فغاضبه ببعض القول فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : " ما لهم ولعمار ؟

يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار ، إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي "

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال :

كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة ، وعمار يحمل لبنتَين لبنتَين ، فرآه النبي صلى

الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول :

" ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار "

وحين وقع خلاف عابر بين خالد بن الوليد وعمار قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" من عادى عمارا عاداه الله ، ومن أبغض عمارا أبغضه الله "

فسارع خالد إلى عمار معتذرا وطامعا بالصفح كما قال صلى الله عليه وسلم :

" اشتاقت الجنة إلى ثلاثة : إلى علي وعمار وبلال "


إيمانه


لقد بلغ عمار في درجات الهدى واليقين ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يزَكي إيمانه فيقول :

" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ، واهتدوا بهدي عمار "

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" ابن سمية ما عُرِض عليه أمر إلا اختار أشدهما "

وقال رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم :

" عمار يزول مع الحق حيثُ يزول "

كما أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو يعالج سكرات الموت سأله أصحابه :

بمن تأمرنا إذا اختلف الناس ؟

فأجابهم :

( عليكم بابن سمية ، فإنه لا يفارق الحق حتى يموت )

وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" أبو اليقظان على الفطرة لا يدعها ، حتى يموت أو يمسه الهرمُ "

وعن علي رضي الله عنه قال :

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" دمُ عمار ولحمه حرام على النار أن تطعمه "


نبوءة الرسول


أثناء بناء مسجد الرسـول صلى الله عليه وسلم أخذ الحنان الرسـول الكريـم صلى

الله عليه وسلم الى عمار رضي الله عنه ، فاقترب منه ونفض بيده الغبار الذي كسـى

رأسه ، وتأمل الرسول صلى الله عليه وسلم وجه عمار الوديع المؤمن ثم قال على ملأ من أصحابه :

" ويح ابن سمية ، تقتله الفئة الباغية "

وتتكرر النبوءة حين يسقط الجدار على رأس عمار فيظن بعض إخوانه أنه مات ،

فيذهب الى الرسول صلى الله عليه وسلم ينعاه ، فيقول الرسول صلى الله عليه سلم بطمأنينة وثقة :

" ما مات عمار ، تقتل عمارا الفئة الباغية "


قتال الإنس والجن


قال عمار بن ياسر رضي الله عنه :

( قد قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنس والجن )

فقيل له : ما هذا ؟ قاتلت الإنس فكيف قاتلت الجن ؟ قال :

( نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً فأخذت قِربتي ، ودلوي لأستقي ،

فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" أما أنه سيأتيك آت يمنعك من الماء "

فلما كنت على رأس البئر إذا رجل أسود كأنه مرس فقال :

لا والله لا تستقي منها ذنوبا واحدا

فأخذته فصرعته ، ثم أخذت حجرا فكسـرت به أنفه ووجهـه ، ثم ملأت قربتـي

فأتيت بها رسـول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

" هل أتاك على الماء من أحد ؟ "

فقلت : ( عبد أسود )

فقال : " ماصنعت به ؟ "

فأخبرته فقال : " أتدري من هو ؟ "

قلت : ( لا )

قال : " ذاك الشيطان ، جاء يمنعك من الماء !! "

يوم اليمامة


بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واصل عمار تألقه في مواجهة جيوش

الردة والفرس والروم ، وكان دوما في الصفوف الأولى ، وفي يوم اليمامة انطلق

البطل في استبسـال عاصف ، وإذا يرى فتـور المسلمين يرسل بين صفوفـهم صياحه

المزلزل فيندفعون كالسهام ، يقول عبـد الله بن عمـر رضي الله عنهما :

( رأيت عمار بن ياسر يوم اليمامة على صخـرة ، وقد أشرف يصيح :

( يا معشر المسلمين أمن الجنة تفـرون ؟ أنا عمار بن ياسر هلموا إلي )

فنظرت إليه فإذا أذنه مقطوعة تتأرجح ، وهو يقاتل أشد القتال )


ولاية الكوفة


لفضائله رضي الله عنه سارع عمر بن الخطاب رضي الله عنه واختاره واليا للكوفة

وجعل ابن مسعود رضي الله عنه معه على بيت المال ، وكتب الى أهلها مبشرا :

( إني أبعث إليكم عمار بن ياسر أميرا ، وابن مسعود معلما ووزيرا ، وإنهما لمن

النجباء من أصحاب محمد ومن أهل بدر )

يقول ابن أبي الهذيل وهو من معاصري عمار رضي الله عنه في الكوفـة :

رأيت عمار بن ياسر وهو أميـر الكوفة يشتري من قِثائها ، ثم يربطها بحبـل

ويحملها فوق ظهـره ويمضي بها الى داره ، كما ناداه أحد العامة يوما : يا أجدع الأذن

فيجيبه الأمير :

( خير أذني سببت ، لقد أصيبت في سبيل الله )


عمار والفتنة


وكلما كانت الأيام تمر، كان هو يكثر من لهجه وتعوذه ، كأنما كان قلبه الصافي

يحس الخطر الداهم كلما اقتربت أيامه.

وحين وقع الخطر ونشبت الفتنة، كان ابن سمية يعرف مكانه فوقف يوم صفين

حاملا سيفه وهو ابن الثالثة والتسعين كما قلنا ليناصر به حقا من يؤمن بوجوب مناصرته.

ولقد أعلن وجهة نظره في هذا القتال قائلا :

( ايها الناس : سيروا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يثأرون لعثمان ،

ووالله ما قصدهم الأخذ بثأره، ولكنهم ذاقوا الدنيا، واستمرءوها ، وعلموا أن

الحق يحول بينهم وبين ما يتمرغون فيه من شهواتهم ودنياهم.

وما كان لهؤلاء سابقة في الاسلام يستحقون بها طاعة المسلمين لهم ، ولا الولاية

عليهم، ولا عرفت قلوبهم من خشية الله ما يحملهم على اتباع الحق.

وانهم ليخادعون الناس بزعمهم أنهم يثأرون لدم عثمان وما يريدون الا أن يكونواجبابرة وملوكا )

ثم أخذ الراية بيده ، ورفعها فوق الرؤوس عالية خافقة ، وصاح في الناس قائلا :

( والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،

وهأنذا أقاتل بها اليوم والذي نفسي بيده لو هزمونا حتى يبلغوا سعفات هجر ،

لعلمت أننا على الحق ، وأنهم على الباطل )

ولقد تبع الناس عمارا ، وآمنوا بصدق كلماته وقد كانت نبوءة رسول الله صلى الله

عليه وسلم تتألق أمام عينيه بحروف كبيرة :

" تقتل عمار الفئة الباغية "

من أجل هذا كان صوته يجلجل في أفق المعركة بهذه التغريدة :

( اليوم القى الأحبة محمدا وصحبه )

كان ابن الثالثة والتسعين ، يخوض آخر معارك حياته المستبسلة الشامخة كان يلقن

الحياة قبل أن يرحل عنها آخر دروسه في الثبات على الحق ، ويترك لها آخر مواقفه

العظيمة، الشريفة المعلمة.

ولقد حاول رجال معاوية أن يتجنبوا عمار رضي الله عنه ما استطاعوا ، حتى لا تقتله

سيوفهم فيتبين للناس أنهم الفئة الباغية..

بيد أن شجاعة عمار الذي كان يقتل وكأنه جيش واحد ، أفقدتهم صوابهم ، فأخذ بعض

جنود معاوية يتحينون الفرصة لاصابته ، حتى اذا تمكنوا منه أصابوه.


الشهيد


حمل علي عمارا رضي الله عنهما الى حيث صلى عليه والمسلمـون معه ، ثم دفنه

في ثيابه ، ووقف المسلمون على قبـره يعجبون ، فقبل قليـل كان يغـرد :

( اليوم ألقى الأحبة محمدا وصحبه )

أكان معهم اليوم على موعد يعرفه ، وميقات ينتظره...؟؟

وأقبل بعض الأصحاب على بعضهم يتساءلون...قال أحدهم لصاحبه :

أتذكر أصيل ذلك اليوم بالمدينةونحن جالسون مع رسول الله

صلى الله عليه وسلم.. وفجأة تهلل وجهه وقال :

" اشتاقت الجنة لعمار "

قال له صاحبه نعم ، ولقد ذكر يومها آخرين منهم علي وسلمان وبلال

اذن فالجنة كانت مشتاقة لعمار..

واذن ، فقد طال شوقها اليه ، وهو يستمهلها حتى يؤدي كل تبعاته ، وينجز

آخر واجباته .. ولقد أداها في ذمة ، وأنجزها في غبطة..

أفما آن له أن يلبي نداء الشوق الذي يهتف به من رحاب الجنان..؟؟

بلى آن له أن يبلي النداء.. فما جزاء الاحسان إلا الاحسان..

وهكذا ألقى رمحه ومضى ..

وحين كان تراب قبره يسوى بيد أصحابه فوق جثمانه ، كانت روحه تعانق

مصيرها السعيد هناك.. في جنات الخلق، التي طال شوقها لعمار...

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:03 PM
خالد بن سعيد


هو خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد

مناف ، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام ، أسلم خامس خمسة

ولد في بيت وارف النعمة ، مزهو بالسيادة ، ولأب له في قريش

صدارة وزعامة ، وكان شابا هادىء السمت ، ذكي الصمت ، منذ

بدأ أخبار الدين الجديد كان النور يسري إلى قلبه ، وكتم ما في

نفسه خوفا من والده الذي لن يتوانى لحظة عن تقديمه قربانا لآلهة عبد مناف .


إسلامه


منذ بدأت خيوط النور تسري في أنحاء مكة ، كان قلب خالد رضي الله

عنه يلقي للنور الهامس سمعه وهو شهيد ، وطارت نفسه فرحا ، كأنما

كان وهذه الرسالة على موعد ، وأخذ يتابع خيوط النور في سيرها ومسراها..

وذات ليلة رأى خالد بن سعيد رضي الله عنه في منامه أنه واقف على

شفير نار عظيمة ، وأبوه من ورائه يدفعه نحوها بكلتا يديه ، ويريد

أن يطرحه فيها ، ثم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل عليه ،

ويجذبه بيمينه المباركة من إزاره فيأخذه بعيدا عن النار واللهب ..

وعندما استيقظ من نومه سارع من فوره إلى دار أبي بكر رضي الله

عنه ، وقص عليه الرؤيا .. وما كانت الرؤيا بحاجة الى تعبير.

وقال له أبو بكر رضي الله عنه :

( انه الخير أريد لك ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه ،

فان الإسلام حاجزك عن النار )

وأنطلق خالد رضي الله عنه باحثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

حتى يهتدي إلى مكانه ، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن دعوته ،

فأجابه صلى الله عليه وسلم :

" تؤمن بالله وحده ، ولا تشرك به شيئا ، وتؤمن بمحمد عبده ورسوله ،

وتخلع عبادة الأوثان التي لا يسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع "

وبسط خالد رضي الله عنه يمينه ، فتلقاها يمين رسول الله صلى الله عليه

وسلم في حفاوة ، وقال خالد رضي الله عنه :

( اني أشهد أن لا اله الا الله... وأشهد أن محمدا رسول الله )

ويوم أسلم خالد رضي الله عنه ، لم يكن قد سبقه إلى الإسلام سوى أربعة

أو خمسة ، فهو من الخمسة الأوائل المبكرين إلى الإسلام .



والده والعذاب


حين يباكر بالإسلام واحد من ولد سعيد بن العاص ، فان ذلك في

رأي سعيد ، عمل يعرضه للسخرية والهوان من قريش ، ويهز الأرض تحت زعامته.

لذلك حين بلغه نبأ إسلام خالد رضي الله عنه دعاه وقال له :

أصحيح إنك اتبعت محمدا وأنت تسمعه يعيب آلهتنا ؟

قال خالد : ( إنه والله لصادق ، ولقد آمنت به واتبعته )

هنالك انهال عليه أبوه ضربا ، ثم زج به في غرفة مظلمة من داره ،

حيث صار حبيسها ، ثم راح يضنيه ويرهقه جوعا وظنكا

وخالد يصرخ فيهم من وراء الباب المغلق عليه :

( والله انه لصادق ، وإني به لمؤمن )

وبدا لسعيد أن ما أنزل بولده من ضررلا يكفي ، فخرج به

إلى رمضاء مكة ، حيث دسه بين حجارتها الثقيلة الفادحة

الملتهبة ثلاثة أيام لا يواريه فيها ظل ..

ولا يبلل شفتيه قطرة ماء ..

ويئس الوالد من ولده ، فعاد به إلى داره ، وراح يغريه ، ويرهبه

يعده ، ويتوعده .. وخالد رضي الله عنه صامد كالحق ، يقول لأبيه :

( لن أدع الإسلام لشيء ، وسأحيا به وأموت عليه )

وصاح سعيد رضي الله عنه :

إذن فاذهب عني يا لكع ، فواللات لأمنعنّك القوت

وأجابه خالد رضي الله عنه :

( والله خير الرازقين )

وغادر الدار التي تعج بالرغد ، من مطعم وملبس وراحة..

و راح خالد بن سعيد رضي الله عنه يقهر العذاب بالتضحية ، ويتفوق على الحرمان بالايمان..

ويُروى أن والده سعيد بن العاص مرض فقال :

لئن رفعني الله من مرضي لايُعبد إله ابن أبي كبشة ببطن مكة

فقال خالد بن سعيد رضي الله عنه :

(اللهم لا ترفعه ، فمات من ذلك )

وحين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه المؤمنين بالهجرة

الى الحبشة ، كان خالد بن سعيد رضي الله عنه ، ممن شدوا رحالهم

اليها ، مع الفوج الأول فأقام فيها بضع عشرة سنة ثم رجع مع جعفر

بن أبي طالب رضي الله عنه والرسول صلى الله عليه وسلم في فتح

خيبرفذهب إليه فأسهم له من الغنائم.



مكانته وجهاده


أقام خالد رضي الله عنه بالمدينة وسط المجتمع المسلم الجديد الذي

كان أحد الخمسة الأوائل الذين شهدوا ميلاده ، وأسسوا بناءه ،

وكان خالد رضي الله عنه بسبقه الى الاسلام ، وباستقامة ضميره

ونهجه موضع الحب والتكريم ..

وروي أنه رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه

خاتم فضة مكتوب عليه ( محمد رسول الله ) فأعطاه إياه وهو الذي

في يده صلى الله عليه وسلم بعد ذلك .

وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي كتب كتاب

أهل الطائف لوفد ثقيف وهو الذي مشى في الصلح بينهم وبين رسول

الله صلى الله عليه وسلم وهو أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم.

وكان لا يغزو النبي صلى الله عليه وسلم غزوة ، ولا يشهد مشهدا ،

إلا وخالد بن سعيد رضي الله عنه من السابقين ..

وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا وأخويه أبانا وعمرا

أبناء سعيد بن العاص رضي الله عنهم في اليمن ، فلما توفي رسول

الله صلى الله عليه وسلم رجعوا عن عملهم ، فقال أبو بكر رضي الله عنه :

ما لكم رجعتم ؟ ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله صلى الله

عليه وسلم ، ارجعوا إلى أعمالكم.

فاستعفوا الصديق ….

ثم لحقوا بالشام مجاهدين حتى استشهدوا جميعا .

وعندما سير أبا بكر جيوشه الى مرج الصفر بأرض الشام ، أوصى

أبو بكر رضي الله عنه قائد جيشه في الشام شرحبيل بن حسنة رضي

الله عنه لا يقطع أمرا دون مشورة خالد رضي الله عنه لما يراه فيه من عقل ودين .


استشهاده


تزوج خالد بن سعيد أم حكيم بنت الحارث بن هشام رضي الله عنهما

وكانت من قبل عند عكرمة بن أبي جهل الذي استشهد في معركة أجنادين.

وذلك في ليلة معركة مرج الصفر فلما أصبح أولم ودعا أصحابه فما فرغوا

من الطعام حتى اشتبك المسلمون والروم فانخرط خالد رضي الله عنه في

المعركة وأبلى البلاء الحسن حتى استشهد ، فقامت زوجه أم حكيم رضي الله

عنها وشدت عليها ثيابها وحملت عمود الخيمة وقتلت به سبعة من الروم عند

قنطرة سميت بعد ذلك بـ : ( قنطرة أم حكيم )

وكان ذلك سنة أربع عشرة من الهجرة

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:11 PM
المقداد بن عمرو


حالف المقداد بن عمرو رضي الله عنه في الجاهلية ( الأسود بن عبد يغوث )

فتبناه ، فصار يدعى المقداد بن الأسود حتى إذا نزلت الآية الكريمة التي

تنسخ التبني ، فنُسب لأبيه (عمرو بن سعد )، وكان المقداد رضي الله عنه

من المبكرين بالإسلام ، وسابع سبعة جاهروا بإسلامهم حاملا حظه من أذى

المشركين ، وقال عنه الصحابة رضي الله عنهم :

( أول من عدا به فرسه في سبيل الله المقداد بن الأسود )


غزوة بدر


يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه :

( لقد شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون صاحبه، أحب الي مما في الأرض جميعا )

في ذلك اليوم الذي بدأ عصيبا و حيث أقبلت قريش في بأسها الشديد

وإصرارها العنيد، وخيلائها وكبريائها..

في ذلك اليوم والمسلمون قلة، لم يمتحنوا من قبل في قتال من أجل الإسلام،

فهذه أول غزوة لهم يخوضونها..

وقف الرسول صلى الله عليه وسلم يعجم إيمان الذين معه، ويبلوا استعدادهم

لملاقاة الجيش الزاحف عليهم في مشاته وفرسانه..

وراح يشاورهم في الأمر، وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمون

أنه حين يطلب المشورة والرأي، فانه يفعل ذلك حقا، وأنه يطلب من كل

واحد حقيقة اقتناعه وحقيقة رأيه، فان قال قائلهم رأيا يغاير رأي الجماعة

كلها، ويخالفها فلا حرج عليه ولا تثريب..

وخاف المقداد رضي الله عنه أن يكون بين المسلمين من له بشأن المعركة

تحفظات ، وقبل أن يسبقه أحد بالحديث هم هو بالسبق ليصوغ بكلماته

القاطعة شعار المعركة، ويسهم في تشكيل ضميرها.

ولكنه قبل أن يحرك شفتيه، كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد شرع

يتكلم فاطمأن المقداد كثيرا ، وقال أبو بكر رضي الله عنه فأحسن، وتلاه

عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال وأحسن..

ثم تقدم المقداد رضي الله عنه وقال :

( يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت

بنو اسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون بل نقول

لك : اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون

والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا الى برك العماد لجالدنا معك من دونه

حتى تبلغه ، ولنقاتلن عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك حتى يفتح الله لك )

انطلقت الكلمات كالرصاص المقذوف ، وتهلل وجه رسول الله صلى الله

عليه وسلم وأشرق فمه عن دعوة صالحة دعاها للمقداد رضي الله عنه

وسرت في الحشد الصالح المؤمن حماسة الكلمات الفاضلة التي أطلقها

المقداد بن عمرو رضي الله عنه والتي حددت بقوتها واقناعها نوع القول

لمن أراد قولا ، وطراز الحديث لمن يريد حديثا ولم تصور شجاعته فحسب،

بل صورت حكمته الراجحة، وتفكيره العميق..

ولقد بلغت كلمات المقداد رضي الله عنه غايتها من أفئدة المؤمنين،

فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه زعيم الأنصار، وقال:

(يا رسول الله لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق

وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض يا رسول الله لما أردت،

فنحن معك ، والذي عثك بالحق.. لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته

لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا

غدا ، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما

تقر عينك ،فسر على بركة الله )

وامتلأ قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بشرا وقال لأصحابه :

" سيروا وأبشروا "

والتقى الجمعان ، وكان من فرسان المسلمين يومئذ ثلاثة لا غير :

المقداد بن عمرو ، ومرثد بن أبي مرثد ، والزبير بن العوام ، بينما

كان بقية المجاهدين مشاة ، أو راكبين إبلا.


الإمارة


ولاه الرسول صلى الله عليه وسلم على إحدى الولايات يوما، فلما رجع

سأله النبي صلى الله عليه وسلم :

" كيف وجدت الإمارة "

فأجاب رضي الله عنه في صدق عظيم :

( لقد جعلتني أنظر الى نفسي كما لو كنت فوق الناس ، وهم جميعا

دوني والذي بعثك بالحق ، لا اتأمرن على اثنين بعد اليوم ، أبدا )

واذا لم تكن هذه الحكمة فماذا تكون..؟

واذا لم يكن هذا هو الحكيم فمن يكون..؟

رجل لا يخدع عن نفسه ، ولا عن ضعفه ، يلي الإمارة، فيغشى نفسه الزهو

والصلف ، ويكتشف في نفسه هذا الضعف ، فيقسم ليجنبها مظانه ، ويرفض

الإمارة بعد تلك التجربة ويتحاشاها ، ثم يبر بقسمه فلا يكون أميرا بعد ذلك أبدا.

لقد كان دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم

وهو : " إن السعيد لمن جنب الفتن "

واذا كان قد رأى في الامارة زهوا يفتنه، أو يكاد يفتنه، فان سعادته إذن

في تجنبها.


حكمته


كان حكيما أريبا ، ولم تكن حكمته تعبر عن نفسها في مجرد كلمات، بل هي

تعبر عن نفسها في مبادئ نافذة ، وسلوك قويم مطرد ، وكانت تجاربه قوتا لحكمته وريا لفطنته.

ومن مظاهر حكمته ، طول أناته في الحكم على الرجال..

وهذه أيضا تعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد علمهم عليه السلام

أن قلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر حين تغلي..

وكان المقداد رضي الله عنه يرجئ حكمه الأخير على الناس إلى لحظة الموت،

ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يصدر عليه حكمه لن يتغير ولن يطرأ على حياته

جديد ، وأي تغير ، أو أي جديد بعد الموت.

وتتألق حكمته في حنكة بالغة خلال هذا الحوار مع أحد أصحابه وجلسائه الذي قال :

جلسنا الى المقداد يوما فمر به رجل فقال مخاطبا المقداد :

طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى اله عليه وسلم ، والله

لوددنا لو أن رأينا ما رأيت ، وشهدنا ما شهدت فأقبل عليه المقداد رضي الله عنه وقال :

( ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده

كيف كان يصير فيه ؟؟

والله ، لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام كبهم الله عز وجلعلى مناخرهم في جهنم.

أولا تحمدون الله الذي جنبكم مثل بلائهم ، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم )

سبحان الله حكمة وأية حكمة .. إنك لا تلتقي بمؤمن يحب الله ورسوله ، إلا

وتجده يتمنى لو أنه عاش أيام الرسول ورآه ولكن بصيرة المقداد رضي الله

عنه الحاذق الحكيم تكشف البعد المفقود في هذه الأمنية..

ألم يكن من المحتمل لهذا الذي يتمنى لو أنه عاش تلك الأيام أن يكون من أصحاب الجحيم..

ألم يكون من المحتمل أن يكفر مع الكافرين...

وأليس من الخير إذن أن يحمد الله الذي رزقه الحياة في عصور استقر فيها الإسلام ، فأخذه صفوا عفوا..

هذه نظرة المقداد رضي الله عنه ، تتألق حكمة وفطنة ، وفي كل مواقفه ،

وتجاربه ، وكلماته ، كان الأريب الحكيم..


المسؤولية


كان حب المقداد للاسلام عظيما ، وكان الى جانب ذلك ، واعيا حكيما

والحب حين يكون عظيما وحكيما، فانه يجعل من صاحبه انسانا عليا،

لا يجد غبطة هذا الحب في ذاته ، بل في مسؤولياته..

والمقداد بن عمرو من هذا الطراز..

فحبه الرسول صلى الله عليه وسلم ملأ قلبه وشعوره بمسؤولياته عن

سلامة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن تسمع في المدينة فزعة ،

الا ويكون المقداد رضي الله عنه في مثل لمح البصر واقفا على باب

رسول الله صلى الله عليه وسلم ممتطيا صهوة فرسه، ممتشقا مهنده وحسامه.

وحبه للاسلام ، ملأ قلبه بمسؤولياته عن حماية الاسلام ، ليس فقط من كيد أعدائه.. بل ومن خطأ أصدقائه..

فقد خرج يوما في سرية ، تمكن العدو فيها من حصارهم ، فأصدر أمير السرية

أمره بألا يرعى أحد دابته ، ولكن أحد المسلمين لم يحط بالأمر خبرا ، فخالفه ،

فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق ، أو لعله لا يستحقها على الاطلاق..

فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح ، فسأله، فأنبأه ما حدث ، فأخذ المقداد

رضي الله عنه بيمينه ، ومضيا صوب الأمير ، وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له :

( والآن أقده من نفسك.. ومكنه من القصاص )

وأذعن الأمير ، بيد أن الجندي عفا وصفح ، وانتشى المقداد رضي الله عنه

بعظمة الموقف ، وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة ، فراح يقول وكأنه يغني :

( لأموتن ، والاسلام عزيز )

أجل تلك كانت أمنيته ، أن يموت والاسلام عزيز ، ولقد ثابر مع المثابرين على

تحقيق هذه الأمنية مثابرة باهرة جعلته أهلا لأن يقول له الرسول صلى الله عليه وسلم :

" ان الله أمرني بحبك.. وأنبأني أنه يحبك

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:16 PM
عبدالله بن مسعود


هو عبدالله بن مسعود بن غافل الهذلي ، وكناه النبي صلى الله عليه

وسلم أبا عبدالرحمـن مات أبوه في الجاهلية ، وأسلمت أمه وصحبت النبي

صلى الله عليه وسلم لذلك كان ينسب إلى أمه أحيانا فيقال :

( ابن أم عبد ) وأم عبد كنية أمه رضي الله عنهما

أول لقاء مع الرسول


قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، كان عبدالله

بن مسعود قد آمن به، وأصبح سادس ستة أسلموا واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ..

ولقد تحدث عن أول لقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رضي الله عنه :

( كنت غلاما يافعا، أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فجاء النبي صلى

الله عليه وسلم، وأبوبكر رضي الله عنه فقالا :

يا غلام .. هل عندك من لبن تسقينا ؟

فقلت : اني مؤتمن، ولست ساقيكما

فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

" هل عندك من شاة حائل، لم ينز عليها الفحل "

قلت : نعم

فأتيتهما بها، فاعتلفها النبي صلى الله عليه وسلم ثم اتاه أبو بكر بصخرة

متقعرة، فاحتلب فيها، فشرب أبو بكر ثم شربت.

فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد لك، فقلت: (علمني من هذا القول )

فقال صلى الله عليه وسلم : " انك غلام معلم "

إسلامه


لقد كان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه من السابقين في الإسلام ، فهو

سادس ستة دخلوا في الإسلام ، وقد هاجر هجرة الحبشة وهجرة المدينة ،

وشهد بدرا والمشاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو الذي أجهز

على أبي جهل ، ونَفَلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفَ أبي جهل حين أتاه برأسه .

وكان نحيل الجسم دقيق الساق نحيف، قصير، يكاد الجالس يوازيه طولا

وهو قائم ، ولكنه الايمان القوي بالله الذي يدفع صاحبه الى مكارم الأخلاق

وقد شهد له النبـي صلى اللـه عليه وسلم بأن ساقه الدقيقة أثقل في ميزان

الله من جبل أحد ، وقد بشره الرسـول صلى اللـه عليه وسلم بالجنة ..

صعد يوما بساقيه النحيلتان أعلى شجرة يجتني منها أراكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم..

فرأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم دقتهما فضحكوا، فقال عليه الصلاة والسلام :

" تضحكون من ساقي ابن مسعود، لهما أثقل في الميزان عند الله من جبل أحد "

جهره بالقرآن


ما كان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يدري وهو ذلك الغلام الفقير

الضعيف الأجير الذي يرعى غنم عقبة بن معيط، انه سيكون احدى المعجزات

يوم يخلق الاسلام منه مؤمنا بايمانه يقهر جبروت وكبرياء قريش و ساداتها،

فيذهب وهو الذي لم يكن يجرؤ أن يمر بمجلس فيه أحد أشراف مكة الا مطرق

الرأس حثيث الخطى .. يذهب بعد اسلامه الى مجمع الأشراف عند الكعبة،

وكل سادات قريش وزعمائها هنالك جالسون فيقف على رؤوسهم ، ويرفع

صوته الحلو المثير بقرآن الله ، وزعماء قريش مشدوهون ..

لا يصدقون أعينهم التي ترى.. ولا آذانهم التي تسمع.. ولا يتصورون أن هذا

الذي يتحدى بأسهم وكبريائهم..

إنما هو أجير واحد منهم، وراعي غنم لشريف من شرفائهم..

عبدالله بن مسعود الفقير المغمور..

يقول الزبير رضي الله عنه عن هذا المشهد :

( كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، عبدالله

بن مسعود رضي الله عنه، اذ اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :

والله ما سمعت قريش مثل هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه.؟

فقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه :أنا

قالوا : إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرته يمنعونه من القوم ان أرادوه

قال رضي الله عنه : دعوني، فان الله سيمنعني.

فغدا ابن مسعود حتى اتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، فقام

عند المقام ثم قرأ :

بسم الله الرحمن الرحيم _رافعا صوته_

(( الرحمن * علم القرآن ))

ثم استقبلهم يقرؤها.. فتأملوه قائلين :

ما يقول ابن ام عبد ؟ انه ليتلو بعض ما جاء به محمد..

فقاموا اليه وجعلوا يضربون وجهه، وهو ماض في قراءته حتى بلغ منها ما شا الله أن يبلغ..

ثم عاد إلى أصحابه مصابا في وجهه وجسده، فقالوا له :

هذا الذي خشينا عليك

فقال رضي الله عنه : ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا

قالوا : حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون )

حفظ القرآن


لم تكن العين لتقع عليه في زحام الحياة ، بل ولا بعيدا عن الزحام ،

فلا مكان له بين الذين أوتوا بسطة من المال، ولا بين الذين أوتوا بسطة

في الجسم ، ولا بين الذين أوتوا حظا من الجاه..

فهو من المال معدم.. وهو في الجسم ناحل، ضامر.. وهو في الجاه مغمور..

ولكن الاسلام يمنحه مكان الفقر نصيبا رابيا وحظوظا وافية من خزائن كسرى وكنوز قيصر..

ويمنحه مكان ضمور جسمه وضعف بنيانه إرادة تقهر الجبارين، وتسهم في تغيير مصير التاريخ..

ويمنحه مكان انزوائه وضياعه، خلودا، وعلما وشرفا تجعله في الصدارة بين أعلام التاريخ..

ولقد صدقت فيه نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام يوم قال له :

" انك غلام معلم "

فقد علمه ربه، حتى صار فقيه الأمة، وعميد حفظة القرآن جميعا.

يقول عن نفسه رضي الله عنه :

( أخذت من فم رسول الله صلى الله عليه زسلم سبعين سورة، لا ينازعني فيها أحد )

ولكأنما أراد الله مثوبته حين خاطر بحياته في سبيل ان يجهر بالقرآن ويذيعه

في كل مكان بمكة أثناء سنوات الاضطهاد والعذاب فأعطاه سبحانه موهبة

الأداء الرائع في تلاوته، والفهم السديد في ادراك معانيه..

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه أن يقتدوا بابن

مسعود رضي الله عنه فيقول :

" تمسكوا بعهد ابن أم عبد "

ويوصيهم بأن يحاكوا قراءته، ويتعلموا منه كيف يتلو القرآن

يقول صلى الله عليه وسلم :

- " من أحب أن يسمع القرآن غضا كما أنزل فليسمعه من ابن أم عبد "

- " من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد "

ولطالما كان يطيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستمع للقرآن

من فم ابن مسعود..فدعاه يوما وقال له :

" اقرأ علي يا عبد الله "

قال عبد الله رضي الله عنه :

(أقرأ عليك، وعليك أنزل يا رسول الله ؟ )

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم :

" اني أحب أن أسمعه من غيري "

فأخذ ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ من سورة النساء حتى وصل الى قوله تعالى :

((فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا * يومئذ يود

الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ))

فغلب البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاضت عيناه بالدموع،

وأشار بيده الى ابن مسعود رضي الله عنه :

أن .. " حسبك.. حسبك يا ابن مسعود "

وتحدث هو بنعمة الله فقال :

( والله ما نزل من القرآن شيء الا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد

أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا تمتطى اليه الابل أعلم مني بكتاب الله لأتيته وما أنا بخيركم )

قربه من الرسول


لم يكن يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، ولا في حضر ، ولقد

شهد المشاهد كلها جميعها ، وكان له يوم بدر شأن مذكور مع أب جهل الذي

حصدته سيوف المسلمين في ذلك اليوم الجليل.

وابن مسعود صاحب نعلى النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخلهما في يديه

عندما يخلعهما النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذلك صاحب وسادة النبي

صلى الله عليه وسلم ومطهرته ، أجاره الله من الشيطان فليس له سبيل عليه

و صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمه غيره ، لذا كان اسمه

( صاحب السواد )

حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

( لو كنت مؤمرا أحدا دون شورى المسلمين لأمرت ابن أم عبد )

هذا الحب، وهذه الثقة أهلاه لأن يكون شديد القرب من رسول الله صلى الله

عليه وسلم ، وأعطي ما لم يعط أحد غيره حين قال له الرسول عليه الصلاة

والسلام : ( إذنك علي أن ترفع الحجاب )

فكان له الحق بأن يطرق باب الرسول صلى الله عليه وسلم في أي وقت من الليل أو النهار ..

ولقد كان ابن مسعود رضي الله عنه أهلا لهذه المزية فعلى الرغم من أن

الخلطة الدانية على هذا النحو، من شأنها أن ترفع الكلفة، فان ابن مسعود

رضي الله عنه لم يزدد بها الا خشوعا، واجلالا، وأدبا..

يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه :

( لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما أرى إلا ابن مسعود من أهله )

وعرف خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه له قدره.

مكانته عند الصحابة


لقد شهد له بهذا السبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

قال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه :

( لقد ملئ فقها )

وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه :

( لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحبر فيكم )

ولم يكن سبقه في القرآن والفقه موضع الثناء فحسب .. بل كان كذلك أيضا سبقه

في الورع والتقى.

يقول عنه حذيفة رضي الله عنه :

( ما رأيت أحدا أشبه برسول الله في هديه، ودله، وسمته من ابن مسعود )

ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن ام عبد

لأقربهم الى الله زلفى ..

واجتمع نفر من الصحابة يوما عند علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه فقالوا له :

يا أمير المؤمنين، ما رأينا رجلا كان أحسن خلقا ولا أرفق تعليما، ولا أحسن

مجالسة، ولا أشد ورعا من عبدالله بن مسعود..

قال علي رضي الله عنه :

( نشدتكم الله، أهو صدق من قلوبكم ؟ )

قالوا : نعم

قال : ( اللهم اني أشهدك.. اللهم اني أقول مثل ما قالواو أو أفضل

لقد قرأ القرآن فأحل حلاله، وحرم حرامه فقيه في الدين، عالم بالسنة )

وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يتحدثون عن عبدالله بن مسعود فيقولون :

(ان كان ليؤذن له اذا حججنا، ويشهد اذا غبنا )

وهم يريدون بهذا، أن عبد الله رضي الله عنه كان يظفر من الرسول صلى

الله عليه وسلم بفرص لم يظفر بها سواه، فيدخل عليه بيته أكثر مما يدخل

غيره ويجالسه أكثر مما يجالس سواه ، وكان دون غيره من الصحب موضع

سره ونجواه، حتى كان يلقب بـ صاحب السواد أي صاحب السر.

ورعه


لعل خير ما يصور هذا الخلق عنده، مظهره حين كان يحدث عن رسول الله صلى

الله عليه وسلم بعد وفاته...

فعلى الرغم من ندرة تحدثه عن الرسول عليه السلام، نجده اذا حرك شفتيه ليقول :

سمعت رسول الله يحدث ويقول : سمعت رسول الله يحدث ويقول... فتأخذه الرعدة

الشديدة ويبدو عليه الاضطراب والقلق ، خشية أن ينسى فيضع حرفا مكان حرف..

قال عمرو بن ميمون رضي الله عنه وهو يصف هذه الظاهرة :

( اختلفت الى عبدالله بن مسعود سنة، ما سمعه يتحدث فيها عن رسول الله

صلى الله عليه وسلم، الا أنه حدث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه :

قال رسول الله، فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدر عن جبهته، ثم قال مستدركا قريبا من هذا : قال الرسول )

ويقول علقمة بن قيس رضي الله عنه :

( كان عبدالله بن مسعود يقوم عشية كل خميس متحدثا، فما سمعته في عشية

منها يقول: قال رسول الله غير مرة واحدة..

فنظرت اليه وهو معتمد على عصا، فاذا عصاه ترتجف، وتتزعزع )

ويحدثنا مسروق عن عبدالله رضي الله عنه :

( حدث ابن مسعود يوما حديثا فقال:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم أرعد وأرعدت ثيابه.. ثم قال : أو نحو ذا.. أو شبه ذا )

الى هذا المدى العظيم بلغ اجلاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ توقيره

اياه، وهذه أمارة فطنته قبل أن تكون امارة تقاه..

فالرجل الذي عاصره رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرمن غيره، كان

ادراكه لجلال هذا الرسول العظيم ادراكا سديدا..

ومن ثم كان أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، ومع ذكراه في مماته، أدبا فريدا ..

حكمته


كان يملك عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قدرة كبيرة على التعبير والنظر

بعمق للأمور فهو يقول عما نسميه نِسبية الزمان :

( إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار ، نور السموات والأرض من نور وجهه )

كما يقول عن العمل :

( إني لأمقت الرجل إذ أراه فارغا ، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة )

ومن كلماته الجامعة :

( خير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، وشر العمى عمى القلب ، وأعظم

الخطايا الكذب ، وشر المكاسب الربا ، وشر المأكل مال اليتيم ، ومن يعف يعف

الله عنه ، ومن يغفر يغفر الله له )

وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه :

( لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسَادوا أهل زمانهم ، ولكنهم

وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم ، فهانوا عليهم ، سمعتُ نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول :

( مَن جعل الهموم هما واحدا ، همه المعاد ، كفاه الله سائرَ همومه ، ومَن شعبتهُ

الهموم وأحوال الدنيا لم يُبال الله في أي أوديتها هلك )

أمنيته

خاض عبدالله بن مسعود رضي الله عنه المعارك الظافرة مع الرسول عليه

الصلاة والسلام ، ومع خلفائه من بعده..

وشهد أعظم امبراطوريتين في عالمه وعصره تفتحان أبوابهما طائعة خاشعة لرايات الاسلام ومشيئته..

ورأى المناصب تبحث عن شاغليها من المسلمين، والأموال الوفيرة تتدحرج بين

أيديهم، فما شغله من ذلك شيء عن العهد الذي عاهد الله عليه ورسوله..

ولا صرفه صارف عن اخباته وتواضعه ومنهج حياته..

ولم تكن له من أماني الحياة سوى أمنية واحدة كان يأخذه الحنين اليها فيرددها،

ويتغنى بها، ويتمنى لو أنه أدركها..

ولنصغ اليه يحدثنا بكلماته عنها :

( قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك..

فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فأتبعتها أنظر اليها، فاذا رسول الله،

وأبوبكر وعمر، واذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات واذا هم قد حفروا له،

ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه اليه ، والرسول

يقول : ادنيا الي أخاكما.. فدلياه اليه، فلما هيأه للحده قال:

اللهم اني أمسيت عنه راضيا فارض عنه.. فيا ليتني كنت صاحب هذه الحفرة )

تلك أمنيته الوحيد التي كان يرجوها في دنياه.

وهي لا تمت بسبب الى ما يتهافت الناس عليه من مجد وثراء، ومنصب وجاه..

ذلك أنها أمنية رجل كبير القلب، عظيم النفس، وثيق اليقين ..

رجل هداه الله ، ورباه الرسول ، وقاده القرآن ..

أهل الكوفة



ولاه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على بيت المال في الكوفة ، وقال لأهلها حين أرسله اليهم :

( اني والله الذي لا اله الا هو، قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا )

ولقد أحبه أهل الكوفة حبا جما لم يظفر بمثله أحد قبله، ولا أحد مثله..

واجماع أهل الكوفة على حب انسان ، أمر يشبه المعجزات..

ذلك أنهم أهل تمرد وثورة، لا يصبرون على طعام واحد..

ولا يطيقون الهدوء والسلام..

ولقد بلغ من حبهم اياه أن أحاطوا به حين أراد الخليفة عثمان رضي الله عنه

عزله عن الكوفة وقالوا له :

أقم معنا ولا تخرج ، ونحن نمنعك أن يصل اليك شيء تكرهه منه .

ولكن ابن مسعود رضي الله عنه أجابهم بكلمات تصور عظمة نفسه وتقاه، اذ قال لهم :

( ان له علي الطاعة، وانها ستكون أمور وفتن، ولا أحب أن يكون أول من يفتح أبوابها )

ان هذا الموقف الجليل الورع يصلنا بموقف ابن مسعود رضي الله عنه من الخليفة

عثمان رضي الله عنه فلقد حدث بينهما حوار وخلاف تفاقما حتى حجب عن عبدالله

راتبه ومعاشه من بيت المال، ومع ذلك لم يقل في عثمان رضي الله عنه كلمة سوء واحدة..

بل وقف موقف المدافع والمحذر حين رأى التذمر في عهد عثمان رضي الله عنه يتحول الى ثورة..

وحين ترامى الى مسمعه محاولات اغتيال عثمان رضي الله عنه ، قال كلمته

المأثورة : ( لئن قتلوه، لا يستخلفون بعده مثله )

ويقول بعض أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه :

( ما سمعت ابن مسعود يقول في عثمان سبة قط )

المرض


قال أنس بن مالك رضي الله عنه :

دخلنا على عبد اللـه بن مسعود نعوده في مرضه ، فقلنا :

( كيف أصبحت أبا عبد الرحمن ؟ )

قال رضي الله عنه : ( أصبحنا بنعمة اللـه إخوانا )

قلنا : ( كيف تجدكَ يا أبا عبد الرحمن ؟)

قال رضي الله عنه : ( إجدُ قلبي مطمئنا بالإيمان )

قلنا له: ( ما تشتكي أبا عبد الرحمن ؟)

قال رضي الله عنه : ( أشتكي ذنوبي و خطاياي )

قلنا : ( ما تشتهي شيئاً ؟ )

قال رضي الله عنه : ( أشتهي مغفرة اللـه ورضوانه )

قلنا : ( ألا ندعو لك طبيبا ؟)

قال رضي الله عنه :

( الطبيب أمرضني -وفي رواية أخرى الطبيب أنزل بي ما ترون )

ثم بكى عبد الله رضي الله عنه ، ثم قال :

( سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

( إن العبد إذا مرض يقول الرب تبارك وتعالى : ( عبدي في وثاقي )

فإن كان نزل به المرض في فترة منه قال :

( اكتبوا له من الأمر ما كان في فترته )

فأنا أبكي أنه نزل بي المرض في فترة ، ولوددتُ أنه كان في اجتهاد مني )

الوصية


لما حضر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الموت دَعا ابنه فقال :

( يا عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، إني موصيك بخمس خصال ، فاحفظهن عني :

- أظهر اليأس للناس ، فإن ذلك غنى فاضل

- ودع مطلبَ الحاجات إلى الناس ، فإن ذلك فقر حاضر

ودع ما يعتذر منه من الأمور ، ولا تعمل به

- وإنِ استطعت ألا يأتي عليك يوم إلا وأنت خير منك بالإمس فافعل

- وإذا صليت صلاة فصل صلاة مودع كأنك لا تصلي صلاة بعدها )


الحلم قبل وفاته


لقي رجل ابن مسعود رضي الله عنه فقال :

( رأيتك البارحة ، ورأيت النبـي صلى اللـه عليه وسلم على منبر مرتفع ، وأنت

دونه وهو يقول : يابن مسعود هلم إلي ، فلقد جُفيتَ بعدي )

فقال عبد الله رضي الله عنه :( آلله أنت رأيته ؟ )

قال : نعم

قال رضي الله عنه : ( فعزمتُ أن تخرج من المدينة حتى تصلي علي )

فما لبث إلا أياماً حتى مات رضي الله عنه فشهد الرجل الصلاة عليه وذلك في سنة

اثنتين و ثلاثين للهجرة في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه ..

رضي الله عن ابن أم عبد و أمه صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم

وجعلهما رفيقيه في الجنة مع الخالدين .

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:18 PM
سالم بن معقل


إنه الصحابي الجليل سالم بن مَعقل رضي الله عنه ، كان في

الجاهلية عبدا لأبي حذيفة بن عتبة ، آمن بالله وبرسوله إيمانا مبكرا ،

وأخذ مكانه بين السابقيـن الأولين ، كان رقيقا ثم ابنا ثم أخا ورفيقا

للذي تبناه عندما أسلما معا ، فكان يسمى سالم بن أبي حذيفة ، فلما

أبطل الإسلام التبني ، قيل : سالم مولى أبي حذيفة .



عظمة الاسلام الفريدة


لقد رأينا صورة من عظمة الإسلام ومزاياه تحدث بين أبي حذيفة رضي

الله عنه الشريف في قريش ، مع سالم رضي الله عنه الذي كان عبدا رقيقا ، لا يعرف أبوه..

فقد ظلا الى آخر لحظة من حياتهما أكثر من أخوين شقيقين حتى عند

الموت ماتا معا .. الروح مع الروح .. والجسد الى جوار الجسد..

لقد ارتفع سالم رضي الله عنه بتقواه وإخلاصه الى أعلى مراتب المجتمع

الجديد الذي جاء الإسلام يقيمه وينهضه على أساس جديد عادل عظيم

أساس تلخصه الآية الجليلة : (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))

في هذا المجتمع الجديد الراشد ، وجد أبو حذيفة رضي الله عنه شرفا

لنفسه أن يوالي من كان بالأمس عبدا ، بل ووجد شرفا لأسرته ، أن يزوج

سالما رضي الله عنه ابنه أخيه فاطمة بنت الوليد بنت عتبة.

وفي هذا المجتمع الجديد ،الذي هدم الطبقية الظالمة ، وأبطل التمايز الكاذب ،

وجد سالم رضي الله عنه بسبب صدقه ، وايمانه ، وبلائه ، مكانا له في الصف الأول دائما..

ان قصة سالم كقصة بلال رضي الله عنهما وكقصة عشرات العبيد ، والفقراء

الذين نفض عنهم عوادي الرق والضعف ، وجعلهم في مجتمع الهدى والرشاد أئمة ، وزعماء وقادة.



فضله


بفضل من الله ونعمة بلغ سالم رضي الله عنه بين المسلمين شأنا رفيعا

وعاليا ، أهلته له فضائل روحه ، وسلوكه وتقواه وبالصدق والشجاعة التي

عرف بها فعندما هاجر سالم رضي الله عنه إلى المدينة ، كان يستمع إلى

النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ويأخذه عنه ، حتى صار من حفاظ

القرآن وممن يؤخذ عنهم القرآن ، بل كان من الأربعة الذين أوصى النبي صلى

الله عليه وسلم بأخذ القرآن منهم فقال :

" خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبى بن كعب "

وعن عائشة رضي الله عنها قالت :

( استبطأني رسول الله ذات ليلة ، فقال : ما حَبسك ؟

قلت : إن في المسجد لأحسن من سمعتُ صوتا بالقرآن ، فأخذ رداءه ، وخرج

يسمعه ، فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة.

فقال : " الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك " )

ولما هاجر مع المسلمين إلى المدينة كان يؤم المسلمين للصلاة بمسجد قباء

وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وذلك قبل أن يهاجر النبي صلى

الله عليه وسلم ، وكان عمر رضي الله عنه يجله ويكثر من الثناء عليه حتى

أنه تمنى أن يكون حيا فيوليه الخلافة من بعده ، فقد قال وهو على فراش

الموت : ( لو أدركني أحد رجلين ، ثم جعلت إليه الأمر لوثقت به :

سالم مولى أبي حذيفة ، وأبو عبيدة بن الجراح )



الجهر بالحق


كانت الفضائل تزدحم حول سالم رضي الله عنه ولكن كان من أبرز

مزاياه الجهر بما يراه حقا فلا يعرف الصمت ، وتجلى ذلك بعد فتح مكة ،

حين أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بعض السرايا الى ما حول مكة

من قرى وقبائل ، وأخبرهم أنهم دعاة لا مقاتلين ، فكان سالم رضي الله

عنه في سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي استعمل السيف وأراق الدم ،

فلم يكد يرى سالم رضي الله عنه ذلك حتى واجهه بشدة ، وعدد له الأخطاء

التي ارتكبت ، وعندما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم النبأ ، اعتذر الى

ربه قائلا : " اللهم إني أبرأ مما صنع خالد "

كما سأل : " هل أنكر عليه أحد ؟ "

فقالوا له : أجل ، راجعه سالم وعارضه

فسكن غضب الرسول صلى الله عليه وسلم .



يوم اليمامة


عندما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى واجهت خلافة

أبي بكر رضي الله عنه مؤامرات المرتدين ، وجاء يوم اليمامة ، وكانت حربا

رهيبة ، لم يبتل الاسلام بمثلها ، وخرج المسلمون للقتال ، وخرج سالم وأخوه

في الله أبو حذيفة رضي الله عنهما وفي بدء المعركة لم يصمد المسلمون

للهجوم ، وأحس كل مؤمن أن المعركة معركته ، والمسؤولية مسؤوليته ،

وجمعهم خالد بن الوليد رضي الله عنه من جديد وأعاد تنسيق الجيش بعبقرية مذهلة..

وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم رضي الله عنهما وتعاهدا على الشهادة

في سبيل الدين الحق الذي وهبهما سعادة الدنيا والآخرة ، وقذفا نفسيهما

في الخضم الرهيب .. كان أبو حذيفة رضي الله عنه ينادي :

( يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم )

وسيفه يضرب كالعاصفة في جيش مسيلمة الكذاب.

وكان سالم رضي الله عنه يصيح :

( بئس حامل القرآن أنا لو هوجم المسلمون من قبلي )

وكان سيفه صوال جوال في أعناق المرتدين ، الذين هبوا ليعيدوا جاهلية

قريش ويطفؤا نور الاسلام ، وهوى سيف من سيوف الردة على يمناه فبترها ،

وكان يحمل بها راية المهاجرين بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب رضي الله

عنه ، ولما رأى يمناه تبتر ، التقط الراية بيسراه وراح يلوح بها الى أعلى

وهو يصيح رضي الله عنه تاليا الآية الكريمة :

(( وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثيرفما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله

وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين ))

وأحاطت به غاشية من المرتدين فسقط البطل ، ولكن روحه ظلت تتردد في

جسده الطاهر ، حتى انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب واندحار جيش مسيلمة وانتصارالمسلمين .



الشهادة


وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداءهم وجدوا سالما رضي الله عنه

في النزع الأخير ،فأسرع المسلمون إليه ، والتفوا حوله فسألهم عن أخيه في

الله ومولاه أبي حذيفة ، فأخبروه بأنه قد استشهد ولقى ربه ، فطلب منهم

أن يضعوه بجواره ، فقالوا :

إنه الى جوارك يا سالم .. لقد استشهد في نفس المكان .. فابتسم ابتسامته

الأخيرةوفاضت روحه إلى الله لينعم بالشهادة وذلك في عام 12 هـ

لقد أدرك هو وصاحبه ما كانا يرجوان ..

معا أسلما

ومعا عاشا

ومعا استشهدا

ومعا يبعثا

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:20 PM
عبد الله ابـن أم مكتـوم


هو الصحابي الجليل ( ابـن أم مكتـوم ) الأعمـى ، وهو الصحابي

الذي عُوتب فيه النبي صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سماوات

من قِبل الله سبحانه ونزل في شأنه قرآن يُتلى إلى يوم القيامة ،

اسمه في المدينة عمرو بن قيس بن زائدة القرشي العامري و في

العراق اسمه عبدالله ، وهو قرشي مكي ، تربطه بالرسول صلى

الله عليه وسلم رحم ، فهو قريب من أقرباءه وابن خال أم المؤمنين

خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وأمه عاتكة بنت عبد الله ، وقد

دُعيت بأم مكتوم ، لأنها ولدته أعمى مكتوما ، فكان ضريرا طول حياته.


إسلامه


شهد عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه مطلع النور في

مكة ، فشرح الله له صدره للإيمان ، فأسلم مبكرا، فكان من

المسلمين الأوائل ، وعاش محنة المسلمين في مكة بكل ما

حفلت به من تضحية وثبات وصمود وفداء ، وعانى من قريش

ما عاناه أصحابه من بطش وقسوة ، ثم هاجر إلى المدينة المنورة

بعد مصعب بن عمير رضي الله عنهما ،

قبل أن يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إليها

وقبل بدر قال البراء رضي الله عنه :

( أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه

وسلم مُصعب بن عمير وابن أم مكتوم ، فجعلا يُقرئان الناس القرآن )


عبس وتولى


لقد بلغ حرص ابن ام مكتوم رضي الله عنه على حفظ القرآن

الكريم ، أنه كان لا يترك فرصة إلا اغتنمها ، ولا سانحة إلا

ابتدرها ، وكان أحيانا يأخذ نصيبه من النبي صلى الله عليه

وسلم ونصيب غيره ، لرغبته القوية أن يكون مع النبي صلى

الله عليه وسلم دائما ، فالمؤمن لا ترتاح نفسه إلا مع المؤمنين .

ولقد كان صلى الله عليه وسلم في هذه الفترة كثيرالتصدي

لسادات قريش ، شديد الحرص على إسلامهم ، فالتقى

ذات يوم بعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة بن ربيعة ، وعمرو

بن هشام المكنى بأبي جهل ، وأمية بن خلف ، والوليد

بن المغيرة ، والد سيف الله خالد رضي الله عنه ، وطفق

يفاوضهم ويناجيهم ويعرض عليهم الإسلام ، وهو يطمع أن

يستجيبوا له ، لأنهم إن أسلموا أسلم معهم خلق كثير ،

وإن اقتنعوا بالإسلام ولم يسلموا ، فالحد الأدنى أنهم كفوا

أذاهم عن ضعاف المؤمنين الذين يعذبونهم آناء الليل وأطراف النهار .

وفيما هو كذلك أقبل عليه عبد الله بن أم مكتوم رضي الله

عنه يستقرئه بعض آيات الكتاب الكريم ، فرأى النبي صلى

الله عليه وسلم أن هذا الوقت غير مناسب ، و بإمكانه أن

يأتي في أي وقت يشاء غير هذا ، فاعرض عنه وعبس

في وجهه ، ثم تولى نحو أولئك النفر من قريش ، وأقبل

عليهم أملا في أن يسلموا ، فيكون في إسلامهم عز لدين الله ، وتأييد لدعوة رسول الله .

وما إن قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه معهم

وهَم أن ينقلب إلى أهله حتى أمسك الله حتى جاءه الوحي ،

ونزل عليه قوله تعالى : (( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ))

ست عشرة آية نزل بها جبريل عليه السلام على قلب النبي

صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن أم مكتوم رضي الله

عنه ، لا تزال تُتلى وسوف تظل تتلى حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

ومنذ ذلك اليوم ما فتئ النبي صلى الله عليه وسلم يكرم

منزل عبد الله بن أم مكتوم الذي عوتب فيه من فوق سبع

سماوات ، ويدني مجلسه إذا أقبل ، ويسأل عن شأنه ويقضي حاجته .


الآذان

كان بلال يؤذن وابن أم مكتوم رضي الله عنهما يقيم الصلاة ،

وربما أذن ابن أم مكتوم وأقام بلال الصلاة، ولكن بعد حين

وجه النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يؤذن هو الذي يقيم الصلاة .

وكان لبلال وابن أم مكتوم رضي الله عنهما شأن آخر في رمضان ،

فقد كان المسلمون في المدينة يتسحرون على أذان أحدهما ويمسكون

عند أذان الآخر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم "



إكرام النبي له


لقد بلغ من إكرام النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم

رضي الله عنه أن استخلفه على المدينة عند غيابه عنها بضع

عشرة مرة ، كانت إحداها يوم غادرها لفتح مكة ، وهذه مرتبة

عالية جدا أن يختار النبي هذا الصحابي الجليل نائبا عنه في إدارة

شؤون المدينة في غيابه .


حبه للجهاد

في أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم

من آي القرآن ما يرفع شأن المجاهدين ويفضلهم على القاعدين ،

لينشط المجاهد إلى الجهاد ، ويأنف القاعد من القعود ، فأثر ذلك

في نفس ابن أم مكتوم رضي الله عنه وعز عليه أن يُحرم من ذلك الفضل وقال:

( يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت )

ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل القرآن في شأنه وشأن أمثاله

ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد ، فهو بحكم عاهته محروم من

هذه العبادة العظيمة ، فكان يتألم وكان يبكي ، وكان يسأل

النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يسأل ربه أن ينزل قرآنا في

شأن ابن أم مكتوم رضي الله عنه المعذور ، وشأن أمثاله ممن

تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد ، وجعل يدعو في ضراعة :

( اللهم أنزل عذري ، اللهم أنزل عذري )

فما أسرع أن استجاب الله سبحانه لدعائه ، حدث زيد بن ثابت

رضي الله عنه كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

( كنت إلى جنب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فغشيته السكينة ،

ونزل عليه الوحي ، فلما سُري عنه قال : " اكتب يا زيد "

فكتبت : (( لا يستوي القاعدون من المؤمنين ))

فقام ابن أم مكتوم وقال :

( يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد ؟ )

قال فما انقضى كلامه حتى غشيت رسول الله صلى الله عليه

وسلم السكينة ، ولما سُري عنه قال : " اقرأ ما كتبته يا زيد "

فقرأت (( لا يستوي القاعدون من المؤمنين ))

قال : اكتب (( غير أولي الضرر ))

فكأن من إكرام الله سبحانه أن يستجيب لهذا الصحابي الجليل ،

وينزل به وبأمثاله المعذورين ما يبرر قعودهم .

ورغم انه أُعفى وأمثاله من الجهاد ، فقد أبت نفسه أن يقعد

مع القاعدين ، وعقد العزم أن يكون مع المجاهدين ، وحدد لنفسه

وظيفتها في ساحات القتال فكان يقول :

( أقيموني بين الصفين ، وحملوني اللواء أحمله لكم وأحفظه

فأنا أعمى لا أستطيع الفرار )


الشهاده


في السنة الرابعة عشرة للهجرة ، عقد عمر بن الخطاب

رضي الله عنه العزم على أن يخوض مع الفرس معركة

فاصلة تزيل دولتهم وتزيل ملكهم ، وتفتح الطريق أمام

جيوش المسلمين ، فأمر الفاروق رضي الله عنه على الجيش

الكبير سعد بن أبي وقاص ، ووصاه وودعه ، ولما بلغ الجيش

القادسية ، برز عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه لابسا درعه

مستكملا عدته ، وندب نفسه لحمل راية المسلمين والحفاظ

عليها أو الموت دونها ، والتقى الجمعان في أيام ثلاثة قاسية

عابسة ، فكانت حربا لم يشهد لها تاريخ الفتوح مثيلا ،

حتى انجلى الموقف في اليوم الثالث عن نصر مؤزر للمسلمين ،

وكان ثمن هذا النصر المبين مئات الشهداء ، وكان من بين

هؤلاء الشهداء عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه ، فقد وجد

صريعا مضرجا بدمائه وهو يعانق راية المسلمين.

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:24 PM
صهيب بن سنان رضي الله عنه


لقد كان والده حاكم ( الأبله ) وواليا عليهـا لكسرى ، فهو من العرب الذين

نزحوا الى العراق قبل الاسلام بعهد طويل ، وله قصـر كبير على شاطئ

الفرات ، فعاش صهيب طفولة ناعمة سعيدة ، الى أن سبي بهجوم رومي ،

وقضى طفولته وصدر شبابه في بلاد الروم ، وأخذ لسانهم ولهجتهم ، وباعه

تجار الرقيق أخيرا لعبد اللـه بن جدعان في مكة وأعجب سيده الجديد بذكائه

ونشاطه واخلاصه ، فاعتقه وحرره ، وسمح له بالاتجار معه .

اسلامه


يقول عمار بن ياسر رضي الله عنه :

( لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقلت له :

ماذا تريد ؟

فأجابني : ماذا تريد أنت ؟

قلت له : أريد أن أدخل على محمد ، فأسمع ما يقول

قال : وأنا أريد ذلك

فدخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض علينا الاسلام ، فأسلمنا

ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا ، ثم خرجنا ، ونحن مستخفيان )

فكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلا ..

عرف صهيب رضي الله عنه طريقه الى دار الأرقم ..

عرف طريقه الى الهدى والنور ، وأيضا الى التضحية الشاقة والفداء العظيم..

فعبور الباب الخشبي الذي كان يفصل داخل دار الأرقم عن خارجها لم

يكن يعني مجرد تخطي عتبة ، بل كان يعني تخطي حدود عالم بأسره..

عالم قديم بكل ما يمثله من دين وخلق ، ونظام وحياة.

واقتحام تلك العتبة ، كان ايذانا بعهد زاخر بالمسؤليات الجسام ، وبالنسبة

للفقراء ، والغرباء ، والرقيق ، كان اقتحام عقبة دار الأرقم يعني تضحية

تفوق كل مألوف من طاقات البشر.

وان صهيبا رجل غريب وصديقه الذي لقيه على باب الدار ، عمار بن ياسر

رجل فقير ، فما بالهما يستقبلان الهول ويشمران سواعدهما لملاقاته ؟؟

انه نداء الايمان الذي لا يقاوم ..

انها شمائل محمد عليه الصلاة والسلام الذي يملؤ عبيرها أفئدة الأبرار هدى وحبا..

انها روعة الجديد المشرق ، تبهر عقولا سئمت عفونة القديم ، وضلاله وافلاسه ..

انها قبل هذا كله رحمة الله يصيب بها من يشاء ، وهداه يهدي اليه من ينيب .

أخذ صهيب رضي الله عنه مكانه في قافلة المؤمنين ، وأخذ مكانا فسيحا

وعاليا بين صفوف المضطهدين والمعذبين ، ومكانا عاليا كذلك بين صفوف الباذلين والمفتدين.

و أخذت علاقاته بالناس ، وبالدنيا، بل وبنفسه ، طابعا جديدا.

يومئذ امتشق نفسا صلبة ، زاهدة متفانية ، وراح يستقبل بها الأحداث فيطوعها .والأهوال فيروعها.

ولقد مضى يواجه تبعاته في اقدام جسور ، فلا يتخلف عن مشهد ولا عن خطر

منصرفا ولعه وشغفه عن الغنائم الى المغارم .


هجرته الى المدينة


ولقد افتتح أيام نضاله النبيل وولائه الجليل بيوم هجرته ، ففي ذلك اليوم

تخلى عن كل ثروته وجميع ذهبه الذي أفاءته عليه تجارته الرابحة خلال سنوات كثيرة قضاها في مكة..

تخلى عن كل هذه الثروة وهي كل ما يملك في لحظة لم يشب جلالها تردد ولا نكوص.

فعندما هم الرسول بالهجرة ، علم صهيب بها، وكان المفروض أن يكون ثالث

ثلاثة ، هم الرسول .. وأبو بكر .. وصهيب ..

بيد أن القرشيين كانوا قد بيتوا أمرهم لمنع هجرة الرسول صلى الله عليه

وسلم ، ووقع صهيب في بعض فخاخهم ، فعوق عن الهجرة بعض الوقت

بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه قد اتخذا سبيلهما على بركة الله..

وحاور صهيب وداور ، حتى استطاع أن يفلت من شانئيه ، وامتطى ظهر

ناقته ، وانطلق بها الصحراء وثبا..

بيد أن قريشا أرسلت في أثره قناصتها فأدركوه.. ولم يكد صهيب يراهم

ويواجههم من قريب حتى صاح فيهم قائلا :

( يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلا وأيم والله لا تصلون الي حتى

ارمي كل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي

منه شيء، فأقدموا ان شئتم ، وان شئتم دللتكم على مالي، وتتركوني وشاني )

ولقد استاموا لأنفسهم ، وقبلوا أن يأخذوا ماله قائلين له :

أتيتنا صعلوكا فقيرا ، فكثر مالك عندنا ، وبلغت بيننا ما بلغت ، والآن تنطلق

بنفسك وبمالك..؟؟

فدلهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته ، وتركوه وشأنه ، وقفلوا الى مكة

راجعين ، والعجب أنهم صدقوا قوله في غير شك ، وفي غير حذر ، فلم يسألوه

بينة.. بل ولم يستحلفوه على صدقه.. وهذا موقف يضفي على صهيب كثيرا من

العظمة يستحقها كونه صادق وأمين ..

واستأنف صهيب هجرته وحيدا سعيدا ، حتى أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم في قباء..

كان الرسول صلى الله عليه وسلم جالسا وحوله بعض أصحابه حين أهل عليهم

صهيب ولم يكد يراه الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ناداه متهللا :

" ربح البيع أبا يحيى .. ربح البيع أبا يحيى "

وآنئذ نزلت الآية الكريمة :

(( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد ))

أجل لقد اشترى صهيب نفسه المؤمنة ابتغاء مرضات الله بكل ثروته التي

أنفق شبابه في جمعها، ولم يحس قط أنه المغبون..

فما المال ، وما الذهب وما الدنيا كلها ، اذا بقي له ايمانه ، واذا بقيت لضميره سيادته.. ولمصيره ارادته..؟؟


صورة ايمانه


يتحدث صهيب رضي الله عنه عن ولائه للاسلام فيقول :

( لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا قط ، الا كنت حاضره ،

ولم يبايع بيعة قط الا كنت حاضرها ، ولم يسر سرية قط الا كنت حاضرها ،

ولا غزا غزاة قط ، أول الزمان وآخره ، الا كنت فيها عن يمينه أو شماله ،

وما خاف المسلمون أمامهم قط ، الا كنت أمامهم ، ولا خافوا وراءهم ،

الا كنت وراءهم ، وما جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين العدو أبدا حتى لقي ربه )

وكان الى جانب ورعه خفيف الروح ، حاضر النكتة ، فقد رآه الرسول صلى

الله عليه وسلم يأكل رطبا ، وكان باحدى عينيه رمد ، فقال له الرسول صلى

الله عليه وسلم ضاحكا : " أتأكل الرطب وفي عينيك رمد "

فأجاب قائلا : ( وأي بأس ؟ اني آكله بعيني الأخرى )


الخصال الثلاث


قال عمر لصهيب رضي الله عنهما : ( أي رجل أنت لولا خصال ثلاث فيك )

قال :( وما هن ؟ )

قال :

( اكتنيت وليس لك ولد ، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم ، وفيك سرف في الطعام )

قال صهيب :

( أما قولك : اكتنيت ولم يولد لك ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني

أبا يحيى ، وأما قولك : انتميت إلى العرب وأنت من الروم ، فإني رجل من النمر

بن قاسط ، سبتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام قد عرفت نسبي ، وأما

قولك : فيك سرف في الطعام ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

يقول : " خياركم من أطعم الطعام "


فضله


- قال رسول اللـه صلى الله عليه وسلم :

" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليحب صهيبا حب الوالدة لولدها "


- وقال صلى اللـه عليه وسلم : " لا تبغضوا صهيبا "


- وقال صلى اللـه عليه وسلم :

" السباق أربعة ، أنا سابق العرب ، وصهيب سابق الروم ، وسلمان سابق

الفرس ، وبلال سابق الحبش "

- ولئن كانت حياة صهيب مترعة بالمزايا والعظائم ، فان اختيار عمر بن الخطاب

رضي الله عنه اياه ليؤم المسلمين في الصلاة مزية تملأ حياته ألفة وعظمة..

فعندما اعتدي على أمير المؤمنين وهو يصلي بالمسلمين صلاة الفجر..

وعندما احس نهاية الأجل ، فراح يلقي على اصحابه وصيته وكلماته الأخيرة

قال : ( وليصل بالناس صهيب )

لقد اختار عمر يومئذ ستة من الصحابة، ووكل اليهم أمر الخليفة الجديد

وخليفة المسلمين هو الذي يؤمهم في الصلاة ، ففي الأيام الشاغرة بين

وفاة أمير المؤمنين ، واختيار الخليفة الجديد ، من يؤم المسلمين في الصلاة.

ان عمر رضي الله عنه وخاصة في تلك اللحظات التي تأخذ فيها روحه
الطاهرة طريقها الى الله ليستأني ألف مرة قبل أن يختار .. فاذا اختار ،

فلا أحد هناك أوفر حظا ممن يقع عليه الاختيار..

ولقد اختار عمر صهيبا ..

اختاره ليكون امام المسلمين في الصلاة حتى ينهض الخليفة الجديد ، بأعباء مهمته..

اختاره وهو يعلم أن في لسانه عجمة ، فكان هذا الاختيار من تمام نعمة

الله على عبده الصالح صهيب بن سنان..


وفاته


توفي في المدينة في شوال عام ( 38 هـ )

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:26 PM
عثمان بن مظعون راهب صومعة الحياة

هو عثمان بن مظعون بن حبيب الجمحي ( أبو السائب )

إذا أردت أن ترتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق

سبقهم الزمني إلى الإسلام فاعلم إذا بلغت الرقم الرابع عشر أن

صاحبه هو عثمان بن مظعون رضي الله عنه .

ولقد كان أول المهاجرين وفاة بالمدينة ، كما كان أول المسلمين دفنا بالبقيع .

ولقد كان راهبا عظيما ، لا من رهبان الصوامع ، بل من رهبان الحياة

وكانت رهبانيته عملا دائبا في سبيل الحق ، وتفانيا مثابرا في سبيل الخير والصلاح.


إسلامه

كان عثمان بن معظون رضي الله عنه هناك ، واحدا من القلة التي

سارعت إلى الله سبحانه والتفت حول رسوله صلى الله عليه وسلم

فقد انطلق مع عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، وعبد الرحمن بن عوف

وأبو سلمة بن عبد الأسد ، وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم ،

حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرض عليهم الإسلام ،

وأنبأهم بشرائعه ، فأسلموا جميعا في ساعة واحدة ، وذلك قبل

دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ، وقبل أن يدعو

فيها ، ولقد نزل به من الأذى والضر ، ما كان ينزل يومئذ بالمؤمنين الصابرين الصامدين ..


الهجرة الى الحبشة


حين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه القلة المؤمنة المضطهدة

بالعافية آمرا اياها بالهجرة الى الحبشة ، مؤثرا أن يبقى في مواجهة

الأذى وحده ، كان عثمان بن مظعون رضي الله عنه أمير الفوج الأول

من المهاجرين ، مصطحبا معه ابنه السائب موليا وجهه شطر بلاد بعيدة

عن مكايد عدو الله أبي جهل ، وضراوة قريش ، وهول عذابها.

وكشأن المهاجرين الى الحبشة في كلتا الهجرتين ...

الأولى والثانية ، لم يزدد عثمان بن مظعون رضي الله عنه الا استمساكا بالاسلام ، واعتصاما به.


جوار الله

بلغ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى الحبشة

أن أهل مكة قد أسلموا ، هنالك حمل المهاجرون أمتعتهم وطاروا الى

مكة تسبقهم أشواقهم ، ويحدوهم حنينهم .

بيد أنهم ما كادوا يقتربون من مشارفها حتى تبينوا كذب الخبر الذي بلغهم عن اسلام قريش .

وساعتئذ سقط في أيديهم ، ورأوا أنهم قد عجلوا ، ولكن أنى يذهبون وهذه مكة على مرمى البصر ..

وقد سمع مشركو مكة بمقدم الصيد الذي طالما ردوه ونصبوا شباكهم

لاقتناصه ، ثم ها هو ذا الآن ، تحين فرصته ، وتأتي به مقاديره.

فلم يدخل أحد منهم إلى مكة إلا بجوار أو مستخفيا وكانوا ثلاثة

وثلاثون منهم عثمان بن مظعون رضي الله عنه الذي دخل بجوار من

الوليد بن المغيرة ، وهكذا دخل مكة آمنا مطمئنا، ومضى يعبر دروبها ،

ويشهد ندواتها ، لا يسام خسفا ولا ضيما.

وكان الجوار يومئذ تقليدا من تقاليد العرب ذات القداسة والإجلال ،

فإذا دخل رجل مستضعف جوار سيد قرشي أصبح في حمى منيع

لا يهدر له دم ، ولا يضطرب منه مأمن.

ولم يكن العائدون سواء في القدرة على الظفر بجوار ، من أجل ذلك ظفر بالجوار منهم قلة .

ولكن ابن مظعون رضي الله عنه الرجل الذي يصقله القرآن ، ويربيه

محمد صلى الله عليه وسلم ، يتلفت حواليه ، فيرى اخوانه المسلمين من

الفقراء والمستضعفين ، الذين لم يجدوا لهم جوارا ولا مجيرا..

يراهم والأذى ينوشهم من كل جانب.. والبغي يطاردهم في كل سبيل..

بينما هو آمن في سربه ، بعيد من أذى قومه ، فيخرج من داره مصمما

على أن يخلع جوار الوليد ، وأن يلقي عن كاهله تلك الحماية التي حرمته

لذة تحمل الأذى في سبيل الله ، وشرف الشبه بإخوانه المسلمين ، و قال :

( والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من الشرك ، وأصحابي وأهل

ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي )

فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له :

( يا أبا عبد شمس ، وَفَت ذمتك ، قد رددت إليك جوارك )

فقال له : يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي

قال رضي الله عنه :

( لا ، ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره )

فقال : فانطلق الى المسجد فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية .

فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد :

هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري .

قال عثمان رضي الله عنه :

( صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره )

ثم انصرف عثمان رضي الله عنه ، ولبيـد بن ربيعة في مجلس من قريش

يُنشـدهم ، فجلس معهم عثمان ، فقال لبيـد :

ألا كل شيء ما خلا الله باطـل

قال عثمان رضي الله عنه : ( صدقت )

قال لبيد : وكل نعيم لا محالة زائل

قال عثمان رضي الله عنه : ( كذبت ، نعيم الجنة لا يزول )

قال لبيد : يا معشر قريش ، والله ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ؟

قال رجل من القوم : إن هذا سفيه من سفهاء معه ، قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله

فرد عثمان رضي الله عنه عليه حتى شري أمرهم ، فقام إليه ذلك الرجل

فلطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان

رضي الله عنه ، فقال : أما والله يا ابن أخي ، إن كانت عينك عما

أصابها لغنية ، لقد كنت في ذمة منيعة .

قال عثمان رضي الله عنه :

( بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها في الله

وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس )

فقال الوليد : هلم يا ابن أخي ، إن شئت فعد الى جوارك

فقال عثمان رضي الله عنه : ( لا )

ولقد ذهب عثمان بن مظعون رضي الله عنه بعد رد جوار الوليد يتلقى

من قريش أذاها ، وكان بهذا سعيدا جد سعيد..


الراهب الجليل


وفي دار الهجرة المنورة ، يتكشف جوهر عثمان بن مظعون رضي الله

عنه وتستبين حقيقته العظيمة الفريدة ، فاذا هو العابد ، الزاهد ، المتبتل ، الأواب ..

واذا هو الراهب الجليل ، الذكي الذي لا يأوي الى صومعة يعتزل فيها

الحياة .. بل يملأ الحياة بعمله ، وبجهاده في سبيل الله..

راهب الليل فارس النهار ، بل راهب الليل والنهار ، وفارسهما معا

ولئن كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا سيما في تلك

الفترة من حياتهم ، كانوا جميعا يحملون روح الزهد والتبتل ، فان ابن

مظعون رضي الله عنه كان له في هذا المجال طابعه الخاص ..

اذ أمعن في زهده وتفانيه امعانا رائعا ، أحال حياته كلها في ليله

ونهاره الى صلاة دائمة مضيئة ، وتسبيحة طويلة عذبة ..

وما ان ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى هم بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعم الحياة ..

فمضى لا يلبس الا الملبس الخشن ، ولا يأكل الا الطعام الجشِب ..

دخل يوما المسجد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه

جلوس ، وكان يرتدي لباسا تمزق ، فرقعه بقطعة من فروة ، فرق له

قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ودمعت عيون أصحابه ، فقال

لهم النبي صلى الله عليه وسلم :

" كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى ، وتوضع

في قصعة ، وترفع أخرى ، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعب "

قال الصحابة رضي الله عنهم :

(وددنا أن يكون ذلك يا رسول الله ، فنصيب الرخاء والعيش )

فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا :

" ان ذلك لكائن ، وأنتم اليوم خير منكم يومئذ "

الأسوة الحسنة


وكان بديهيا وابن مظعون رضي الله عنه يسمع هذا من رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، أن يزداد اقبالا على الشظف وهربا من النعيم.

بل حتى الرفث الى زوجته نأى عنه وانتهى ، لولا أن علم رسول

الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فناداه وقال له :

" يا عثمان بن مظعون أما لك بي أسوة "

فقال رضي الله عنه : ( بأبي وأمي ، وما ذاك ؟ )

قال صلى الله عليه وسلم :

" تصوم النهار وتقوم الليل ؟ "

قال رضي الله عنه : ( إني لأفعل )

قال صلى الله عليه وسلم :

" لا تفعل ، إن لعينيك عليك حقا ، وإن لجسدك عليك حقا ،

وإن لأهلك حقا ، فصل ونم ، وصم وأفطر "

وفاته

لقد أحبه الرسول صلى الله عليه وسلم حبا عظيما ، وحين كانت روحه

الطاهرة تتهيأ للرحيل ليكون صاحبها أول المهاجرين وفاة بالمدينة ،

( سنة 2 ) للهجرة وأولهم ارتياد لطريق الجنة ، كان الرسول صلى الله

عليه وسلم هناك الى جواره ..

ولقد أكب على جبينه يقبله ، ويعطره بدموعه التي هطلت من عينيه الودودتين

فضمخت وجه عثمان الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات اشراقه وجلاله ..

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يودع صاحبه الحبيب :

" رحمك الله يا أبا السائب ، خرجت من الدنيا وما أصبت منها ، ولا أصابت منك "

ولم ينس الرسول صلى الله عليه وسلم صاحبه بعد موته ، بل كان دائم الذكر

له ، والثناء عليه ، حتى لقد كانت كلمات وداعه صلى الله عليه وسلم لابنته

رقية ، حين فاضت روحها :

" الحقي بسلفنا الخير ، عثمان بن مظعون "

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:28 PM
عتبة بن غزوان رضي الله عنه





إنه من بين المسلمين السابقين ، والمهاجرين الأولين إلى الحبشة ، فالمدينة ،

ومن بين الرماة الأفذاذ الذين أبلوا في سبيل الله بلاء حسنا ..

هذا الرجل الفارع الطول ، المشرق الوجه ، المخبت القلب عتبة بن غزوان

رضي الله عنه كان سابع سبعة سبقوا إلى الإسلام ، مبايعين ومتحدين

قريش بكل ما معها من بأس وقدرة على الانتقام ..

وفي الأيام الأولى للدعوة ، أيام العسرة والهول ، صمد عتبة بن غزوان

رضي الله عنه ، مع إخوانه ذلك الصمود الجليل الذي صار فيما بعد زادا

للضمير الإنساني يتغذى به وينمو على مر الأزمان.

ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة ،

خرج عتبة رضي الله عنه مع المهاجرين.

بيد أن شوقه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعه يستقر هناك ،

فسرعان ما طوى البر والبحر عائدا إلى مكة ، حيث لبث فيها بجوار

الرسول صلى الله عليه وسلم حتى جاء ميقات الهجرة إلى المدينة ،

فهاجر عتبة رضي الله عنه مع المسلمين.

ومنذ بدأت قريش تحرشاتها فحروبها ، وعتبة رضي الله عنه حاملا

رماحه ونباله ، يرمي بها في أستاذية خارقة ، ويسهم مع إخوانه

المؤمنين في هدم العالم القديم بكل أوثانه وبهتانه.

ولم يضع سلاحه يوم رحل عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى

الرفيق الأعلى ، بل ظل يضرب في الأرض ، وكان له مع جيوش الفرس جهاد عظيم ..


فتـح الأبـلـة


أرسله أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى الأبلة ليفتحها ، وليطهر

أرضها من الفرس الذين كانوا يتخذونها نقطة وثوب خطرة على قوات

الإسلام الزاحفة عبر بلاد الإمبراطورية الفارسية ، تستخلص منها بلاد الله وعباده.

وقال له عمر رضي الله عنه وهو يودعه وجيشه :

( انطلق أنت ومن معك ، حتى تأتوا أقصى بلاد العرب ، وأدنى بلاد

العجم وسر على بركة الله ويمنه ، وادع الى الله من أجابك ، ومن

أبى فالجزية ، وإلا فالسيف في غير هوادة ، كابد العدو ، واتق الله ربك )

ومضى عتبة رضي الله عنه على رأس جيشه الذي لم يكن كبيرا ،

حتى قدم الأبلة وكان الفرس يحشدون بها جيشا من أقوى جيوشهم.

ونظم عتبة رضي الله عنه قواته ، ووقف في مقدمتها ، حاملا رمحه

بيده التي لم يعرف الناس لها زلة منذ عرفت الرمي.

وصاح في جنده :

( الله أكبر، صدق وعده )

وكأنه كان يقرأ غيبا قريبا ، فما هي إلا جولات ميمونة استسلمت

بعدها الأبلة وطهرت أرضها من جنود الفرس ، وتحرر أهلها من طغيان

طالما أصلاهم سعيرا ، وصدق الله العظيم وعده .


البصرة والإمارة


احتط عتبة رضي الله عنه مكان الأبلة مدينة البصرة ، وعمرها وبنى مسجدها العظيم .

وأراد أن يغادر البلاد عائدا الى المدينة ، هاربا من الامارة ، لكن

أمير المؤمنين رضي الله عنه أمره بالبقاء.

ولبث عتبة رضي الله عنه مكانه يصلي بالناس ، ويفقههم في دينهم ،

ويحكم بينهم بالعدل ، ويضرب لهم أروع المثل في الزهد والورع والبساطة.

ووقف يحارب الترف والسرف بكل قواه حتى ضجره الذين كانوا

تستهويهم المناعم وزخرف الحياة الدنيا .

هنالك وقف عتبة رضي الله عنه فيهم خطيبا فقال :

( والله ، لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع

سبعة ومالنا طعام الا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا ، ولقد رزقت

يوما بردة ، فشققتها نصفين ، أعطيت نصفها سعد بن مالك ، ولبست نصفها الآخر )

كان عتبة رضي الله عنه يخاف الدنيا على دينه أشد الخوف ، وكان

يخافها على المسلمين ، فراح يحملهم على القناعة والشظف.

وحاول الكثيرون أن يحولوه عن نهجه ، ويثيروا في نفسه الشعور بالامارة ،

وبما للامارة من حق ، لا سيما في تلك البلاد التي لم تتعود من قبل أمراء

من هذا اطراز المتقشف الزاهد ، والتي تعود أهلها احترام المظاهر المتعالية المزهوة.

فكان عتبة رضي الله عنه يجيبهم قائلا :

( اني أعوذ بالله أن أكون في دنياكم عظيما ، وعند الله صغيرا )

ولما رأى الضيق على وجوه الناس بسبب صرامته في حملهم على الجادة

والقناعة قال لهم :

( غدا ترون الأمراء من بعدي )


موسم الحج




وجاء موسم الحج ، فاستخلف على البصرة أحد اخوانه وخرج حاجا ،

ولما قضى حجه ، سافر الى المدينة ، وهناك سأل أمير المؤمنين عمر

رضي الله عنه أن يعفيه الامارة.

لكن عمر رضي الله عنه لم يكن يفرط في هذا الطراز الجليل من الزاهدين

الهاربين مما يسيل له لعاب البشر جميعا.

وكان يقول لهم :

( تضعون أماناتكم فوق عنقي ، ثم تتركوني وحدي ، لا والله لا أعفكيم أبدا )

وهكذا قال لـ عتبة بن غزوان رضي الله عنه .

ولما لم يكن في وسع عتبة رضي الله عنه الا الطاعة ، فقد استقبل

راحلته ليركبها راجعا الى البصرة.

لكنه قبل أن يعلو ظهرها ، استقبل القبلة ، ورفع كفيه الضارعتين

الى السماء ودعا ربه عز وجل ألا يرده الى البصرة ، ولا الى الامارة أبدا .


وفاته


واستجيب دعاؤه ، فبينما هو في طريقه الى ولايته أدركه الموت ،

وفاضت روحه الى بارئها ، مغتبطة بما بذلت وأعطت ، وبما زهدت

وعفت ، وبما أتم الله عليها من نعمة ، وبما هيأ لها من ثواب.

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:29 PM
‏ عبدالله بن جحش المجدع في الله

هو عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن

كثير من بني خزيمة ، أخو زينب بنت جحش رضي الله عنهما

زوج النبي صلى الله علية وسلم ، وهو ابن عمة رسول الله صلى

الله عليه وسلم ، ذلك لأن أمه أميمة بنت عبد المطلب كانت عمة النبي صلى الله علية وسلم .

اسلامه

أسلم قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ، وهاجر

الهجرتين إلى الحبشة ثم هاجر إلى المدينة ، وجعله رسول الله

صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية ، ويقال إنه كان أول

أمير أمره ، وأن غنيمته أول غنيمة غنمها المسلمون.


هجرته


لما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة ،

فرارا بدينهم من أذى قريش ، كان عبد الله بن جحش رضي الله

عنه ثاني المهاجرين إذ لم يسبقه إلى هذا الفضل إلا أبو سلمة.

على أن الهجرة إلى الله ، ومفارقة الأهل والوطن في سبيله ،

لم تكن أمرا جديدا على عبد الله بن جحش رضي الله عنه ، فقد

هاجر هو وبعض ذويه قبل ذلك إلى الحبشة.

لكن هجرته هذه المرة كانت أشمل وأوسع ، فقد هاجر أهله

وذووه ، وسائر بني أبيه رجالا ونساء ، فقد كان بيته بيت إسلام ، وقبيلته قبيلة إيمان.

فما أن فصلوا عن مكة حتى بدت ديارهم حزينة كئيبة ، وغدت

خواء خلاء كأن لم يكن فيها أنيس من قبل ، ولم يسمر في ربوعها سامر.

ولم يمض غير قليل على هجرة عبد الله رضي الله عنه ومن معه

حتى خرج زعماء قريش يطوفون في أحياء مكة ، لمعرفة من

رحل عنها من المسلمين ومن بقي منهم ، وكان فيهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة.

فنظر عتبة إلى منازل بني جحش رضي الله عنه تتناوح فيها

الرياح السافيات ، وتخفق أبوابها خفقا وقال :

أصبحت ديار بني جحش خلاء تبكي أهلها.

فقال أبو جهل : ومن هؤلاء حتى تبكيهم الديار ؟

ثم وضع أبو جهل يده على دار عبد الله بن جحش رضي الله عنه ،

فقد كانت أجمل هذه الدور وأغناها ، وجعل يتصرف فيها

وفي متاعها كما يتصرف المالك في ملكه.

فلما بلغ عبد الله بن جحش رضي الله عنه ما صنع أبو جهل

بداره ، ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال :

" الأ ترضى يا عبد الله ، أن يعطيك الله بها دارا في الجنة ؟ "

قال رضي الله عنه : ( بلى يا رسول الله )

قال صلى الله عليه وسلم :

" فذلك لك "

فطابت نفس عبد الله رضي الله عنه وقرت عينه.


امتحان عظيم


ما كاد عبد الله بن جحش رضي الله عنه يستقر في المدينة بعدما ناله

من أذى على يد قريش ، حتى شاء الله أن يتعرض لأقسى امتحان عرفه

في حياته ، وأن يعاني أعنف تجربة لقيها منذ أسلم.

فقد انتدب الرسول صلى الله عليه وسلم ثمانية من أصحابه للقيام بأول

عمل عسكري في الإسلام ، فيهم عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص

رضي الله عنهما ، وقال :

" لأؤمرن عليكم أصبركم على الجوع والعطش "

ثم عقد لواءهم لعبد الله بن جحش رضي الله عنه فكان أول أمير أمر على طائفة من المؤمنين.

حدد الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن جحش وجهته وأعطاه كتابا ،

وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد مسيرة يومين.

فلما انقضى على مسيرة السرية يومان نظر عبد الله رضي

الله عنه في الكتاب فإذا فيه :

" إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين الطائف

ومكة ، فترصد بها قريشا ، وقف لنا على أخبارهم "

وما إن أتم عبد الله رضي الله عنه الكتاب حتى قال :

( سمعا وطاعة لنبي الله )

ثم قال لأصحابه :

( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أمضي إلى

( نخلة ) لأرصد قريشا حتى آتيه بأخبارهم ، وقد نهاني عن أن

أستكره أحدا منكم على المضي معي ، فمن كان يريد الشهادة

ويرغب فيها فليصحبني ، ومن كره ذلك فليرجع غير مذموم )

فقال القوم : سمعا وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،

إنما نمضي معك حيث أمرك نبي الله.

ثم سار القوم حتى بلغوا ( نخلة ) وطفقوا يجوسون خلال الدروب ليترصدوا أخبار قريش.

وفيما هم كذلك أبصروا عن بعد قافلة لقريش فيها أربعة رجال هم

عمرو ابن الحضرمي ، والحكم بن كيسان ، وعثمان بن عبد الله ،

وأخوه المغيرة ومعهم تجارة لقريش فيها جلود وزبيب ونحوها مما كانت تتجر به قريش .

عند ذلك أخذ الصحابة يتشاورون فيما بينهم ، وكان اليوم آخر يوم

من الأشهر الحرم ، فقالوا :

إن قتلناهم فإنما نقتلهم في الشهر الحرام ، وفي ذلك ما فيه من

أهدار حرمة هذا الشهر والتعرض لسخط العرب جميعا ، وإن أمهلناهم

حتى ينقضي هذا اليوم دخلوا في ارض الحرم وأصبحوا في مأمن منا .

وما زالوا يتشاورون حتى أجمعوا رأيهم على الوثوب عليهم وقتلهم وأخذ ما في أيديهم غنيمة ...

وفي لحظات قتلوا واحدا منهم وأسروا اثنين ، وفر الرابع من أيديهم.

استاق عبد الله بن جحش رضي الله عنه وصحبه الأسيرين والعير متوجهين

إلى المدينة ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووقف

على ما فعلوه استنكره أشد الاستنكار ، وقال لهم :

" والله ما أمرتكم بقتال ، وإنما أمرتكم أن تقفوا على أخبار قريش ، وأن ترصدوا حركتها "

وأوقف الأسيرين حتى ينظر في أمرهما ... وأعرض عن العير فلم يأخذ منها شيئا.

عند ذلك سقط في أيدي عبد الله بن جحش وأصحابه رضي الله

عنهم ، وأيقنوا أنهم هلكوا بمخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وازاد عليهم الأمر ضيقا أن إخوانهم من المسلمين طفقوا يكثرون

عليهم من اللوم ، ويزورون عنهم كلما مروا بهم ويقولون :

خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ازدادوا حرجا على حرج حين علموا أن قريشا اتخذت من هذه

الحادثة ذريعة للنيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتشهير به

بين القبائل ، فكانت تقول :

إن محمدا قد استحل الشهر الحرام ، فسفك فيه الدم ، وأخذ المال ، وأسر الرجال ..

فحزن عبد الله بن جحش وأصحابه رضي الله عنهم على ما فرط منهم ،

ولا عن خجلتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوقعوه فيه من الحرج.


أول غنيمة


ولما اشتد عليهم الكرب وثقل عليهم البلاء ، جاءهم البشير يبشرهم

بأن الله سبحانه قد رضي عن صنيعهم ، وأنه أنزل على نبيه في ذلك قرآنا ...

وقد طفق الناس يقبلون عليهم معانقين مبشرين مهنئين وهم يتلون

ما نزل في عملهم من قرآن مجيد.

فلقد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى :

(( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد

عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ))

فلما نزلت الآيات الكريمات طابت نفس الرسول صلى الله عليه وسلم

فأخذ العير وفدى الأسيرين ، ورضي عن صنيع عبد الله بن جحش

وأصحابه رضي الله عنهم إذ كانت غزوتهم هذه حدثا كبيرا في حياة

المسلمين ، فغنيمتها أول غنيمة أخذت في الإسلام ، وقتيلها أول

مشرك أراق المسلمون دمه ، واسيراها أول أسيرين وقعا في أيدي

المسلمين ، ورايتها أول راية عقدتها يد رسول الله صلى الله عليه

وسلم ، وأميرها عبد الله بن جحش رضي الله عنه أول من دعي بأمير المؤمنين.


المجدع في الله


شهد عبد الله بن جحش رضي الله عنه بدر فأبلى فيها من كريم البلاء ما يليق بإيمانه.

ثم جاءت أحد فكان لعبد الله بن جحش وصاحبه سعد بن أبي

وقاص رضي الله عنهما معها قصة لا تنسى ..

ويروي سعد رضي الله عنه قصته وقصة صاحبه قائلا :

( لما كانت أحد لقيني عبد الله بن جحش وقال : ألا تدعو الله ؟

فقلت : بلى .

فخلونا في ناحية فدعوت فقلت :

يا رب إذا لقيت العدو فلقني رجلا شديدا بأسه ، شديدا حرده

أقاتله ويقاتلني ، ثم ارزقني الظفرعليه حتى اقتله وآخذ سلبه ،

فأمن عبد الله بن جحش رضي الله عنه على دعائي ، ثم قال :

اللهم ارزقني رجلا شديدا حرده شديدا باسه أقابله فيك ويقاتلني

ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك ..

قلت : فيم جدع أنفك وأذنك ؟

فأقول : فيك وفي رسولك

فتقول : صدقت ...

قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :

لقد كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرا من دعوتي ، فلقد رايته

آخر النهار، وقد قتل ومثل به ، وإن أنفه وأذنه لمعلقان على شجرة بخيط )


استشهاده


استجاب الله دعوة عبد الله بن جحش رضي الله عنه ، فأكرمه بالشهادة

كما أكرم بها خاله سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه

واستجاب الله دعوته وفعل أبو الحكم بن الأخنس بن شريق ، بعبد الله

رضي الله عنه ما دعا به ، وكان عمره نيفا وأربعين سنة..

فواراهما الرسول صلى الله عليه وسلم معا في قبر واحد ، ودموعه الطاهرة

تروي ثراهما المضمخ بطيب الشهادة

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:32 PM
الطفيل بن عمرو الفطرة الراشدة


الطفيل بن عمرو الدوسي نشأ في أسرة كريمة في أرض ( دوس )

وذاع صيته كشاعر نابغة ، وفي مواسم عكاظ حيث يأتي الشعراء

العرب من كل فج ويحتشدون ويتباهون بشعرائهم ، كان الطفيل يأخذ مكانه في المقدمة ..

كما كان يتردد على مكة كثيرا في غير مواسم عكاظ. .


اسلامه



في إحدى زياراته لمكة كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد شرع

بدعوته ، وخشيت قريش أن يلقاه الطفيل رضي الله عنه ويسلم ، فيضع

شعره في خدمة الإسلام ، لذا أحاطوا فيه وأنزلوه ضيفا مكرما ، وراحوا

يحذرونه من محمد صلى الله عليه وسلم ، بأن له قولا كالسحر ، يفرق بين

الرجل وأبيه ، والرجل وأخيه ، والرجل وزوجته ، ويخشون عليه وعلى

قومه منه ، ونصحوه بألا يسمعه أو يكلمه .

ويقول الطفيل رضي الله عنه عن النبأ :

( فوالله ما زالوا بي حتى عزمت ألا أسمع منه شيئا ولا ألقاه ، وحين

غدوت إلى الكعبة حشوت أذني كرسفا كي لا أسمع شيئا من قوله إذا هو تحدث.

وهناك وجدته قائما يصلي عند الكعبة ، فقمت قريبا منه ، فأبي الله

إلا أن يسمعني بعض ما يقرأ ، فسمعت كلاما حسنا وقلت لنفسي :

( واثكل أمي والله إني لرجل لبيب شاعر ، لا يخفى علي الحسن من

القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من الرجل ما يقول ، فان كان الذي يأتي

به حسن قبلته ، وان كان قبيحا رفضته )

ومكثت حتى انصرف إلى بيته ، فاتبعته حتى دخل بيته ، فدخلت وراءه ، وقلت له :

( يا محمد ، إن قومك قد حدثوني عنك كذا وكذا فوالله ما برحوا يخوفوني

أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك.

ولكن الله شاء أن أسمع ، فسمعت قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك )

فعرض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام ، وتلا عليه القرآن ،

فأسلم الطفيل رضي الله عنه وشهد شهادة الحق وقال :

( يا رسول الله ، إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم ، وداعيهم

إلى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا فيما أدعوهم إليه )

فقال صلى الله عليه وسلم : " اللهم اجعل له آية "


أهل بيته


لم يكاد الطفيل رضي الله عنه يبلغ بلده وداره في أرض دوس حتى

واجه أباه بالذي في قلبه من عقيدة وإصرار ، ودعاه إلى الإسلام بعد

أن حدثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يدعو الى الله ، حدثه

عن عظمته وعن طهره وأمانته ، عن إخلاصه وإخباته لله رب العالمين .

فأسلم أبوه في الحال ، ثم انتقل الى أمه فأسلمت ، ثم إلى زوجه ، فأسلمت.


أهل دوس



انتقل الطفيل رضي الله عنه إلى عشيرته فلم يسلم أحد منهم سوى

أبو هريرة رضي الله عنه ، وخذلوه حتى نفذ صبره معهم ، فركب راحلته

وعاد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يشكو إليه وقال :

( يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس الزنى والربا ، فادع الله أن يهلك دوسا )

وكانت المفاجأة التي أذهلت الطفيل حين رفع الرسول صلى الله عليه

وسلم كفيه الى السماء وقال :

" اللهم اهد دَوسا وأت بهم مسلمين "

ثم قال للطفيل :

" ارجع الى قومك فادعهم وارفق بهم "

ملأ هذا المشهد نفس الطفيل رضي الله عنه روعة ، وملأ روحه سلاما ،

وحمد الله أبلغ الحمد أن جعل هذا الرسول صلى الله عليه وسلم

الإنسان الرحيم معلمه وأستاذه ، وأن جعل الإسلام دينه وملاذه.

ونهض عائدا إلى أرضه وقومه وهناك راح يدعوهم إلى الإسلام في

أناة ورفق ، كما أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم .


قدوم دوس


خلال الفترة التي قضاها الطفيل رضي الله عنه بين قومه ، كان الرسول

صلى الله عليه وسلم قد هاجر الى المدينة وكانت قد وقعت غزوة بدر وأحد والخندق.

وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر بعد أن فتحها الله على

المسلمين إذا موكب حافل ينتظم ثمانين أسرة من دوس أقبلوا على الرسول

صلى الله عليه وسلم مهللين مكبرين ، وجلسوا يبايعون تباعا.

ولما فرغوا من مشهدهم الحافل ، وبيعتهم المباركة جلس الطفيل بن عمرو

رضي الله عنه مع نفسه يسترجع ذكرياته ويتأمل خطاه على الطريق .

تذكر يوم قدومه على الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله أن يرفع كفيه

الى السماء ويقول : اللهم اهلك دوسا ، فإذا هو يبتهل بدعاء آخر أثار

يومئذ عجبه ذلك هو :

" اللهم اهد دوسا وأت بهم مسلمين "

ولقد هدى الله دوسا ، وجاء بهم مسلمين ، وها هم أولاء ، ثمانون بيتا

وعائلة منهم ، يشكلون أكثرية أهلها ، يأخذون مكانهم في الصفوف

الطاهرة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم .



فتح مكة


ويواصل الطفيل رضي الله عنه عمله مع الجماعة المؤمنة ، ويوم فتح مكة ،

كان يدخلها مع عشرة آلاف مسلم لا يثنون أعطافهم زهوا وصلفا ، بل

يحنون جباههم في خشوع وإذلال ، شكرا لله الذي أثابهم فتحا قريبا ، ونصرا مبينا.

ورأى الطفيل رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يهدم

أصنام الكعبة ، ويطهرها بيده من ذلك الرجس الذي طال مداه.

وتذكر الدوسي رضي الله عنه من فوره صنما كان لعمرو بن حممة ،

طالما كان عمرو هذا يصطحبه إليه حين ينزل ضيافته ، فيتخشع بين يديه ، ويتضرع إليه.

الآن حانت الفرصة ليمحو الطفيل رضي الله عنه عن نفسه اثم تلك الأيام ،

هنالك تقدم من الرسول صلى الله عليه وسلم يستأذنه في أن يذهب ليحرق

صنم عمرو بن حممة وكان هذا الصنم يدعى ، ذا الكفين ، وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم .

ويذهب الطفيل رضي الله عنه ويوقد عليه النار.. وكلما خبت زادها ضراما

وهو ينشد ويقول :

يا ذا الكفين لست من عبادكا

ميلادنا أقدم من ميلادكا

إني حشوت النار في فؤادكا

وهكذا عاش مع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وراءه ، ويتعلم منه ، ويغزو معه.


حروب الردة


وينتقل الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى ، فيرى الطفيل

رضي الله عنه أن مسؤوليته كمسلم لم تنته بموت الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل إنها لتكاد تبدأ ..

وهكذا لم تكد حروب الردة تنشب حتى كان الطفيل رضي الله عنه يشمر لها

عن ساعد وساق ، وحتى كان يخوض غمراتها وأهوالها في حنان مشتاق إلى الشهادة ..

اشترك في حروب الردة حربا .. حربا ..

وفي موقعة اليمامة خرج مع المسلمين مصطحبا معه ابنه عمرو بن الطفيل ،

ومع بدء المعركة راح يوصي ابنه أن يقاتل جيش مسيلمة الكذاب قتال من يريد الموت والشهادة ..

وأنبأه أنه يحس أنه سيموت في هذه المعركة.

وهكذا حمل سيفه وخاض القتال في تفان مجيد .. لم يكن يدافع بسيفه

عن حياته .. بل كان يدافع بحياته عن سيفه ..حتى اذا مات وسقط جسده

بقي السيف سليما مرهفا لتضرب به يد أخرى لم يسقط صاحبها بعد..


استشهاده


في موقعة اليمامة استشهد الطفيل الدوسي رضي الله عنه

وهوى جسده تحت وقع الطعان ، وهو يلوح لابنه الذي لم يكن يراه

وسط الزحام يلوح له وكأنه يهيب به ليتبعه ويلحق به..

ولقد لحق به فعلا.. ولكن بعد حين..

ففي موقعة اليرموك بالشام خرج عمرو بن الطفيل رضي الله عنه مجاهدا وقضى نحبه شهيدا..

وكان وهو يجود بأنفاسه، يبسط ذراعه اليمنى ويفتح كفه ...

كما لو كان سيصافح بها أحدا .. ومن يدري ..

لعله ساعتئذ كان يصافح روح أبيه.. رضي الله عنهما

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:33 PM
زيد بن الخطاب صقر يوم اليمامة


زيد بن الخطاب هو الأخ الأكبر لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ،

سبقه إلى الإسلام ، وسبقه إلى الشهادة ..

وكان زيد رضي الله عنه بطلا باهر البطولة ، وكان العمل الصامت ،

الممعن في الصمت جوهر بطولته.

وكان إيمانه بالله وبرسوله وبدينه إيمانا وثيقا ، ولم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشهد ولا في غزوة.



غزوة أحد





يوم أحد ، حين حمي القتال بين المسلمين والمشركين راح زيد بن الخطاب رضي الله عنه يضرب ويضرب ..

وأبصره أخوه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقد سقط درعه عنه ،

وأصبح أدنى من الاعداء ، فصاح به عمر رضي الله عنه :

( خذ درعي يا زيد فقاتل بها )

فأجابه زيد رضي الله عنه :

( إني أريد من الشهادة ما تريده يا عمر )

وظل يقاتل بغير درع في فدائية باهرة واستبسال عظيم.


يوم اليمامة



جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوما ، وحوله جماعة من المسلمين

وبينما الحديث يجري ، أطرق الرسول صلى الله عليه وسلم لحظات ،

ثم وجه الحديث لمن حوله قائلا:

" إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من جبل أحد "

وظل الخوف بل الرعب من الفتنة في الدين ، يراود ويلح على جميع

الذين شهدوا هذا المجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كل منهم يحاذر ويخشى أن يكون هو الذي يتربص به سوء المنقلب

وسوء الختام ، ولكن جميع الذين وجه إليهم الحديث يومئذ ختم لهم

بخير ، وقضوا نحبهم شهداء في سبيل الله ، وما بقي منهم حيا سوى

أبي هريرة رضي الله عنه و " الرجال بن عنفوة ".

ولقد ظل أبو هريرة رضي الله عنه ترتعد فرائصه خوفا من أن تصيبه تلك النبوءة.

ولم يرقأ له جفن ، وما هدأ له بال حتى دفع القدر الستار عن صاحب

الحظ التعس ، فارتد " الرجال " عن الإسلام ولحق بمسيلمة الكذاب ، وشهد له بالنبوة .

هنالك استبان الذي تنبأ له الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء المنقلب وسوء المصير.

و" الرجال بن عنفوة " هذا ذهب ذات يوم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم

مبايعا ومسلما ، ولما تلقى منه الإسلام عاد إلى قومه ، ولم يرجع إلى

المدينة إلا اثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم واختيار الصديق رضي الله عنه خليفة على المسملين ..

ونقل إلى أبي بكر رضي الله عنه أخبار أهل اليمامة والتفافهم حول

مسيلمة ، واقترح على الصديق رضي الله عنه أن يكون مبعوثه إليهم

يثبتهم على الإسلام ، فأذن له الخليفة.

وتوجه " الرجال " إلى أهل اليمامة ، ولما رأى كثرتهم الهائلة ظن أنهم

الغالبون ، فترك الإسلام ، وانضم لصفوف مسيلمة الذي سخا عليه بالوعود.

وكان خطر " الرجال " على الإسلام أشد من خطر مسيلمة ذاته ،

ذلك لأنه استغل إسلامه السابق ، وحفظه لآيات كثيرة من القرآن ،

استغلالا خبيثا في دعم سلطان مسيلمة وتوكيد نبوته الكاذبة.

ولقد زادت أعين الملتفين حول مسيلمة زيادة طافحة بسبب أكاذيب " الرجال " هذا.

وكانت أنباء " الرجال " تبلغ المدينة ، فيتحرق المسلمون غيظا من

هذا المرتد الخطر الذي يضل الناس ضلالا بعيدا ، والذي يوسع بضلاله

دائرة الحرب التي سيضطر المسلمون أن يخوضوها.

وكان أكثر المسلمين تغيظا ، وتحرقا للقاء " الرجال " الصحابي الجليل

الذي تتألق ذكراه في كتب السيرة والتاريخ تحت هذا الاسم الحبيب زيد بن الخطاب رضي الله عنه .

فالرجال في رأي زيد رضي الله عنه ، لم يكن مرتدا فحسب ، بل كان

كذابا ، منافقا ، وصوليا .. لم يرتد عن اقتناع ..

بل عن وصولية حقيرة ونفاق بغيض هزيل.

وزيد رضي الله عنه في بغضه النفاق والكذب ، كأخيه عمر رضي الله عنه تماما ..

كلاهما لا يثير اشمئزازه ، مثل النفاق الذي تزجيه الأغراض الدنيئة.

ولقد أعد زيد نفسه ليختم حياته المؤمنة بمحق هذه الفتنة ، لا في

شخص مسيلمة بل في شخص من هو أكبر من خطرا ، وأشد جرما " الرجال بن عنفوة ".

وبدأ يوم اليمامة مكفهرا شاحبا ، وجمع خالد بن الوليد رضي الله عنه

جيش الإسلام ، ووزعه على مواقعه ودفع لواء الجيش إلى زيد بن الخطاب رضي الله عنه .

وقاتل بنو حنيفة أتباع مسيلمة قتالا مستميتا ضاريا..

ومالت المعركة في بدايتها على المسلمين ، وسقط منهم شهداء

كثيرون ، ورأى زيد رضي الله عنه مشاعر الفزع تراود بعض أفئدة

المسلمين ، فعلا ربوة هناك ، وصاح في اخوانه :

( أيها الناس عضوا على أضراسكم ، واضربوا في عدوكم ، وامضوا

قدما ، والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله ، أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي )

ونزل من فوق الربوة ، عاضا على أضراسه ، زاما شفتيه لا يحرك لسانه بهمس.

وتركز مصير المعركة لديه في مصير " الرجال " ، فراح يخترق الخضم

المقتتل كالسهم ، باحثا عن الرجال حتى أبصره ..

وهناك راح يأتيه من يمين ، ومن شمال ، وكلما ابتلع طوفان المعركة

غريمه وأخفاه ، غاص زيد رضي الله عنه وراءه حتى يدفعه الموج

إلى السطح من جديد ، فيقترب منه زيد رضي الله عنه ويبسط إليه

سيفه ، ولكن الموج البشري المحتدم يبتلع الرجال مرة أخرى ،

فيتبعه زيد رضي الله عنه ويغوص وراءه كي لا يفلت ..

وأخيرا يمسك بخناقه ، ويطوح بسيفه رأسه المملوء غرورا ، وكذبا ، وخسة ..

وبسقوط الأكذوبة ، أخذ عالمها كله يتساقط ، فدب الرعب في نفس

مسيلمة وفي روع المحكم بن الطفيل ثم في جيش مسيلمة الذي طار

مقتل الرجال فيه كالنار في يوم عاصف..

لقد كان مسيلمة يعدهم بالنصر المحتوم ، وبأنه هو و" الرجال بن عنفوة "

والمحكم بن طفيل سيقومون غداة النصر بنشر دينهم وبناء دولتهم.

وها هو ذا " الرجال " قد سقط صريعا ..

إذن فنبوة مسيلمة كلها كاذبة ..

هكذا احدثت ضربة زيد بن الخطاب رضي الله عنه كل هذا المدار في صفوف مسيلمة ..

أما المسلمون ، فما كاد الخبر يذيع بينهم حتى تشامخت عزماتهم

كالجبال ، ونهض جريحهم من جديد ، حاملا سيفه ، وغير عابئ بجراحه ..

حتى الذين كانوا على شفا الموت ، لا يصلهم بالحياة سوى بقية

وهن من رمق غارب ، مس النبأ أسماعهم كالحلم الجميل ، فودوا

لو أن بهم قوة يعودون بها إلى الحياة ليقاتلوا ، وليشهدوا النصر في روعة ختامه ..

ولكن أنى لهم هذا ، وقد تفتحت أبواب الجنة لاستقبالهم وانهم الآن

ليسمعون أسماءهم وهم ينادون للمثول ..


استشهاده



رفع زيد بن الخطاب رضي الله عنه ذراعيه إلى السماء مبتهلا لربه ،

شاكرا نعمته ، ثم عاد إلى سيفه والى صمته ، فلقد أقسم بالله

من لحظات ألا يتكلم حتى يتم النصر أو ينال الشهادة ..

ولقد أخذت المعركة تمضي ..

وراح نصرهم المحتوم يقترب ويسرع ، هنالك وقد رأى زيد رضي الله

عنه رياح النصر مقبلة ، فلم يعرف لحياته ختاما أروع من هذا الختام ،

فتمنى لو يرزقه الله الشهادة في يوم اليمامة هذا ..

وهبت رياح الجنة فملأت نفسه شوقا ..

ومآقيه دموعا .. وعزمه إصرارا ..

وراح يضرب ضرب الباحث عن مصيره العظيم وسقط البطل شهيدا ..

بل قولوا صعد شهيدا .. صعد عظيما ممجدا سعيدا ..

وعاد جيش الإسلام إلى المدينة ظافرا ، وبينما كان عمر رضي الله

عنه يستقبل مع الخليفة أبي بكر رضي الله عنه أولئك العائدين

الظافرين ، راح يرمق بعينين مشتاقين أخاه العائد ..

وكان زيد رضي الله عنه طويل بائن الطول .. ومن ثم كان تعرف

العين عليه أمرا ميسورا .. ولكن قبل أن يجهد بصره اقترب إليه من

المسلمين العائدين من عزاه في زيد رضي الله عنه .. فقال عمر رضي الله عنه :

( رحم الله زيدا .. سبقني إلى الحسنيين .. أسلم قبلي .. واستشهد قبلي )

وعلى كثرة الانتصارات التي راح الإسلام يظفر بها وينعم ، فان زيدا

رضي الله عنه لم يغب عن خاطر أخيه الفاروق رضي الله عنه لحظةودائما كان يقول :

( ما هبت الصبا ، إلا وجدت منها ريح زيد ) أجل ..

إن الصبا لتحمل ريح زيد رضي الله عنه ..

وعبير شمائله المتفوقة وما هبت رياح النصر على الإسلام منذ يوم اليمامة إلا وجد الإسلام فيها ..

ريح زيد .. وبلاء زيد .. وبطولة زيد .. وعظمة زيد .. رضي الله عنه

بورك آل الخطاب تحت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم

بوركوا يوم أسلموا .. وبوركوا أيام جاهدوا واستشهدوا ..

وبوركوا يوم يبعثون .

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:35 PM
سعد بن معاذ رضي الله عنه

هو سعد بن معاذ بن النعمان الأنصاري سيد الأوس في عامه الواحد والثلاثين

أسلم ، واستشهد في عامه السابع والثلاثين وبينهما قضى سعد بن معاذ

زعيم الأنصار أياما شاهقة في خدمة الله ورسوله .


إسلامه


أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه الى

المدينة ليعلم المسلمين الأنصار الذين بايعوا الرسول في بيعة العقبة الأولى ،

وليدعو غيرهم الى الايمان ، ويومئذ كان يجلس أسيد بن حضير وسعد بن معاذ

وكانا زعيمي قومهما يتشاوران بأمر الغريب الآتي ، الذي يدعو لنبذ دين الأباء

والأجداد وقال سعد : ( اذهب الى هذا الرجل وازجره )

وحمل أسيد حربته وذهب الى مصعب الذي كان في ضيافة أسعد بن زرارة وهو

أحد الذين سبقوا في الاسلام ، وشرح الله صدر أسيد للإسلام ، فأسلم أسيد

من غير ابطاء وسجد لله رب العالمين

وعاد أسيد الى سعد بن معاذ الذي قال لمن معه :

( أقسم ، لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به )

وهنا استخدم أسيد ذكاءه ليدفع بسعد الى مجلس مصعب رضي الله عنه سفير

الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ، ليسمع ما سمع من كلام الله ، فهو يعلم بأن

أسعد بن زرارة هو ابن خالة سعد بن معاذ ..

فقال أسيد لسعد : ( لقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا الى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وهم يعلمون أنه ابن خالتك )

وقام سعد وقد أخذته الحمية ، فحمل الحربة وسار مسرعا الى أسعد حيث معه مصعب

رضي الله عنه والمسلمين ، ولما اقترب لم يجد ضوضاء ، وانما سكينة تغشى الجماعة ،

وآيات يتلوها مصعب في خشوع ، وهنا أدرك حيلة أسيد .

فألقى حربته بعيدا ، ولا يكاد يبلغ الجالسين ، وأخذ مكانه بينهم، ملقيا سمعه لكلمات

مصعب حتى تكون هداية الله قد أضاءت نفسه وروحه.

وفي احدى مفاجآت القدر الباهرة المذهلة، فقد شرح الله صدره للاسلام ، وأضاء

بصيرته ، فبسط يمينه مبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

وبإسلام سعد بن معاذ تشرق في المدينة شمس جديدة، ستدور في فلكها قلوب

كثيرة تسلم مع حمد لله رب العالمين .. فقد قال لبني عبد الأشهل :

( كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تُسلموا )

فأسلموا ، فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام .

وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الى المدينة كانت دور

بني عبد الأشهل قبيلة سعد رضي الله عنه مفتحة الأبواب للمهاجرين، وكانت

أموالهم كلها تحت تصرفهم في غير من .. ولا أذى .. ولا حساب.


غزوة بدر


جمع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه المهاجرين والأنصار ليشاورهم

في الأمر ، وكان يريد معرفة موقف الأنصار من الحرب .. فقال سعد بن معاذ :

( يا رسول الله ، لقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ،

وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول

الله لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر

فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا

غدا ، إنا لصبر في الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله )

أهلت كلمات سعد كالبشريات، وتألق وجه الرسول صلى الله عليه وسلم رضا

وسعادة وغبطة ، فقال للمسلمين :

" سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني الآن

أنظر الى مصارع القوم "

وفي غزوة أحد ، وعندما تشتت المسلمون تحت وقع الباغتة الداهمة التي

فاجأهم بها جيش المشركين ، لم تكن العين لتخطئ مكان سعد بن معاذ ..

لقد سمر قدميه في الأرض بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذود

عنه ويدافع في استبسال هو له أهل وبه جدير ..


غزوة الخندق


في غزوة الخندق اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم برأي الأنصار بكل

خطوة يخطيها لأن الأمر يجري كله بالمدينة ، فكان يستشير سعد بن معاذ

سيد الأوس وسعد بن عبادة سيد الخزرج بكل الأمور التي تجد ..

لقد سمع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأن بني قريظة قد نقضوا

عهدهم ، فبعث الرسول صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وقال لهم :

" انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟

فان كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ، ولا تفتوا في أعضاد الناس ،

وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس "

فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ..

وقالوا : من رسول الله ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد .

فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه فقال له سعد بن عبادة :

( دع عنك مشاتمتهم ، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة )

ثم أقبلا على الرسول صلى الله عليه وسلم فسلموا وقالوا :

( عضل والقارة ) أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع فقال رسول

الله صلى الله عليه وسلم :

" الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين "

ثم تفاوض الرسول صلى الله عليه وسلم مع زعماء غطفان فأخبر سعد

بن معاذ وسعد بن عبادة في ذلك فقالا له :

( يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك الله به لابد لنا من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ؟ )

قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" بل شيء أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد

رمتكم عن قوس واحدة ، وكالبوكم من كل جانب ، فأردت أن أكسر عنكم

من شوكتهم إلى أمر ما "

فقال له سعد بن معاذ رضي الله عنه :

( يا رسول الله ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ،

لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا ،

أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ،والله

ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم )

قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " فأنت و ذاك "

فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال : ( ليجهدوا علينا )


إصابته


وشهدت المدينة حصارا رهيبا ، ولبس المسلمون لباس الحرب وخرج سعد

بن معاذ رضي الله عنه حاملا سيفه ورمحه ، فعن السيدة عائشة رضي الله

عنها أنها كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق ، وكانت أم سعد بن معاذ

رضي الله عنهما معها في الحصن ، وذلك قبل أن يضرب الحجاب عليهن ،

فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه وفي يده حربة وهو يقول :

لبث قليلا يلحق الهيجا حمـل **** لا بأس بالموت إذا حان الأجـل

فقالت أم سعد رضي الله عنها : ( الحق يا بني قد واللـه أخرت )

فقالت عائشة رضي الله عنها :

( يا أم سعد لوددت أن درع سعد أسبغ مما هي )

فخافت عليه حين أصيب السهم منه .

وفي إحدى الجولات أصابه سهم في ذراعه من المشركين ، من رجل يقال

له ابن العَرِقة ، وتفجر الدم من وريده وأسعف سريعا ، وأمر الرسول صلى

الله عليه وسلم أن يحمل الى المسجد وأن تنصب له خيمة ليكون قريبا منه

أثناء تمريضه ، ورفع سعد بصره للسماء وقال :

( اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، فإنه لا قوم أحب

إلي أن أجاهدهم من قوم أذوا رسولك ، وكذبوه وأخرجوه ، وإن كنت قد

وضعت الحرب بيننا وبينهم ، فاجعل ما أصابني اليوم طريقا للشهادة ،

ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة )

لك الله يا سعد بن معاذ ..

فمن ذا الذي يستطيع أن يقول مثل هذا القول ، في مثل هذا الموقف سواك ؟

وكان بنو قريظة مواليه وحلفاءه في الجاهلية .


الرسول يحكم سعد في بني قريظة

ولقد استجاب الله دعاءه ..

فكانت اصابته هذه طريقه الى الشهادة ، اذ لقي ربه بعد شهر ، متأثرا

بجراحه ، ولكنه لم يمت حتى شفي صدره من بني قريظة.

ذلك أنه بعد أن يئست قريش من اقتحام المدينة، ودب في صفوف جيشها

الهلع ، حمل الجميع متاعهم وسلاحهم ، وعادوا مخذولين الى مكة ..

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترك بني قريظة ، يفرضون على

المدينة غدرهم كما شاؤوا ، أمر لم يعد من حقه أن يتسامح تجاهه ..

هنالك أمر أصحابه بالسير الى بني قريظة ، وحاصروهم خمسة وعشرين يوما..

ولما رأى هؤلاء ألا منجى لهم من المسلمين ، استسلموا ، وتقدموا الى

رسول الله صلى الله عليه وسلم برجاء أجابهم اليه ، وهو أن يحكم فيهم

سعد بن معاذ رضي الله عنه .. وكان سعد رضي الله عنه حليفهم في الجاهلية..

فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ رضي الله عنه ببني قريظة ..

فأتاه قومه ( الأوس ) فحملوه وأقبلوا معه الى الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يقولون :

يا أبا عمرو ، أحسن في مواليك فإن الرسول إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم

حتى دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال :

( قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم )

فلما أتوا الرسول صلى الله عليه وسلم قال :

" قوموا إلى سيدكم "

فقاموا إليه فقالوا :

يا أبا عمرو ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر

مواليـك لتحكم فيهم

فقال سعد رضي الله عنه :

( عليكم بذلك عهد اللـه وميثاقه أن الحكم فيكم لما حكمـت ؟ )

قالوا : نعـم

قال رضي الله عنه : ( وعلى مـن هـاهنـا ؟ )

في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" نعم "

قال سعد رضي الله عنه:

( فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتسبى الذراري والنساء )

قال الرسـول صلى اللـه عليه وسلم :

" لقد حكمت فيهم بحكم اللـه من فوق سبعة أرقعة "

ونفذ الرسول صلى الله عليه وسلم حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فيهم .


وفاة سعد


فلما انقضى أمر بني قريظة انفجر بسعد جرحه ، وذهب رسول الله صلى

الله عليه وسلم لعيادته ، فألفاه يعيش في لحظات فاحتضنه رسول اللـه صلى

اللـه عليه وسلم فجعلت الدماء تسيل على رسول اللـه صلى الله عليه وسلم ،

فجاء أبو بكر رضي الله عنه فقال :

( وانكسار ظَهراه )

فقال الرسـول صلى الله عليه وسلم : " مَه "

فقال عمر رضي الله عنه : ( إنا لله وإنا إليه راجعون )

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه ووضعه في حجره ، وابتهل الى الله قائلا :

" اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك ، وصدق رسولك وقضى الذي عليه ،

فتقبل روحه بخير ما تقبلت به روحا "

وهطلت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم على الروح المودعة بردا وسلاما ،

فحاول في جهد ، وفتح عينيه راجيا أن يكون وجه رسول الله صلى الله

عليه وسلم آخر ما تبصرانه عيناه في الحياة وقال :

( السلام عليك يا رسول الله أما اني لأشهد أنك رسول الله )

وتملى وجه النبي وجه سعد آن ذاك وقال :

" هنيئا لك يا أبا عمرو "

وبعد مدة نزل جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

( يا نبي الله من هذا الذي فُتحت له أبواب السماء واهتز له العرش ؟ )

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعا يجر ثوبه ، فوجد سعدا قد قبض .


الجنازة


فمات سعد رضي الله عنه شهيدا بعد شهر من إصابته ، ويروى أن سعدا

رضي الله عنه كان رجلا بادنا ، فلما حمله الناس وجدوا له خفة فبلغ ذلك

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :

" إن له حملة غيركم ، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد ، واهتز له العرش "

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" لقد نزل من الملائكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفا ما وطئوا الأرض قبل "

كما يقول أبو سعيـد الخدري رضي اللـه عنه :

( كنت ممـن حفر لسعـد قبره ، وكنا كلما حفرنا طبقة مـن تراب ، شممنا ريح المسك حتى انتهينا الى اللحد )

ولما انتهوا الى قبر سعد نزل فيه أربعة نفر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم

واقف على قدميه ، فلما وضع في قبره تغير وجه رسول الله صلى الله عليه

وسلم ، وسبح ثلاثا ، فسبح المسلمون ثلاثا حتى ارتج البقيع ، ثم كبر رسول

الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ، وكبر أصحابه ثلاثا حتى ارتج البقيع بتكبيره ،

فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقيل :

يا رسول الله رأينا بوجهك تغيرا وسبحت ثلاثا ؟ قال :

" تضايق على صاحبكم قبره وضم ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد منها ، ثم فرج الله عنه "


فضل سعد



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى ثوب ديباج :

" والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا "

وقد قال شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه :

( أخذ إنسان قبضة من تراب قبر سعد فذهب بها ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك )

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:37 PM
معاذ بن جبل رضي الله عنه


عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبابع الأنصار بيعة العقبة الثانية ،

كان يجلس بين السبعين الذين يتكون منهم وفدهم ، شاب مشرق الوجه ،

رائع النظرة، براق الثنايا ، يبهر الأبصار بهدوئه وسمته ، فاذا تحدث ازدادت الأبصار انبهارا ..

ذلك كان معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه وكنيته

أبو عبدالرحمن أسلم وعمره ثماني عشرة سنـة بايع النبي صلى الله عليه وسلم

وحضر المشاهـد كلها وروى عن النبـي صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير من الأحاديث

النبوية كان شبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في استنارة عقله ، وشجاعة ذكائه .


قربه من الرسول


لزم معاذ بن جبل رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم منذ هجرته الى المدينة

فأخذ عنه القرآن وتلقى شرائع الاسلام حتى صار أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم

بشرعه وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

وحسبه شهادة له قول الرسول صلى الله عليه وسلم :

" استقرئـوا القرآن من أربعـة : من ابن مسعـود وسالم مولى أبي حذيفـة وأبي ومعاذ بن جبل "

وقوله صلى الله عليه وسلم :

" وأعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل "

قال له الرسول صلى الله عليه وسلم :

" يا مُعاذ ، والله إني لأحبك فلا تنس أن تقول في عقب كل صلاة :

اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك "

ولقد حَـذق معاذ رضي الله عنه الدرس وأجاد التطبيـق فقد لقيه الرسول صلى الله

عليه وسلم ذات صباح فسأله :

- " كيف أصبحت يا معاذ ؟ "

- قال رضي الله عنه : ( أصبحت مؤمنا حقا يا رسول الله )

- قال النبي صلى الله عليه وسلم :

" إن لكل حق حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ "

- قال معاذ رضي الله عنه :

( ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمسي ، ولا أمسيت مساء إلا ظننت أني

لا أُصبح ، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها غيرها ، وكأني أنظر الى

كل أمة جاثية تُدعى الى كتابها ، وكأني أرى أهل الجنة في الجنة يُنعمون ، وأهل النار في النار يُعذبون )

فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : " عرفت فالزم "

ارساله الى اليمن


وبعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ مع رسل ملوك اليمن يعلم الناس دينهم وأوصاه

بأمور عدة ، فقد سأله النبي صلى الله عليه وسلم :

- " بما تحكم يا معاذ ؟ "

- قال معاذ رضي الله عنه : ( بكتاب الله )

- قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " فان لم تجد ؟ "

- قال معاذ رضي الله عنه : ( بسنة رسول الله )

- قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " فان لم تجد ؟ "

- قال معاذ رضي الله عنه : ( أجتهد رأي ولا آلو )

فتهلل وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال :

" الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ".


فضله

لقد كان عمـر بن الخطـاب رضي اللـه عنه يستشيـره كثيرا وكان يقول في بعـض

المواطـن التي يستعيـن فيها برأي مُعاذ رضي الله عنه وفقهـه :

( لولا معاذ بن جبـل لهلك عمـر )

ولقد أجاد ابـن مسعـود رضي الله عنه وصفه حيـن قال :

( إن معـاذا كان أمة قانتـا للـه حنيفـا ، ولقد كنا نشبـه معاذا بإبراهيـم عليـه السـلام )

دخل ( عائذ الله بن عبد الله ) المسجد يوما مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

في أول خلافة عمر رضي الله عنه فيحدثنا ويقول :

فجلست مجلسا فيه بضع وثلاثون كلهم يذكرون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه

وسلم ، وفي الحلقة شاب شديد الأدمة حلو المنطق وضيء ، وهو أشب القوم سنا ،

فإذا اشتبـه عليهم من الحديـث شيء ردوه إليه فأفتاهم ، ولا يحدثهم إلا حين يسألونه،

ولما قضي مجلسهم دنـوت منه وسألته : من أنت يا عبد الله ؟

قال : ( أنا معاذ بن جبل )

ويقول ( أبو مسلم الخولاني ) :

دخلت مسجد حمص فإذا جماعة من الكهول يتوسطهم شاب براق الثنايا صامت لا يتكلم ،

فإذا امترى القوم في شيء توجهوا إليه يسألونه ..

فقلت لجليس لي : من هذا ؟

قال : مُعاذ بن جبل

فوقع في نفسي حبه

كما قال ( شهر بن حوشب ) :

كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تحدثوا وفيهم معاذ بن جبل ، نظروا إليه هيبة له .


حُب العلم


كان معاذا رضي الله عنه دائب الدعوة الى العلم والى ذكر الله ، فقد كان يقول :

( احذروا زيغ الحكيم ، واعرفوا الحق بالحق ، فإن للحق نورا )

وكان يرى العبادة قصدا وعدلا ، قال له يوما أحد المسلمين :

- علمني

- فسأله معاذ : ( وهل أنت مطيعي إذا علمتك ؟ )

- قال الرجل : إني على طاعتك لحريص

- فقال له معاذ رضي الله عنه :

( صم وأفطر وصل ونم واكتسب ولا تأثم ولا تموتن إلامسلما وإياك ودعوة المظلوم )

وكان يرى العلم معرفة وعملا فيقول :

( تعلموا ماشئتـم أن تتعلموا ، فلن ينفعـكم الله بالعلم حتى تعملوا )

وكان يرى الإيمان بالله وذكره استحضارا دائما لعظمته ومراجعة دائمة لسلوك النفس ،

يقول الأسود بن هلال : كنا نمشي مع مُعاذ ، فقال لنا :

( اجلسوا بنا نُؤمن ساعة )


طهارته


مات الرسول صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل في اليمن ، وفي خلافة أبي بكر

رضي الله عنه رجِع معاذ رضي الله ، وكان عمر بن الخطاب قد علم أن معاذا أثرى

فاقترح على الخليفة أبي بكر أن يشاطره ثروته وماله ، ولم ينتظر عمر رضي الله

عنه بل نهض مسرعا الى معاذ وأخبره ، وقد كان معاذ رضي الله عنه طاهر الكف

والذمة ، ولئن كان قد أثرى فإنه لم يكتسب إثما ومن ثم فقد رفض عرض عمر

رضي الله عنه وناقشه رأيه ، وتركه عمر رضي الله عنه وانصرف ، وفي الغداة

سارع معاذ الى عمر رضي الله عنهما يلقاه ولا يكاد يراه حتى يعانقه ودموعه

تسبق كلماته ويقول :

( لقد رأيت الليلة في منامي أني أخوض حومة ماء ، أخشى على نفسي الغرق ، حتى جئت فخلصتني يا عمر )

وذهبا معا الى أبي بكر رضي الله عنه وطلب معاذ إليه أن يشاطره ماله فقال

أبو بكر رضي الله عنه : ( لا آخذ منك شيئا )

فنظر عمر الى معاذ رضي الله عنهما وقال له : ( الآن حل وطاب )

فما كان أبو بكر رضي الله عنه الورع ليترك لمعاذ درهما واحدا ، لو علم أنه أخذه بغير حق .


أمانته وورعه


كما أرسله عمر بن الخطاب رضي الله عنه الى بني كلاب ليقسم فيهم أعطياتهم

ويوزع على فقرائهم صدقات أغنيائهم فقام بواجبه خير قيام وعاد الى زوجـه

بحلسه ( ما يوضع على ظهر الدابة ) الذي خرج به فقالت له امرأته :

أين ما جئت به مما يأتي به الولاة من هدية لأهليهـم ؟

فقال معاذ رضي الله عنه : ( لقد كان معي رقيب يقظ يحصي علي )

فقالت امرأته : لقد كنت أمينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي

الله عنه ثم جاء عمر فبعث معك رقيبا يحصي عليك .

وشاعت ذلك عند نساء عمر رضي الله عنه وشكته لهن فبلغ عمر رضي الله عنه

فأرسل الى معاذ رضي الله عنه وسأله :

( أنا أرسلت معك رقيبا )

فقال رضي الله عنه :

( يا أمير المؤمنين لم أجد ما اعتذر به الا هذا وقصدت بالرقيب الله عزوجل )

فأعطاه عمر رضي الله عنه شيئا وقال : ( أرضها به )


معلما ثم واليا للشام


وفي خلافة عمر رضي الله عنه أرسل اليه واليه على الشام يقول :

يا أمير المؤمنين ان أهل الشام قد كثروا وملأوا المدائن واحتاجوا الى من يعلمهم

القرآن ، ويفقههم في الدين ، فأعني يا أمير المؤمنين برجال يعلمونهم ..

فأرسل اليه عمر رضي الله عنه من يعلمهم وكان أحدهم معاذ بن جبل رضي الله عنه

فلما مات أمير الشام ( أبو عبيدة ) استخلفه أمير المؤمنين على الشام ، ولم يمض

عليه في الإمارة سوى بضعة أشهر حتى يلقى ربه منيبا ، وكان عمر بن الخطاب

رضي الله عنه يقول :

( لو استخلفت معاذ بن جبل فسألني ربي : لماذا استخلفته ؟

لقلت : سمعت نبيك يقول : إن العلماء إذا حضروا ربهم عز وجل كان معاذ بين أيديهم )

وهذا رأيه على خلافة المسلمين جميعا

طاعون عمواس

أصيب معاذ رضي الله عنه بالطاعون ، فلما حضرته الوفاة قال :

( مرحبا بالموت مرحبا ، زائر بعد غياب وحبيب وفد على شوق )

ثم جعل ينظر الى السماء ويقول :

( اللهم إني كنت أخافك ، لكنني اليوم أرجوك ، اللهم انك تعلم أني لم أكن أحب

الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار ، وجري الأنهار ، ولكن لظمأ الهواجر،

ومكابدة الساعات ، ومزاحمة العلماء عند حلق الذكر ، اللهم فتقبل نفسي بخير ما تتقبل به نفسا مؤمنة )

ثم فاضت روحه بعيدا عن الأهل داعيا الى الله مهاجرا في سبيله وكانت وفاته

في السنة السابعة عشرة من الهجرة النبوية في طاعون عمواس وعمره ثلاث وثلاثون سنة .

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:39 PM
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي وكنيته أبا عبد الله وكان صاحب سر رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، منذ جاء هو أخوه صفوان في صحبة أبيهما الى رسول الله

صلى الله عليه وسلم واعتنق ثلاثتهم الاسلام ، والاسلام يزيد موهبته هذه صقلا ،

فلقد عانق دينا قويا ، نظيفا، شجاعا قويما ، يحتقر الجبن والنفاق ، والكذب ..

وتأدب على يدي رسول واضح كفلق الصبح، لا تخفى عليهم من حياته، ولا من أعماق

نفسه خافية ، صادق وأمين ، يحب الأقوياء في الحق ، ويمقت الملتوين والمرائين والمخادعين..

فترعرعت موهبة حذيفة في رحاب هذا الدين، وبين يدي هذا الرسول صلى الله عليه

وسلم ، ووسط هذا الرعيل العظيم من الأصحاب.

ولقد نمت موهبته فعلا أعظم نماء ، وتخصص في قراءة الوجوه والسرائر ، يقرأ

الوجوه في نظرة ، ويبلو كنه الأعماق المستترة، والدخائل المخبوءة في غير

عناء ، ولقد بلغ من ذلك ما يريد، حتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهو

الملهم الفطن الأريب ، يستدل برأي حذيفة، وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتهم.

ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في هذه الحياة واضح لمن

يريده ، وانما الشر هو الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى

بدراسة الشر في مآتيه ، وهكذا عكف حذيفة رضي الله عنه على دراسة الشر والأشرار ،

والنفاق والمؤمنين ، فكان يقول :

( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني )

قلت : ( يا رسول الله فهل بعد هذا الخير من شر؟ )

قال : " نعم "

قلت : ( فهل بعد هذا الشر من خير ؟ )

قال : " نعم، وفيه دخن "

قلت : ( وما دخنه..؟ )

قال : " قوم يستنون بغير سنتي، ويهتدون يغير هديي، وتعرف منهم وتنكر "

قلت : ( وهل بعد ذلك الخير من شر ؟ )

قال : " نعم دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم اليها قذفوه فيها "

قلت : ( يا رسول الله ، فما تأمرني ان أدركني ذلك ؟ )

قال : " تلزم جماعة المسلمين وامامهم "

قلت : ( فان لم يكن لهم جماعة ولا امام ؟ )

قال : " تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك "

لقد عاش حذيفة بن اليمان مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن ، ومسالك الشرور

ليتقيها ، وليحذر الناس منها ، ولقد أفاء عليه هذا بصرا بالدنيا، وخبرة بالانس ،

ومعرفة بالزمن ، وكان يدير المسائل في فكره وعقله بأسلوب فيلسوف ، وحصانة حكيم.


إيمانه


لقد كان في ايمانه رضي الله عنه وولائه قويا ، فها هو يرى والده يقتل خطأ

يوم أحد بأيدي مسلمة ، فقد رأى السيوف تنوشه فصاح بضاربيه :

( أبي ، أبي ، انه أبي )

ولكن أمر الله قد نفذ ، وحين علم المسلمون تولاهم الحزن والوجوم ،

لكنه نظر اليهم اشفاقا وقال :

( يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين )

ثم انطلق بسيفه يؤدي واجبه في المعركة الدائرة وبعد انتهاء المعركة

علم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك ، فأمر بالدية عن والد حذيفة

رضي الله عنه ( حسيل بن جابر )

ولكن تصدق بها حذيفة على المسلمين ، فزداد الرسول له حبا وتقديرا .


غزوة الخندق


في غزوة الحندق وبعد أن دب الفشل في صفوف كفار قريش وحلفائهم من

اليهود ، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقف على آخر تطورات

الموقف هناك في معسكر أعدائه.

كان اليل مظلما ورهيبا ، وكانت العواصف تزأر وتصطخب ، كأنما تريد أن تقتلع

جبال الصحراء الراسيات من مكانها ، وكان الجوع المضني قد بلغ مبلغا وعرا

بين اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، فمن يملك آنئذ القوة ، وأي قوة

ليذهب وسط مخاطر حالكة الى معسكر الأعداء ويقتحمه، أو يتسلل داخله ثم يبلوا

أمرهم ويعرف أخبارهم ؟؟

ان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي سيختار من أصحابه من يقوم بهذه

المهمة البالغة العسر .. ترى من يكون البطل ؟

انه هو حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فلبى ، ومن صدقه العظيم يخبرنا

وهو يروي النبأ أنه لم يكن يملك الا أن يلبي ، مشيرا بهذا الى أنه كان يرهب

المهمة الموكولة اليه ، ويخشى عواقبها ، والقيام بها تحت وطأة الجوع ،

والصقيع ، والاعياء الجديد الذي خلفهم فيه حصار المشركين شهرا أو يزيد ..

وكان أمر حذيفة رضي الله عنه تلك الليلة عجيبا ، فقد قطع المسافة بين

المعسكرين ، واخترق الحصار ، وتسلل الى معسكر قريش ، وكانت الريح

العاتية قد أطفأت نيران المعسكر ، فخيم عليه الظلام ، واتخذ حذيفة رضي الله

عنه مكانه وسط صفوف المحاربين وخشي أبوسفيان قائد قريش ، أن يفجأهم

الظلام بمتسللين من المسلمين ، فقام يحذر جيشه ، وسمعه حذيفة رضي الله

عنه يقول بصوته المرتفع :

يا معشر قريش ، لينظر امرؤ من جليسه ؟

قال حذيفة رضي الله عنه :

( فأخذت بيد الرجل الذي كان الى جنبي فقلت : من أنت ؟ )

قال : فلان بن فلان

فأمن نفسه في المعسكر ، ثم قال أبو سفيان :

يا معشر قريش ، انكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، لقد هلك الكراع والخف ،

وأخلفتنا بنوقريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ،

ما تطمئن لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار ، ولا يستمسك لنا بناء ، فارتحلوا فاني

مرتحل ، ثم نهض فوق جمله ، وبدأ المسير ، يقول حذيفة رضي الله عنه :

( لولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الي الا تحدث شيئا حتى تأتيني ، لقتلته بسهم )

وعاد حذيفة رضي الله عنه الى الرسول صلى الله عليه وسلم حاملا له البشرى .


المنافقون


كان حذيفة رضي الله عنه يعلم أسماء المنافقين ، أعلمه بهم رسول الله صلى

الله عليه وسلم ، وسأله عمر رضي الله عنه :

( أفي عمالي أحد من المنافقين ؟ )

قال : ( نعم ، واحد )

قال : ( من هو ؟ )

قال : ( لا أذكره )

قال حذيفة : ( فعزله كأنما دل عليه )

وكان عمر رضي الله عنه إذا مات ميت يسأل عن حذيفة رضي الله عنه ،

فإن حضر الصلاة عليه صلى عليه عمر رضي الله عنه ، وإن لم يحضر حذيفة

الصلاة عليه لم يحضر عمر رضي الله عنه .


آخر ما سمع من الرسول

عن حذيفة رضي الله عنه قال :

( أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفاه الله فيه ، فقلت :

( يا رسول الله ، كيف أصبحت بأبي أنت وأمي ؟ )

فرد علي بما شاء الله ثم قال : " يا حذيفة أدْنُ مني "

فدنوت من تلقاء وجهه ، قال :

" يا حُذيفة إنه من ختم الله به بصوم يومٍ ، أراد به الله تعالى أدخله الله

الجنة ، ومن أطعم جائعاً أراد به الله ، أدخله الله الجنة ، ومن كسا عاريا

أراد به الله ، أدخله الله الجنة "

قلت : ( يا رسول الله ، أسر هذا الحديث أم أعلنه )

قال : " بل أعلنه "

فهذا آخر شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم "


أهل المدائن

خرج أهل المدائن أفواجا يستقبلون واليهم الجديد الذي اختاره لهم أمير

المؤمنين عمر رضي الله عنه ، خرجوا تسبقهم أشواقهم الى هذا الصحابي

الجليل الذي سمعوا الكثير عن ورعه وتقاه ، وسمعوا أكثر عن بلائه العظيم في فتوحات العراق.

وبينماهم ينتظرون الموكب الوافد ، أبصروا أمامهم رجلا مضيئا ، يركب حمارا

على ظهره اكاف قديم ، وقد أسدل الرجل ساقيه ، وأمسك بكلتا يديه رغيفا

وملحا ، وهو يأكل ويمضغ طعامه.

وحين توسط جمعهم ، وعرفوا أنه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الوالي الذي ينتظرون ، كاد صوابهم يطير ..

أنهم معذورون ، فما عهدت بلادهم أيام فارس ، ولا قبل فارس ولاة من هذا الطراز

الجليل وسار حذيفة ، والناس محتشدون حوله ، وحافون به.

وحين رآهم حذيفة رضي الله عنه يحدقون به قال لهم :

( اياكم ومواقف الفتن )

قالوا : وما مواقف الفتن يا أبا عبدالله ؟

قال : ( أبواب الأمراء ، يدخل أحدكم على الأمير أو الوالي ، فيصدقه بالكذب ، ويمتدحه بما ليس فيه )

فكانت هذه البداية أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد ، ومنهجه في الولاية .


معركة نهاوند



في معركة نهاوند حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين ألفا ،

اختار أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لقيادة الجيوش المسلمة

( النعمان بن مقرن رضي الله عنه )

ثم كتب الى حذيفة رضي الله عنه أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة ،

وأرسل عمر رضي الله عنه للمقاتلين كتابه يقول :

( اذا اجتمع المسلمون ، فليكن كل أمير على جيشه ، وليكن أمير الجيوش

جميعا (النعمان بن مقرن ) ، فاذا استشهد النعمان فليأخذ الراية حذيفة ،

فاذا استشهد فجرير بن عبدالله )

وهكذا استمر يختار قواد المعركة حتى سمى منهم سبعة ، والتقى الجيشان

ونشب قتال قوي ، وسقط القائد النعمان رضي الله عنه شهيدا ، وقبل أن

تسقط الراية كان القائد الجديد حذيفة رضي الله عنه يرفعها عاليا وأوصى

بألا يذاع نبأ استشهاد النعمان حتى تنجلي المعركة ، ودعا ( نعيم بن مقرن )

فجعله مكان أخيه ( النعمان ) رضي الله عنهما تكريما له ، ثم هجم على الفرس صائحا :

( الله أكبر : صدق وعده ، الله أكبر : نصر جنده )

ثم نادى المسلمين قائلا :

( يا أتباع محمد ، هاهي ذي جنان الله تتهيأ لاستقبالكم ، فلا تطيلوا عليها الانتظار )

وانتهى القتال بهزيمة ساحقة للفرس .

وكان فتح همدان والري والدينور على يده ، وشهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين ، وتزوج فيها .


اختياره للكوفة


أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا ، فكتب عمر رضي الله عنه

لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كي يغادرها فورا بعد أن يجد مكانا

ملائما للمسلمين ، فوكل أمر اختيار المكان لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه

ومعه سلمان بن زياد رضي الله عنه ، فلما بلغا أرض الكوفة وكانت حصباء

جرداء مرملة ، قال حذيفة رضي الله عنه لصاحبه :

( هنا المنزل ان شاء الله )

وهكذا خططت الكوفة وتحولت الى مدينة عامرة ، وشفي سقيم المسلمين وقوي ضعيفهم .


فضله


قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" ما من نبي قبلي إلا قد أعطيَ سبعة نُجباء رفقاء ، وأعطيت أنا أربعة

عشر سبعة من قريش :

علي والحسن والحسين وحمزة وجعفر ، وأبو بكر وعمر

وسبعة من المهاجرين :

عبد الله ابن مسعود ، وسلمان وأبو ذر وحذيفة وعمار والمقداد وبلال "

رضوان الله عليهم

قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : استخلفتَ فقال :

" إني إن استخلف عليكم فعصيتم خليفتي عُذبتم ، ولكم ما حدثكم به حُذيفة

فصدقوه ، وما أقرأكم عبد الله بن مسعود فاقرؤوه "

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأصحابه : ( تمنوا )

فتمنوا ملء البيت الذي كانوا فيه مالا وجواهر ينفقونها في سبيل الله ،

فقال عمر رضي الله عنه :

( لكني أتمنى رجالا مثل أبي عبيدة ومعاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان ، فأستعملهم

في طاعة الله عز وجل )

ثم بعث بمال إلى أبي عبيدة رضي الله عنه وقال : ( انظر ما يصنع ) فقسمه

ثم بعث بمال إلى حذيفة رضي الله عنه وقال : ( انظر ما يصنع ) فقسمه

فقال عمر رضي الله عنه : ( قد قلت لكم )



من أقواله


لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه أقوالا بليغة كثيرة ، فقد كان واسع الذكاء

والخبرة ، وكان يقول للمسلمين :

( ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة ، ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا ،

ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه )

يقول حذيفة :

( أنا أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة ، وما بي أن يكون

رسول الله صلى الله عليه وسلم اسر إلي شيئا لم يحدث به غيري ، وكان ذكر

الفتن في مجلس أنا فيه ، فذكر ثلاثا لا يذرن شيئا ، فما بقي من أهل ذلك المجلس غيري )

كان رضي الله عنه يقول :

( ان الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم فدعا الناس من الضلالة الى الهدى ،

ومن الكفر الى الايمان ، فاستجاب له من استجاب ، فحيى بالحق من كان ميتا ،

ومات بالباطل من كان حيا ، ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على منهاجها ،

ثم يكون ملكا عضوضا ، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه ،

أولئك استجابوا للحق ، ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه ، كافا يده ،

فهذا ترك شعبة من الحق ، ومنهم من ينكر بقلبه ، كافا يده ولسانه ،

فهذا ترك شعبتين من الحق ، ومنهم من لاينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه ،

فذلك ميت الأحياء )

ويتحدث عن القلوب والهدى والضلالة فيقول :

( القلوب أربعة :

قلب أغلف ، فذلك قلب كافر

وقلب مصفح ، فذلك قلب المنافق

وقلب أجرد ، فيه سراج يزهر ، فذلك قلب المؤمن

وقلب فيه نفاق و ايمان ، فمثل الايمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب

ومثل المنافق كمثل القرحة يمدها قيح ودم ، فأيهما غلب غلب )

مقتل عثمان

كان حذيفة رضي الله عنه يقول :

( اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ، والله ما شهدت ولا قتلت ولا مالأت على قتله )


وفاته

لما نزل بحذيفة رضي الله عنه الموت جزع جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا ،

فقيل : ما يبكيك ؟

فقال :

( ما أبكي أسفاً على الدنيا ، بل الموت أحب إلي ، ولكني لا أدري على

ما أقدم على رضى أم على سخط )

ودخل عليه بعض أصحابه ، فسألهم :

( أجئتم معكم بأكفان ؟ )

قالوا : نعم

قال : ( أرونيها )

فوجدها جديدة فارهة ، فابتسم وقال لهم :

( ما هذا لي بكفن ، انما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص ،

فاني لن أترك في القبر الا قليلا ، حتى أبدل خيرا منهما ، أو شرا منهما )

ثم تمتم بكلمات :

( مرحبا بالموت ، حبيب جاء على شوق ، لا أفلح من ندم )

وأسلم الروح الطاهرة لبارئها في أحد أيام العام الهجري السادس والثلاثين

بالمدائن ، وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه بأربعين ليلة .

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:42 PM
عبد الله بن عمر المثابر الأواب

عبد الله بن عمر بن الخطاب بدأت علاقته مع الإسلام منذ أن هاجر

مع والده إلي المدينة وهو غلام صغير ، ثم وهو في الثالثة عشر من

عمره حين صحبه والده لغزوة بدر لولا أن رده الرسـول صلى الله عليه

وسلم لصغر سنه ، تعلم من والده عمر بن الخطاب خيرا كثيرا ، وتعلم مع

أبيه من الرسول العظيم الخير كله ، فأحسنا الإيمان .


مزاياه

ان المزايا التي تأخذ الأبصار إلى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما

لكثيرة فعلمه وتواضعه ، واستقامة ضميره ونهجه ، وجوده ، وورعه ،

ومثابرته ، على العبادة وصدق استمساكه بالقدوة ، كل هذه الفضائل

والخصال ، صاغ ابن عمر رضي الله عنهما عمره منها ، وشخصيته الفذة ، وحياته الطاهرة الصادقة..

لقد تعلم من أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما خيرا كثيرا ، وتعلم مع

أبيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير كله والعظمة كلها ..

لقد أحسن كأبيه الإيمان بالله ورسوله ، ومن ثم كانت متابعته خطى

الرسول صلى الله عليه وسلم أمرا يبهر الألباب..

فهو ينظر ، ماذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعل في كل أمر ،

فيحاكيه في دقة وإخبات ..

هنا مثلا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي ..

فيصلي ابن عمر في ذات المكان ..

وهنا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو قائما ..

فيدعو ابن عمر قائما ...

وهنا كان الرسول يدعو جالسا ..

فيدعو عبدالله جالسا ..

وهنا وعلى هذا الطريق نزل الرسول صلى الله عليه وسلم يوما

من فوق ظهر ناقته ، وصلى ركعتين ..

فصنع ابن عمر رضي الله عنهما ذلك إذا جمعه السفر بنفس البقعة والمكان ..

ولقد قضى عمره الطويل المبارك على هذا الولاء الوثيق ، حتى لقد

جاء على المسلمين زمان كان صالحهم يدعو ويقول :

( اللهم أبق عبدالله بن عمر ما أبقيتني ، كي أقتدي به ، فإني لا أعلم أحد على الأمر الأول غيره )

وقد قال معاصروه ..

( لم يكن من أصحاب رسول الله أحد أشد حذرا من ألا يزيد في حديث

رسول الله أو ينقص منه ، من عبدالله بن عمر )


محاكاة الرسول

كان عبد الله بن عمر ( أبو عبد الرحمن ) رضي الله عنه حريصا كل الحرص

على أن يفعل ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعله ، فيصلي في

ذات المكان ، ويدعو قائما كالرسول صلى الله عليه وسلم ، بل يذكر

أدق التفاصيل ففي مكة دارت ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم

دورتين قبل أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم من على ظهرها

ويصلي ركعتين ، وقد تكون الناقة فعلت ذلك بدون سبب لكن عبد الله

رضي الله عنه لا يكاد يبلغ نفس المكان في مكة حتى يدور بناقته

ثم ينيخها ثم يصلي لله ركعتين تماما كما رأى الرسول صلى الله

عليه وسلم يفعل ، وتقول في ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :

( ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله كما كان يتبعه ابن عمر )

حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل تحت شجرة ، فكان ابن عمر

يتعاهد تلك الشجرة فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس ، قال الرسول

صلى الله عليه وسلم :

( لو تركنا هذا الباب للنساء )

فلم يدخل فيه ابن عمر حتى مات


الجهاد

أول غزوات عبد الله بن عمر رضي الله عنه كانت غزوة الخندق ،

فقد استصغر يوم أحد ، ثم شهد ما بعدها من المشاهد ، وخرج إلى

العراق وشهد القادسية ووقائع الفرس ، وورد المدائن ، وشهد

اليرموك ، وغزا إفريقية مرتين .

يقول عبد الله رضي الله عنه :

( عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأنا ابن ثلاث

عشرة فردني ، ثم عرضتُ عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة

فردني ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني )


قيام الليل

يحدثنا ابن عمر رضي الله عنهما :

( رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن بيدي قطعة

إستبرق ، وكأنني لا أريد مكانا من الجنة إلا طارت بي إليه ، ورأيت

كأن اثنين أتياني وأرادا أن يذهبا بي إلى النار ، فإذا هي مطوية

كطي البئر ، فإذا لها قرنان كقرني البئر ، فرأيت فيها ناساً قد

عرفتهم ، فجعلت أقول :( أعوذ بالله من النار أعوذ بالله من النار )

فلقينا ملك فقال : لا تُرع .. فخليا عني .

فقصت حفصة أختي على النبي صلى الله عليه سلم رؤياي فقال رسول

الله صلى الله عليه وسلم :

" نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فيكثر "

ومنذ ذلك اليوم إلي أن لقي ربه لم يدع قيام الليل في حله أو ترحاله .


القرآن

كان عبدالله مثل أبيه رضي الله عنهما تهطل دموعه حين يسمع آيات

النذير في القرآن ، فقد جلس يوما بين إخوانه فقرأ :

(( ويل للمُطَففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم

أو وَزنوهم يُخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين ))

ثم مضى يردد :

( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) ودموعه تسيل كالمطر ، حتى وقع من كثرة وجده وبكائه .

ويقول عبيد بن عمير قرأت يوما على عبدالله بن عمر هذه الآية :

((فكيف اذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا.يومئذ

يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا ))

فجعل ابن عمر يبكي حتى نديت لحيته من دموعه.

قال ابن عمر رضي الله عنه :

( مكثتُ على سورة البقرة ثماني سنين أتعلمها ) وقال :

( لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يرى الإيمان قبل القرآن ، وتنزل

السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فتعلم حلالها وحرامها ،

وأمرها وزاجرها ، وما ينبغي أن نقف عنده منها كما تعلمون أنتم

القرآن ، ثم رأيتُ اليوم رجالا لا يرى أحدُهم القرآن قبل الإيمان ،

فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ، وما يدري ما أمره ولا زاجره ،

ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه ، فينثر نثر الدقل )


العلم

كتب رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال :

اكتب إلي بالعلم كله )

فكتب إليه ابن عمر رضي الله عنهما :

( إن العلم كثير ، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من

دماء الناس ، خميص البطن من أموالهم ، كافا لسانك عن أعراضهم

لازما لأمر الجماعة فافعل ، والسلام )


القضاء

دعاه يوما الخليفـة عثمـان رضي اللـه عنهما وطلب منه أن يشغل منصـب

القضـاء ، فاعتذر وألح عليه عثمـان فثابر على اعتذاره ،

وسأله عثمان رضي الله عنه : ( أتعصيني ؟)

فأجاب ابن عمر رضي الله عنهما :

( كلا ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة ، قاض يقضي بجهل فهو في النار ،

وقاض يقضي بهوى فهو في النار ، وقاض يجتهد ويصيب فهو كفاف

لا وزر ولا أجر ، وإني لسائلك بالله أن تعفيني )

وأعفاه عثمان رضي الله عنه بعد أن أخذ عليه عهدا ألا يخبر أحدا ،

لأنه خشي إذا عرف الأتقياء الصالحون أن يتبعوه وينهجوا نهجه .

قد يبدو هذا الموقف لعبد الله بن عمر سمة من سمات السلبية ،

بيد أنه ليس كذلك، فعبد الله بن عمر رضي الله عنهما لم يمتنع عن

القضاء وليس هناك من يصلح له سواه ..

بل هناك كثيرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الورعين

الصالحين ، وكان بعضهم يشتغل بالقضاء والفتية بالفعل ..

ولم يكن في تخلي ابن عمر رضي الله عنه تعطيل لوظيفة القضاء ،

ولا إلقاء بها بين أيدي الذين لا يصلحون لها ، ومن ثم قد آثر البقاء

مع نفسه ، ينميها ويزكيها بالمزيد من الطاعة ، والمزيد من العبادة..

كما أنه في ذلك الحين من حياة الإسلام ، كانت الدنيا قد فتحت على

المسلمين وفاضت الأموال ، وكثرت المناصب والإمارات.

وشرع إغراء المال والمناصب يقترب من بعض القلوب المؤمنة ، مما جعل

بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنهم ابن عمر رضي الله

عنهما ، يرفعون راية المقاومة لهذا الإغراء باتخذهم من أنفسهم قدوة

ومثلا في الزهد والورع والعزوف عن المناصب الكبيرة، وقهر فتنتها واغرائها...


حذره


كان رضي الله عنه شديد الحذر في روايته عن الرسول صلى الله

عليه وسلم ، فقد قال معاصروه :

لم يكن من أصحاب رسول الله أحد أشد حذرا من ألا يزيد في حديث

رسول الله أو ينقص منه من عبد الله بن عمر .

كما كان شديد الحذر والحرص في الفتيا ، فقد جاءه يوما سائل يستفتيه

في سؤال فأجابه قائلا : ( لا علم لي بما تسأل )

وذهب الرجل إلي سبيله ، ولا يكاد يبتعد بضع خطوات عن ابن عمر

رضي الله عنهما حتى يفرك ابن عمر كفيه فرحا ويقول لنفسه :

( سئل ابن عمر عما لا يعلم ، فقال لا يعلم )

وسأل رجل ابن عمر رضي الله عنهما عن مسألة فطأطأ ابن عمر رأسه ،

ولم يُجبه حتى ظن الناس أنه لم يسمع مسألته ..

فقال له : يرحمك الله ما سمعت مسألتي ؟

قال رضي الله عنه :

( بلى ، ولكنكم كأنّكم ترون أن الله ليس بسائلنا عما تسألونا عنه ،

اتركنا يرحمك الله حتى نتفهم في مسألتك ، فإن كان لها جواب عندنا ، وإلا أعلمناك أنه لا علم لنا به )


جوده

كان ابن عمر رضي الله عنه من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة ، إذ كان

تاجرا أمينا ناجحا ، وكان راتبه من بيت مال المسلمين وفيرا ، ولكنه

لم يدخر هذا العطاء لنفسه قط ، إنما كان يرسله على الفقراء والمساكين

والسائلين ، فقد رآه ( أيوب بن وائل الراسبي ) وقد جاءه أربعة آلاف

درهم وقطيفة ، وفي اليوم التالي رآه في السوق يشتري لراحلته علفا

دينا ، فذهب أيوب بن وائل إلى أهل بيت عبد الله وسألهم ، فأخبروه

إنه لم يبت بالأمس حتى فرقها جميعا ، ثم أخذ القطيفة وألقاها على

ظهره و خرج ، ثم عاد وليست معه ، فسألناه عنها فقال إنه وهبها

لفقير .. فخرج ابن وائل يضرب كفا بكف ، حتى أتـى السوق وصاح

بالناس : يا معشر التجار ، ما تصنعون بالدنيا ، وهذا ابن عمر تأتيه

آلاف الدراهم فيوزعها ، ثم يصبح فيستـدين علفا لراحلته !!

إن من كان محمد صلى الله عليه وسلم أستاذه ، وعمر رضي الله عنه

أباه ، لعظيم ، كفء لكل عظيم ..

إن جود عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وزهده وورعه ، هذه الخصال

الثلاثة، كانت تحكي صدق القدوة .. وصدق البنوة..

فما كان لمن يمعن في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى

أنه ليقف بناقته حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يوقف ناقته ،

ويقول : ( لعل خفا يقع على خف )

والذي يذهب برأيه في برأبيه وتوقيره والإعجاب به إلى المدى الذي كانت

شخصية عمر رضي الله عنه تفرضه على الأعداء ، فضلا عن الأقرباء ، فضلا

عن الأبناء .. ما ينبغي لمن ينتمي لهذا الرسول ، ولهذا الوالد أن يصبح للمال عبدا ..


زهده

لقد كان المال بين يديه خادما لا سيدا ، وكان وسيلة لضرورات العيش لا

للترف ، ولم يكن ماله وحده ، بل كان للفقراء فيه حق معلوم ، بل حق

متكافئ لا يتميز فيه بنصيب ..

ولقد أعانه على هذا الجود الواسع زهده ، فما كان ابن عمر رضي الله

عنهما يتهالك على الدنيا ، ولا يسعى إليها ، بل ولا رجا منها إلا ما يستر

الجسد من لباس ، ويقيم الأود من الطعام ..

أهداه أحد إخوانه القادمين من خُراسان حُلة ناعمة أنيقة وقال له :

لقد جئتك بهذا الثوب من خراسان ، وإنه لتقر عيناي إذ أراك تنزع عنك

ثيابك الخشنة هذه ، وترتدي هذا الثوب الجميل .

قال له ابن عمر رضي الله عنهما : ( أرِنيه إذن ) ثم لمسه وقال :

( أحرير هذا ؟)

قال صاحبه : لا ، إنه قطن

وتملاه عبد الله رضي الله عنه قليلا ، ثم دفعه بيمينه وهو يقول :

( لا إني أخاف على نفسي ، أخاف أن يجعلني مختالا فخورا ،

والله لا يحب كل مختال فخور )

وأهداه يوما صديق وعاء مملوءا ، وسأله ابن عمر رضي الله عنهما :

( ما هذا ؟ )

قال : هذا دواء عظيم جئتك به من العراق

قال ابن عمر رضي الله عنهما : ( وماذا يُطَبب هذا الدواء ؟ )

قال : يهضم الطعام

فابتسم ابن عمر رضي الله عنهما وقال لصاحبه :

( يهضم الطعام ؟ إني لم أشبع من طعام قط منذ أربعين عاما )

ان هذا الذي لم يشبع من الطعام منذ أربعين عاما ، لم يكن يترك الشبع

خصاصة ، بل زهدا وورعا ، ومحاولة للتأسي برسوله وأبيه..

كان يخاف أن يقال له يوم القيامة :

((أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ))

وكان يدرك انه في الدنيا ضيف أو عابر سبيل ..

كما كان يقول عن نفسه :

( ما وضعت لَبِنة على لَبِنة ولا غرست نخلة منذ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم )

ويقول ميمون بن مهران :

( دخلت على ابن عمر ، فقومت كل شيء في بيته من فراش ولحاف وبساط ،

ومن كل شيء فيه ، فما وجدته يساوي مائة درهم )

لم يكن ذلك عن فقر و قد كان ابن عمر رضي الله عنهما ثريا ..

ولا كان ذلك عن بخل فقد كان جوادا سخيا ..

وإنما كان عن زهد في الدنيا ، وازدراء للترف ، والتزام لمنهجه في الصدق والورع ..


خوفه

كان إذا ذكر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بالدنيا ومتاعها التي يهرب منها يقول :

( لقد اجتمعت وأصحابي على أمر ، وإني لأخاف إن خالفتهم ألا ألحق بهم )

ثم يخبر الآخرين أنه لم يترك الدنيا عجزا ، فيرفع يديه إلى السماء ويقول :

( اللهم إنك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشا في هذه الدنيا )

قال ابن عمر رضي الله عنهما :

( لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نكثتُ ولا بدلتُ إلى يومي

هذا ، ولا بايعتُ صاحب فتنة ، ولا أيقظت مؤمنا من مرقده )


الخلافة

عرضت الخلافة على ابن عمر رضي الله عنه عدة مرات فلم يقبلها ، فهاهو

الحسن رضي الله عنه يقول :

( لما قتل عثمان بن عفان ، قالوا لعبد الله بن عمر :

إنك سيد الناس وابن سيد الناس ، فاخرج نبايع لك الناس )

قال رضي الله عنه :

( إني والله لئن استطعت ، لا يُهـراق بسببي مِحجَمَـة من دم )

قالوا : لَتخرجن أو لنقتلك على فراشك

فأعاد عليهم قوله الأول ، فأطمعوه وخوفوه فما استقبلوا منه شيئا .

فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يأبى أن يسعى إلى الخلافة إلا

إذا بايعه المسلمون جميعا طائعين وليس بالسيف ، فقد لقيه رجلا

فقال له : ما أحد شر لأمة محمـد منك

قال ابن عمر رضي الله عنهما :

( ولم ؟ فوالله ما سفكت دماءهـم ولا فرقـت جماعتهم ولا شققت عصاهـم )

قال الرجل : إنك لو شئت ما اختلف فيك اثنـان

قال ابن عمر رضي الله عنهما :

( ما أحب أنها أتتني ، ورجل يقول : لا ، وآخر يقول ، نعم )

وعندما ترك معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة زاهدا فيها بعد أيام من توليها ،

كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما شيخا مسنا كبيرا فذهب إليه مروان

وقال له : هلم يدك نبايع لك ، فإنك سيد العرب وابن سيدها .

قال له ابن عمر رضي الله عنهما : ( كيف نصنع بأهل المشرق ؟)

قال مروان : نضربهم حتى يبايـعوا

قال ابن عمـر رضي الله عنهما :

( والله ما أحـب أنها تكون لي سبعيـن عاما ، ويقتـل بسببـي رجل واحد )

فانصـرف عنه مـروان


موقفه من الفتنة


رفض رضي الله عنه استعمال القوة والسيف في الفتنة المسلحة بين علي

ومعاوية رضي الله عنهما ، وكان الحياد شعاره ونهجه :

( من قال حي على الصلاة أجبته ، ومن قال حي على الفلاح أجبته ، ومن

قال حي على قَتل أخيك المسلم وأخذ ماله قلت : لا )

ولقد كان قلبه مع علي رضي الله عنه، بل وكان معه يقينه فيما يبدو، حتى

لقد روي عنه أنه قال في أخريات أيامه:

(ما أجدني آسى على شيء فاتني من الدنيا الا أني لم أقاتل مع علي، الفئة الباغية )

يقول أبو العالية البراء : كنت أمشي يوما خلف ابن عمر وهو لا يشعر بي فسمعته يقول :

( واضعين سيوفهم على عَواتِقهم يقتل بعضهم بعضا يقولون :

ياعبد الله بن عمر أعط يدك )

وقد سأله نافع : يا أبا عبد الرحمن ، أنت ابن عمر ، وأنت صاحب الرسول

صلى الله عليه وسلم ، وأنت وأنت فما يمنعك من هذا الأمر ؟

يعني نصرة علي رضي الله عنه فأجابه قائلا :

( يمنعني أن الله تعالى حرم علي دم المسلم ، لقد قال عز وجل :

(( قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ))

ولقد فعلنا وقاتلنا المشركين حتى كان الدين لله ، أما اليوم ففيم نُقاتل ؟

لقد قاتلت والأوثان تملأ الحرم من الركن إلى الباب ، حتى نضاها الله

من أرض العرب ، أفأُقاتل اليوم من يقول : لا إله إلا الله ؟ )

ولكنه في عزلته تلك وفي حياده، لا يمالئ باطلا..

فطالما جابه معاوية وهو في أوج سلطانه بتحديات أوجعته وأربكته..

حتى توعده بالقتل ، وهو القائل :

" لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت "

وذات يوم ، وقف الحجاج خطيبا ، فقال :

( إن ابن الزبير حرف كتاب الله )

فصاح ابن عمر رضي الله عنهما في وجهه :

( كذبت ، كذبت ، كذبت )

وسقط في يد الحجاج ، وصعقته المفاجأة ، وهو الذي يرهبه كل شيء ،

فمضى يتوعد ابن عمر بشر جزاء ..

ولوح ابن عمر رضي الله عنهما بذراعه في وجه الحجاج ، وأجابه الناس

منبهرون : ان تفعل ما تتوعد به فلا عجب ، فانك سفيه متسلط .

ولكنه برغم قوته وجرأته ظل إلى آخر أيامه ، حريصا على ألا يكون له في

الفتنة المسلحة دور ونصيب ، رافضا أن ينحاز لأي فريق ...

الوصية


ذُكرت الوصية لابن عمر في مرضه فقال ابن عمر رضي الله عنهما :

( أما مالي فالله أعلم ما كنت أفعل فيه ، وأما رباعي وأرضي فإني

لا أحب أن يُشارك ولدي فيها أحد )

ولما حضر ابن عمر رضي الله عنهما الموت قال :

( ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث :

ظمأ الهواجر ، ومكابدة الليل ، وأني لم أقاتل هذه الفئة التي نزلت بنا ) يعني الحجاج


وفاته

لقد كف بصر عبد الله بن عمر رضي الله عنه في آخر عمره

وفي العام الثاث والسبعين للهجرة ، مالت الشمس للمغيب ، ورفعت احدى

سفن الأبدية مراسيها ، مبحرة الى العالم الآخر والرفيق الأعلى ، حاملة

جثمان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

لقد وصفه معاصروه فقالوا :

(مات وهو مثل عمر رضي الله عنه في الفضل)

بل لقد كان يطيب لهم حين يبهرهم ألق فضائله ، أن يقارنوا بينه وبين والده

العظيم عمر رضي الله عنه فيقولون :

( كان عمر في زمان له فيه نظراء ، وكان ابن عمر في زمان ليس فيه نظير )

وهي مبالغة يغفرها استحقاق ابن عمر رضي الله عنهما لها ، أما عمر رضي

الله عنه فلا يقارن بمثله أحد ، وهيهات أن يكون له في كل عصور الزمان نظير .

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:44 PM
زيـد بن ثابت جامع القرآن



هو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري من المدينة ، يوم قدم الرسول

صلى الله عليه وسلم للمدينـة كان يتيمـا ( والده توفي يوم بُعاث )

و سنه لا يتجاوز إحدى عشرة سنة ، أسلـم مع أهلـه وباركه الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعاء .



العلم


كانت شخصيته المسلمة المؤمنة تنمو نموا سريعا وباهرا ، فهو لم يبرع

كمجاهد فحسب ، بل كمثقف متنوع المزايا أيضا ، فهو يتابع القرآن حفظا ،

ويكتب الوحي لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ويتفوق في العلم والحكمة ،

وحين يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبلاغ دعوته للعالم الخارجي

كله ، وإرسال كتبه لملوك الأرض وقياصرتها ، أمر زيدا أن يتعلم بعض لغاتهم فتعلمها في وقت وجيز.

يقول زيـد رضي الله عنه عن ذلك :

( أُتي بي النبـي صلى اللـه عليه وسلم مقدمه المدينة ، فقيل :

( هذا من بني النجار ، وقد قرأ سبع عشرة سورة )

فقرأت عليه فأعجبه ذلك ، فقال :

" تعلم كتاب يهـود ، فإني ما آمنهم على كتابي "

ففعلت ، فما مضى لي نصف شهـر حتى حَذِقته ، فكنت أكتب

له إليهم ، وإذا كتبوا إليه قرأتُ له )

وهكذا تألقت شخصية زيد بن ثابت رضي الله عنه وتبوأ في المجتمع مكانا عليا ،

و صار موضع احترام المسلمين وتوقيرهم..



الجهاد


صحبه آباؤه معهم إلى غزوة بدر ، لكن رسول الله صلى الله عليه

وسلم رده لصغر سنه وحجمه ، وفي غزوة أحد ذهب مع جماعة من

أترابه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يحملون إليه ضراعتهم

كي يقبلهم في أي مكان من صفوف المجاهدين ، وكان أهلوهم أكثر ضراعة وإلحاحا ورجاء.

فألقى الرسول صلى الله عليه وسلم على الفرسان الصغار نظرة

شاكرة ، وبدا كأنه سيعتذر عن تجنيدهم في هذه الغزوة أيضا.

لكن أحدهم وهو رافع بن خديج ، تقدم بين يدي رسول الله صلى

الله عليه وسلم ، يحمل حربة ويحركها بيمينه حركات بارعة ،

وقال للرسول عليه الصلاة والسلام :

( إني كما ترى رام ، أجيد الرمي فأذن لي )

وحيا الرسول صلى الله عليه وسلم هذه البطولة الناشئة ، النضرة ،

بابتسامة راضية ، ثم أذن له ، وانتفضت عروق أترابه.

وتقدم ثانيهم وهو سمرة بن جندب ، وراح يلوح في أدب بذراعيه

المفتولين ، وقال بعض أهله للرسول صلى الله عليه وسلم :

( إن سمرة يصرع رافعا )

وحياه الرسول صلى الله عليه وسلم بابتسامته الحانية ، وأذن له.

كانت سن كل من رافع وسمرة قد بلغت الخامسة عشرة ، إلى جانب نموهما الجسماني القوي .

وبقي من الأتراب ستة أشبال ، منهم زيد بن ثابت ، وعبدالله بن عمر ،

ولقد راحوا يبذلون جهدهم وضراعتهم بالرجاء تارة ، وبالدمع تارة ،

وباستعراض عضلاتهم تارة ، لكن أعمارهم كانت باكرة، وأجسامهم

غضة ، فوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالغزوة المقبلة.

وهكذا بدأ زيد مع إخوانه دوره كمقاتل في سبيل الله بدءا من غزوة الخندق ، سنة خمس من الهجرة .



حفظه للقرآن


منذ بدأ الوحي يأخذ طريقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ليكون من المنذرين ، والوحي يصاحب رسول الله عليه الصلاة

والسلام ، ويخف إليه كلما ولى وجهه شطر الله راجيا نوره وهداه.

وخلال سنوات الرسالة كلها ، حيث يفرغ النبي من غزوة ليبدأ بأخرى ،

وحيث يحبط مكيدة وحربا ، ليواجه خصومة بأخرى وأخرى ، وحيث يبني عالما جديدا ..

كان الوحي يتنزل ، والرسول صلى الله عليه وسلم يتلو ، ويبلغ ، وكان

هناك ثلة مباركة تحرك حرصها على القرآن من أول يوم ، فراح

بعضهم يحفظ منه ما استطاع ، وراح البعض الآخر ممن يجيدون الكتابة ، يحتفظون بالآيات مسطورة.

وخلال إحدى وعشرين سنة تقريبا ، نزل القرآن خلالها آية آية ،

أو آيات ، تلو آيات ، ملبيا مناسبات النزول وأسبابها ، كان أولئك

الحفظة ، والمسجلون ، يوالون عملهم في توفيق من الله كبير..

وكان على رأسهم علي ابن ابي طالب، وأبي بن كعب، وعبدالله ابن

مسعود ، وعبدالله بن عباس ، و زيد بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين..

وقد قرأ زيد رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في

العام الذي توفاه الله فيه مرتين ، وإنما سميت هذه القراءة قراءة

زيد بن ثابترضي الله عنه لأنه كتبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم

وقرأها عليه ، وشهد العرضة الأخيرة ، وكان يُقرىء الناس بها حتى مات .

وبعد أن تم نزولا ، وخلال الفترة الأخيرة من فترات تنزيله ، كان الرسول

صلى الله عليه وسلم يقرؤه على المسلمين ، مرتبا سوره وآياته.



بداية جمع القرآن


اذا حملت المصحف بيمينك ، واستقبلته بوجهك ، ومضيت تتأنق في

روضاته اليانعات ، سورة سورة ، وآية آية ، فاعلم أن من بين الذين

يدينونك بالشكر والعرفان على هذا الصنع العظيم ، رجل كبير اسمه : زيد بن ثابت رضي الله عنه .

وإن وقائع جمع القرآن في مصحف ، لا تذكر إلا ويذكر معها هذا الصحابي الجليل.

وحين تنثر زهور التكريم على ذكرى المباركين الذين يرجع إليهم فضل

جمع القرآن وترتيبه وحفظه ، فان حظ زيد بن ثابت من تلك الزهور ، لحظ عظيم .

فبعد وفاته صلى الله عليه وسلم شغل المسلمون من فورهم بحروب

الردة ، وفي معركة اليمامة كان عدد الشهداء من قراء القرآن وحفظته كبيرا.

فما كادت نار الردة تخبو وتنطفئ حتى فزع عمر إلى الخليفة أبي بكر

رضي الله عنهما راغبا إليه في إلحاح أن يسارعوا إلى جمع القرآن

قبلما يدرك الموت والشهادة بقية القراء والحفاظ.

واستخار الخليفة ربه وشاور صحبه ، ثم دعا زيد بن ثابت رضي الله عنهما وقال له :

( انك شاب عاقل لا نتهمك )

وأمره أن يبدأ بجمع القرآن الكريم ، مستعينا بذوي الخبرة في هذا الموضوع.

ونهض زيد رضي الله عنه بالعمل الذي توقف عليه مصير الإسلام كله كدين..

وأبلى بلاء عظيما في إنجاز أشق المهام وأعظمها ، فمضى يجمع

الآيات والسور من صدور الحفاظ ، ومن مواطنها المكتوبة ، ويقابل ،

ويعارض ، ويتحرى ، حتى جمع القرآن مرتبا ومنسقا.

ولقد زكى عمله إجماع الصحابة رضي الله عنهم الذين عاشوا يسمعونه

من رسولهم صلى الله عليه وسلم خلال سنوات الرسالة جميعها ، لا سيما

العلماء منهم والحفاظ والكتبة.

وقال زيد رضي الله عنه وهو يصور الصعوبة الكبرى التي شكلتها قداسة المهمة وجلالها :

( والله لو كلفوني نقل جبل من مكانه ، لكان أهون علي مما أمروني به من جمع القرآن )

كما قال :

( فكنت أتبع القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعُسُب وصدور الرجال )

وأنجز المهمة على أكمل وجه وجمع القرآن في أكثر من مصحف ،

وكان توفيق الله معه ، وكان معه كذلك وعده القائل :

(( انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون ))

فنجح في مهمته ، وأنجز على خير وجه مسؤوليته وواجبه.

المرحلة الثانية في جمع القرآن


في خلافة عثمان رضي الله عنه ، والمسلمون يواصلون فتوحاتهم

وزحوفهم ، مبتعدين عن المدينة ، مغتربين عنها.

في تلك الأيام ، والإسلام يستقبل كل يوم أفواجا تلو أفواج من الداخلين

فيه ، المبايعين إياه ، ظهر جليا ما يمكن أن يفضي إليه تعدد المصاحف

من خطر حين بدأت الألسنة تختلف على القرآن حتى بين الصحابة الأقدمين والأولين.

هنالك تقدم إلى الخليفة عثمان رضي الله عنه فريق من الأصحاب

رضي الله عنهم على رأسهم حذيفة بن اليمان مفسرين الضرورة التي تحتم توحيد المصحف.

وكما استنجد أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قبل بزيد بن ثابت

رضي الله عنه ، استنجد به عثمان رضي الله عنه أيضا .

فجمع زيد رضي الله عنه أصحابه وأعوانه ، وجاؤوا بالمصاحف من

بيت حفصة بنت عمر رضي الله عنها ، وكانت محفوظة لديها ، وباشر وصحبه مهمتهم العظيمة الجليلة.

كان كل الذين يعاونون زيدا من كتاب الوحي ، ومن حفظة القرآن ،

ومع هذا فما كانوا يختلفون ، وقلما كانوا يختلفون ، إلا جعلوا رأي

زيد رضي الله عنه وكلمته هي الحجة والفيصل.

فضله


تألقت شخصية زيد وتبوأفي المجتمع مكانا عاليا ، وصار موضع

احترام المسلمين وتوقيرهم ، فقد ذهب زيد رضي الله عنه ليركب ،

فأمسك ابن عباس رضي الله عنهما بالركاب ، فقال له زيد رضي

الله عنه : ( تنح يا بن عم رسول الله )

فأجابه ابن عباس رضي الله عنهما : ( لا ، فهكذا نصنع بعلمائنا )

كما قال ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما :

( ما رأيت رجلا أفكه في بيته ، ولا أوقر في مجلسه من زيد )

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستخلفه إذا حج على المدينة ،

وزيد رضي الله عنه هو الذي تولى قسمة الغنائم يوم اليرموك ،

وهو أحد أصحاب الفَتوى الستة :

عمر وعلي وابن مسعود وأُبي وأبو موسى وزيد بن ثابت رضي الله

عنهم ، فما كان عمر ولا عثمان رضي الله عنهما يقدمان على زيد رضي

الله عنه أحدا في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة ، وقد استعمله

عمر رضي الله عنه على القضاء وفرض له رزقا .

قال ابن سيرين رحمه الله :

( غلب زيد بن ثابت الناس بخصلتين ، بالقرآن والفرائض )

وفاته

توفي رضي الله عنه سنة ( 45 هـ ) في عهد معاوية رضي الله عنه .

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:49 PM
سلمان الفارسي


سيرة الصحابي الجليل سلمان الفارسي من أحسن القصص , وأروعها , واتمنى من جميع

الأعضاء ان يقرأها , ويرى كيف جاهد هذا العظيم الذي اطال الله في عمره حتى سن

بعد المائة , من مجوسي على دين آبائه ثم مسيحيا وختاما بالدين الكامل , شريعة التوحيد

الخالصة لله وحده , شريعة محمد عليه افضل الصلاة والسلام.


قالوا عنه

" سلمان منا أهل البيت"

رسول الله صلى الله عليه وسلم

( من لكم بمثل لقمان الحكيم ذلك امرؤ منا والينا أهل البيت ادرك العلم الأول والعلم الاخر

وقرا الكتاب الأول والاخر وبحر لا ينزف )

علي بن أبي طالب لما سئل عن مثيل لسلمان



من أقواله

- أشتري خوصا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهما فيه وأنفق درهما على

عيالي وأتصدق بدرهم ، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عنه ما انتهيت.

( مصدر رزقه يوم كان أميرا على المدائن )

_ إنما مثل المؤمن في الدنيا كمثل المريض معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه فإذا اشتهى

ما يضره منعه وقال لا تقربه فانك ان اتيته أهلكك , فلا يزال يمنعه حتى يبرأ من وجعه

وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة مما قد فضل به غيره من العيش فيمنعه الله عز وجل

اياه ويحجره حتى يتوفاه فيدخله الجنة

- ثلاث أعجبتني حتى اضحكتني :

1- مؤمل دنياوالموت يطلبه

2- وغافل وليس بمغفول عنه

3- وضاحك ملء فيه لا يدري اساخط رب العالمين عليه أم راض عنه

وثلاث احزنني حتى ابكينني :

1- فراق محمد وحزبه

2- وهول المطلع

3- والوقوف بين يدي ربي عز وجل ولا ادري إلى جنة أو إلى نار .

- وذات يوم وهو سائر على الطريق لقيه رجل قادم من الشام ومعه حمل تين وتمر..

كان الحمل يؤد الشامي ويتعبه ، فلم يكد يبصر أمامه رجلا يبدو أنه من عامة الناس

وفقرائهم ، حتى بدا له أن يضع الحمل على كاهله ، حتى إذا أبلغه وجهته أعطاه شيئا نظير حمله..

وأشار للرجل فأقبل عليه ، وقال له الشامي : احمل عني هذا.. فحمله ومضيا معا.

وإذ هما على الطريق بلغا جماعة من الناس ، فسلم عليهم ، فأجابوا واقفين :

وعلى الأمير السلام .. وعلى الأمير السلام..؟ أي أمير يعنون..؟

هكذا سأل الشامي نفسه..

ولقد زادت دهشته حين رأى بعض هؤلاء يسارع صوب سلمان ليحمل عنه قائلين :

عنك أيها الأمير..

فعلم الشامي أنه أمير المدائن سلمان الفارسي ، فسقط في يده ، وهربت كلمات

الاعتذار والأسف من بين شفتيه ، واقترب ينتزع الحمل.

ولكن سلمان هز رأسه رافضا وهو يقول:

( لا ، حتى أبلغك منزلك )

- سُئل يوما : ما الذي يبغض الإمارة إلى نفسك.؟

فأجاب : " حلاوة رضاعها ، ومرارة فطامها"

ويدخل عليه صاحبه يوما بيته ، فإذا هو يعجن ، فيسأله :

أين الخادم..؟

فيجيبه قائلا :

( لقد بعثناها في حاجة ، فكرهنا أن نجمع عليها عملين )

- وحين هم سلمان رضي الله عنه ببناء هذا الذي يسمى مع التجوز بيتا ، سأل البناء : كيف ستبنيه..؟

وكان البناء حصيفا ذكيا ، يعرف زهد سلمان وورعه..

فأجابه قائلا :

لا تخف.. إنها بناية تستظل بها من الحر ، وتسكن فيها من البرد ،

إذا وقفت فيها أصابت رأسك ، وإذا اضطجعت فيها أصابت رجلك .

فقال له سلمان رضي الله عنه : ( نعم هكذا فاصنع )



السيرة

من بلاد فارس ، يجيء البطل هذه المرة..

ومن بلاد فارس ، عانق الإسلام مؤمنون كثيرون فيما بعد ، فجعل منهم أفذادا لا يلحقون في

الإيمان، وفي العلم.. في الدين ، وفي الدنيا..

وإنها لإحدى روائع الإسلام وعظائمه ، ألا يدخل بلدا من بلاد الله ، ويثير في إعجاز باهر ،

كل نبوغها ويحرك كل طاقاتها ، ويحرج خبء العبقرية المستكنة في أهلها وذويها..

فإذا الفلاسفة المسلمون.. والأطباء المسلمون.. والفقهاء المسلمون.. والفلكيون المسلمون..

والمخترعون المسلمون.. وعلماء الرياضة المسلمون..

وإذا بهم يبزغون من كل أفق ، ويطلعون من كل بلد ، حتى تزدحم عصور الإسلام الأولى

بعبقريات هائلة في كل مجالات العقل ، والإرادة ، والضمير.. أوطانهم شتى، ودينهم واحد..

ولقد تنبأ الرسول عليه السلام بهذا المد المبارك لدينه.. لا، بل وعد به وعد صدق من ربه الكبير

العليم.. ولقد زوي له الزمان والمكان ذات يوم ورأى رأي العين راية الإسلام تخفق فوق مدائن الأرض ، وقصور أربابها..

وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه شاهدا.. وكان له بما حدث علاقة وثقى.

كان ذلك يوم الخندق. في السنة الخامسة للهجرة. إذ خرج نفر من زعماء اليهود قاصدين

مكة ، مؤلبين المشركين ومحزبين الأحزاب على رسول الله والمسلمين ، متعاهدين معهم على

أن يعاونوهم في حرب حاسمة تستأصل شأفة هذا الدين الجديد.

ووضعت خطة الحرب الغادرة ، على أن يهجم جيش قريش وغطفان "المدينة" من خارجها ،

بينما يهاجم بنو قريظة من الداخل ، ومن وراء صفوف المسلمين ، الذين سيقعون آنئذ بين شقّى رحى تطحنهم ، وتجعلهم ذكرى..

وفوجىء الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوما بجيش لجب يقترب من المدينة في عدة متفوقة وعتاد مدمدم.

وسقط في أيدي المسلمين ، وكاد صوابهم يطير من هول المباغتة.

وصور القرآن الموقف ، فقال الله تعالى :

( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا )

أربعة وعشرون ألف مقاتل تحت قيادة أبي سفيان وعيينة بن حصن يقتربون من المدينة

ليطوقوها وليبطشوا بطشتهم الحاسمة كي ينتهوا من محمد ودينه ، وأصحابه..

وهذا الجيش لا يمثل قريشا وحدها.. بل ومعها كل القبائل والمصالح التي رأت في الإسلام خطرا عليها.

ورأى المسلمون أنفسهم في موقف عصيب..

وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ليشاورهم في الأمر..

وطبعا ، أجمعوا على الدفاع والقتال .. ولكن كيف الدفاع ؟؟

هنالك تقدم الرجل الطويل الساقين ، الغزير الشعر ، الذي كان الرسول يحمل له حبا عظيما ، واحتراما كبيرا.

تقدم سلمان الفارسي وألقى من فوق هضبة عالية ، نظرة فاحصة على المدينة ، فألفاها

محصنة بالجبال والصخور المحيطة بها..

بيد أن هناك فجوة واسعة ، ومهيأة ، يستطيع الجيش أن يقتحم منها الحمى في يسر.

وكان سلمان رضي الله عنه قد خبر في بلاد فارس الكثير من وسائل الحرب وخدع القتال ،

فتقدم للرسول صلى الله عليه وسلم بمقترحه الذي لم تعهده العرب من قبل في حروبها..

وكان عبارة عن حفر خندق يغطي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة.

والله يعلم ، ماذا كان المصير الذي كان ينتظر المسلمين في تلك الغزوة لو لم يحفروا الخندق

الذي لم تكد قريش تراه حتى دوختها المفاجأة ، وظلت قواتها جاثمة في خيامها شهرا

وهي عاجزة عن اقتحام المدينة ، حتى أرسل الله تعالى عليها ذات ليلة ريح صرصر عاتية اقتلعت خيامها ، وبددت شملها..

ونادى أبو سفيان في جنوده آمرا بالرحيل إلى حيث جاءوا.. فلولا يائسة منهوكة..

خلال حفر الخندق كان سلمان رضي الله عنه يأخذ مكانه مع المسلمين وهم يحفرون

ويدأبون .. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يحمل معوله ويضرب معهم.

وفي الرقعة التي يعمل فيها سلمان مع فريقه وصحبه ، اعترضت معولهم صخور عاتية ،

كان سلمان رضي الله عنه قوي البنية شديد الأسر ، وكانت ضربة واحدة من ساعده الوثيق

تفلق الصخر وتنشره شظايا ، ولكنه وقف أمام هذه الصخرة عاجزا.. وتواصى عليها بمن معه جميعا فزادتهم رهقا..

وذهب سلمان رضي الله عنه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في أن يغيروا

مجرى الحفر تفاديا لتلك الصخرة العنيدة المتحدية.

وعاد الرسول عليه الصلاة والسلام مع سلمان رضي الله عنه يعاين بنفسه المكان والصخرة

وحين رآها دعا بمعول ، وطلب من أصحابه أن يبتعدوا قليلا عن مرمى الشظايا..

وسمى بالله، ورفع كلتا يديه الشريفتين القابضتين على المعول في عزم وقوة ، وهوى

به على الصخرة ، فإذا بها تنثلم ، ويخرج من ثنايا صدعها الكبير وهجا عاليا مضيئا.

ويقول سلمان رضي الله عنه لقد رأيته يضيء ما بين لا بتيها ، أي يضيء جوانب المدينة..

وهتف رسول الله صلى الله عليه وسلم مكبرا :

" الله أكبر ..أعطيت مفاتيح فارس ، ولقد أضاء لي منها قصور الحيرة ، ومدائن كسرى ، وان أمتي ظاهرة عليها "

ثم رفع المعول ، وهوت ضربته الثانية ، فتكررت الظاهرة ، وبرقت الصخرة المتصدعة بوهج

مضيء مرتفع ، وهلل الرسول عليه السلام مكبرا :

" الله أكبر .. أعطيت مفاتيح الروم ، ولقد أضاء لي منها قصورها الحمراء ، وإن أمتي ظاهرة عليها "

ثم ضرب ضربته الثالثة فألقت الصخرة سلامها واستسلامها ، وأضاء برقها الشديد الباهر ،

وهلل الرسول وهلل المسلمون معه..

وأنبأهم أنه يبصر الآن قصور سورية وصنعاء وسواها من مدائن الأرض التي ستخفق

فوقها راية الله يوما ، وصاح المسلمون في إيمان عظيم :

هذا ما وعدنا الله ورسوله .. وصدق الله ورسوله..



الرحلة الإيمانية

وها هو ذا رضي الله عنه ، جالس هناك تحت ظل الشجرة الوارفة الملتفة أما داره "بالمدائن"

يحدث جلساءه عن مغامرته العظمى في سبيل الحقيقة ، ويقص عليهم كيف غادر دين قومه

الفرس إلى النصرانية ، ثم إلى الاسلام..قائلا :

( كنت رجلا من أهل أصبهان ، من قرية يقال لها "جي"

وكان أبي دهقان أرضه.

وكنت من أحب عباد الله إليه..

وقد اجتهدت في المجوسية ، حتى كنت قاطن النار التي نوقدها ، ولا نتركها تخبو..

وكان لأبي ضيعة ، أرسلني إليها يوما ، فخرجت ، فمررت بكنيسة للنصارى ، فسمعتهم

يصلون ، فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فأعجبني ما رأيت من صلاتهم ، وقلت لنفسي

هذا خير من ديننا الذي نحن عليه ، فما برحتهم حتى غابت الشمس ، ولا ذهبت إلى ضيعة

أبي ، ولا رجعت إليه حتى بعث في أثري...

وسألت النصارى حين أعجبني أمرهم و صلاتهم عن أصل دينهم ، فقالوا في الشام

وقلت لأبي حين عدت اليه :

اني مررت على قوم يصلون في كنيسة لهم فأعجبتني صلاتهم ، ورأيت أن دينهم خير من ديننا..

فحاورني وحاورته .. ثم جعل في رجلي حديدا وحبسني ..

وأرسلت إلى النصارى أخبرهم أني دخلت في دينهم وسألتهم إذا قدم عليهم ركب من الشام ،

أن يخبروني قبل عودتهم إليها لأرحل إلى الشام معهم ، وقد فعلوا ، فحطمت الحديد

وخرجت ، وانطلقت معهم الى الشام..

وهناك سألت عن عالمهم ، فقيل لي هو الأسقف ، صاحب الكنيسة ، فأتيته وأخبرته خبري ،

فأقمت معه أخدم ، وأصلي وأتعلم ..

وكان هذا الأسقف رجل سوء في دينه ، اذ كان يجمع الصدقات من الناس ليوزعها ، ثم يكتنزها لنفسه.

ثم مات..

وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه ، فما رأيت رجلا على دينهم خيرا منه ، ولا أعظم منه رغبة

في الآخرة ، وزهدا في الدنيا ودأبا على العبادة ..

وأحببته حبا ما علمت أني أحببت أحدا مثله قبله.. فلما حضر قدره قلت له :

إنه قد حضرك من أمر الله تعالى ما ترى ، فبم تأمرني وإلى من توصي بي ؟ قال :

أي بني، ما أعرف أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل..

فلما توفي ، أتيت صاحب الموصل ، فأخبرته الخبر ، وأقمت معه ما شاء الله أن أقيم ،

ثم حضرته الوفاة ، فسألته فأمرني أن ألحق برجل في عمورية في بلاد الروم ،

فرحلت إليه ، وأقمت معه ، واصطنعت لمعاشي بقرات وغنمات..

ثم حضرته الوفاة ، فقلت له : إلى من توصي بي ؟ فقال لي :

يا بني ما أعرف أحدا على مثل ما كنا عليه ، آمرك أن تأتيه ، ولكنه قد

أظلك زمان نبي يبعث بدين ابراهيم حنيفا..

يهاجر الى أرض ذات نخل بين جرتين ، فان استطعت أن تخلص اليه فافعل.

وإن له آيات لا تخفى ، فهو لا يأكل الصدقة.. ويقبل الهدية.. وإن بين كتفيه خاتم النبوة ، إذا رأيته عرفته.

ومر بي ركب ذات يوم ، فسألتهم عن بلادهم ، فعلمت أنهم من جزيرة العرب.

فقلت لهم:

أعطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني معكم إلى أرضكم ؟

قالوا : نعم.

واصطحبوني معهم حتى قدموا بي وادي القرى ، وهناك ظلموني ، وباعوني إلى رجل

من يهود.. وبصرت بنخل كثير ، فطمعت أن تكون هذه البلدة التي وصفت لي ، والتي

ستكون مهاجر النبي المنتظر.. ولكنها لم تكنها.

وأقمت عند الرجل الذي اشتراني ، حتى قدم عليه يوما رجل من يهود بني قريظة ، فابتاعني

منه ، ثم خرج بي حتى قدمت المدينة ..

فوالله ما هو إلا ان رأيتها حتى أيقنت أنها البلد التي وصفت لي..

وأقمت معه أعمل له في نخله في بني قريظة حتى بعث الله رسوله وحتى قدم المدينة

ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف.

وإني لفي رأس نخلة يوما ، وصاحبي جالس تحتها إذ أقبل رجل من يهود ، من بني عمه ، فقال يخاطبه :

قاتل الله بني قيلة إنهم ليتقاصفون على رجل بقباء ، قادم من مكة يزعم أنه نبي..

فوالله ما إن قالها حتى أخذتني العرواء ، فرجفت النخلة حتى كدت أسقط فوق صاحبي

ثم نزلت سريعا ، أقول : ماذا تقول ؟ ما الخبر ؟

فرفع سيدي يده ولكزني لكزة شديدة ، ثم قال : مالك ولهذا..؟ أقبل على عملك..

فأقبلت على عملي.. ولما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله

صلى الله عليه وسلم بقباء.. فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه ، فقلت له:

إنكم أهل حاجة وغربة ، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة ، فلما ذكر لي مكانكم

رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به..

ثم وضعته ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه :

كلوا باسم الله.. وأمسك هو فلم يبسط إليه يدا..

فقلت في نفسي : هذه والله واحدة .. إنه لا يأكل الصدقة..

ثم رجعت وعدت إلى الرسول عليه السلام في الغداة ، أحمل طعاما ، وقلت له عليه السلام :

إني رأيتك لا تأكل الصدقة وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية ، ووضعته

بين يديه ، فقال لأصحابه كلوا باسم الله.. وأكل معهم..

قلت لنفسي : هذه والله الثانية.. إنه يأكل الهدية..

ثم رجعت فمكثت ما شاء الله ، ثم أتيته ، فوجدته في البقيع قد تبع جنازة ، وحوله أصحابه

وعليه شملتان مؤتزرا بواحدة ، مرتديا الأخرى ، فسلمت عليه ، ثم عدلت لأنظر أعلى ظهره ،

فعرف أني أريد ذلك ، فألقى بردته عن كاهله ، فإذا العلامة بين كتفيه خاتم النبوة ، كما وصفه لي صاحبي..

فأكببت عليه أقبله وأبكي ، ثم دعاني عليه الصلاة والسلام فجلست بين يديه ، وحدثته

حديثي كما أحدثكم الآن..

ثم أسلمت.. وحال الرق بيني وبين شهود بدر وأحد..

وفي ذات يوم قال الرسول عليه الصلاة والسلام :

" كاتب سيدك حتى يعتقك "

فكاتبته ، وأمر الرسول أصحابه كي يعاونوني. وحرر الله رقبتي ، وعشت حرا مسلما ،

وشهدت مع رسول الله غزوة الخندق ، والمشاهد كلها )

هذه القصة مذكورة في الطبقات الكبرى لابن سعد ج4.

بهذه الكلمات الوضاء العذاب.. تحدث سلمان الفارسي عن مغامرته الزكية النبيلة العظيمة

في سبيل بحثه عن الحقيقة الدينية التي تصله بالله ، وترسم له دوره في الحياة..

فأي إنسان شامخ كان هذا الإنسان..؟

أي تفوق عظيم أحرزته روحه الطلعة ، وفرضته إرادته الغلابة على المصاعب فقهرتها،

وعلى المستحيل فجعلته ذلولا..؟

ماذا نتوقع أن يكون إسلام رجل هذه همته ، وهذا صدقه؟

لقد كان إسلام الأبرار المتقين ، وقد كان في زهده ، وفطنته ، وورعه أشبه الناس بعمر

ابن الخطاب رضي الله عنه .

أقام أياما مع أبي الدرداء في دار واحدة.. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقوم الليل

ويصوم النهار.. وكان سلمان يأخذ عليه مبالغته في العبادة على هذا النحو.

وذات يوم حاول سلمان أن يثني عزمه عن الصوم ، وكان نافلة..

فقال له أبو الدرداء معاتبا رضي الله عنه : أتمنعني أن أصوم لربي ، وأصلي له..؟ّ

فأجابه سلمان رضي الله عنه قائلا :

( إن لعينيك عليك حقا ، وإن لأهلك عليك حقا ، صم وأفطر ، وصل ونم )

فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال :

" لقد أشبع سلمان علما "

وكان الرسول عليه السلام يطرى فطنته وعلمه كثيرا ، كما كان يطري خلقه ودينه..

ويوم الخندق ، وقف الأنصار يقولون :

سلمان منا.. ووقف المهاجرون يقولون بل سلمان منا..

وناداهم الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا :

" سلمان منا آل البيت "

وإنه بهذا الشرف لجدير..

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يلقبه بلقمان الحكيم سئل عنه بعد موته فقال :

[ ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت.. من لكم بمثل لقمان الحكيم..؟

أوتي العلم الأول ، والعلم الآخر ، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر ، وكان بحرا لا ينزف ]

ولقد بلغ في نفوس أصحاب الرسول عليه السلام جميعا المنزلة الرفيعة والمكان الأسمى.

ففي خلافة عمر رضي الله عنه جاء المدينة زائرا ، فصنع عمر رضي الله عنه ما لا نعرف

أنه صنعه مع أحد غيره أبدا ، إذ جمع أصحابه وقال لهم :

( هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان )

وخرج بهم لاستقباله عند مشارف المدينة.

لقد عاش سلمان رضي الله عنه مع الرسول صلى الله عليه وسلم منذ التقى به وآمن معه

مسلما حرا ، ومجاهدا وعابدا.

وعاش مع خليفته أبي بكر ، ثم أمير المؤمنين عمر ، ثم الخليفة عثمان رضي الله عنهم

حيث لقي ربه أثناء خلافته.

وفي معظم هذه السنوات ، كانت رايات الاسلام تملأ الأفق ، وكانت الكنوز والأموال تحمل

إلى المدينة فيئا وجزية ، فتوزع على الناس في صورة أعطيات منتظمة ، ومرتبات ثابتة.

وكثرت مسؤوليات الحكم على كافة مستوياتها ، فكثرت الأعمال والمناصب تبعا لها..

فأين كان سلمان رضي الله عنه في هذا الخضم..؟

وأين نجده في أيام الرخاء والثراء والنعمة تلك..؟

نراه في ثوبه القصير الذي انحسر من قصره الشديد إلى ركبته..

لقد كان عطاؤه وفيرا .. كان بين أربعة وستة آلاف في العام ، بيد أنه كان يوزعه

جميعا ، ويرفض أن يناله منه درهم واحد ، ويقول :

( أشتري خوصا بدرهم ، فأعمله ، ثم أبيعه بثلاثة دراهم ، فأعيد درهما فيه ،

وأنفق درهما على عيالي ، وأتصدق بالثالث..

ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عن ذلك ما انتهيت )

لقد كان بعضنا يظن حين يسمع عن تقشف بعض الصحابة وورعهم ، مثل أبي بكر

الصديق وعمر وأبي ذر وإخوانهم رضي الله عنهم ، أن مرجع ذلك كله طبيعة الحياة

في الجزيرة العربية حيث يجد العربي متاع نفسه في البساطة..

فها نحن أمام رجل من فارس .. بلاد البذخ والترف والمدنية ، ولم يكن من الفقراء

لكنه يرفض المال والثروة والنعيم ، ويصر أن يكتفي في يومه بدرهم يكسبه من عمل يده ويقول :

(ىإن استطعت أن تأكل التراب ولا تكونن أميرا على اثنين ، فافعل )

كان عطاء سلمان رضي الله عنه خمسة آلاف ، وكان على ثلاثين ألفا من الناس

يخطب في عباءة يفترش نصفها ، ويلبس نصفها.

ترى ما باله يصنع كل هذا الصنيع ، ويزهد كل ذلك الزهد ، وهو الفارسي ، ابن النعمة ، وربيب الحضارة..؟

لنستمع الجواب منه وهو على فراش الموت تتهيأ روحه العظيمة للقاء ربها العلي الرحيم.

دخل عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يعوده فبكى ..

فقال له سعدرضي الله عنه :

( ما يبكيك يا أبا عبد الله..؟ لقد توفي رسول الله وهو عنك راض )

فأجابه سلمان رضي الله عنه :

( والله ما أبكي جزعا من الموت ، ولا حرصا على الدنيا ، ولكن رسول الله صلى الله

عليه وسلم عهد إلينا عهدا ، فقال :

ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب، وهأنذا حولي هذه الأساود )

يعني بالأساود الأشياء الكثيرة

قال سعد رضي الله عنه فنظرت ، فلم أرى حوله إلا جفنة ومطهرة ، فقلت له :

( يا أبا عبدالله اعهد إلينا بعهد نأخذه عنك )

فقال رضي الله عنه :

( يا سعد : اذكر عند الله همتك إذا هممت.. وعند حكمتك إذا حكمت.. وعند يدك إذا قسمت..)

هذا هو إذن الذي ملأ نفسه غنى ، بقدر ما ملأها عزوفا عن الدنيا بأموالها ، ومناصبها

وجاهها.. عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وإلى أصحابه جميعا .

ولقد حفظ سلمان العهد ومع هذا فقد هطلت دموعه حين رأى روحه تتهيأ للرحيل ،

مخافة أن يكون قد جاوز المدى.

ولم يكن هناك من طيبات الحياة الدنيا شيء ما يركن إليه سلمان لحظة ، أو تتعلق

به نفسه أثارة ، إلا شيئا كان يحرص عليه أبلغ الحرص ، ولقد ائتمن عليه زوجته ،

وطلب إليها أن تخفيه في مكان بعيد وأمين.

وفي مرض موته وفي صبيحة اليوم الذي قبض فيه ، ناداها :

( هلمي خبيك التي استخبأتك )

فجاءت بها ، وإذا هي صرة مسك ، كان قد أصابها يوم فتح "جلولاء" فاحتفظ بها لتكون عطره يوم مماته.

ثم دعا بقدح ماء نثر المسك فيه ، ثم ماثه بيده ، وقال لزوجته :

( انضحيه حولي فإنه يحضرني الآن خلق من خلق الله ، لا يأكلون الطعام ، وإنما يحبون الطيب )

فلما فعلت قال لها : ( اجفئي علي الباب وانزلي )

ففعلت ما أمرها به..

وبعد حين صعدت إليه ، فإذا روحه المباركة قد فارقت جسده ودنياه.

قد لحقت بالملأ الأعلى ، وصعدت على أجنحة الشوق إليه ، إذ كانت على موعد هناك

مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ..

ومع ثلة مجيدة من الشهداء والأبرار.

لطالما برح الشوق الظامئ بسلمان رضي الله عنه ..

وآن اليوم أن يرتوي ، وينهل ..

مجدى بدوى
11-28-2009, 01:51 PM
أبو ذر الغفاري أمير الزهاد

قالوا عنه


" ما اقلت الغبراء ولا اظلت الخضراء من رجل اصدق من أبي ذر "

رسول الله صلى الله عليه وسلم

" رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث يوم القيامة وحده "

رسول الله صلى الله عليه وسلم

" إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم قيل يا رسول الله سمهم لنا قال

" علي منهم يقول ذلك ثلاثا وأبو ذر والمقداد وسلمان أمرني بحبهم وأخبرني أنه يحبهم "

رسول الله صلى الله عليه وسلم



السيرة


أقبل على مكة نشوان مغتبطا..

صحيح أن وعثاء السفر وفيح الصحراء قد وقذاه بالضنى والألم ، بيد أن الغاية

التي يسعى اليها ، أنسته جراحه ، وأفاضت على روحه الحبور والبشور.

ودخلها متنكرا ، كأنه واحد من أولئك الذين يقصدونها ليطوفوا بآلهة الكعبة

العظام أو كأنه عابر سبيل ضل طريقه ، أو طال به السفر والارتحال فأوى اليها يستريح ويتزود.

فلو علم أهل مكة أنه جاء يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم ، ويستمع اليه لفتكوا به.

وهو لا يرى بأسا في أن يفتكوا به ، ولكن بعد أن يقابل الرجل الذي قطع الفيافي

ليراه ، وبعد أن يؤمن به ، ان اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته..

ولقد مضى يتسمع الأنباء من بعيد ، وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد صلى الله

عليه وسلم اقترب منهم في حذر ، حتى جمع من نثارات الحديث هنا وهناك ما دله

على محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى المكان الذي يستطيع أن يراه فيه.

في صبيحة يوم ذهب الى هناك ، فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم جالسا وحده ،

فاقترب منه وقال : نعمت صباحا يا أخا العرب ..

فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام : " وعليك السلام يا أخاه "

قال أبو ذر : أنشدني مما تقول ..

فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام : " ما هو بشعر فأنشدك ، ولكنه قرآن كريم "

قال أبو ذر رضي الله عنه : اقرأ علي .

فقرأالرسول صلى الله عليه وسلم ، وأبو ذر رضي الله عنه يصغي ..

ولم يمضي من الوقت غير قليل حتى هتف أبو ذر رضي الله عنه :

( أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله )

وسأله النبي صلى الله عليه وسلم : ممن أنت يا أخا العرب..؟

فأجابه أبو ذر رضي الله عنه : من غفار ..

وتألقت ابتسامة على فم الرسول صلى الله عليه وسلم ، واكتسى وجهه الدهشة والعجب..

وضحك أبو ذر رضي الله عنه كذلك ، فهو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول

عليه السلام حين علم أن هذا الذي يجهر بالاسلام أمامه انما هو رجل من غفار ..

فغفار هذه قبيلة لا يدرك لها شأو في قطع الطريق ..

وأهلها مضرب الأمثال في السطو غير المشروع .. انهم حلفاء الليل والظلام ، والويل

لمن يسلمه الليل الى واحد من قبيلة غفار.

أفيجيء منهم اليوم ، والاسلام لا يزال دينا غصا مستخفيا ، واحد ليسلم..؟

يقول أبو ذر رضي الله عنه وهو يروي القصة بنفسه :

( فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ويصوبه تعجبا ، لما كان من غفار ، ثم قال : ان الله يهدي من يشاء )

ولقد كان أبو ذر رضي الله عنه أحد الذين شاء لهم الهدى ، وأراد بهم الخير.

وانه لذو بصر بالحق ، فقد روي عنه أنه أحد الذين شاء الله لهم الهدى ، وأراد بهم الخير.

وانه لذو بصر بالحق ، فقد روي عنه أنه أحد الذين كلنوا يتألهون في الجاهلية ،

أي يتمردون على عبادة الأصنام ، ويذهبون الى الايمان باله خالق عظيم.

وهكذا ما كاد يسمع بظهور نبي يسفه عبادة الأصنام وعبادها ، ويدعو الى عبادة

الله الواحد القهار ، حتى حث اليه الخطى ، وشد الرحال.


أسلم أبو ذر من فوره


كان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس..

وحين أسلم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يهمس بالدعوة همسا..

يهمس بها الى نفسه ، والى الخمسة الذين آمنوا معه ، ولم يكن أمام أبي ذر رضي الله

عنه الا أن يحمل ايمانه بين جنبيه ، ويتسلل به مغادرا مكة ، وعائدا الى قومه...

ولكن أبا ذر "جندب بن جنادة " رضي الله عنه ، ، يحمل طبيعة فوارة جياشة.

فتوجه الى الرسول عليه الصلاة والسلام فور اسلامه بهذا السؤال : يا رسول الله ، بم تأمرني ..؟

فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: " ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري "

فقال أبو ذر رضي الله عنه : والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد..

هنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته :

[ أشهد أن لا اله الا الله.. وأشهد أن محمدا رسول الله ]

كانت هذه الصيحة أول صيحة بالاسلام تحدت كبرياء قريش وقرعت أسماعها.. صاحها رجل

غريب ليس له في مكة حسب ولا نسب ولا حمى ..

ولقد لقي ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه ملاقيه .. فقد أحاط به المشركون وضربوه


وترامى النبأ الى العباس رضي االله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء يسعى ،

وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابهم الا بالحيلة لذكية ، قال له :

( يا معشر قريش ، أنتم تجار ، وطريقكم على غفار ، وهذا رجل من رجالها ، ان يحرض قومه عليكم ، يقطعوا على قوافلكم الطريق )

فثابوا الى رشدهم وتركوه.

ولكن أبا ذر ، وقد ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله ، لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد ...

وهكذا لا يكاد في اليوم الثاني وربما في نفس اليوم ، يلقى امرأتين تطوفان بالصنمين

( أساف ، واثلة ) ودعوانهما ، حتى يقف عليهما ويسفه الصنمين تسفيها مهينا..

فتصرخ المرأتان ، ويهرول الرجال كالجراد ، ثم لا يفتون يضربونه حتى يفقد وعيه

وحين يفيق يصرخ مرة أخرى بأنه ( يشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله )

ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد ، وقدرته الباهرة على مواجهة الباطل.

بيد أن وقته لم يأت بعد ، فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه ، حتى

اذا سمع بظهور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث دلوه..

ويعود أبو ذر رضي الله عنه الى عشيرته وقومه ، فيحدثههم عن النبي الذي ظهر

يدعو الى عبادة الله وحده ويهدي لمكارم الأخلاق ، ويدخل قومه في الاسلام ، واحدا اثر واحد..

ولا يكتفي بقبيلته غفار ، بل ينتقل الى قبيلة أسلم فيوقد فيها مصابيحه ..

وتتابع الأيام رحلتها في موكب الزمن ، ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة ، ويستقر بها والمسلمون معه.

وذات يوم تستقبل مشارفها صفوفا طويلة من المشاة والركبان ، أثارت أقدامهم النقع..

ولولا تكبيراتهم الصادعة ، لحبسهم الرائي جيشا مغيرا من جيوش الشرك

اقترب الموكب اللجب.. ودخل المدينة.. ويمم وجهه شطر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومقامه..

لقد كان الموكب قبيلتي غفار وأسلم ، جاء بهما ابو ذر رضي الله عنه مسلمين جميعا

رجالا ونساء شيوخا وشبابا ، وأطفالا..

وكان من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزداد عجبا ودهشة ..

فبالأمس البعيد عجب كثيرا حين رأى أمامه رجلا واحدا من غفار يعلن اسلامه وايمانه ، وقال معبرا عن دهشته :

" ان الله يهدي من يشاء "

أما اليوم فان قبيلة غفار بأجمعها تجيئه مسلمة ، وقد قطعت في الاسلام بضع سنين منذ

هداها الله على يد أبي ذر ، وتجيء معها قبيلة أسلم ..

ان عمالقة السطور وحلفاء الشيطان ، قد أصبحوا عمالقة في الخير وحلفاء للحق.

أليس الله يهدي من يشاء حقا ؟

لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوههم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا وودا..

ونظر الى قبيلة غفار وقال :

"غفار غفر الله لها "

ثم الى قبيلة أسلم فقال :

"وأسلم سالمها الله "

وأبو ذر رضي الله عنه هذا الداعية الرائع .. القوي الشكيمة ، العزيز المنال..

سوف تفنى القرون والأجيال ، والناس يرددون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم فيه :

" ما أقلت الغبراء ، ولا أظلت الصحراء أصدق لهجة من أبي ذر"



أصدق لهجة في أبي ذر..؟


لقد قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام مستقبل صاحبه ، ولخص حياته كلها في هذه

الكلمات..فالصدق الجسور ، هو جوهر حياة أبي ذر كلها..

صدق باطنه ، وصدق ظاهره..

صدق عقيدته وصدق لهجته..

وألقى الرسول يوما هذا السؤال :

" يا أبا ذر كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء ؟ "

فأجاب قائلا :

" اذن والذي بعثك بالحق، لأضربن بسيفي "

فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام :

"أفلا أدلك على خير من ذلك ؟ اصبر حتى تلقاني"

ترى لماذا سأله الرسول هذا السؤال بالذات..؟؟

لان تلك قضية أبي ذر التي سيهبها حياته ، وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل..

ولقد عرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى عليه السؤال ، ليزوده هذه النصيحة الثمينة :

" اصبر حتى تلقاني "

ولسوف يحفظ أبوذر رضي الله عنه وصية معلمه ، فلن يحمل السيف الذي تود به

الأمراء الذين يثرون من مال الأمة.. ولكنه أيضا لن يسكت عنهم لحظة من نهار..

أجل اذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهاه عن حمل السيف في وجوههم ،

فانه لا ينهاه عن أن يحمل في الحق لسانه البتار .. ولسوف يفعل ..

ومضى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن بعده عصر أبي بكر ، وعصر عمر

رضي الله عنهما في تفوق كامل على مغريات الحياة ودواعي الفتنة فيها..

ولقد طال عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، فارضا على ولاة المسلمين وأمرائهم

وأغنيائهم في كل مكان من الأرض ، زهدا وتقشفا يكاد يكون فوق طاقة البشر..

ان واليا من ولاته في العراق ، أو في الشام ، أوفي صنعاء أو في أي من البلاد

النائية البعيدة ، لا يكاد يصل اليها نوعا من الحلوى ، لا يجد عامة الناس قدرة على

شرائه ، حتى يكون الخبر قد وصل الى عمر بعد أيام. وحتى تكون أوامره الصارمة

قد ذهبت لتستدعي ذلك الوالي الى المدينة ليلقى حسابه العسير ..

وما دام لا يضايق أبا ذر رضي الله عنه في حياته شيء مثلما يضايقه استغلال السلطة ،

واحتكار الثروة ، فان ابن الخطاب رضي الله عنه بمراقبته الصارمة للسلطة ، وتوزيعه

العادل للثروة سيتيح له الطمأنينة والرضا..

وهكذا تفرغ لعبادة ربه ، وللجهاد في سبيله.. غير لائذ بالصمت اذا رأى مخالفة هنا ، أو هناك.. وقلما كان يرى..

بيد أن أعظم ، وأعدل ، وأروع حكام البشرية قاطبة يرحل عن الدنيا ذات يوم ، تاركا

وراءه فراغا هائلا ، ومحدثا رحيله من ردود الفعل ما لا مفر منه ولا طاقة للناس به.

وتستمر الفتوح في مدها ، ويعلو معها مد الرغبات والتطلع الى مناعم الحياة وترفها.. ويرى أبو ذر رضي الله عنه الخطر ..

ان ألوية المجد الشخصي توشك أن تفتن الذين كل دورهم في الحياة أن يرفعوا راية الله..

ان الدنيا بزخرفها وغرورها الضاري ، توشك أن تفتن الذين كل رسالتهم أن يجعلوا منها مزرعة للأعمال الصالحات..

رأى أبو ذر رضي الله عنه كل هذا فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسؤوليته..

بل راح يمد يمينه الى سيفه.. وهز به الهواء فمزقه ، ونهض قائما يواجه المجتمع

بسيفه الذي لم تعرف له كبوة.. لكن سرعان ما رن في فؤاده صدى الوصية التي

أوصاه بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأعاد السيف الى غمده ، فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم..

لقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم يوما وعلى ملأ من أصحابه ، أن الأرض لم تقل ،

وأن السماء لم تظل أصدق لهجة من أبي ذر..

ومن كان يملك هذا القدر من صدق اللهجة ، وصدق الاقتناع ، فما حاجته الى السيف..؟

ان كلمة واحدة يقولها ، لأمضى من ملء الأرض سيوفا ..

وخرج أبو ذر رضي الله عنه الى معاقل السلطة والثروة ، يغزوها بمعارضته معقلا معقلا..

وأصبح في أيام معدودات الراية التي التفت حولها الجماهير والكادحون ..

حتى في الأقطار النائية التي لم يره أهلها بعد.. طاره اليها ذكره.

وأصبح لا يمر بأرض ، بل ولا يبلغ اسمه قوما الا أثار تسؤلات هامة تهدد مصالح ذوي السلطة والثراء.

فقد جعل نشيده وهتافه الذي يردده في كل مكان وزمان .. ويردده الانس عنه كأنه نشيد.. هذه الكلمات :

( بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة )

ولم يعد الانس يبصرونه قادما الا استقبلوه بهذه الكلمات :

" بشر الكانزين بمكاو من نار"


لا حاجة لي في دنياكم


هكذا قال أبو ذر للخليفة عثمان رضي الله عنهما بعد أن وصل الى المدينة ، وجرى بينهما حوار طويل.

لقد خرج عثمان رضي الله عنه من حواره مع صاحبه ، بقرار أن يحتفظ به الى جواره

في المدينة ، محددا بها اقامته ولقد عرض عثمان رضي الله عنه قراره على أبي ذر

رضي الله عنه عرضا رفيقا ، رقيقا ، فقال له :

( ابق هنا يجانبي ، تغدو عليك القاح وتروح )

وأجابه أبو ذر رضي الله عنه :

( لا حاجة لي في دنياكم )

ولقد طلب من الخليفة عثمان رضي الله عنه أن يأذن له الخروج الى الربدة فأذن له..

ولقد ظل وهو في احتدام معارضته أمينا لله ورسوله ، حافظا في اعماق روحه النصيحة

التي وجهها اليه الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يحمل السيف.. لكأن الرسول صلى الله

عليه وسلم رأى الغيب كله .. غيب أبي ذر رضي الله عنه ومستقبله ، فأهدى اليه هذه النصيحة الغالية.

جاءه يوما وهو في الربدة وفد من الكوفة يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد الخليفة ، فزجرهم بكلمات حاسمة :

( والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة ، أو جبل ، لسمعت ، وأطعت ، وصبرت واحتسبت ، ورأيت ذلك خيرا لي..

ولوسيرني ما بين الأفق الى الأفق ، لسمعت وأطعت ، وصبرت واحتسبت ، ورأيت ذلك خيرا لي..

ولو ردني الى منزلي ، لسمعت وأطعت ، وصبرت واحتسبت ، ورأيت ذلك خيرا لي )

و لقيه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يوما ، فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وهو يصيح من الفرح بلقائه :

( مرحبا أبا ذر .. مرحبا بأخي )

ولكن أبا ذر رضي الله عنه دفعه عنه وهو يقول :

( لست بأخيك ، انما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا )

كذلك لقيه أبو هريرة رضي الله عنه يوما واحتضنه مرحبا، ولكن أبا ذر نحاه عنه بيده وقال له :

( اليك عني .. ألست الذي وليت الامارة ، فتطاولت في البنيان ، واتخذت لك ماشية وزرعا )

ومضى أبو هريرة رضي الله عنه يدافع عن نفسه ويبرئها من تلك الشائعات..

وقد يبدو أبو ذر رضي الله عنه مبالغا في موقفه من الجكم والثروة..

ولكن لأبي ذر رضي الله عنه منطقه الذي يشكله صدقه مع نفسه ، ومع ايمانه ، فأبو ذر رضي الله عنه يقف بأحلامه وأعماله..

بسلوكه ورؤاه ، عند المستوى الذي خلفه لهم رسول الله وصاحباه..

أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ..

عرضت عليه الامارة بالعراق فقال :

( لا والله.. لن تميلوا علي بدنياكم أبدا )

ورآه صاحبه يوما يلبس جلبابا قديما فسأله :

أليس لك ثوب غير هذا..؟ لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين..؟

فأجابه أبو ذر رضي الله عنه :

( يا بن أخي.. لقد أعطيتهما من هو أحوج اليهما مني )

قال له : والله انك لمحتاج اليهما ..

فأجاب أبو ذر رضي الله عنه :

( اللهم اغفر له.. انك لمعظم للدنيا ، ألست ترى علي هذه البردة ؟

ولي أخرى لصلاة الجمعة ، ولي عنزة أحلبها ، وأتان أركبها ، فأي نعمة أفضل ما نحن فيه )

وجلس يوما يحدث ويقول :

أوصاني خليلي بسبع..

أمرني بحب المساكين والدنو منهم..

وأمرني أن أنظر الى من هو دوني، ولاأنظر الى من هو فوقي..

وأمرني ألا أسأل أحد شيئا..

وأمرني أن أصل الرحم..

وأمرني أن أقول الحق وان كان مرا..

وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم..

وأمرني أن أكثر من : لا حول ولا قوة الا بالله )

ولقد عاش هذه الوصية ، وصاغ حياته وفقها، حتى صار " ضميرا " بين قومه وأمته..

ويقول الامام علي رضي الله عنه :

( لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر )

عاش يناهض استغلال الحكم، واحتكار الثروة..

يمنعونه من الفتوى ، فيزداد صوته بها ارتفاعا ، ويقول لمانعيه :

( والذي نفسي بيده ، لو وضعتم السيف فوق عنقي ، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتها من

رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتها )


مشهد الختام


ان هذه السيدة السمراء الضامرة ، الجالسة الى جواره تبكي ، هي زوجته..

وانه ليسألها : ( فيم البكاء والموت حق..؟ )

فتجيبه بأنها تبكي : لأنك تموت ، وليس عندي ثوب يسعك كفنا .

( لا تبكي ، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول :

ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض ، تشهده عصابة من المؤمنين..

وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية ، ولم يبق منهم غيري ..

وهأنذا بالفلاة أموت ، فراقبي الطريق ، فستطلع علينا عصابة من المؤمنين ، فاني والله ما كذبت ولا كذبت )

وفاضت روحه الى الله..ولقد صدق..

فهذه القافلة التي تغذ السير في الصحراء ، تؤلف جماعة من المؤمنين ، وعلى رأسهم

عبدالله بن مسعود رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وان ابن مسعود رضي الله عنه ليبصر المشهد قبل أن يبلغه مشهد جسد ممتد يبدو كأنه

جثمان ميت ، والى جواره سيدة وغلام يبكيان..

ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشهد ، ولا يكاد يلقي نظرة على الجثمان ، حتى

تقع عيناه على وجه صاحبه وأخيه في الله والاسلام أبي ذر رضي الله عنه .

وتفيض عيناه بالدمع ، ويقف على جثمانه الطاهر يقول :

( صدق رسول الله نمشي وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك )

ويجلس ابن مسعود رضي الله عنه لصحبه تفسير تلك العبارة التي نعاه بها :

( تمشي وحدك.. وتموت حدك.. وتبعث وحدك )

كان ذلك في غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة، وقد أمر الرسول عليه السلام بالتهيؤ

لملاقاة الروم ، الذين شرعوا يكيدون للاسلام ويأتمرون به.

وكانت الأيام التي دعى فيها الناس للجهاد أيام عسر وقيظ.. وكانت الشقة بعيدة.. والعدو مخيفا..

ولقد تقاعس عن الخروج نفر من المسلمين ، تعللوا بشتى المعاذير..

وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه.. وكلما أمعنوا في السير ازدادوا جهدا

ومشقة ، فجعل الرجل يتخلف ، ويقولون يا رسول الله تخلف فلان، فيقول :

" دعوه فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم.. وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه "

وتلفت القوم ذات مرة ، فلم يجدوا أبا ذر.. وقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام :

لقد تخلف أبو ذر ، وأبطأ به بعيره..

وأعاد الرسول صلى الله عليه وسلم مقالته الأولى ..

كان بعير أبي ذر رضي الله عنه قد ضعف تحت وطأة الجوع والظمأ والحر وتعثرت من الاعياء خطاه..

وحاول أبو ذر رضي الله عنه أن يدفعه للسير الحثيث بكل حيلة وجهد ، ولكن الاعياء كان يلقي ثقله على البعير..

ورأى أبو ذر رضي الله عنه أنه بهذا سيتخلف عن المسلمين وينقطع دونهم الأثر ،

فنزل من فوق ظهر البعير ، وأخذ متاعه وحمله على ظهره ومضى ماشيا على قدميه ،

مهرولا ، وسط صحراء ملتهبة ، ليدرك رسوله عليه السلام وصحبه..

وفي الغداة ، وقد وضع المسلمون رحالهم ليستريحوا ، بصر أحدهم فرأى سحابة من

النقع والغبار تخفي وراءها شبح رجل يغذ السير..

وقال الذي رأى : يا رسول الله ، هذا رجل يمشي على الطريق وحده.. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام :

" كن أبا ذر "

وعادوا لما كانوا فيه من حديث ، ريثما يقطع القادم المسافة التي تفصله عنهم ، وعندها يعرفون من هو ..

وأخذ المسافر الجليل يقترب منهم رويدا .. يقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعا ،

وحمله فوق ظهره بتؤدة.. ولكنه مغتبط فرحان لأنه أردك القافلة المباركة ، ولم يتخلف عن رسول الله واخوانه المجاهدين..

وحين بلغ أول القافلة ، صاح صائهحم : يارسول الله : انه والله أبا ذر.. وسار أبو ذر صوب الرسول.

ولم يكد صلى الله عليه وسلم يراه حتى تألقت على وجهه ابتسامة حانية واسية ، وقال :

" يرحم الله أبا ذر .. يمشي وحده .. ويموت وحده .. ويبعث وحده "

وبعد مضي عشرين عاما على هذا اليوم أو تزيد ، مات أبو ذر رضي الله عنه وحيدا ، في فلاة الربدة..

بعد أن سار حياته كلها وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه.. ولقد بعث في التاريخ

وحيدا في عظمة زهده ، وبطولة صموده..

ولسوف يبعث عند الله وحيدا كذلك ، لأن زحام فضائله المتعددة ، لن يترك بجانبه مكانا لأحد سواه..

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:06 PM
أبو هريرة

ذاكرة عصر الوحي رضي الله عنه وأرضاه



قالوا عنه

" اللهم حبب عبيدك هذا إلى عبادك المؤمنين "

رسول الله صلى الله عليه وسلم

" كان أبو هريرة يسبح في كل يوم اثنتي عشرة الف تسبيحة "

عكرمة رضي الله عنه


من أقواله


نشأت يتيما وهاجرت مسكينا وكنت اجيرا لبرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رحلي

فكنت اخدم إذا نزلوا واحدوا إذا ركبوا فزوجنيها الله عز وجل فالحمد لله الذي جعل

الدين قواما وجعل أبا هريرة إماما ما وجع أحب إلي من الحمى لانها تعطي كل مفصل

قسطه من الوجع وان الله تعالى يعطي كل مفصل قسطه من الاجر أما أنه ما ابكى على

دنياكم هذه ولكن ابكي على بعد سفري وقلة زادي وأني أصبحت في صعود مهبط على جنة ونار لا أدري أيهما يؤخذ بي .

لماذا كنى رضي الله عنه بأبي هريرة ؟

لقد كان اسمه في الجاهلية عبد شمس ، ولما أسلم سماه الرسول صلى الله

عليه وسلم عبدالرحمن ..

ولقد كان عطوفا على الحيوان ، وكانت له هرة ، يطعمها ، ويحملها ، وينظفها ، ويؤويها.. وكانت تلازمه كظله..

وهكذا دعي : أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه..


السيرة

صحيح أن ذكاء المرء محسوب عليه..

وأصحاب المواهب الخارقة كثيرا ما يدفعون الثمن في نفس الوقت الذي كان ينبغي أن يتلقوا فيه الجزاء والشكران..

والصحابي الجليل أبو هريرة واحد من هؤلاء..

فقد كان ذا موهبة خارقة في سعة الذاكرة وقوتها..

كان رضي الله عنه يجيد فن الاصغاء ، وكانت ذاكرته تجيد فن الحفظ والاختزان ..

يسمع فيعي ، فيحفظ ، ثم لا يكاد ينسى مما وعى كلمة ولا حرفا مهما تطاول العمر ، وتعاقبت الأيام..!!

من أجل هذا هيأته موهبته ليكون أكثر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم حفظا

لأحاديثه ، وبالتالي أكثرهم رواية لها.

فلما جاء عصر الوضاعين الذين تخصصوا في الكذب على رسول الله صلى الله عليه

وسلم ، اتخذوا أبا هريرة رضي الله عنه غرضا مستغلين أسوأ استغلال سمعته العريضة

في الرواية عن رسول الله عليه السلام موضع الارتياب والتساؤول.

لولا تلك الجهود البارة والخارقة التي بذلها أبرار كبار نذور حياتهم وكرسوها لخدمة الحديث النبوي ونفي كل زيف ودخيل عنه.

هنالك نجا أبو هريرة رضي الله عنه من أخطبوط الأكاذيب والتلفيقات التي أراد

المفسدون أن يتسللوا بها الى الاسلام عن طريقه ، وأن يحملوه وزرها وأذاها.



والآن عندما نسمع واعظا ، أو محاضرا ، أو خطيب جمعة يقول تلك العبارة المأثورة :

( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم )

عندما نسمع هذا الاسم على هذه الصورة ، عندما تلقاه كثيرا ، وكثيرا جدا

في كتب الحديث ، والسيرة والفقه والدين بصفة عامة ، نعلم أننا نلقى شخصية

من أكثر شخصيات الصحابة اغراء بالصحبة والاصغاء..

ذلك أن ثروته من الأحاديث الرائعة ، والتوجيهات الحكيمة التي حفظها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قل أن يوجد لها نظير ..

إنه واحد من الذين تنعكس عليهم ثروة الاسلام بكل ما أحدثته من تغيرات هائلة. فمن أجير الى سيد..

ومن تائه في الزحام ، الى عالم وإمام..

ومن ساجد أمام حجارة مركومة ، الى مؤمن بالله الواحد القهار ..

قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سنة سبع وهو بخيبر ، فأسلم راغبا مشتاقا

ومنذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه لم يكد يفارقه قط الا في ساعات النوم ..

وهكذا كانت السنوات الأربع التي عاشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ

أسلم الى أن ذهب النبي صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى.

أدرك أبو هريرة بفطرته السديدة الدور الكبير الذي يستطيع أن يخدم به دين الله.

إن أبطال الحرب في الصحابة كثيرون

والفقهاء والدعاة والمعلمون كثيرون

ولكن البيئة والجماعة تفتقد الكتابة والكتاب

فأدرك أبا هريرة رضي الله عنه بفطرته حاجة المجتمع الجديد الذي يبنيه الاسلام

الى من يحفظ تراثه وتعاليمه ، كان هناك يومئذ من الصحابة كتاب يكتبون

ولكنهم قليلون ، ثم ان بعضهم لا يملك من الفراغ ما يمكنه من تسجيل كل ما ينطق به الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث.

لم يكن أبا هريرة رضي الله عنه كاتبا ، ولكنه كان حافظا ، وكان يملك هذا الفراغ ،

أو هذا الفراغ المنشود ، فليس له أرض يزرعها ولا تجارة يتبعها .

وهو اذا رأى نفسه وقد أسلم متأخرا ، عزم على أن يعوض ما فاته ، وذلك بأن

يواظب على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى مجالسته..

ثم انه يعرف من نفسه هذه الموهبة التي أنعم الله بها عليه ، وهي ذاكرته الرحبة

القوية ، والتي زادت مضاء ورحابة وقوة ، بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبها أن يبارك الله له فيها..

وهكذا راح يكرس نفسه ودقة ذاكرته لحفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته..

فلما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى ، راح أبو هريرة يحدث ،

مما جعل بعض أصحابه يعجبون :

أنى له كل هذه الأحاديث ، ومتى سمعها ووعاها..

ولقد ألقى أبوهريرة رضي الله عنه الضوء على هذه الظاهرة ، وكانه يدفع عن

نفسه مغبة تلك الشكوك التي ساورت بعض أصحابه فقال :

( انكم لتقولون أكثر أبو هريرة في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم

وتقولون : ان المهاجرين الذين سبقوه الى الاسلام لا يحدثون هذه الأحاديث ؟

ألا ان أصحابي من المهاجرين ، كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق ، وان أصحابي

من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم ..

واني كنت أميرا مسكينا ، أكثر مجالسة رسول الله ، فأحضر اذا غابوا ، وأحفظ اذا نسوا ..

وان النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا يوما فقال :

" من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثم يقبضه اليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني "

فبسطت ثوبي فحدثني ثم ضممته الي ، فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه ،

وأيم والله ، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا ، وهي :

(( ان الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب *

أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ))

هكذا يفسر أبو هريرة رضي الله عنه سر تفرده بكثرة الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

فهو أولا كان متفرغا لصحبة النبي أكثر من غيره ..

وهو ثانيا كان يحمل ذاكرة قوية ، باركها الرسول فزادت قوة..

وهو ثالثا لا يحدث رغبة في أن يحدث ، بل لأن افشاء هذه الأحاديث مسؤولية

دينه وحياته ، والا كان كاتما للخير والحق ، وكان مفرطا ينتظره جزاء المفرطين

من أجل هذا راح يحدث ويحدث ، لا يصده عن الحديث صاد ، ولا يعتاقه عائق

حتى قال له عمر رضي الله عنه يوما وهو أمير المؤمنين :

( لتتركن الحديث عن رسول الله ، أو لألحقنك بأرض دوس )

أي أرض قومه وأهله..

على أن هذا النهي من أمير المؤمنين رضي الله عنه لا يشكل اتهاما لأبي هريرة ،

بل هو دعم لنظرية كان عمر رضي الله عنه يتبناها ويؤكدها ، تلك هي :

( أن على المسلمين في تلك الفترة بالذات ألا يقرؤوا ، وألا يحفظوا شيئا سوى

القرآن حتى يقر وثبت في الأفئدة والعقول )

فالقرآن كتاب الله ، ودستور الاسلام ، وقاموس الدين ، وكثرة الحديث عن رسول

الله صلى الله عليه وسلم ، لا سيما في تلك التي أعقبت وفاته صلى الله عليه

وسلم والتي يجمع القرآن خلالها قد تسبب بلبلة لا داعي لها ولا جدوى منها ،

من أجل هذا كان عمر رضي الله عنه يقول :

( اشتغلوا بالقرآن ، فان القرآن كلام الله )

ويقولرضي الله عنه :

( أقلوا الرواية عن رسول الله الا فيما يعمل به )

وحين أرسل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه الى العراق قال له :

( انك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي القرآن كدوي النحل ، فدعهم على ما

هم عليه ، ولا تشغلهم بالحديث ، وأنا شريكك في ذلك )

كان القرآن قد جمع بطريقة مضمونة دون أن يتسرب اليه ما ليس منه..

اما الأحاديث فليس يضمن عمر رضي الله عنه أن تحرف أو تزور ، أو تأخذ سبيل

للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنيل من الاسلام..

وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقدر وجهة نظر عمر رضي الله عنه ، ولكنه أيضا

كان واثقا من نفسه ومن أمانته ، وكان لا يريد أن يكتم من الحديث والعلم ما يعتقد

أن كتمانه اثم وبوار.

وهكذا لم يكن يجد فرصة لافراغ ما في صدره من حديث سمعه ووعاه الا حدث وقال..


أراد مروان بن الحكم يوما أن يبلو مقدرة أبي هريرة رضي الله عنه على الحفظ ،

فدعاه اليه وأجلسه معه ، وطلب منه أن يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

في حين أجلس كاتبه وراء حجاب ، وأمره أن يكتب كل ما يقول أبو هريرة رضي الله عنه ..

وبعد مرور عام ، دعاه مروان بن الحكم مرة أخرى ، أخذ يستقرئه نفس الأحاديث التي

كان كاتبه قد سطرها ، فما نسي أبو هريرة رضي الله عنه كلمة منها . وكان يقول عن نفسه :

( ما من أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثا عنه مني ، الا ما كان من عبدالله بن

عمرو بن العاص ، فانه كان يكتب ، ولا أكتب )

وقال عنه الامام الشافعي أيضا :

( أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره )

وقال البخاري رضي الله عنه :

( روي عن أبو هريرة مدرسة كبيرة يكتب لها البقاء والخلود )

وكان أبو هريرة رضي الله عنه من العابدين الأوابين ، يتناوب مع زوجته وابنته قيام الليل كله ..

فيقوم هو ثلثه ، وتقوم زوجته ثلثه ، وتقوم ابنته ثلثله.

وهكذا لا تمر من الليل ساعة الا وفي بيت أبي هريرة رضي الله عنه عبادة وذكر وصلاة .

وفي سبيل أن يتفرغ لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عانى من قسوة

الجوع ما لم يعاني مثله أحد..

وانه ليحدثنا كيف كان الجوع يعض أمعاءه فيشد على بطنه حجرا ويعتصر كبده

بيديه ، ويسقط في المسجد وهو يتلوى حتى يظن بعض أصحابه أن به صرعا وما هو بمصروع ..

ولما أسلم لم يكن يئوده ويضنيه من مشاكل حياته سوى مشكلة واحدة لم يكن

رقأ له بسببها جفن .. كانت هذه المشكلة أمه :

فانها يومئذ رفضت أن تسلم ..

ليس ذلك وحسب ، بل كانت تؤذي ابنها في رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكره بسوء ..

وذات يوم أسمعت أبا هريرة رضي الله عنه في رسول الله صلى الله عليه وسلم

ما يكره ، فانفض عنها باكيا محزونا ، وذهب الى مسجد الرسول صلى الله

عليه وسلم ويروي رضي الله عنه بقية النبأ :

( فجئت الى رسول الله وأنا أبكي ، فقلت :

يا رسول الله ، كنت أدعو أم أبي هريرة الى الاسلام فتأبى علي ، واني

دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره ، فادع الله أن يهدي أم أبا هريرة الى الاسلام .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" اللهم اهد أم أبي هريرة "

فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله ، فلما أتيت الباب اذا هو مجاف ،

أي مغلق ، وسمعت خضخضة ماء ، ونادتني يا أبا هريرة مكانك

ثم لبست درعها ، وعجلت عن خمارها وخرجت وهي تقول :

أشهد أن لا اله الا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله..

فجئت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي من الفرح ، كما بكيت من الحزن ، وقلت :

( أبشر يا رسول الله ، فقد أجاب الله دعوتك.. قد هدى أم أبي هريرة الى الاسلام

ثم قلت يا رسول الله :

ادع الله أن يحببني وأمي الى المؤمنين والمؤمنات ) فقال :

" اللهم حبب عبيدك هذا وأمه الى كل مؤمن ومؤمنة "


وعاش أبو هريرة رضي الله عنه عابدا ، ومجاهدا ، لا يتخلف عن غزوة ولا عن طاعة.

وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاه امارة البحرين.

وعمر رضي الله عنه كما نعلم شديد المحاسبة لولاته.

اذا ولى أحدهم وهو يملك ثوبين ، فيجب أن يترك الولاية وهو لا يملك من دنياه

سوى ثوبيه .. ويكون من الأفضل أن يتركها وله ثوب واحد ..

أما اذا خرج من الولاية وقد ظهرت عليه أعراض الثراء ، فآنئذ لا يفلت من حساب

عمر رضي الله عنه ، مهما يكن مصدر ثرائه حلالا مشروعا .

دنيا أخرى .. ملاءها عمر روعة واعجازا..

وحين ولي أبو هريرة رضي الله عنه البحرين ادخر مالا ، من مصادره الحلال ، وعلم

عمر رضي الله عنه فدعاه الى المدينة..

ولندع أبو هريرة رضي الله عنه يروي لنا ما حدث بينهما من حوار سريع : ( قال لي عمر :

يا عدو الله وعدو كتابه ، أسرقت مال الله ؟

قلت :

ما أنا بعدو لله ولا عدو لكتابه ، لكني عدو من عاداهما

ولا أنا من يسرق مال الله ..

قال :

فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف ؟

قلت :

خيل لي تناسلت ، وعطايا تلاحقت ..

قال عمر : فادفعها الى بيت مال المسلمين )

ودفع أبو هريرة رضي الله عنه المال الى عمر ثم رفع يديه الى السماء

وقال :

( اللهم اغفر لأمير المؤمنين )

وبعد حين دعا عمر أبا هريرةرضي الله عنهما ، وعرض عليه الولاية من جديد ،

فأباها واعتذر عنها..

قال له عمر رضي الله عنه : ولماذا ؟

قال أبو هريرةرضي الله عنه :

( حتى لا يشتم عرضي ، ويؤخذ مالي ، ويضرب ظهري )

ثم قال :

( وأخاف أن أقضي بغير علم وأقول بغير حلم )


وذات يوم اشتد شوقه الى لقاء الله..

وبينما كان عوادده يدعون له بالشفاء من مرضه ، كان هو يلح على الله

قائلا :

( اللهم اني أحب لقاءك، فأحب لقائي )

وعن ثماني وسبعين سنة مات في العام التاسع والخمسين للهجرة

وبين ساكني البقيع الأبرار يتبوأ جثمانه الوديع مكانا مباركا..

وبينما كان مشيعوه عائدين من جنازته ، كانت ألسنتهم ترتل الكثير من الأحاديث

التي حفظها لهم عن رسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم.

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:09 PM
عبادة بن الصامت نقيب في حزب الله


هو عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي من أوائل من أسلم بالمدينة

المنورة وبايع الرسـول صلى اللـه عليه وسلم بيعتي العقبة الأولى والثانيـة ،

وهو من ضمن الاثنى عشر نقيبا الذين قاموا بنشر الإسلام بين الأوس و الخزرج

وهو واحد من الأنصار الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شعبا ، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم ، ولولا

الهجرة لكنت من أمراء الأنصار "

وفيما بعد والمشاهد تتوالى ، ومواقف التضحية والبذل والفداء تتابع ، كان

عبادة رضي الله عنه هناك لم يتخلف عن مشهد ولم يبخل بتضحية.

ومنذ اختار الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقوم على أفضل وجه بتبعات هذا الاختيار ..

كل ولائه لله ، وكل طاعته لله ، وكلا علاقته بأقربائه و بحلفائه وبأعدائه

إنما يشكلها إيمانه ويشكلها السلوك الذي يفرضه هذا الإيمان.


بني قينقاع


كانت عائلة عبادة رضي الله عنه مرتبطة بحلف قديم مع يهود بني قينقاع

بالمدينة ، ومنذ هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ،

ويهودها يتظاهرون بمسالمته ، حتى كانت الأيام التي تعقب غزوة بدر

وتسبق غزوة أحد ، فشرع يهود المدينة يتنمرون.

وافتعلت إحدى قبائل بنو قينقاع أسبابا للفتنة وللشغب على المسلمين ،

ولا يكد عبادة رضي الله عنه يرى موقفهم هذا ، حتى ينبذ إلى عهدهم

ويفسخ حلفهم قائلا : ( انما أتولى الله ، ورسوله ، والمؤمنين )

فيتنزل القرآن محييا موقفه وولاءه ، قائلا في آياته :

(( ومن يتولى الله ورسوله * والذين آمنوا * فان حزب الله هم الغالبون ))

لقد أعلنت الآية الكريمة قيام حزب الله ، وحزب الله ، هم أولئك المؤمنون

الذين ينهضون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملين راية الهدى

والحق ، والذين يشكلون امتدادا مباركا لصفوف المؤمنين الذين سبقوهم

عبر التاريخ حول أنبيائهم ورسلهم ، مبلغين في أزمانهم وأعصارهم كلمة الله الحي القيوم.

ولن يقتصر حزب الله على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، بل سيمتد

عبر الأجيال الوافدة ، والأزمنة المقبلة حتى يرث الله الأرض ومن عليها ،

ضاما الى صفوفه كل مؤمن بالله وبرسوله.

وهكذا فان الرجل الذي نزلت هذه الآية الكريمة تحيي موقفه وتشيد بولائه

وإيمانه ، لن يظل مجرد نقيب الأنصار في المدينة ، بل سيصير نقيبا من نقباء

الدين الذي ستزوى له أقطار الأرض جميعا.

و لقد أصبح عبادة بن الصامت رضي الله عنه نقيب عشيرته من الخزرج ،

رائدا من رواد الإسلام ، وإمام من أئمة المسلمين يخفق اسمه كالراية في معظم أقطار الأرض .


فضله


كان له شرف الجهاد في بدر الكبرى و ما تلاها من غزوات ، و استعمله

الرسول صلى الله عليه وسلم على بعض الصدقات وقال له :

" اتقِ الله يا أبا الوليد اتقِ لا تأتي يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء ،

أو بقرة لها خوار ، أو شاة لها ثواج "

فقال رضي الله عنه : ( يا رسـول اللـه إن ذلك كذلك ؟ )

قال صلى الله عليه وسلم :

" إي والذي نفسي بيده إن ذلك لكذلك إلا مَن رحِم الله عز وجل "

فزلزل زلزالا ، وأقسم بالله ألا يكون أميرا على أثنين أبدا ، وقال رضي الله عنه :

( فوالذي بعثك بالحق لا اعمل على اثنين أبدا ) ولقد بر بقسمه.

القرآن


كان عبادة رضي الله عنه ممن جمع القرآن في زمن رسول الله صلى الله

عليه وسلم ، وكان يُعلم أهل الصفة القرآن الكريم ، وفي عهد أبوبكر

الصديق رضي الله عنه كان أحد الذين شاركوا في جمع القرآن الكريم ،

وفي خلافة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، لم يستطع الفاروق رضي

الله عنه أن يحمله على قبول منصب ما ، إلا تعليم الناس وتفقيههم في الدين.

وهذا هو العمل الوحيد الذي آثره عبادة رضي الله عنه ، مبتعدا بنفسه

عن الأعمال الأخرى ، المحفوفة بالزهو وبالسلطان وبالثراء ، والمحفوفة

أيضا بالأخطار التي يخشاها على مصيره ودينه .

ولما فتح المسلمون الشام أرسله عمر بن الخطاب وأرسل معه معاذ بن

جبل وأبا الدرداء رضي الله عنهم ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفقهوهم

بالدين ، وأقام عبادة رضي الله عنه بحمص وأبو الدرداء رضي الله عنه

بدمشق ومعاذ رضي الله عنه بفلسطين ، ومات معاذ رضي الله عنه عام

طاعون عمواس ، وصار عبادة رضي الله عنه إلى فلسطين ، وكان عبادة

رضي الله عنه أول من ولي قضاء فلسطين .


موقفه من معاوية


كان عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو ثاو في الشام يرنو ببصره الى

ما وراء الحدود ، إلى المدينة المنورة عاصمة السلام ودار الخلافة، فيرى

فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل لم يخلق من طرازه سواه.

ثم يرتد بصره الى حيث يقيم ، في فلسطين ، فيرى معاوية بن أبي سفيان

رضي الله عنه ، رجل يحب الدنيا ، ويعشق السلطان.

وعبادة رضي الله عنه من الرعيل الأول الذي عاش خير حياته وأعظمها

وأثراها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ..

الرعيل الذي صهره النضال وصقلته التضحية، وعانق الإسلام رغبا لا رهبا وباع نفسه وماله لله ...

عبادة رضي الله عنه من الرعيل الذي رباه محمد صلى الله عليه وسلم

بيديه ، وأفرغ عليه من روحه ونوره وعظمته ..

وإذا كان هناك من الأحياء مثل أعلى للحاكم يملأ نفس عبادة رضي الله عنه

روعة ، وقلبه ثقة ، فهو ذلك الرجل الشاهق الرابض هناك في المدينة..

عمر بن الخطاب رضي الله عنه ..

فإذا مضى يقيس تصرفات معاوية بهذا المقياس ، فستكون الشقة بين الاثنين واسعة ، وسيكون الصراع محتوما ، وقد كان .

يقول عبادة رضي الله عنه :

( بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نخاف في الله لومة لائم )

وعبادة رضي الله عنه خير من يفي بالبيعة ، وإذن فهو لن يخشى معاوية

رضي الله عنه بكل سلطانه ، وسيقف بالمرصاد لكل أخطائه.

ولقد شهد أهل فلسطين يومئذ عجبا ، وترامت أنباء المعارضة الجسورة

التي يشنها عبادة على معاوية رضي الله عنهما إلى أقطار كثيرة من بلاد الإسلام فكانت قدوة ونبراسا.

وعلى الرغم من الحلم الواسع الرحيب الذي اشتهر به معاوية رضي الله عنه

فقد ضاق صدره بمواقف عبادة رضي الله عنه ، ورأى فيها تهديدا مباشرا لهيبة سلطانه.

ورأى عبادة رضي الله عنه من جانبه أن مسافة الخلف بينه وبين معاوية

رضي الله عنه تزداد وتتسع ، فقال لمعاوية رضي الله عنه :

( والله لا أساكنك أرضا واحدة أبدا ) وغادر فلسطين إلى المدينة.

كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، عظيم الفطنة ، بعيد النظر ، وكان

حريصا على ألا يدع أمثال معاوية رضي الله عنه من الولاة الذين يعتمدون

على ذكائهم ويستعملونه بغير حساب دون أن يحيطهم بنفر من الصحابة

الورعين الزاهدين والنصحاء المخلصين ، كي يكبحوا جماح الطموح والرغبة

لدى أولئك الولاة ، وكي يكونوا لهم وللناس تذكرة دائمة بأيام الرسول صلى الله عليه وسلم وعهده .

من أجل هذا لم يكد أمير المؤمنين يبصر عبادة بن الصامت رضي الله عنهما

وقد عاد الى المدينة حتى ساله :

( ما الذي جاء بك يا عبادة )

ولما قص عليه ما كان بينه وبين معاوية قال له عمر رضي الله عنه :

( ارجع الى مكانك ، فقبح الله أرضا ليس فيها مثلك )

ثم أرسل عمر الى معاوية رضي الله عنهما كتابا يقول فيه :

( لا إمرة لك على عبادة )

أجل ان عبادة أمير نفسه...

وحين يكرم عمر الفاروق رضي الله عنه رجلا مثل هذا التكريم ، فانه يكون عظيما..

وقد كان عبادة رضي الله عنه عظيما في إيمانه، وفي استقامة ضميره وحياته...


الهدية


أهديت لعبادة بن الصامت رضي الله عنه هدية ، وإن معه في الدار اثني عشر

أهل بيت ،فقال عبادة رضي الله عنه :

( اذهبوا بهذه إلى آل فلان فهم أحوج إليها منا )

فما زالوا كلما جائت إلى أهلِ بيت يقولون :

( اذهبوا إلى آل فلان ، هم أحوج إليه منا )

حتى رجعت الهدية إليه قبل الصبح .


بطولته




أما بطولته العسكرية فقد تجلت في مواطن كثيرة ، فعندما طلب عمرو بن

العاص رضي الله عنه مددا من الخليفة لاتمام فتح مصر أرسل اليه أربعة

آلاف رجل على رأس كل منهم قائد حكيم وصفهم الخليفة رضي الله عنه قائلا :

( اني أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجل منهم رجل بألف رجل )

وكان عبادة بن الصامت رضي الله عنه واحدا من هؤلاء الأربعة الأبطال .


بطولته في فتح مصر


لقد تجلت مهارته كذلك في مفاوضاته للمقوقس حاكم مصر ، ولم يتزحزح عن

شروطه التي عرضها عليه بالاسلام أو الجزية أو القتال ، فحاول المقوقس

أن يطلب من الوفد المفاوض أن يختاروا واحدا غيره فلم يرضوا بغيره بديلا واستؤنف القتال .

وتم فتح مصر وكان فتح الاسكندرية على يديه اذ أنها عاصمة مصر آنذاك


بطولته في فتح قبرص

عندما توجهت جيوش المسلمين بحرا لفتح جزيرة قبرص عام ( 28هجري \ 648م )

كان عبادة بن الصامت و زوجته أم حرام بنت ملحان رضي الله عنهما من بينهم

وتحقق للمسلمين النصر وظفر عدد غير قليل من المسلمين بالشهادة ومن بينهم

أم حرام رضي الله عنها التي استشهدت فور نزولها على البر فدفنت في الجزيرة .

ولايزال قبرها حتى الآن يعرف بقبر المرأة الصالحة .


وفاته


لما حضرت عبادة رضي الله عنه الوفاة قال :

( أخرجوا فراشي إلى الصحن -أي الدار- )

ثم قال رضي الله عنه :

( اجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ، ومن كان يدخل علي )

فجمعوا له ، فقال رضي الله عنه :

( إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا ، وأول ليلة من

الآخرة ، وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني

شيء ، وهو والذي نفس عبادة بيده القصاص يوم القيامة ، وإحرج على

أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي )

فقالوا : ( بل كنت مؤدبا )

قال رضي الله عنه : ( اللهم اشهد )

ثم قال رضي الله عنه :

( أما لا فاحفظوا وصيتي :

أحرج على انسانٍ منكم يبكي علي ، فإذا خرجت نفسي فتوضؤوا وأحسنوا

الوضوء ، ثم ليدخل كل انسان منكم المسجد فيصلي ثم يستغفر لعبادة ولنفسه ،

فإن الله تبارك وتعالى قال :

(( واستعينوا بالصبرِ والصلاة ))

ثم أسرعوا بي إلى حفرتي ، ولا تتبعني نارا ، ولا تضعوا تحتي أرجوانا )

و توفي عبادة رضي الله عنه، وكان ذلك في العام الرابع والثلاثين أو خمس

وأربعين من الهجرة ..في فلسطين بمدينة الرملة ، تاركا في الحياة عبيره وشذاه .

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:11 PM
سعد بن عبادة حامل راية الأنصار




هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة سيد الخزرج ( أبو قيس )

ولا يذكر سعد بن معاذ الا ويذكر معه سعد بن عبادة ، فالاثنان زعيما أهل المدينة..

سعد بن معاذ زعيم الأوس ..

وسعد بن عبادة زعيم الخزرج ..

وكلاهما أسلم مبكرا ، وشهد بيعة العقبة ، وعاش الى جوار رسول الله

صلى الله عليه وسلم جنديا مطيعا ، ومؤمنا صدوقا ..

ولعل سعد بن عبادة ينفرد بين الأنصار جميعا بأنه حمل نصيبه من تعذيب

قريش الذي كانت تنزله بالمسلمين في مكة.



تعذيب قريش له


لقد كان طبيعيا أن تنال قريش بعذابها أولئك الذين يعيشون بين ظهرانيها ، ويقطنون مكة ..

أما أن يتعرض لهذا العذاب رجل من المدينة ، وهو ليس بمجرد رجل بل زعيم

كبير من زعمائها وساداتها ، فتلك ميزة قدر لابن عبادة رضي الله عنه أن ينفرد بها ..

وذلك بعد أن تمت بيعة العقبة سرا ، وأصبح الأنصار يتهيئون للسفر ، علمت

قريش بما كان من مبايعة الأنصار واتفاقهم مع الرسول صلى الله عليه

وسلم الى الهجرة الى المدينة حيث يقفون معه ومن ورائه ضد قوى الشرك والظلام ..

وجن جنون قريش فراحت تطارد الركب المسافر حتى أدركت من رجاله

سعد بن عبادة رضي الله عنه فأخذه المشركون ، وربطوا يديه الى عنقه

بشراك رحله وعادوا به الى مكة ، حيث احتشدوا حوله يضربونه وينزلون به ما شاءوا من العذاب ..

وهو الذي طالما أجار مستجيرهم ، وحمى تجارتهم ، وأكرم وفادتهم

حين يذهب منهم الى المدينة ذاهب.

لقد كان الذين اعتقلوه ، والذين ضربوه لا يعرفونه ولا يعرفون مكانته

في قومه .. ولكن أتراهم كانوا تاركيه لو عرفوه ؟

ألم ينالوا بتعذيبهم سادة مكة الذين أسلموا ؟

ان قريشا في تلك الأيام كانت مجنونة ، ترى كل مقدرات جاهليتها تتهيأ

للسقوط تحت معاول الحق ، فلم تعرف سوى اشفاء أحقادها نهجا وسبيلا

أحاط المشركون بسعد بن عبادة رضي الله عنه ضاربين ومعتدين ..

و يحكي سعدا رضي الله عنه بقية النبأ :

( فوالله اني لفي أيديهم اذ طلع علي نفر من قريش ، فيهم رجل وضيء ،

أبيض، فقلت في نفسي : إن يك عند أحد من القوم خير ، فعند هذا.

فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة ..

فقلت في نفسي : لا والله ، ما عندهم بعد هذا من خير ..

فوالله اني لفي أيديهم يسحبونني اذ أوى الي رجل ممن كان معهم

فقال : ويحك ، اما بينك وبين أحد من قريش جوار ..؟

قلت : بلى .. كنت أجير لجبير بن مطعم تجارة ، وأمنعهم ممن يريد

ظلمهم ببلادي ، وكنت أجير للحارث بن حرب بن أمية ..

قال الرجل : فاهتف باسم الرجلين ، واذكر ما بينك وبينهما من جوار ،

ففعلت .. وخرج الرجل اليهما ، فأنبأهما أن رجلا من الخزرج يضرب

بالأبطح ، وهو يهتف باسميهما ، ويذكر أن بينه وبينهما جوارا ..

فسألاه عن اسمي .. فقال سعد بن عبادة ..

فقالا : صدق والله ، وجاءا فخلصاني من أيديهم )

غادر سعد رضي الله عنه بعد هذا العدوان الذي صادفه في أوانه

ليعلم كم تتسلح قريش بالجريمة ضد قوم عزل ، يدعون الى الخير ،

والحق والسلام ، ولقد شحذ هذا العدوان ، وقرر أن يتفانى في نصرة

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأصحاب والاسلام ..


جوده وكرمه




كان سعد بن عبادة رضي الله عنه مشهورا بالجود والكرم هو وأبوه

وجده وولده ، وكان لهم أطم ( بيت مربع مسطح ) يُنادى عليه كل

يوم : ( من أحب الشحم واللحم فليأتِ أطم دُليم بن حارثة )

وعندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة ، وهاجر قبله

أصحابه ، سخر سعد رضي الله عنه أمواله لخدمة المهاجرين .. ولقد كان جوادا بالفطرة وبالوراثة ..

فهو ابن عبادة بن دليم بن حارثة الذي كانت شهرة جوده في الجاهلية أوسع من كل شهرة ..

ولقد صار جود سعد رضي الله عنه في الاسلام آية من آيات ايمانه القوي

الوثيق ، قال الرواة عن جوده هذا :

" كانت جفنة سعد تدور مع النبي صلى اله عليه وسلم في بيوته جميعا " وقالوا :

" كان الرجل من الأنصار ينطلق الى داره ، بالواحد من المهاجرين ، أو بالاثنين

أو بالثلاثة ، وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين "

من أجل هذا ، كان سعد رضي الله عنه يسأل ربه دائما المزيد من خيره ورزقه وكان يقول :

( اللهم انه لا يصلحني القليل ، ولا أصلح عليه )

ومن أجل هذا كان خليقا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له :

" اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة "

ولم يضع سعد رضي الله عنه ثروته وحدها في خدمة الاسلام الحنيف ، بل وضع قوته ومهارته..

فقد كان يجيد الرمي إجادة فائقة ، وفي غزواته مع رسول الله صلى الله

عليه وسلم كانت فدائيته حازمة وحاسمة.

يقول ابن عباس رضي الله عنهما :

( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المواطن كلها رايتان

مع علي ابن أبي طالب راية المهاجرين

ومع سعد بن عبادة ، راية الأنصار )


الخُلق الصالح





جاء سعد بن عبادة وابنه قيس بن سعد رضي الله عنهما بزاملة تحمل زادا ،

يؤمان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ضلت زاملتهُ صلى الله عليه وسلم

في حجة الوداع ، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا عند باب منزله ،

فقد أتى الله بزاملته ، فقال سعد رضي الله عنه :

( يا رسول الله بلغنا أن زاملتَك ضلت مع الغلام وهذه زاملة مكانها )

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" قد جاء الله بزاملتِنا ، فارجعا بزاملتكما بارك الله عليكما ، أما يكفيك يا

أبا ثابت ما تصنع بنا في ضيافتك منذ نزلنا المدينة "

قال سعد رضي الله عنه :

( يا رسول الله المنة لله ولرسوله ، والله يا رسول الله للذي تأخذ من أموالنا أحب إلينا من الذي تدع )

قال صلى الله عليه وسلم :

" صدقتم يا أبا ثابت ، أبشرفقد أفلحت ، إن الأخلاق بيد الله ، فمن أراد أن

يمنحَه منها خُلقا صالحا منحه ، ولقد منحك الله خُلقا صالحا "

فقال سعد رضي الله عنه : ( الحمد لله هو فعل ذلك )


شخصيته





أن الشدة كانت طابع هذه الشخصية القوية ، فهو شديد في الحق

وشديد في تشبثه بما يرى لنفسه من حق و شديد التثبت باقتناعه ،

وممعن في الاصرار على صراحته ووضوحه..

واذا اقتنع بأمر نهض لاعلانه في صراحة لا تعرف المداراة ، وتصميم لا يعرف المسايرة ..

وهذه الشدة هي التي دفعت زعيم الأنصار الكبير الى مواقف كانت عليه أكثر مما كانت له..

ويدلنا على هذه السجية فيه ، مواقف له بين يدي رسول الله صلى

الله عليه وسلم و في يوم السقيفة .


موقفه يوم الفتح


في يوم فتح مكة ، جعله الرسول صلى الله عليه وسلم أميرا على فيلق

من جيوش المسلمين ..

ولم يكد يشارف أبواب البلد الحرام حتى صاح :

( اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة )

وسمعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسارع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا :

( يا رسول الله .. اسمع ما قال سعد بن عبادة .. ما نأمن أن يكون له في قريش صولة )

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه أن يدركه ، ويأخذ الراية منه ، ويتأمر مكانه ..

إن سعدا رضي الله عنه حين رأى مكة مذعنة مستسلمة لجيش الاسلام الفاتح

تذكر كل صور العذاب الذي صبته على المؤمنين ، وعليه هو ذات يوم ..

وتذكر الحروب التي سنتها على قوم ودعاة ، كل ذنبهم أنهم يقولون

لا اله الا الله ، فدفعته شدته الى الشماتة بقريش وتوعدها يوم الفتح العظيم .


موقفه يوم حنين




بعد غزوة حنين وحين انتهى المسلمون من تلك الغزوة ظافرين ، راح رسول

الله صلى الله عليه وسلم يوزع غنائمها على المسلمين ، واهتم يومئذ اهتماما

خاصا بالمؤلفة قلوبهم ، وهم أولئك الأشراف الذين دخلوا الاسلام من قريب ،

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يساعدهم على أنفسهم بهذا التألف ،

كما أعطى ذوي الحاجة من المقاتلين.

وأما أولو الاسلام المكين ، فقد وكلهم الى اسلامهم ، ولم يعطهم من غنائم هذه الغزوة شيئا ..

كان عطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مجرد عطائه ، شرفا يحرص عليه جميع الناس ..

وكانت غنائم الحرب قد أصبحت تشكل دخلا هاما تقوم عليه معايش المسلمين

وهكذا تساءل الأنصار في مرارة :

لماذا لم يعطهم رسول الله حظهم من الفيء والغنيمة ؟

ورأى زعيم الأنصار سعد بن عبادة رضي الله عنه وسمع قومه يتهامس

بعضهم بهذا الأمر ، فلم يرضه هذا الموقف ، واستجاب لطبيعته الواضحة

المسفرة الصريحة ، وذهب من فوره الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :

( يا رسول الله ان هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ،

لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت..

قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ، ولم يك في

هذا الحي من الأنصار منها شيء )

هكذا قال الرجل الواضح كل ما في نفسه ، وكل ما في أنفس قومه ،

وأعطى الرسول صلى الله عليه وسلم صورة أمينة عن الموقف..

وسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" وأين أنت من ذلك يا سعد "

أي اذا كان هذا رأي قومك ، فما رايك أنت ؟

فأجاب سعد رضي الله عنه بنفس الصراحة قائلا :

( ما أنا الا من قومي )

هنالك قال له النبي صلى الله عليه وسلم :

" اذن فاجمع لي قومك "

جمع سعد رضي الله عنه قومه من الأنصار ، وجاءهم رسول الله صلى

الله عليه وسلم ، فتملى وجوههم الآسية ، وابتسم ابتسامة متألقة

بعرفان جميلهم وتقدير صنيعهم ثم قال :

" يا معشر الأنصار ، مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في

أنفسكم ألم آتكم ضلالا فهداكم الله ؟

وعالة فأغناكم الله..

وأعداء ، فألف الله بين قلوبكم "

قالوا : بلى الله ورسوله أمن وأفضل

قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" ألا تجيبونني يا معشر الأنصار "

قالوا : بم نجيبك يا رسول الله ولرسوله المن والفضل

قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" أما والله لو شئتم لقلتم ، فلصدقتم وصدقتم :

أتيتنا مكذوبا ، فصدقناك..

ومخذولا ، فنصرناك ...

وعائلا ، فآسيناك ..

وطريدا ، فآويناك ..

أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت

بها قوما ليسلموا ، ووكلتم الى إسلامكم ..

ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا

أنتم برسول الله الى رحالكم ..

فوالذي نفسي بيده ، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ..

ولو سلك الناس شعبا لسلكت شعب الأنصار ..

اللهم ارحم الأنصار ..

وأبناء الأنصار ..

وأبناء أبناء الأنصار "

هنالك بكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم ، فقد ملأت كلمات الرسول

صلى الله عليه وسلم أفئدتهم سلاما ، وأرواحهم ثراء ، وأنفسهم عافية

وصاحوا جميعا وسعد بن عبادة رضي الله عنه معهم :

" رضينا برسول الله قسما وحظا "


موقفه يوم السقيفة





ولما قبض الرسول صلى الله عليه وسلم انحاز بعض الأنصار إلى سعد بن

عبادة رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة منادين بأن يكون خليفة

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و كانت خلافة رسول الله صلى الله عليه

وسلم شرفا لذويه في الدنيا والآخرة ..

ومن ثم أراد هذا الفريق من الأنصار أن ينالوه ويظفروا به ولكن لأن الرسول

صلى الله عليه وسلم قد استخلف أبا بكر رضي الله عنه الصلاة أثناء مرضه

فهم الصحابة أن هذا الاستخلاف مؤيدا لخلافة أبي بكر رضي الله عنه وتزعم

عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الرأي .

وسارع أبوبكر وعمر وأبوعبيدة بن الجراح رضي الله عنهم إلى الأنصار ،

واشتد النقاش حول أحقية الخلافة ، وخطب أبوبكر الصديق رضي الله عنه

خطبة بين فيها فضل المهاجرين والأنصار وقال في خاتمتها :

( هذا عمر وهذا أبوعبيـدة فأيهما شئتـم فبايعـوا )

فقال الاثنان : ( لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك )

ثم قال عمر رضي الله عنه : ( ابسط يدك نبايعك )

فسبقهما بشير بن سعد رضي الله عنه وهو من كبار الأنصار وبايع أبا بكر

وتلاه عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما ، فقام الحاضرون من الأنصار والمهاجرين

فبايعوه وفي اليوم التالي اجتمع المسلمون في المسجد وبايعوه بيعة عامة .


وفاته


في الأيام الأولى من خلافة عمر رضي الله عنه ذهب سعد رضي الله عنه الى

أمير المؤمنين ، وبنفس صراحته المتطرفة قال له :

( كان صاحبك أبو بكر ، والله ، أحب الينا منك ، وقد والله أصبحت كارها لجوارك )

وفي هدوء أجابه عمر رضي الله عنه :

( إن من كره جوار جاره ، تحول عنه )

وعاد سعد رضي الله عنه فقال :

( اني متحول الى جوار من هو خير منك )

ما كان سعد رضي الله عنه بكلماته هذه لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه

ينفس عن غيظ ، أو يعبر عن كراهية ..

فإن من رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا ، لا يرفض الولاء

لرجل مثل عمر رضي الله عنه ، طالما رآه موضع تكريم الرسول صلى الله

عليه وسلم وحبه ، انما أراد سعد رضي الله عنه وهو واحد من الأصحاب الذين نعتهم القرآن بأنهم رحماء بينهم ..

ألا ينتظر ظروفا ، قد تطرأ بخلاف بينه وبين أمير المؤمنين ، خلاف لا يريده ،

ولا يرضاه .. وشد رحاله الى الشام .

وما كاد يبلغها وينزل أرض حوران حتى دعاه أجله ، وأفضى الى جوار ربه الرحيم سنة ( 14 هـ )

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:13 PM
أُبي بن كعب سيد المسلمين


هو أُبي بن كعب بن قيس بن عبيدالنجار أبو منذر الأنصاري الخزرجي

كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود ، مطلعا على الكتب القديمة ولما

أسلم كان في كتاب الوحي ، شهد العقبـة و بدرا وبقية المشاهـد وجمع

القرآن في حياة الرسـول صلى الله عليه وسلم وكان رأسا في العلم

وبلغ في المسلمين الأوائل منزلة رفيعة ، حتى قال عنه عمر بن الخطاب

رضي الله عنه : ( أبي سيد المسلمين )



كتابة الوحي


كان أُبي بن كعب رضي الله عنه في مقدمة الذين يكتبون الوحي ويكتبون

الرسائل ، وكان في حفظه القرآن وترتيله وفهم أياته من المتفوقين ، قال

له رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" يا أُبي بن كعب ، اني أمرت أن أعرض عليك القرآن "

وأُبي رضي الله عنه يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انما يتلقى

أوامره من الوحي هنالك سأل الرسول الكريم في نشوة غامرة :

( يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، وهل ذكرت لك باسمي ؟ )

فأجاب الرسول صلى الله عليه وسلم :

" نعم ، باسمك ونسبك في الملأ الأعلى "

كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " أقـرأ أمتي أُبي "



علمه


سأله النبي صلى الله عليه وسلم يوما :

" يا أبا المنذر ، أي أية من كتاب الله أعظم ؟ "

فأجاب رضي الله عنه قائلا : ( الله ورسوله أعلم )

وأعاد النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله :

" يا أبا المنذر ، أي أية من كتاب الله أعظم ؟ "

وأجاب أُبي رضي الله عنه : ( الله لا اله الا هو الحي القيوم )

فضرب الرسول صلى الله عليه وسلم صدره بيده ، وقال له والغبطة

تتألق على محياه : " ليُهنِكَ العلم أبا منذر "

وعن أُبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى

بالناس ، فترك آية فقال : " أيكم أخذ علي شيئا من قراءتي ؟ "

فقال أُبي رضي الله عنه : ( أنا يا رسول الله ، تركتَ آية كذا وكذا )

فقال النبي صلى الله عليه وسلم :

" قد علمتُ إن كان أحد أخذها علي فإنك أنت هو"

وقال أُبي بن كعب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما :

( يا أمير المؤمنين إني تلقيتُ القرآن ممن تلقاه من جبريل وهو رطب )



زهده


كان أُبي رضي الله عنه اذا تحدث للناس استشرفته الأعناق والأسماع في

شوق واصغاء ، ذلك أنه من الذين لم يخافوا في الله أحدا ، ولم يطلبوا من الدنيا غرضا..

عن جُندب بن عبد الله البجلي قال :

أتيت المدينة ابتغاء العلم ، فدخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا

الناس فيه حلَق يتحدثون ، فجعلت أمضـي الحلق حتى أتيت حلقـة فيها رجل

شاحب عليه ثوبان كأنما قـدم من سفرفسمعته يقول :

( هلك أصحاب العُقـدة ورب الكعبـة ، ولا آسى عليهم )

أحسبه قال مرارا ..

فجلست إليه فتحدث بما قضي له ثم قام ، فسألت عنه بعدما قام قلت : من هذا ؟

قالوا : هذا سيد المسلمين أُبي بن كعب

فتبعته حتى أتى منزله ، فإذا هو رث المنزل رث الهيئة ، فإذا هو رجل زاهد

منقطع يشبه أمره بعضه بعضا .



ورعه وتقواه


قال أُبي بن كعب رضي الله عنه :

( يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لك في صلاتي ؟ )

قال صلى الله عليه وسلم : " ما شئت ، وإن زدت فهو خير"

قال : ( الربـع ؟ )

قال صلى الله عليه وسلم : " ما شئـت ، وإن زدت فهو خير"

قال : ( أجعل النصـف ؟ )

قال : " ما شئـت ، وإن زدت فهو خير "

قال : ( الثلثيـن ؟ )

قال : " ما شئـت ، وإن زدت فهو خير"

قال : ( اجعـل لك صلاتي كلها ؟ )

قال : " إذا تُكفـى همك ويغفر ذنبك "

وبعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى ، ظل أُبي

رضي الله عنه على عهده في عبادته وقوة دينه ، وكان دوما يذكر

المسلمين بأيام الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول :

( لقد كنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوهنا واحدة ، فلما فارقنا اختلفت وجوهنا يمينا وشمالا )

وعن الدنيا يتحدث ويقول :

( ان طعام ابن آدم ، قد ضرب للدنيا مثلا ، فان ملحه وقذحه فانظر الى ماذا يصير ؟ )

وحين اتسعت الدولة الاسلامية ورأى المسلمين يجاملون ولاتهم ، أرسل كلماته المنذرة :

( هلكوا ورب الكعبة ، هلكوا وأهلكوا ، أما اني لا آسى عليهم ، ولكن آسى على من يهلكون من المسلمين )

وكان أكثر ما يخشاه هو أن يأتي على المسلمين يوما يصير بأس أبنائهم بينهم شديد .



وقعة الجابية


شهد أُبـي بن كعـب مع عمـر بن الخطاب رضي الله عنهما وقعة الجابيـة ،

التي نزل بها عمر رضي الله عنه قبل توجهه الى بيت المقدس وخطب

بالجابية خطبة طويلة بليغة ، وقد قال في خطبته :

( أيها الناس من كان يريـد أن يسأل عن القرآن فليأت أبـي بن كعـب )

ثم صالح أهل الجابية ورحل إلى بيت المقدس .



الدعوة المجابة





عن ابن عباس رضي الله عنه قال ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :

( اخرجوا بنا إلى أرض قومنا )

قال : فخرجنا فكنت أنا وأُبي بن كعب في مؤخر الناس ، فهاجت سحابة ،

فقال أُبي : ( اللهم اصرف عنا أذاها )

فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم ، فقال عمر رضي الله عنه :

( أما أصابكم الذي أصابنا ؟ )

قلت : ( إن أبا المنذر دعا الله عز وجل أن يصرف عنا أذاها )

فقال عمر رضي الله عنه : ( ألا دعوتم لنا معكم )


الوصية


قال رجل لأُبي بن كعب رضي الله عنه : ( أوصني يا أبا المنذر ) قال رضي الله عنه :

( لا تعترض فيما لا يعنيك ، واعتزل عدوك ، واحترس من صديقك ، ولا تغبطن

حيا إلا بما تغبطه به ميتا ، ولا تطلب حاجة إلى من لا يبالي ألا يقضيها لك )


مرضه


عن عبـد اللـه بن أبي نُصير رضي الله عنه قال : عُدنا أُبي بن كعـب في مرضه ،

فسمع المنادي بالأذان فقال رضي الله عنه : ( الإقامة هذه أو الأذان ؟ )

قلنا : الإقامـة

فقال رضي الله عنه : ( ما تنتظرون ؟ ألا تنهضون إلى الصلاة ؟ )

فقلنا : ما بنا إلا مكانك

قال رضي الله عنه :

( فلا تفعلوا قوموا ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بنا صلاة الفجر ،

فلما سلم أقبل على القوم بوجهه فقال :

" أشاهد فلان ؟ أشاهد فلان "

حتى دعا بثلاثة كلهم في منازلهم لم يحضروا الصلاة فقال :

" إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيهما

لأتوهما ولو حبوا ، واعلم أن صلاتك مع رجل أفضل من صلاتك وحدك ، وإن

صلاتك مع رجلين أفضل من صلاتك مع رجل ، وما أكثرتم فهو أحب إلى الله ،

وإن الصف المقدم على مثل صف الملائكة ، ولو يعلمون فضيلته لابتدروه ، ألا

وإن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده أربعا وعشرين أو خمسا وعشرين "


قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" ما من شيء يصيب المؤمن في جسده إلا كفَر الله عنه به من الذنوب "

فقال أُبي بن كعب رضي الله عنه :

( اللهم إني أسألك أن لا تزال الحمى مُضارعة لجسد أُبي بن كعب حتى يلقاك ،

لايمنعه من صيام ولا صلاة ولا حج ولا عُمرة ولا جهاد في سبيلك )

فارتكبته الحمى فلم تفارقه حتى مات ، وكان في ذلك يشهد الصلوات ويصوم ويحج ويعتمر ويغزو .


وفاته


توفـي رضي اللـه عنه سنة ( 30هـ ) ، يقول عُتي السعـدي :

قدمت المدينة في يـوم ريح وغبرة ، وإذا الناس يموج بعضهم في بعـض ،

فقلت : ما لي أرى الناس يموج بعضهم في بعض .

فقالـوا : أما أنـت من أهل هذا البلـد ؟

قلت : لا

قالوا : مات اليـوم سيد المسلمين ، أُبي بن كعب

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:14 PM
أسيد بن حضير بطل يوم السقيفة


لقد ورث اسيد بن حضير رضي الله عنه المكارم كابرا عن كابر فأبوه حضير

الكتائب كان زعيم الأوس ، وكان واحدا من كبار أشراف العرب في الجاهلية ، ومقاتليهم الأشداء..

وورث أسيد عن أبيه مكانته ، وشجاعته وجوده ، فكان قبل أن يسلم ، واحدا

من زعماء المدينة وأشراف العرب ، ورماتها الأفذاذ..

فلما اصطفاه الاسلام ، وهدي الى صراط العزيز الحميد ، تناهى عزه ، وتسامى

شرفه، يوم أخذ مكانه ، وأصبح واحدا من انصار الله وأنصار رسوله ، ومن

السابقين الى الاسلام العظيم وأحد الاثني عشـر نقيبا حيث شهد العقبـة الثانية ،

وشهد أحدا وثبت مع الرسـول صلى الله عليه وسلم حيث انكشف الناس عنه

وأصيب بسبع جراحات .


إسلامه


لقد كان اسلامه يوم أسلم سريعا ، وحاسما وشريفا..

فعندما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه الى

المدينة ليعلم ويفقه المسلمين من الأنصار الذين بايعوه وليدعو غيرهم الى دين الله.

يومئذ جلس أسيد بن حضير ، وسعد بن معاذ ، وكانا زعيمي قومما ، يتشاوران

في أمر هذا الغريب الذي جاء من مكة يسفه دينهما ، ويدعو إلى دين جديد لا يعرفونه ..

وقال سعد لأسيد : ( انطلق الى هذا الرجل فازجره )

فحمل أسيد حربته ، وأغذ السير الى حيث كان مصعب في ضيافة أسعد بن زرارة

من زعماء المدينة الذين سبقوا الى الاسلام.

وعند مجلس مصعب وأسعد بن زرارة رضي الله عنهما رأى أسيد جمهرة من الناس

تصغي في اهتمام للكلمات الرشيدة التي يدعوهم بها الى الله، مصعب بن عمير ..

وفجأهم أسيد بغضبه وثورته ..

وقال له مصعب رضي الله عنه :

( هل لك في أن تجلس فتسمع ، ان رضيت أمرنا قبلته ، وإن كرهته، كففنا عنك ما تكره )

وكان أسيد رضي الله عنه مستنير العقل ذكي القلب حتى لقبه أهل المدينة

( بالكامل ) وهو لقب كان يحمله أبوه من قبله..

فلما رأى مصعبا رضي الله عنه يحتكم به الى المنطق والعقل ، غرس حربته في

الأرض ، وقال : ( لقد أنصفت هات ما عندك )

وراح مصعب رضي الله عنه يقرأ عليه من القرآن ، ويفسر له دعوة الدين الجديد

الدين الحق الذي أُمر محمد عليه الصلاة والسلام بتبليغه ونشر رايته.

ويقول الذين حضروا هذا المجلس :

والله لقد عرفنا في وجه أسيد الاسلام قبل أن يتكلم عرفناه في اشراقه

وتههله ولم يكد مصعب رضي الله عنه ينتهي من حديثه حتى صاح أسيد رضي الله عنه مبهورا :

( ما أحسن هذا الكلام وأجمله ، كيف تصنعون اذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ )

قال له مصعب رضي الله عنه :

( تطهر بدنك ، وثوبك ، وتشهد شهادة الحق ، ثم تصلي )

إن شخصية أسيد رضي الله عنه شخصية مستقيمة قوية وناصعة ،

وهي اذ تعرف طريقها ، لا تتردد لحظة أمام ارادتها الحازمة ..

ومن ثم قام أسيد رضي الله عنه في غير إرجاء ولا إبطاء ليستقبل الدين

الذي انفتح له قلبه ، وأشرقت به روحه ، فاغتسل وتطهر ، ثم سجد لله

رب العالمين ، معلنا إسلامه ، مودعا أيام وثنيته ، وجاهليته .

كان على أسيد أن يعود لسعد بن معاذ رضي الله عنهما ، لينقل اليه

أخبار المهمة التي كلفه بها ، مهمة زجر مصعب بن عمير رضي الله عنه واخراجه ..

وعاد الى سعد رضي الله عنهما وما كاد يقترب من مجلسه، حتى قال

سعد رضي الله عنه لمن حوله :

( أقسم لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به )

أجل ..

لقد ذهب بوجه طافح بالمرارة ، والغضب والتحدي ..

وعاد بوجه تغشاه السكينة والرحمة والنور ..

وقرر أسيد أن يستخدم ذكاءه قليلا ، انه يعرف أن سعد بن معاذ رضي

الله عنه مثله تماما في صفاء جوهره ومضاء عزمه، وسلامة تفكيره وتقديره ..

ويعلم أنه ليس بينه وبين الاسلام سوى أن يسمع ما سمع هو من كلام الله ،

الذي يحسن ترتيله وتفسيره سفير الرسول صلى الله عليه وسلم اليهم

مصعب بن عمير رضي الله عنه ..

لكنه لو قال لسعد رضي الله عنه : اني أسلمت ، فقم وأسلم ، لكانت مجابهة

غير مأمونة العاقبة اذن فعليه أن يثير حمية سعد بطريقة تدفعه الى مجلس

مصعب رضي الله عنه حتى يسمع ويرى فقد كان مصعب رضي الله عنه ينزل

ضيفا على أسعد بن زرارة وهو ابن خالة سعد بن معاذ رضي الله عنهما ،

هنالك قال أسيد لسعد رضي الله عنهما :

( لقد حدثت أن بني الحارثة قد خرجوا الى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وهم يعلمون أنه ابن خالتك )

وقام سعد رضي الله عنه، تقوده الحمية والغضب ، وأخذ الحربة ، وسار مسرعا

الى حيث أسعد ومصعب رضي الله عنهما ، ومن معهما من المسلمين ..

ولما اقترب من المجلس لم يجد ضوضاء ولا لغطا ، وإنما هي السكينة تغشى

جماعة يتوسطهم مصعب بن عمير رضي الله عنه ، يتلو آيات الله في خشوع ، وهم يصغون اليه في اهتمام عظيم ..

هنالك أدرك الحيلة التي نسجها له أسيد رضي الله عنه لكي يحمله على السعي

إلى هذا المجلس ، وإلقاء السمع لما يقوله سفير الاسلام مصعب بن عمير رضي الله عنه .

ولقد صدقت فراسة أسيد رضي الله عنه في صاحبه ، فما كاد سعد رضي الله

عنه يسمع حتى شرح الله صدره للإسلام ، وأخذ مكانه في سرعة الضوء بين المؤمنين السابقين.


قراءة القرآن


وكان الاستماع إلى صوت أسيد رضي الله عنه وهو يرتل القرآن إحدى المغانم

الكبرى ، وصوته الخاشع الباهر أحسن الناس صوتا ، قال رضي الله عنه :

( قرأت ليلة سورة البقرة ، وفرسي مربوط ويحيى ابني مضطجع قريب مني وهو

غلام ، فجالت الفرس فقمت وليس لي هم إلا ابني ، ثم قرأت فجالت الفرس فقمت

وليس لي هم إلا ابني ، ثم قرأت فجالت الفرس فرفعت رأسي فإذا شيء كهيئة

الظلة في مثل المصابيح مقبل من السماء فهالني ، فسكت

فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : " اقرأ أبا يحيى "

فقلت : ( قد قرأتُ فجالت الفرس فقمت وليس لي هم إلا ابني )

فقال صلى الله عليه وسلم : " اقرأ أبا يحيى "

فقلت : ( قد قرأت فجالت الفرس )

فقالصلى الله عليه وسلم : " اقرأ أبا يحيى "

فقلت : ( قد قرأت فرفعت رأسي فإذا كهيئة الظلة فيها المصابيح فهالني )

فقال صلى الله عليه وسلم :

" تلك الملائكة دنوا لصوتك ، ولو قرأت حتى تصبح لأصبح الناس ينظرون إليهم "


فضله


عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :

( كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

في ليلة ظلماء ، فتحدثنا عنده حتى إذا خرجا أضاءت عصا أحدهما فمشيا

في ضوئها ، فلما تفرق لهما الطريق أضاءت لكل واحد منهما عصاه فمشى في ضوئها )


القصاص


كان أسيد رضي الله عنه رجلا صالحا مليحا ، فبينما هو عند رسول الله

صلى الله عليه وسلم يحدث القوم ويضحكهم ، فطعن رسول الله صلى الله

عليه وسلم في خاصرته ، فقال : " أوجعتني "

قال صلى الله عايه وسلم : " اقتص "

قال رضي الله عنه : ( يا رسول الله عليك قميص ولم يكن علي قميص )

فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ، فاحتضنه ثم جعل يقبل

كشحته فقال : ( بأبي أنت وأمي يا رسول الله أردت هذا )


غزوة بدر


لقي أسيد بن الحضير رضي الله عنه رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم حين أقبل من بدر ، فقال :

( الحمد للـه الذي أظفرك وأقرعينك ، واللـه يا رسـول اللـه ما كان تخلفي

عن بدر ، وأنا أظن أنك تلقى عدوا ، ولكن ظننت أنها العير ، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت )

فقال رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم : " صدقت "


غزوة بني المصطلق


كان أسيد رضي الله عنه يحمل في قلبه ايمانا وثيقا ومضيئا ، وكان

إيمانه يفيء عليه من الأناة والحلم وسلامة التقدير ما يجعله أهلا للثقة

دوما ، وفي غزوة بني المصطلق تحركت مغايظ عبدالله بن أبي فقال

لمن حوله من أهل المدينة :

لقد أحللتمومهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ..

أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا الى غير دياركم ..

أما والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ..

سمع الصحابي الجليل زيد بن الأرقم رضي الله عنه هذه الكلمات ، بل

هذه السموم المنافقة المسعورة ، فكان حقا عليه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

وتألم رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ، وقابله أسيد رضي الله

عنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :

" أوما بلغك ما قال صاحبكم ؟ "

قال أسيد رضي الله عنه : ( وأي صاحب يا رسول الله ؟ )

قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " عبدالله بن أبي "

قال أسيد رضي الله عنه : ( وماذا قال ؟ )

قال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" زعم انه ان رجع الى المدينة لخرجن الأعز منها الأذل "

قال أسيد رضي الله عنه :

( فأنت والله يا رسول الله ، تخرجه منها ان شاء الله هو والله الذليل ، وأنت العزيز )

ثم قال :

( يا رسول الله ارفق به ، فوالله لقد جاءنا الله بك وان قومه لينظمون

له الخرز ليتوجوه على المدينة ملكا، فهو يرى أن الاسلام قد سلبه ملكا )

بهذا التفكير الهادئ العميق المتزن الواضح ، كان أسيد دائما يعالج القضايا ببديهة حاضرة وثاقبة.


يوم السقيفة


في يوم السقيفة ، اثر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعلن فريق من

الأنصار ، وعلى رأسهم سعد بن عبادة رضي الله عنه أحقيتهم بالخلافة ، وطال

الحوار ، واحتدمت المناقشة ، كان موقف أسيد رضي الله عنه ، وهو موقف زعيم

أنصاري كبير ، كان موقفه فعالا في حسم الموقف ، وكانت كلماته كفلق الصبح في تحديد الاتجاه.

وقف أسيد رضي الله عنه فقال مخاطبا فريق الأنصار من قومه :

( تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين ، فخليفته اذن

ينبغي أن يكون من المهاجرين ، ولقد كنا أنصار رسول الله ، وعلينا اليوم أن نكون أنصار خليفته )

وكانت كلماته ، بردا وسلاما ..



وفاته


لقد عاش أسيد بن حضير رضي الله عنه عابد ا، قانتا ، باذلا روحه وماله

في سبيل الخير ، جاعلا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار نصب عينيه :

" اصبروا حتى تلقوني على الحوض "

ولقد كان لدينه وخلقه موضع تكريم الصديق رضي الله عنه وحبه ، كذلك

كانت له نفس المكانة والمنزلة في قلب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، وفي أفئدة الصحابة جميعا.

وكان الاستماع لصوته وهو يرتل القرآن احدى المغانم الكبرى التي يحرص الصحابة عليها ..

ذلك الصوت الخاشع الباهر المنير الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم

أن الملائكة دنت من صاحبه ذات ليلة لسماعه..

وفي شهر شعبان عام عشرين للهجرة ، مات أسيد رضي الله عنه وأبى أمير

المؤمنين عمر الا أن يحمل نعشه فوق كتفه ..

وتحت ثرى البقيع وارى الصحابة جثمان مؤمن عظيم ، وعادوا الى المدينة وهم

يستذكرون مناقبه ويرددون قول الرسول صلى الله عليه وسلم عنه :

" نعم الرجل أسيد بن حضير "

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:17 PM
عبد الله بن سلام رضي الله عنه


عبد الله بن سلام بن الحارث اليهودي الأنصاري ( أبو يوسف )

من ذرية يوسف عليه السلام ، هو إمام حبر ، مشهود له بالجنـة

كان من أحبار اليهود ، وأسلم عند قدوم الرسول صلى اللـه عليه

وسلم ، وكان من فقهاء الصحابة وعُلمائها بالكتاب



نسبه


كان عبد الله بن سلام حليف الخزرج ، وكان من بني قينقاع ، وكان اسمه

الحُصين ، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم وسماه عبد الله ، ابناه يوسف

ومحمد وغيرهم ، ويوسف قد أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم فأجلسه

على حجره ومسح على رأسه ، وسماه يُوسف


إسلامه


قال عبد اللـه بن سلام رضي الله عنه :

( لما سمعت رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم عرفت صفته واسمه وزمانه

وهيئته ، والذي كنا نتوقع له ، فكنت مسرا ولذلك صامتا عليه حتى قدم

رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم المدينة ، فلما قدم نزل بقباء في بني

عمرو بن عوف ، فأقبل رجل حتى أخبر بقدومه ، وأنا في رأس نخلة لي

أعمل فيها ، وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة ، فلما سمعت الخبر

بقدوم رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم كبرت ، فقالت لي عمتي حين سمعت تكبيري :

لو كنت سمعت بموسى بن عمران قادما ما زدت ؟

قلت لها : ( أي عمة ، هو واللـه أخـو موسـى بن عمران وعلى دينـه ، بُعث بما بُعث به )

فقالت لي : أي ابن أخ ، أهو النبي الذي كنا نُخبر به أنه بُعث مع نفس الساعة )

فقلت : ( نعم )

قالت : فذاك إذا

وروى زرارة بن أوفى ، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنهما انه قال :

لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة خرجت أنظر فيمن ينظر ،

فلما رأيت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب ، وكان أول ما سمعته يقول ‏:‏

‏"‏أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس

نيام ، تدخلوا الجنة بسلام‏"

‏‏
اليهود


قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه :

( إن اليهود قوم بهت ، وإني أحب أن تدخلني في بعض بيوتك فتغيبني

عنهم ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي ،

فإنهم إن علموا بذلك بهتوني وعابوني )

قال : فأدخلني بعض بيوته ، فدخلوا عليه فكلموه وسألوه ، ثم قال لهم :

"أي رجل الحصين بن سلام فيكم ؟ "

قالوا : سيدنا ، وابن سيدنا ، وخيرنا وعالمنا .

فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم ، فقلت لهم :

( يا معشر يهود ، اتقوا الله ، واقبلوا ما جاءكم به ، فوالله إنكم لتعلمون

إنه لرسول الله ، تجدونـه مكتوبـا عندكـم في التـوراة ، اسمه وصفته ،

فإني أشهد أنه رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم ، وأومن به وأصدقه وأعرفه )

قالوا : كذبت .. ثم وقعوا في ، فقلت :

( يا رسول الله ، ألم أخبرك أنهم قوم بهت وأهل كذب وغدر وفجور )

ونزل قوله تعالى :

(( قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل

على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ))

قال : ( فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي ، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث ، فحسن إسلامها )


فضله

- عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :

أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقصعة فأكل منها ، ففضلت فضلة ،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" يجيء رجل من هذا الفج من أهل الجنة يأكل معي هذه الفضلة "

فجاء عبد الله بن سلام فأكلها .

- عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم

يقول : " إن عبد الله بن سلام عاشر عشرة في الجنة "

- عن يزيد بن عميرة رضي الله عنه قال ‏:

‏ لما حضر معاذ بن جبل رضي الله عنه الموت قيل له‏ :‏

يا أبا عبد الرحمن، أوصنا‏.‏

فقال ‏رضي الله عنه :‏ أجلسوني .. قال ‏:

‏ إن العلم والإيمان مكانهما ، من ابتغاهما وجدهما ، فالتمسوا العلم عند أربعة رهط‏ :‏

عند عويمر أبي الدرداء ، وعند سليمان الفارسي ، وعند عبد الله بن مسعود ،

وعند عبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم ، فإني سمعت رسول الله

صلى الله عليه وسلم يقول ‏:‏

‏"‏ إنه عاشر عشرة في الجنة ‏"‏‏.‏


الرؤيا


قال قيس بن عبادة رضي الله عنه :

كنت جالسا في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع ،

فقالوا : هذا رجل من أهل الجنة ، فصلى ركعتين تجوز فيهما ، ثم خرج

وتبعته فقلت : إنك حين دخلت المسجد قالوا :

هذا رجل من أهل الجنة ؟

قال رضي الله عنه :

( والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم ، وسأحدثك لم ذلك :

رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها

عليه ، ورأيت كأني في روضة ، ذكر من سعتها وخضرتها ، وسطها عمود

من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء ، في أعلاه عروة فقيل لي : ارقه

قلت : لا أستطيع ، فأتاني منصف فرفع ثيابي من خلفي ،

فرقيتُ حتى كنت في أعلاها ، فأخذت بالعروة ، فقيل له : استمسك

فاستيقظت وإنها في يدي ، فقصصتها على النبي صلى الله

عليه و سلم- قال :

" تلك الروضة الإسلام ، وذلك العمود عمود الإسلام ، وتلك العروة

عروة الوثقى ، فأنت على الإسلام حتى تموت "

وذلك الرجل عبد الله بن سلام


مقتل عثمان


لما أريد قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ، جاء عبد الله بن سلام


رضي الله عنه فقال له عثمان رضي الله عنه : ( ما جاء بك ؟ )

قال : ( جئت في نصرِك )

قال : ( اخرج إلى الناس فاطردهم عني ، فإنك خارج خيرا لي منك داخل )

فخرج عبد الله رضي الله عنه إلى الناس فقال :

( أيها الناس إنه كان اسمي في الجاهلية فلانا فسماني رسول الله صلى

الله عليه وسلم عبد الله ، ونزلت في آيات من كتاب الله عز وجل ..

نزل في : (( وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ))

ونزل في : (( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ))

إن لله سيفا مغمودا وإن الملائكة قد جاورتْكم في بلدكم هذا الذي نزل

فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالله الله في هذا الرجل أن

تقتلوه ، فوالله لئن قتلتموه لتطردن جيرانكم الملائكة ، وليسلن سيف الله

المغمود فيكم فلا يغمد إلى يوم القيامة )

قالوا : ( اقتلوا اليهودي ، واقتلوا عثمان )



خروج علي


نهى عبد الله بن سلام علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عن خروجه إلى العراق ، وقال :

( الزم منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تركته لا تراه أبدا )

فقال علي رضي الله عنه : ( إنه رجل صالح منا )


وفاته


توفي عبد الله بن سلام رضي الله عنه

بالمدينة سنة ثلاث وأربعين

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:18 PM
خبيب بن عدي رضي الله عنه


انه من أوس المدينة وأنصارها ، تردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مذ هاجر اليهم ، وآمن بالله رب العالمين ..

كان عذب الروح ، شفاف النفس ، وثيق الايمان ، ريان الضمير ، عابدا ناسكا

كان كما وصفه حسان بن ثابت رضي الله عنه :

صقرا توسط في الأنصار منصبه

سمح الشجية محضا غير مؤتشب
غزوة بدر



لما رفعت غزوة بدر أعلامها ، كان هناك جنديا باسلا ، ومقاتلا مقداما ، وكان ممن

صرع يوم بدر المشرك بسيفه الحارث بن عمرو بن نوفل.

وبعد انتهاء المعركة ، وعودة البقايا المهزومة من قريش الى مكة عرف بنو الحارث

مصرع أبيهم ، وحفظوا جيدا اسم المسلم الذي صرعه في المعركة :

خبيب بن عدي رضي الله عنه

وعاد المسلمون من بدر الى المدينة ، يثابرون على بناء مجتمعهم الجديد ، وكان

خبيب رضي الله عنه عابدا ، وناسكا ، يحمل بين جبينه طبيعة الناسكين ، وشوق العابدين.

هناك أقبل على العبادة بروح عاشق ، يقوم الليل ، ويصوم النهار ..

يوم الرجيع
في سنة ثلاث للهجرة ، قدم على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أحد نفر من عضل والقارة فقالوا :

يا رسول الله إن فينا إسلاما ، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين

ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام .

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم عشرة من اصحابه منهم مرثد بن أبي مرثد ،

وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبدالله بن

طارق رضي الله عنهم ، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم على القوم مرثد بن أبي

مرثد رضي الله عنه ، فخرجوا حتى إذا أتوا على الرجيع ( ماء لهذيل بناحية الحجاز ) ،

غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم
السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم ،

ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم .

فقال عاصم بن ثابت رضي الله عنه :

أما أنا ، فوالله لا أنزل في ذمة مشرك اللهم أخبر عنا نبيك .

ودعا أصحابه الى صعود قمة عالية على رأس جبل ، وشرع الرماة المائة يرمونهم

بالنبال ، فأصيب عاصم رضي الله عنه واستشهد ، وأصيب معه سبعة واستشهدوا.

ونادوا الباقين ، أن لهم العهد والميثاق اذا هم نزلوا

فنزل الثلاثة : خباب بن عدي وصاحباه رضي الله عنهم ..

واقترب الرماة من خبيب وصاحبه زيد بن الدثنة رضي الله عنهما فأطلقوا قسيهم ،

وربطوهما بها ، ورأى زميلهم الثالث بداية الغدر ، فقرر أن يموت حيث مات

عاصم رضي الله عنه واخوانه ، واستشهد رضي الله عنه حيث أراد..

وهكذا قضى ثمانية من أعظم المؤمنين ايمانا ، وأبرهم عهدا ، وأوفاهم لله ولرسوله ذمة ..

وحاول خبيب وزيد رضي الله عنهما أن يخلصا من وثاقهما ، ولكنه كان شديد الاحكام ،

وقادهما الرماة البغاة الى مكة ، حيث باعوهما لمشركيها ، ودوى في الآذان اسم خبيب رضي الله عنه ..

وتذكر بنوالحارث بن عامر قتيل بدر ، تذكروا ذلك الاسم جيدا ، وحرك في صدورهم

الأحقاد ، وسارعوا الى شرائه ، ونافسهم على ذلك بغية الانتقام منه أكثر أهل مكة

ممن فقدوا في معركة بدر آباءهم وزعماءهم.

وأخيرا تواصوا عليه جميعا وأخذوا يعدون لمصير يشفي أحقادهم ، ليس منه وحده، بل ومن جميع المسلمين..

أسلم خبيب رضي الله عنه قلبه ، وأمره ، ومصيره لله رب العالمين ، وأقبل على نسكه

ثابت النفس ، رابط الجأش ، معه من سكينة الله التي افاءها عليه ما يذيب الصخر ،
ويلاشي الهول .. كان الله معه .. وكان هو مع الله..

دخلت عليه يوما احدى بنات الحارث الذي كان أسيرا في داره ، فغادرت مكانه مسرعة

الى الناس تناديهم لكي يبصروا عجبا ..

فقالت : والله لقد رأيته يحمل قطفا كبيرا من عنب يأكل منه ، وانه لموثق في الحديد ،

وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة ، ما أظنه الا رزقا رزقه الله خبيبا

وحمل المشركون الى خبيب رضي الله عنه نبأ مصرع زميله وأخيه زيد رضي الله عنه ،

ظانين أنهم بهذا يسحقون أعصابه ، ويذيقونه ضعف الممات وما كانوا يعلمون أن

الله الرحيم قد استضافه ، وأنزل عليه سكينته ورحمته.

وراحوا يساومونه على ايمانه ، ويلوحون له بالنجاة اذا ما هو كفر بمحمد ، ومن قبل بربه

الذي آمن به .. لكنهم كانوا كمن يحاول اقتناص الشمس برمية نبل.

فلقد كان ايمان خبيب رضي الله عنه كالشمس قوة ، وبعدا ، ونارا ونورا ..

كان يضيء كل من التمس منه الضوء ، ويدفئ كل من التمس منه الدفء ، أما الذي

يقترب منه ويتحداه فانه يحرقه ويسحقه..
صلب خبيب
لما يئسوا مما يرجون ، قادوا البطل الى مصيره، وخرجوا به الى مكان يسمى التنعيم حيث يكون هناك مصرعه..

وما ان بلغوه حتى استأذنهم خبيب رضي الله عنه في أن يصلي ركعتين ، وأذنوا له

ظانين أنه قد يجري مع نفسه حديثا ينتهي باستسلامه واعلان الكفران بالله وبرسوله

وبدينه.. وصلى خبيب ركعتين في خشوع وسلام واخبات...

وتدفقت في روحه حلاوة الايمان ، فود لو يظل يصلي ، ويصلي ويصلي .. ولكنه التفت صوب

قاتليه وقال لهم :

( والله لولا أن تحسبوا أن بي جزعا من الموت ، لازددت صلاة )

ثم شهر ذراعه نحو السماء وقال :

( اللهم احصهم عددا.. واقتلهم بددا )

ثم تصفح وجوههم في عزم وراح ينشد :

ولست أبالي حين أقتل مسلما *** على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الاله وان يشأ *** يبارك على أوصال شلو ممزع

ولعله لأول مرة في تاريخ العرب يصلبون رجلا ثم يقتلونه فوق الصليب ..

فلقد أعدوا من جذوع النخل صليبا كبيرا أثبتوافوقه خبيبا ، وشدوا فوق أطرافه

وثاقه ، واحتشد المشركون في شماتة ظاهرة ، ووقف الرماة يشحذون رماحهم.

وجرت هذه الوحشية كلها في بطء مقصود امام البطل المصلوب ، الذي لم يغمض عينيه ،

ولم تزايل السكينة العجيبة المضيئة وجهه.

وبدأت الرماح تنوشه ، والسيوف تنهش لحمه ، وهنا اقترب منه أحد زعماء قريش وقال له :

- أتحب أن محمدا مكانك ، وأنت سليم معافى في أهلك ؟؟

وهنا لا غير انتفض خبيب رضي الله عنه كالاعصار وصاح ، في قاتليه :

( والله ما أحب أني في اهلي وولدي ، معي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة )

نفس الكلمات العظيمة التي قالها صاحبه زيد رضي الله عنه وهم يهمون بقتله ..

نفس الكلمات الباهرة الصادعة التي قالها زيد بالأمس.. ويقولها خبيب رضي الله عنه اليوم..

مما جعل أبا سفيان ، وكان لم يسلم بعد ، يضرب كفا بكف ويقول مشدوها :

- والله ما رأيت أحدا يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا

كانت كلمات خبيب رضي الله عنه هذه ايذانا للرماح وللسيوف بأن تبلغ من جسد

البطل غايتها ، فتناوشه في جنون ووحشية ..

وعادت جماعة المشركين الى أوكارها الحاقدة في مكة باغية عادية ، وبقي جثمان

الشهيد تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسويف ..

كان خبيب رضي الله عنه عندما رفعوه الى جذوع النخل التي صنعوا منها صليبا ،

قد يمم وجهه شطر السماء وابتهل الى ربه العظيم قائلا :

( اللهم انا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا )

واستجاب الله دعاءه ، فبينما الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة اذ غمره

احساس وثيق بأن أصحابه في محنة ، وتراءى له جثمان أحدهم معلقا ، ومن فوره

دعا المقداد بن عمرو ، والزبير بن العوام رضي الله عنهما ، فركبا فرسيهما ، ومضيا يقطعان الأرض وثبا.

وجمعهما الله بالمكان المنشود ، وأنزلا جثمان صاحبهما خبيب رضي الله عنه ،

حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمه تحت ثراها الرطيب.

ولا يعرف أحد حتى اليوم أين قبر خبيب رضي الله عنه .

ولعل ذلك أحرى به وأجدر ، حتى يظل مكانه في ذاكرة التاريخ ، وفي ضمير الحياة ،

بطلا .. فوق الصليب

لقد كنا أمام أستاذ في فن التضحية جعلنا نتساءل ؟؟

أية عزة ، وأية منعة ، وأي ثبات ، وأي فداء ، وأي ولاء ،

وبكلمة واحدة ، أية عظمة خارقة وباهرة يفيئها الايمان بالحق على ذويه المخلصين ..

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:20 PM
حبيب بن زيد

أسطورة فداء وحب



كان حبيب بن زيد وأبوه زيد بن عاصم رضي الله عنهما من السبعين

المباركين في بيعة العقبـة الثانيـة ، وكانت أمه نسيبة بنت كعب رضي

الله عنها أولى السيدتين اللتين بايعتا الرسول صلى الله عليه وسلم أما السيدة الثانية فهي خالته .

ولقد عاش إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى

المدينة لا يتخلف عن غزوة ولا قعد عن واجب ، هو إذن مؤمن عريق جرى الإيمان في أصلابه وترائبه.

كتاب مسيلمة



في السنة التاسعة للهجرة كان الإسلام قويا صلبا ، وجاءت وفود العرب

تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام ، وكان في جملة

هذه الوفود وفد بني حنيفة ، فجاؤوا وأعلنوا إسلامهم وكان على رأسهم

مسيلمة بن حبيب الحنفي ، ولما عادوا إلى منازلهم ارتد مسيلمة ، وقام

في الناس يعلن لهم أنه نبي مرسل أرسله الله إلى بني حنيفة كما أرسل محمدا إلى قريش .

ولما قوي ساعد مسيلمة ، والتف الناس حوله كتب إلى رسول الله صلى

الله عليه وسلم كتابا جاء فيه :

من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك :

أما بعد فإني أشركت في الأمر معك ، وإن لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف

الأرض ، ولكن قريشا قوم يعتدون .

فكتب له رسول الله رسالة جاء فيها :

" بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى أما بعد :

فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين "




حبيب بايع صغيرا ووفى كبيرا






جاءت كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم كفلق الصبح ، ففضحت كذاب

بني حنيفة الذي ظن النبوة ملكا ، فراح يطالب بنصف الأرض ونصف العباد

وحمل مبعوث مسيلمة رد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الذي

ازداد ضلالا وإضلالا ، وازداد شره وانتشر فساده ، ومضى الكذب ينشر

إفكه وبهتانه ، وازداد أذاه للمؤمنين وتحريضه عليهم ، فرأى الرسول صلى

الله عليه وسلم أن يبعث إليه رسالة ينهاه فيها عن حماقاته ويزجره عن غيه .

ووقع اختياره على حبيب بن زيد رضي الله عنه ليحمل الرسالة إلى مسيلمة .

مضى حبيب رضي الله عنه إلى حيث أمره رسول الله صلى الله عليه

وسلم حتى بلغ ديار بني حنيفة ، فما كاد مسيلمة يقرأ ما فيها حتى

اشتد غضبه ، وبدا الشر والغدر على قسمات وجهه ، وأمر بحبيب رضي

الله عنه أن يُقيد ، وأن يؤتى به إليه في ضحى اليوم التالي .

فلما كان الغد تصدر مسيلمة مجلسه ، وأذن للعامة بالدخول عليه ،

ثم أمر بحبيب رضي الله عنه فجيء به وهو مقيد ، ويحمل آثار تعذيب

شديد أنزله به المجرمون ، مؤملين أن يسلبوا شجاعة روحه ، فيبدو

أمام الجميع متخاذلا مستسلما ، مسارعا إلى الإيمان بمسيلمة حين

يدعى إلى هذا الإيمان أمام الناس ، وبهذا يحقق الكذاب الفاشل

معجزة موهومة أمام المخدوعين به..

قال له مسيلمة : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟

قال رضي الله عنه : نعم أشهد بذلك .

قال مسيلمة : وتشهد بأني رسول الله ؟

قال حبيب رضي الله عنه في سخرية :

( إن في أذني صمما عن سماع ما تقول )

وتحولت صفرة الخزي على وجه مسيلمة إلى سواد حاقد

مخبول ، لقد فشلت خطته ، ولم يجده تعذيبه ، وتلقى أمام الذين

جمعهم ليشهدوا معجزته لطمة قوية ، أسقطت هيبته الكاذبة في الوحل ..

هنالك هاج كالثور المذبوح ، ونادى جلاده الذي أقبل ينخس جسد حبيب بسن سيفه ..

فأهوى الجلاد بسيفه وقطع قطعة من جسد حبيب رضي الله عنه وتدحرجت على الأرض .

ثم أعاد مسيلمة عليه السؤال نفسه : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟

قال رضي الله عنه : ( نعم أشهد بذلك )

قال : وتشهد أني رسول الله ؟

قال حبيب رضي الله عنه : ( قلت لك إني لا أسمع ما تقول )

فأمر بأن تقطع من جسده قطعة أخرى ، فقطعت والناس ينظرون .

ومضى مسيلمة يسأل ... والجلاد يقطع ... وحبيب رضي الله عنه

يقول : ( أشهد أن محمدا رسول الله )

حتى صار نصفه قطعا منثورة على الأرض ، ونصفه الآخر كتلة

تتكلم ، ثم فاضت روحه الطاهرة واسم " محمد رسول الله " لم يغادر شفتيه .

لو أن حبيبا رضي الله عنه أنقذ حياته يومئذ بشيء من المسايرة الظاهرة

لمسيلمة ، طاويا على الإيمان صدره ، لما نقض إيمانه شيئا ، ولا أصاب إسلامه سوء..

ولكن الرجل الذي شهد مع أبيه ، وأمه ، وخالته ، وأخيه بيعة العقبة ..

والذي حمل منذ تلك اللحظات الحاسمة المباركة مسؤولية بيعته وإيمانه كاملة غير منقوصة ..

ما كان له أن يوازن لحظة من نهار بين حياته ومبدئه ..

ومن ثم لم يكن أمامه لكي يربح حياته كلها مثل هذه الفرصة الفريدة التي تمثلت فيها قصة إيمانه كلها ..

ثبات ... وعظمة ... وبطولة ... وتضحية ... واستشهاد في سبيل الهدى

والحق يكاد يفوق في حلاوته وفي روعته كل ظفر وكل انتصار.

ولما وصل خبر استشهاد حبيب رضي الله عنه إلى أمه نسيبة رضي الله

عنها قالت : لمثل هذا الموقف أعددته .. وعند الله احتسبته .

لقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم صغيرا ليلة العقبة ... ووفى له اليوم كبيرا .



الثأر للشهيد

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأ استشهاد مبعوثه الكريم ، واصطبر

لحكم ربه ، فهو يرى بنور الله مصير هذا الكذاب مسيلمة ، ويكاد يرى مصرعه رأي العين ..

أما نسيبة بنت كعب أم حبيب رضي الله عنها فقد ضغطت على أسنانها

طويلا ، ثم أطلقت يمينا مبررا لتثأرن لولدها من مسيلمة ذاته ، ولتغوصن في

لحمه الخبيث برمحها وسيفها ..

وكان القدر الذي يرمق آنئذ جزعها وصبرها وجلدها، يبدي إعجابا كبيرا بها ،

ويقرر في نفس الوقت أن يقف بجوارها حتى تبر بيمينها.

ودارت من الزمان دورة قصيرة ، جاءت على أثرها الموقعة الخالدة ، موقعة اليمامة..

وجهز أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم

جيش الإسلام الذاهب إلى اليمامة حيث أعد مسيلمة أضخم جيش ..

وخرجت نسيبة مع الجيش ، وألقت بنفسها في خضم المعركة ، في يمناها سيف ،

وفي يسراها رمح ، ولسانها لا يكف عن الصياح :

( أين عدو الله مسيلمة ؟؟ )

ولما قتل مسيلمة ، وسقط أتباعه كالعهن المنفوش ، وارتفعت رايات الإسلام

عزيزة ظافرة ، ووقفت نسيبة رضي الله عنها وقد ملىء جسدها الجليل ،

القوي بالجراح وطعنات الرمح ..

وقفت تستجلي وجه ولدها الحبيب ، الشهيد حبيب رضي الله عنه فوجدته يملأ الزمان والمكان ..

أجل .. ما صوبت نسيبة رضي الله عنها بصرها نحو راية من الرايات الخفاقة

المنتصرة الضاحكة الا رأت عليها وجه ابنها حبيب ..

خفاقا .. منتصرا .. ضاحكا..

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:25 PM
العباس بن عبد المطلب

ساقي الحرمين
العباس ( أبو الفضل ) عم رسـول الله صلى اللـه عليه وسلم ،

وكان الرسول صلى اللـه عليه وسلم يجله بقدر ما كان يحبه،

وكان يمتدحه ويطري سجاياه قائلا : " هذه بقية آبائي"

وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أجود قريش كفا وأوصلها ..

وكما كان حمزة رضي الله عنه عم الرسول صلى اللـه عليه وسلم

وتربه ، كذلك كان العباس رضي الله عنه فلم يكن يفصل بينهما

في سنوات العمر سوى سنتين أو ثلاث، تزيد في عمر العباس

رضي الله عنه عن عمر الرسول صلى اللـه عليه وسلم ..

فكانا شابين من جيل واحد.. فلم تكن القرابة القريبة وحدها،
آصرة ما بينهما من ود ، بل كانت كذلك زمالة السن ، وصداقة العمر..

وشيء آخر أهم و هو خلق العباس رضي الله عنه وسجاياه..

فقد كان جوادا، مفرط الجود ، حتى كأنه للمكارم عمها أو خالها ،

وكان وصولا للرحم والأهل ، لا يضن عليهما بجهد ولا بجاه ، ولا بمال

وكان فطنا إلى حد الدهاء، وبفطنته هذه التي تعززها مكانته

الرفيعة في قريش ، استطاع أن يدرأ عن الرسول صلى اللـه عليه وسلم

حين يجهر بدعوته الكثير من الأذى والسوء ، وعندما كان حمزة رضي

الله عنه يعالج بغي قريش ، وصلف أبي جهل بسيفه الماحق

كان العباس رضي الله عنه يعالجها بفطنة ودهاء أديا للإسلام

من النفع مثلما أدت السيوف المدافعة عن حقه وحماه..
إسلامه



العباس رضي الله عنه لم يعلن إسلامه إلا عام فتح مكة، مما

جعل بعض المؤرخين يعدونه مع الذين تأخر إسلامهم ..

ولكن روايات أخرى من التاريخ تنبئ بأنه كان من المسلمين المبكرين ، غير أنه كان يكتم إسلامه..

يقول أبو رافع رضي الله عنه خادم الرسول صلى الله عليه وسلم :

( كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب ، وكان الإسلام قد دخلنا

أهل البيت ، فأسلم العباس ، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت وكان العباس يكتم إسلامه )

كان العباس رضي الله عنه إذن مسلما..

وكان مقامه بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه خطة أدت غايتها على خير نسق..

ولم تكن قريش تخفي شكوكها في نوايا العباس رضي الله عنه

ولكنها أيضا لم تكن تجد سبيلا لمحادته، لا سيما وهو في ظاهر أمره على ما يرضون من منهج ودين .
بيعة العقبة
في بيعة العقبة الثانية عندما قدم مكة في موسم الحاج وفد الأنصار،

ثلاثة وسبعون رجلا وسيدتان ، ليعطوا الله ورسوله بيعتهم،

وليتفقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة إلى المدينة ،

أنهى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عمه العباس رضي الله عنه نبأ هذا الوفد ، وهذه البيعة ..

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يثق بعمه في رأيه كله..

ولما جاء موعد اللقاء الذي انعقد سرا وخفية ، خرج الرسول صلى

الله عليه وسلم وعمه العباس رضي الله عنه إلى حيث الأنصار

ينتظرون .. وأراد العباس رضي الله عنه إن يعجم عود القوم ويتوثق للنبي صلى الله عليه وسلم منهم ..

ويروي كعب بن مالك رضي الله عنه نبأ ذلك الموقف :

( جلسنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب..

وتكلم العباس فقال : يا معشر الخزرج، إن محمدا منا حيث

قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا فهو في عز من قومه ومنعة

في بلده ، وانه أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم..

فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ..

وان كنتم ترون أنكم مسلموه خاذلوه بعد خروجه إليكم ، فمن الآن فدعوه )

كان العباس رضي الله عنه يلقي بكلماته الحازمة هذه ، وعيناه

تحدقان كعيني الصقر في وجوه الأنصار ، يتتبع وقع الكلام

وردود فعله العاجلة ، ولم يكتف العباس بهذا، فذكاؤه العظيم ذكاء

عملي يتقصى الحقيقة في مجالها المادي ، ويواجه كل أبعادها مواجهة الحاسب الخبير ..

هناك استأنف حديثه مع الأنصار بسؤال ذكي ألقاه ، ذلك هو :

( صفوا لي الحرب ، كيف تقاتلون عدوكم )

إن العباس رضي الله عنه بفطنته وتجربته مع قريش يدرك أن الحرب

لا محالة قادمة بين الإسلام والشرك ، فقريش لن تتنازل عن دينها ومجدها وعنادها.

والإسلام ما دام حقا لن يتنازل للباطل عن حقوقه المشروعة

فهل الأنصار ، أهل المدينة صامدون للحرب حين تقوم ؟

كان الأنصار الذين يصغون للعباس رضي الله عنه رجالا كالأطواد ..

ولم يكد العباس رضي الله عنه يفرغ من حديثه ، لا سيما ذلك السؤال المثير الحافز حتى شرع الأنصار يتكلمون ..
وبدأ عبدالله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه مجيبا على السؤال :

( نحن والله أهل الحرب غذينا بها ، ومرنا عليها ، وورثناها عن آبائنا كابرا فكابر .. نرمي بالنبل حتى تفنى ..

ثم نطاعن بالرماح حتى تنكسر..

ثم نمشي بالسيوف، فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا )

وأجاب العباس رضي الله عنه متهلل :

( أنتم أصحاب حرب إذن، فهل فيكم دروع ؟ ) قالوا:

( نعم.. لدينا دروع شاملة )


هذا موقف العباس رضي الله عنه في بيعة العقبة ، وسواء

كان يومئذ اعتنق الإسلام سرا ، أم كان لا يزال يفكر، فان

موقفه العظيم هذا يحدد مكانه بين قوى الظلام الغارب، والشروق المقبل ، ويصور أبعاد رجولته ورسوخه..

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر بالمدينة ليلة العقبة

فيقول :( أيدتُ تلك الليلة ، بعمي العباس ، وكان يأخذ على القومِ ويُعطيهم )
غزوة بدر



جاءت غزوة بدر ورأتها قريش فرصة تبلو بها سريرة العباس رضي الله عنه وحقيقته.

والعباس رضي الله عنه أدهى من أن يغفل عن اتجاهات ذلك المكر

السيء الذي تعالج به قريش حسراتها ، وتنسج به مؤامراتها..

ولئن كان قد نجح في إبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة

أنباء قريش وتحركاتها ، فان قريشا ستنجح في دفعه إلى معركة لا يؤمن بها ولا يريدها..

ويلتقي الجمعان في غزوة بدر ، وتصطك السيوف في عنفوان

رهيب ، مقررة مصير كل جمع، وكل فريق..

وينادي الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه قائلا :

" إن رجالا من بني هاشم ، ومن غير بني هاشم ، قد أخرجوا
كرها ، لا حاجة لهم بقتالنا ، فمن لقي منكم أحدهم فلا يقتله

ومن لقي البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله ، ومن

لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فانه إنما أخرج مستكرها "

لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم بأمره هذا يخص عمه العباس بميزة ، فما تلك مناسبة المزايا ، ولا هذا وقتها ..

وليس محمد صلى الله عليه وسلم من يرى رؤوس أصحابه

تتهاوى في معركة الحق ، ثم يشفع والقتال دائر لعمه، لو كان يعلم أن عمه من المشركين ..
الأسر
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العباس رضي الله عنه

عمه حبا كبيرا، حتى أنه لم ينم يوم انتهت غزوة بدر، وقضى

عمه رضي الله عنه ليله في الأسر..

ولم يخف النبي صلى الله عليه وسلم عاطفته هذه ، فحين سئل

عن سبب أرقه ، وقد نصره الله نصرا مؤزرا أجاب :

" سمعت أنين العباس في وثاقه "

وسمع بعض المسلمين كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم ،

فأسرع إلى مكان الأسرى ، وحل وثاق العباس ، وعاد فأخبر

الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً:

" يا رسول الله إني أرخيت من وثاق العباس شيئا "

ولكن لماذا وثاق العباس رضي الله عنه وحده..؟
هنالك قال الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبه :

" اذهب، فافعل ذلك بالأسرى جميعا "

فحب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه لا يعني أن يميزه عن

الناس الذين تجمعهم معه ظروف مماثلة..
الفداء



وعندما تقرر أخذ الفدية من الأسرى ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمه :

" يا عباس افد نفسك ، وابن أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن

الحارث ، وحليفك عتبة بن عمرو وأخا بني الحارث بن فهر، فانك ذو مال "

وأردا العباس رضي الله عنه أن يغادر أسره بالفدية ، قائلا :

( يا رسول الله ، إني كنت مسلما ، ولكن القوم استكرهوني )

ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أصر على الفدية ، ونزل

القرآن الكريم في هذه المناسبة يقول :

(( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم

خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم ))

وهكذا فدى العباس رضي الله عنه نفسه ومن معه ، وقفل راجعا

إلى مكة ، ولم تخدعه قريش بعد ذلك عن عقله وهداه، فبعد حين

جمع ماله وحمل متاعه ، وأدرك الرسول صلى الله عليه وسلم

بخيبر ، ليأخذ مكانه في موكب الإسلام ، وقافلة المؤمنين ، وصار

موضع حب المسلمين وإجلالهم العظيم ، لا سيما وهم يرون تكريم

الرسول صلى الله عليه وسلم له وحبه إياه وقوله عنه :

" إنما العباس صنو أبي ، فمن آذى العباس فقد آذاني "

وأنجب العباس رضي الله عنه ذرية مباركة ..

وكان حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما واحدا من هؤلاء الأبناء المباركين.


يوم حنين



في السنة الثامنة للهجرة، وبعد أن فتح الله مكة لرسوله صلى الله

عليه وسلم ولدينه عز بعض القبائل السائدة في الجزيرة العربية

أن يحقق الدين الجديد كل هذا النصر بهذه السرعة..

فاجتمعت قبائل هوزان وثقيف ونصر وجشم وآخرون ، وقرروا شن

حرب حاسمة ضد الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين .

واحتشدت تلك القبائل في صفوف لجبة من المقاتلين الأشداء..

وخرج إليهم المسلمون في اثني عشر ألفا ، من الذين فتحوا مكة

بالأمس القريب ، وشيعوا الشرك والأصنام إلى هاويتها الأخيرة

والسحيقة ، وارتفعت راياتهم تملأ الأفق دون مشاغب عليها أو مزاحم لها.. هذا شيء يبعث الزهو..

والمسلمون في آخر المطاف بشر ، ومن ثم ، فقد ضعفوا أمام

الزهو الذي ابتعثته كثرتهم ونظامهم ، وانتصارهم بمكة ،

وقالوا : ( لن نغلب اليوم عن قلة )

ولما كانت السماء تعدهم لغاية أجل من الحرب وأسمى ، فإن

ركونهم إلى قوتهم العسكرية ، وزهوهم بانتصارهم الحربي ،

عمل غير صالح ينبغي أن يبرؤا منه سريعا، ولو بصدمة شافية..

وكانت الصدمة الشافية هزيمة كبرى مباغتة في أول القتال ،

حتى إذا ضرعوا إلى الله ، وبرؤا من حولهم إلى حوله، ومن

قوتهم إلى قوته ، انقلبت الهزيمة نصرا، ونزل القرآن الكريم يقول للمسلمين :

(( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت الأرض

بما رحبت ثم وليتم مدبرين* ثم أنزل الله سكينته على رسوله

وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ))

كان صوت العباس رضي الله عنه يومئذ وثباته من ألمع مظاهر السكينة والاستبسال..

فبينما كان المسلمون مجتمعين في أحد أودية تهامة ينتظرون

مجيء عدوهم، كان المشركون قد سبقوهم إلى الوادي وكمنوا

لهم في شعابه ، شاحذين أسلحتهم ، ممسكين زمام المبادرة بأيديهم ..

وعلى حين غفلة ، انقضوا على المسلمين في مفاجأة مذهلة،

جعلتهم يهرعون بعيدا ، لا يلوي أحد على أحد..

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه الهجوم المفاجئ

الخاطف على المسلمين ، فعلا صهوة بغلته البيضاء، وصاح :

" إلى أين أيها الناس ..هلموا إلى .. أنا النبي لا كذب.. أنا ابن عبد المطلب "

لم يكن حول النبي صلى الله عليه وسلم ساعتئذ سوى أبي بكر ،
وعمر ، وعلي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، وولده الفضل

بن العباس ، وجعفر بن الحارث ، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد ،

وأيمن بن عبيد ، وقلة أخرى من الصحابة رضي الله عنهم ..

وكان هناك سيدة أخذت مكانا عاليا بين الرجال والأبطال ..

إنها أم سليم بنت ملحان .. رأت ذهول المسلمين وارتباكهم ،

فركبت جمل زوجها أبي طلحة رضي الله عنهما ، وهرولت

بها نحو الرسول صلى الله عليه وسلم ..

ولما تحرك جنينها في بطنها ، وكانت حاملا، خلعت بردتها

وشدت بها على بطنها في حزام وثيق ، ولما انتهت إلي النبي

صلى الله عليه وسلم شاهرة خنجرا في يمينها ابتسم لها الرسول

صلى الله عليه وسلم وقال :

" أم سليم؟؟ "
قالت : ( نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله ،اقتل هؤلاء الذين

ينهزمون عنك ، كما تقتل الذين يقاتلونك، فانهم لذلك أهل )

وازدادت البسمة ألقا على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم

الواثق بوعد ربه وقال لها :

" إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم "

هناك ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف ، كان

العباس رضي الله عنه إلي جواره ، بل كان بين قدميه بخطام بغلته يتحدى الموت والخطر..

وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرخ في الناس ، وكان

العباس رضي الله عنه جسيما جهوري الصوت ، فراح ينادي :
( يا معشر الأنصار.. يا أصحاب البيعة )

وكأنما كان صوته داعي القدر ونذيره..

فما كاد يقرع أسماع المرتاعين من هول المفاجأة ، المشتتين في

جنبات الوادي ، حتى أجابوا في صوت واحد:

( لييك.. لبيك )

وانقلبوا راجعين كالإعصار، حتى أن أحدهم ليحرن بعيره

أو فرسه ، فيقتحم عنها ويترجل ، حاملا درعه وسيفه وقوسه ،

ميمما صوب صوت العباس رضي الله عنه ..

ودارت المعركة من جديد .. ضارية .. عاتية.. وصاح رسول الله صلى الله

عليه وسلم : " الآن حمي الوطيس"

وحمي الوطيس حقا.. وتدحرج قتلى هوزان وثقيف .. وغلبت

خيل الله خيل اللات .. وأنزل الله سكينته على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين ..



عام الرمادة



في عام الرمادة حين أصاب العباد قحط ، خرج أمير المؤمنين

عمر رضي الله عنه والمسلمون معه إلى الفضاء الرحب يصلون

صلاة الإستسقاء ، ويضرعون إلى الله أن يرسل إليهم الغيث

والمطر ، ووقف عمر وقد أمسك يمين العباس رضي الله عنهما

بيمينه ، ورفعها صوب السماء وقال :

( اللهم إنا كنا نستسقي بنبيك وهو بيننا ، اللهم وإنا اليوم نستسقي بعم نبيك ، فاسقنا )

ولم يغادر المسلمون مكانهم حتى جاءهم الغيث ، وهطل المطر ،

وأقبل الأصحاب على العباس رضي الله عنه يعانقونه و يقبلونه

ويقولون : ( هنيئا لك ساقي الحرمين )


وفاته



وفي يوم الجمعة ( 14 / رجب / 32 للهجرة ) سمع أهل العوالي

بالمدينة مناديا ينادي :

( رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب )

فأدركوا أن العباس رضي الله عنه قد مات ، وخرج الناس لتشييعه

في أعداد هائلة لم تعهد المدينة مثلها ، وصلى عليه خليفة المسلمين

عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ووري الثرى في البقيع .

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:28 PM
عبد الله بن العباس

حبر الامة وترجمان القرآن


هو ابن العباس بن عبد المطلب بن هاشم عم الرسول صلى الله عليه

وسلم كني بأبيه العباس ، وهو أكبر ولده ولد بمكة ، والنبي صلى الله

عليه وسلم وأهل بيته بالشعب من مكة ، فُأتي به النبي صلى الله عليه

وسلم فحنكه بريقه ، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين .

ولقبه حبر هذه الأمة، هيأه لهذا اللقب، ولهذه المنزلة استنارة عقله وذكاء قلبه، واتساع معارفه.

ويشبه ابن عباس عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما في أنه أدرك الرسول

صلى الله عليه وسلم وعاصره وهو غلام ، ومات الرسول صلى الله عليه

وسلم قبل أن يبلغ ابن عباس سن الرجولة ، لكنه هو الآخر تلقى في حداثته

كل خامات رجولته ومبادئ حياته من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي

علمه الحكمة الخالصة ، وبقوة إيمانه و خلقه وغزارة عِلمه اكتسب ابن عباس رضي الله عنه مكانا عاليا بين الرجال حول الرسول .



طفولته



على الرغم من أنه لم يجاوز الثالثة عشر من عمره يوم مات الرسول صلى

الله عليه وسلم ، فأنه لم يضيع من طفولته الواعيـة يوما دون أن يشهد

مجالس الرسـول صلى الله عليه وسلم ويحفظ عنه ما يقول .

ولقد عرف طريق حياته في أوليات أيامه وازداد بها معرفة عندما رأى

الرسول عليه الصلاة والسلام يدنيه منه وهو طفل ويربت على كتفه وهو يقول : " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"

ثم توالت المناسبات والفرص التي يكرر فيها الرسول صلى الله عليه

وسلم هذا الدعاء ذاته لابن عمه عبدالله بن عباس..

وآنئذ أدرك ابن عباس رضي الله عنه أنه خلق للعلم، والمعرفة.

وكان استعداده العقلي يدفعه في هذا الطريق دفعا قويا.



فضله





رأى ابن العباس رضي الله عنهما جبريل عليه السلام مرتين عند النبي

صلى الله عليه وسلم ، وسمع نجوى جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم

وعاينه ، فهو ترجمان القرآن ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم مرتين

وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول :

( نحن أهل البيت ، شجرة النبوة ، ومختلف الملائكة ، وأهل بيت الرسالة ، وأهل بيت الرحمة ، ومعدن العلم )

وقال رضي الله عنه :

( ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " اللهم علمه الحكمه " )

قال ابن عساكر :

( كان عبد الله أبيض طويلا مشربا صفرة ، جسيما وسيما ، صبيح الوجه ،

له وفرة يخضب الحناء ، وكان يسمى ، الحبر والبحر ، لكثرة علمه وحِدة

فهمه ، حبر الأمة وفقيهها ، ولسان العشرة ومنطيقها ، محنك بريق النبوة ،

ومدعو له بلسان الرسالة : " اللهم فقّهه في الدين ، وعلمه التأويل " )

وعن عمر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :

" إن أرأف أمتي بها أبو بكر ، وإن أصلبَها في أمر الله لعمر ، وإن أشدها

حياء لعثمان ، وإن اقرأها لأبي ، وإن أفرضَها لزَيَد ، وإن أقضاها لعلي،

وإن أعلمَها بالحلال والحرام لمعاذ ، وإن أصدقها لهجة لأبو ذر ، وإن أميرَ

هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ، وإن حَبرَ هذه الأمة لعبد الله بن عباس )

وكان عمـر بن الخطاب رضي اللـه عنه يحرص على مشورته ، وكان يلقبه : ( فتى الكهـول )

وقد سُئل يوما : أنى أصَبت هذا العلم ؟

فأجاب رضي الله عنه : ( بلسان سئول ، وقلب عقول )

وكان عمر إذا جاءته الأقضية المعضلة قال لابن عباس رضي الله عنهما :

( إنها قد طرأت علينا أقضية وعضل فأنت لها ولأمثالها )

ثم يأخذ بقوله .

قال ابن عباس رضي الله عنه :

( كان عمـر بن الخطاب يأذن لأهل بـدرٍ ويأذن لي معهم )

فذكـر أن عمر رضي الله عنه سألهم وسأله فأجابـه فقال لهم :

( كيف تلومونني عليه بعد ما ترون ؟)

وكان يُفتي في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما إلى يوم مات .



عِلمه



بعد ذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى حرص ابن

عباس رضي الله عنه على أن يتعلم من أصحاب الرسول صلى الله عليه

وسلم السابقين ما فاته سماعه وتعلمه من الرسول صلى الله عليه وسلم ،

وهنالك جعل من نفسه علامة استفهام دائمة ، فلا يسمع أن فلانا يعرف

حكمة، أو يحفظ حديثا، الا سارع اليه وتعلم منه..

وكان عقله المضيء الطموح يدفعه لفحص كل ما يسمع ، فهو لا يُعنى

بجمع المعرفة فحسب، بل ويُعنى مع جمعها بفحصها وفحص مصادرها.. يقول رضي الله عنه عن نفسه :

( ان كنت لأسأل عن الأمر الواحد، ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم )

ويعطينا صورة لحرصه على ادراكه الحقيقة والمعرفة فيقول :

( لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لفتى من الأنصار :

هلم فلنسأل أصحاب رسول الله، فانهم اليوم كثير.

فقال: يا عجبا لك يا بن عباس ، أترى الناس يفتقرون اليك، وفيهم من
أصحاب رسول الله من ترى..؟

فترك ذلك، وأقبلت أنا أسأل أصحاب رسول الله ، فان كان ليبلغني

الحديث عن الرجل، فآتي اليه وهو قائل في الظهيرة، فأتوسد ردائي

على بابه، يسفي الريح علي من التراب، حتى ينتهي من مقيله، ويخرج فيراني، فيقول :

يا ابن عم رسول الله ما جاء بك..؟ هلا أرسلت الي فآتيك..؟

فأقول لا، أنت أحق بأن أسعى اليك، فأسأله عن الحديث وأتعلم منه )

هكذا راح ابن عباس رضي الله عنه يسأل، ويسأل، ويسأل..

ثم يفحص الاجابة مع نفسه، ويناقشها بعقل جريء...

وهو في كل يوم، تنمو معارفه، وتنمو حكمته، حتى توفرت له في شبابه

الغض حكمة الشيوخ وأناتهم، وحصافتهم، فبلسانه المتسائل دوما،

وبعقله الفاحص أبدا، ثم بتواضعه ودماثة خلقه، صار ابن عباس رضي الله عنه " حبر هذه الأمة "

عن عبد الله بن عباس قال :

( كنت أكرمُ الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين

والأنصار ، وأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل

من القرآن في ذلك ، وكنت لا آتي أحدا منهم إلا سُر بإتياني لقربي من رسول

الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أسأل أُبي بن كعب يوما عما نزل من القرآن

بالمدينة ، فقال : ( نزل سبع وعشرون سورة ، وسائرها بمكة )

وكان ابن عباس رضي الله عنه يأتي أبا رافع ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول :

( ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم يوم كذا وكذا ؟)

ومع ابن عباس رضي الله عنه ألواح يكتب ما يقول .

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال :

( ذللتُ طالبا لطلب العلم ، فعززتُ مطلوبا )




مما قيل بابن عباس




- قال علي بن أبي طالب في عبد الله بن عباس رضي الله عنهما :

( إنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ، لعقله وفطنته بالأمور )

- ووصفه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بهذه الكلمات :

( ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا أكبر لبا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس .

ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وحوله أهل بدر من المهاجرين والأنصار

فيتحدث ابن عباس، ولا يجاوز عمر قوله )

- وتحدث عنه عبيد بن عتبة رضي الله عنه فقال :

( ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه

وسلم من ابن عباس ، ولا رأيت أحدا، أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان

منه ، ولا أفقه في رأي منه ، ولا أعلم بشعر ولا عربية، ولا تفسير للقرآن، ولا بحساب وفريضة منه ..

ولقد كان يجلس يوما للفقه.. ويوما للتأويل .. ويوما للمغازي .. ويوما للشعر ويوم لأيام العرب وأخبارها..

وما رأيت عالما جلس اليه الا خضع له، ولا سائلا الا وجد عنده علما )

- وقال عُبيد الله بن أبي يزيد رضي الله عنه :

( كان ابن عباس إذا سُئل عن شيء ، فإن كان في كتاب الله عز وجل قال

به ، وإن لم يَكن في كتاب الله عز وجل وكان عن رسول الله صلى الله عليه

وسلم فيه شيء قال به ، فإن لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم

فيه شيء قال بما قال به أبو بكر وعمر ، فإن لم يكن لأبي بكر وعمر فيه شيء قال برأيه )

- ووصفه مسلم من البصرة :

( إنه آخذ بثلاث ، تارك لثلاث :

آخذ بقلوب الرجال إذا حدث

وبحُسن الإستماع إذا حدث

وبأيسر الأمرين إذا خُولف

وتارك المِراء ومُصادقة اللئام وما يُعتذر منه )

- قال مجاهد : ( كان ابن عباس يسمى البحر من كثرة علمه )

وكان عطاء يقول : ( قال البحرُ وفعل البحر )


تنوع ثقافته




كان تنوع ثقافته، وشمول معرفته ما يبهر الألباب ، فهو الحبر الحاذق الفطن في كل علم..

في تفسير القرآن وتأويله وفي الفقه.. وفي التاريخ.. وفي لغة العرب وآدابهم ..

ومن ثم فقد كان مقصد الباحثين عن المعرفة، يأتيه الناس أفواجا من أقطار

الاسلام، ليسمعوا منه، وليتفقهوا عليه..

حدث أحد أصحابه ومعاصريه فقال :

( لقد رأيت من ابن عباس مجلسا، لو أن جميع قريش فخرت به، لكان لها به

الفخررأيت الناس اجتمعوا على بابه حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر أن يجيء ولا أن يذهب..

فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال لي:

ضع لي وضوءا، فتوضأ وجلس وقال:

أخرج اليهم، فادع من يريد أن يسأل عن القرآن وتأويله.

.فخرجت فآذنتهم: فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سالوا عن شيء الا اخبرهم
وزاد..

ثم قال لهم : اخوانكم.. فخرجوا ليفسحوا لغيرهم.

ثم قال لي : أخرج فادع من يريد أن يسأل عن الحلال والحرام..

فخرجت فآذنتهم : فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوا عن شيء الا أخبرهم وزادهم..

ثم قال: اخوانكم.. فخرجوا..

ثم قال لي: ادع من يريد أن يسأل عن الفرائض، فآذنتهم، فدخلوا حتى ملؤا

البيت، فما سألوه عن شيء الا أخبرهم وزادهم..

ثم قال لي: ادع من يريد أن يسال عن العربية، والشعر..

فآذنتهم فدخلوا حتى ملؤا البيت، فما سألوه عن شيء الا أخبرهم وزادهم )



دليل فضله




كان أناس من المهاجرين قد وجدوا على عمر رضي الله عنه في إدنائه ابن

عباس رضي الله عنه دونَهم ، فقال عمر :

( أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله )

فسألهم عن هذه سورة النصر :

(( إذا جاء نصر اللهِ والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ))

قال بعضهم : ( أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا رأى الناس يدخلون

في دين الله أفواجا أن يحمدوه ويستغفروه )

قال عمر رضي الله عنه :( يا ابن عباس ، ألا تكلم ؟ )

قال رضي الله عنه :

( أعلمه متى يموت ، قال :

(( إذا جاءَ نصر الله والفتح ))

والفتح فتح مكة

(( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ))

فهي آيتك من الموت

(( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ))

ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها ، فقال بعضهم :

( كُنا نرى أنها في العشر الأوسط ، ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر )

وقال بعضهم : ( ليلة إحدى وعشرين )

وقال بعضهم : ( ثلاث و عشريـن )

وقال بعضهم :( سبع وعشريـن )

فقال بعضهم لابـن عباس رضي الله عنه :( ألا تكلم )

قال رضي الله عنه : ( الله أعلم )

قالوا : ( قد نعلم أن الله أعلم ، إنما نسألك عن علمك )

فقال ابن عباس رضي الله عنه :( الله وتر يُحِب الوتر ، خلق من خلقِه

سبع سموات فاستوى عليهن ، وخلق الأرض سبعا ، وخلق عدة الأيام

سبعا ، وجعل طوافاً بالبيت سبعا ، ورمي الجمار سبعا، وبين الصفا

والمروة سبعا ، وخلق الإنسان من سبع ، وجعل رزقه من سبعٍ )

قال عمر رضي الله عنه : ( وكيف خلق الإنسان من سبع ، وجعل رزقه من

سبع ؟ فقد فهمت من هذا أمراً ما فهمتُه ؟ )

قال ابن عباس رضي الله عنه :

( إن الله يقول :

(( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين *

ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام

لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ))

ثم قرأ :

(( أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقاً *فأنبتنا فيها حبا * وعنبا

وقضبا * وزيتونا و نخلا * وحدائق غلبا * وفاكهة وأبا ))

وأما السبعة فلبني آدم ، والأب فما أنبتت الأرض للأنعام ، وأما ليلة القدر

فما نراها إن شاء الله إلا ليلة ثلاث وعشرين يمضين وسبع بقين )




المنطق والحُجة مع الخوارج





مع غزارة علمه، ونفاذ حجته، لم يكن يرى في الحوار والمناقشة معركة

ذكاء، يزهو فيها بعلمه، ثم بانتصاره على خصمه..

بل كان يراها سبيلا قويما لرؤية الصواب ومعرفته..

ولطالما روع الخوارج بمنطقه الصارم العادل..

ولقد بعث به الامام علي كرم الله وجهه ذات يوم الى طائفة كبيرة منهم

فدار بينه وبينهم حوار رائع وجه فيه الحديث وساق الحجة بشكل

يبهر الألباب..

سألهم ابن عباس رضي الله عنه :

( ماذا تنقمون من علي ؟ )

قالوا :

ننتقم منه ثلاثا :

أولاهن : أنه حكم الرجال في دين الله، والله يقول ان الحكم الا لله..

والثانية : أنه قاتل، ثم لم يأخذ من مقاتليه سبيا ولا غنائم، فلئن كانوا كفارا،

فقد حلت أموالهم، وان كانوا مؤمنين فقد حرمت عليه دماؤهم.

والثالثة : رضي عند التحكيم أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، استجابة

لأعدائه، فان لم يكن امير المؤمنين، فهو أمير الكافرين.

وأخذ ابن عباس رضي الله عنه يفند أهواءهم فقال :

" أما قولكم : انه حكم الرجال في دين الله، فأي بأس..؟ ان الله يقول:

(( يا أيها الذين آمنوا، لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم * ومن قتله منكم متعمدا

فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ))

فنبؤني بالله : أتحكيم الرجال في حقن دماء المسلمين أحق وأولى، أم

تحكيمهم في أرنب ثمنها درهم..؟ )

وتلعثم زعماؤهم تحت وطأة هذا المنطق الساخر والحاسم ، واستأنف حبر

الأمة رضي الله عنه حديثه :

( وأما قولكم : انه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فهل كنتم تريدون أن يأخذ عائشة

زوج الرسول وأم المؤمنين سبيا، ويأخذ أسلابها غنائم..؟ )

وهنا كست وجوههم صفرة الخجل، وأخذوا يوارون وجوههم بأيديهم..

وانتقل ابن عباس رضي الله عنه الى الثالثة :

( وأما قولكم : انه رضي أن يخلع عن نفسه صفة أمير المؤمنين، حتى يتم

التحكيم، فاسمعوا ما فعله الرسول يوم الحديبية، اذ راح يملي الكتاب الذي

يقوم بينه وبين قريش، فقال للكاتب:

اكتب. هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله.

فقال مبعوث قريش: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك..

فاكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله..

فقال لهم الرسول: والله اني لرسول الله وان كذبتم.. ثم قال لكاتب الصحيفة:

أكتب ما يشاءون : اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله )

واستمر الحوار بين ابن عباس رضي الله عنه والخوارج على هذا النسق الباهر المعجز..

وما كاد ينتهي النقاش بينهم حتى نهض منهم عشرون ألفا، معلنين اقتناعهم،

ومعلنين خروجهم من خصومة الامام علي .


أخلاق العلماء





لم يكن ابن عباس رضي الله عنه يمتلك هذه الثروة الكبرى من العلم فحسب ،

بل كان يمتلك معها ثروة أكبر، من أخلاق العلم وأخلاق العلماء.

فهو في جوده وسخائه إمام وعالم..

انه ليفيض على الناس من ماله ، بنفس السماح الذي يفيض به عليهم من علمه ،

ولقد كان معاصروه يتحدثون فيقولون :

( ما رأينا بيتا أكثر طعاما، ولا شرابا، ولا فاكهة، ولا علما من بيت ابن عباس )

وهو طاهر القلب، نقي النفس، لا يحمل لأحد ضغنا ولا غلا.

وهوايته التي لا يشبع منها، هي تمنيه الخير لكل من يعرف ومن لا يعرف من

الناس وها هو يقول عن نفسه :

( اني لآتي على الآية من كتاب الله فأود لو أن الناس جميعا علموا مثل

الذي أعلم ، واني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل،

ويحكم بالقسط ،فأفرح به وأدعو له ، ومالي عنده قضية ، واني لأسمع

بالغيث يصيب للمسلمين أرضا فأفرح به، ومالي بتلك الأرض سائمة )

وهو عابد قانت أواب ، يقوم من الليل ، ويصوم من الأيام ، ولا تخطئ

العين مجرى الدموع تحت خديه ، اذ كان كثير البكاء كلما صلى ، وكلما قرأ القرآن..

فاذا بلغ في قراءته بعض آيات الزجر والوعيد، وذكر الموت، والبعث علا نشيجه ونحيبه.

ركب زيد بن ثابت فأخذ ابن عباس رضي الله عنهما بركابه فقال له :

( لا تفعل يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم )

قال رضي الله عنه : ( هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا )

فقال له زيد رضي الله عنه : ( أرني يديك )

فأخرج يديه فقبلهما وقال :

( هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم )


موقفه من الفتنة





كان رضي الله عنه الى جانب علمه شجاع ، أمين ، حصيف..

ولقد كان له في الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما آراء تدل على امتداد فطنته ، وسعة حيلته.

فهو يؤثر السلام على الحرب.. والرفق على العنف.. والمنطق على القسر

و عندما هم الحسين رضي الله عنه بالخروج الى العراق ليقاتل زيادا،

ويزيد، تعلق ابن عباس به واستمات في محاولة منعه..

فلما بلغه فيما بعد نبأ استشهاده، أقضه الحزن عليه، ولزم داره.

وفي كل خلاف ينشب بين مسلم ومسلم، لم تكن تجد ابن عباس رضي الله

عنه الا حاملا راية السلم، والتفاهم واللين..

صحيح أنه خاض المعركة مع الامام علي رضي الله عنه ضد معاوية ،

ولكنه فعل ذلك لأن المعركة في بدايتها كانت تمثل ردعا لازما لحركة

انشقاق رهيبة، تهدد وحدة الدين ووحدة المسلمين.



البصرة





كان ابن عباس رضي الله عنه أمير البصرة ، وكان يغشى الناس في شهر

رمضان ، فلا ينقضي الشهر حتى يفقههم ، وكان إذا كان آخر ليلة من شهر

رمضان يعظهم ويتكلم بكلام يروعهم ويقول :

( ملاك أمركم الدين ، ووصلتكم الوفاء ، وزينتكم العلم ، وسلامتكم الحلم

وطولكم المعروف ، إن الله كلفكم الوسع ، اتقوا الله ما استطعتم )



الوصية




قال جندب لابن عباس رضي الله عنهما : أوصني بوصية

قال رضي الله عنه :

( أوصيك بتوحيد الله ، والعمل له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، فإن

كل خير أنت آتيه بعد هذه الخصال منك مقبول ، وإلى الله مرفوع ،

يا جندب إنك لن تزداد من يومك إلا قربا ، فصل صلاة مودع ، وأصبح

في الدنيا كأنك غريب مسافر ، فإنك من أهل القبور ، وابكِ على ذنبك ،

وتب من خطيئتك ، ولتكن الدنيا أهون عليك من شسع نعليك ، وكأن قد

فارقتها ، وصرت إلى عدل الله ، ولن تنتفع بما خلفت ، ولن ينفعك إلا عملك )


اللسان



قال ابن بريدة رضي الله عنه :

( رأيت ابن عباس آخذا بلسانه ، وهو يقول :

ويحك ، قل خيرا تغنم أوِ اسكت عن شرتسلم ، وإلا فاعلم أنك ستندم )

فقيل له : يا ابن عباس !لم تقول هذا ؟

قال رضي الله عنه : ( إنه بلغني أن الإنسان ليس على شيء من جسده

أشد حنقا أو غيظا يوم القيامة منه على لسانه ، إلا قال به خيرا أو أملى به خيرا )



المعروف




وقال ابن عباس رضي الله عنه :

( لا يتم المعروف إلا بثلاثة :

تعجيله ، وتصغيره عنده وستره ، فإنه إذا عجله هيأه ، وإذا صغره عظمه ، وإذا ستره فخمه )


معاوية وهرقل

كتب هرقل إلى معاوية وقال :

( إن كان بقي فيهم من النبوة فسيجيبون عما أسألهم عنه )

وكتب إليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن البقعة التي لم تُصِبها الشمس

إلا ساعة واحدة ، فلما أتى معاوية الكتاب والرسول ، قال :

( هذا شيء ما كنت أراه أسأل عنه إلى يومي هذا ؟ )

فطوى الكتاب وبعث به إلى ابن عباس رضي الله عنه ، فكتب إليه :

( إن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق ، والمجرة باب السماء الذي تنشق

منه ، وأما البقعة التي لم تُصبها الشمس إلا ساعة من نهار فالبحر الذي انفرج عن بني إسرائيل




وفاته




عاش ابن عباس رضي الله عنه يملأ دنياه علما وحكمة ، وينشر بين الناس عبيره

وتقواه وفي آخر عمره كف بصره ..

وفي عامه الحادي والسبعين ، دعي للقاء ربه العظيم وشهدت مدينة الطائف

مشهدا حافلا لمؤمن يزف الى الجنان .

وبينما كان جثمانه يأخذ مستقره الآمن في قبره، كانت جنبات الأفق تهتز بأصداء وعد الله الحق :

(( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ))

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:29 PM
الفضل بن العباس

رديف رسول الله




هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف

القرشي الهاشمي رضي الله عنهما ، ابن عم الرسول صلى الله

عليه وسلم ، أبوه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه شيخ

قريش وزعيمها ، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية العامرية

أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنهما زوج النبي

صلى الله عليه وسلم ، وكنيته أبو محمد وأبو عبد الله ، وهو أسن

ولد العباس ، وكان العباس يكنى به رضي الله عنهما .


مواقفه


شهد الفضل رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

فتح مكة سنة 8هـ ، وغزا معه حنين ، وكان ممن ثبت مع رسول

الله صلى الله عليه وسلم من أهل بيته وأصحابه فيها ، حين ولى

الناس منهزمين ، وشهد مع الرسول عليه السلام حجة الوداع ، وأردفه

الرسول صلى الله عليه وسلم وراءه من المزدلفة إلى منى ، فيقال

له : رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم.
صفاته
كان الفضل رضي الله عنه جسيما وسيما ، وكان يقال :

من أراد الجمال والفقه والسخاء ، فليأت دار العباس رضي الله عنه :

الجمال للفضل ، والفقه لعبد الله ، والسخاء لعبيد الله ، وله ذكر

في كتب الحديث ، فقد روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم

أربعة وعشرين حديثا ، وروى عنه أخوه عبد الله ، وأبو هريرة

وربيعة بن الحارث ، وعباس بن عبيد الله بن العباس وغيرهم رضي الله عنهم.
أبناءه

أنجب الفضل رضي الله عنه ابنة واحدة هي أم كلثوم بنت الفضل ،

تزوجها الحسن بن علي بن أبي طالب ثم فارقها فتزوجها أبو موسى الأشعري رضي الله عنهما.
شجاعته في معركة اليرموك
قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه :

( فلله در خالد بن الوليد رضي الله عنه والزبير بن العوام وعبد الرحمن

بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه والفضل بن العباس وضرار بن الازور

وعبدالله بن عمر بن الخطاب رضوان الله عليهم أجمعين لقد رأيت هؤلاء

الستة قد قرنوا مناكبهم في الحرب وقام بعضهم بجنب بعض وهم لا

يفترقون وزادت الحرب اشتعالا وخرقت الاسنة صدور الليوث حتى بلغت

الى خزائن القلوب لانقطاع الآجال ولم يزالوا في القتال الشديد الذي ما عليه من مزيد ..

ولله در الزبير ابن العوام والفضل بن العباس وهم ينادون :

أفرجوا يا معاشر الكلاب وتباعدوا عن الاصحاب نحن الفرسان

هذا الزبير بن العوام وأنا الفضل بن العباس أنا أبن عم رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه :

فوحق رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أحصيت للفضل بن العباس

عشرين حملة يحملها عن خالد بن الوليد حتى أزال عنه الرجال

والابطال وحملوا على المشركين حملة عظيمة ولم يزالوا في القتال

يومهم الى أن جنحت الشمس الى الغروب )
درس لطيف في غض البصر
قال قدامه بن عبد الله رضي الله عنه :

( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة من بطن

الوادي يوم النحر على ناقة صهباء ، وازدحم الناس حوله فقال :

" يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا وإذا رميتم فارموا بمثل حصى

الحذف ، ولتأخذوا مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه "

وكان الناس حولـه يصله من شاء منهم ، الرجل والمرأة ، والكبير

والصغير ، لا يُدفع عنه أحد ولا يُبعد ، فجاءت امرأة حسناء شابة تسأله

والفضل ردفه ، وكان شابا وسيما وضيئا حسن الشعر ، فجعلت تنظر

إليه وطفق ينظر إليها وأعجبه حسنها ، فالتفت النبي صلى الله عليه

وسلم فإذا الفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل ، فدفع

وجهه عن النظر إليها ، فنظر من الشق الآخر فصرف وجهه مرة أخرى ،

حتى قال أبوه العباس :

يا رسول الله لويت عنق ابن عمك ، فقال صلى الله عليه وسلم :

" رأيت غلاماً حدثاً وجارية حدثة فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان "

فقالت المرأة : يا رسول الله ، إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا ،

لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟

قال صلى الله عليه وسلم : " نعم حجي عنه ")

لقد تفهم النبي صلى الله عليه وسلم نوازع الشباب ، وما جبلت

عليه النفوس الفتية فسارع بالتأديب اللطيف الذي يجمع الرفق والمودة،

ولم يستثيره تكرر المشهد إلى العنف أو الغلظة على ابن عمه وقريبه

دون المرأة لأن الفضل رضي الله عنه يحتمل من رسول الله صلى الله

عليه وسلم ما لا تحتمله فتاة غريبة.
وفاته

اختلف الرواة في تاريخ وفاته ، منها أنه خرج إلى بلاد الشام مجاهدا

واستشهد في معركة اليرموك ، ومنها انه توفي في طاعون عمواس في

نواحي الأردن سنة 18هـ في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:30 PM
البراء بن مالك



هو ثاني أخوين عاشا في الله ، وأعطيا رسول الله صلى الله عليه

وسلم عهدا نكا وأزهر مع الأيام ...

أما أولهما فهو أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله

عليه وسلم ، أخذته أمه أم سليم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعمره

يوم ذاك عشر سنين وقالت :

( يا رسول الله هذا أنس غلامك يخدمك، فادع الله له )

فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه ودعا له دعوة ظلت تحدو

عمره الطويل نحو الخير والبركة ، دعا له رسول صلى الله عليه وسلم

فقال : " اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له، وأدخله الجنة "

فعاش تسعا وتسعين سنة ، ورزق من البنين والحفدة كثيرين ، كما أعطاه

لله فيما أعطاه من رزق ، بستانا رحبا ممرعا ، كان يحمل الفاكهة في العام مرتين.

وثاني الأخوين ، هو البراء بن مالك رضي الله عنه الذي عاش حياته العظيمة

المقدامة ، وشعاره : ( الله ، والجنة )

ومن كان يراه ، وهو يقاتل في سبيل الله ، كان يرى عجبا يفوق العجب ،

فلم يكن البراء حين يجاهد المشركين بسيفه ممن يبحثون عن النصر ، وان

يكن النصر آنئذ أجل غاية ، إنما كان يبحث عن الشهادة...

كانت كل أمانيه ، أن يموت شهيدا ، ويقضي نحبه فوق أرض معركة مجيدة

من معارك الإسلام والحق ، من أجل هذا، لم يتخلف عن مشهد ولا غزوة ،

وذات يوم ذهب إخوانه يعودونه ، فقرأ وجوههم ثم قال :

( لعلكم ترهبون أن أموت على فراشي .. لا والله ، لن يحرمني ربي الشهادة )

ولقد صدق الله ظنه فيه ، فلم يمت البراء على فراشه ، بل مات شهيدا في

معركة من أروع معارك الإسلام.
يوم اليمامة



لقد كانت بطولة البراء رضي الله عنه يوم اليمامة خليقة به ، خليقة بالبطل

الذي كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي ألا يكون قائدا أبدا ، لأن

جسارته وإقدامه ، وبحثه عن الموت ، كل هذا يجعل قيادته لغيره من

المقاتلين مخاطرة تشبه الهلاك.

وقف البراء يوم اليمامة وجيوش الإسلام تحت إمرة خالد تتهيأ للنزال ، وقف

يتلمظ مستبطئا تلك اللحظات التي تمركأنها السنين ، قبل أن يصدر القائد أمره بالزحف ..

وعيناه الثاقبتان تتحركان في سرعة ونفاذ فوق أرض المعركة كلها ، كأنهما

تبحثان عن أصلح مكان لمصرع البطل.

ونادى خالد رضي الله عنه : ( الله أكبر )

فانطلقت الصفوف المرصوصة إلى مقاديرها ، وانطلق معها عاشق الموت

البراء بن مالك ، وراح يجندل أتباع مسيلمة الكذاب بسيفه ، وهم يتساقطون

كأوراق الخريف تحت وميض بأسه.

لم يكن جيش مسيلمة هزيلا، ولا قليلا ، بل كان أخطر جيوش الردة جميعا

وكان بأعداده ، وعتاده ، واستماتة مقاتليه ، خطرا يفوق كل خطر.

ولقد أجابوا على هجوم المسلمين شيء من الجزع ، وانطلق زعماؤهم

وخطباؤهم يلقون من فوق صهوات جيادهم كلمات التثبيت ، ويذكرون بوعد الله.

وكان البراء بن مالك جميل الصوت عاليه ، وناداه القائد خالد رضي الله

عنه وقال : ( تكلم يا براء )

فصاح البراء رضي الله عنه بكلمات تناهت في الجزالة ، والدلالة ،

و القوة : ( يا أهل المدينة.. لا مدينة لكم اليوم .. إنما هو الله والجنة )

كلمات تدل على روح قائلها وتنبئ بخصاله ، ومضى وقت وجيز عادت

بعده المعركة إلى نهجها الأول ..

المسلمون يتقدمون، يسبقهم نصر مؤزر ، والمشركون يتساقطون في

حضيض هزيمة منكرة ..

والبراء رضي الله عنه هناك مع إخوانه يسيرون براية محمد صلى

الله عليه وسلم إلى موعدها العظيم ..

واندفع المشركون إلى الوراء هاربين ، واحتموا بحديقة كبيرة دخلوها ولاذوا بها ..

وبردت المعركة في دماء المسلمين ، و تغير مصيرها بهذه الحيلة التي

لجأ إليها أتباع مسيلمة وجيشه ..

وهنا علا البراء رضي الله عنه ربوة عالية وصاح :

( يا معشر المسلمين .. احملوني وألقوني عليهم في الحديقة )

ولقد تصور في هذه الخطة خير ختام لحياته ، وخير صورة لمماته

فهو حين يقذف به الى الحديقة ، يفتح المسلمين بابها ، وفي نفس الوقت

كذلك تكون أبواب الجنة تأخذ زينتها وتتفتح لاستقبال عرس جديد

ومجيد ، ولم ينتظر البراء رضي الله عنه أن يحمله قومه ويقذفوا به ،

فاعتلى هو الجدار ، وألقى بنفسه داخل الحديقة وفتح الباب ، واقتحمته جيوش الإسلام ..

ولكن حلم البراء لم يتحقق ، فلا سيوف المشركين اغتالته ، ولا هو لقي

المصرع الذي كان يمني به نفسه..

وصدق أبو بكر رضي الله عنه : ( احرص على الموت .. توهب لك الحياة )

صحيح أن جسد البطل تلقى يومئذ من سيوف المشركين بضعا وثمانين ضربة ،

أثخنته ببضع وثمانين جراحة ، حتى لقد ظل بعد المعركة شهرا كاملا ، يشرف

خالد بن الوليد رضي الله عنه بنفسه على تمريضه..

ولكن كل هذا الذي أصابه كان دون غايته وما يتمنى ..

بيد أن ذلك لا يحمل البراء على اليأس ، فغدا تجيء معركة ، ومعركة ، ومعركة ..

ولقد تنبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه مستجاب الدعوة ..

فليس عليه الا أن يدعو ربه دائما أن يرزقه الشهادة ، ثم عليه ألا يعجل ، فلكل أجل كتاب.
حروب العراق



ويبرأ البراء من جراحات يوم اليمامة ، وينطلق مع جيوش الإسلام التي ذهبت تشيع

قوى الظلام إلى مصارعها .. هناك حيث تقوم امبراطوريتان فانيتان ، الروم والفرس ،

تحتلان بجيوشهما الباغية بلاد الله ، وتستعبدان عباده ..

ويضرب البراء بسيفه ، ومكان كل ضربة يقوم جدار شاهق في بناء العالم الجديد

الذي ينمو تحت راية الإسلام نموا سريعا كالنهار المشرق ..

وفي إحدى حروب العراق لجأ الفرس في قتالهم إلى كل وحشية دنيئة يستطيعونها

فاستعملوا كلاليب مثبتة في أطراف سلاسل محمأة بالنار ، يلقونها من حصونهم ،

فتخطف من تناله من المسلمين الذين لا يستطيعون منها فكاكا ..

وكان البراء وأخوه العظيم أنس بن مالك رضي الله عنهما قد وكل إليهما مع

جماعة من المسلمين أمر واحد من تلك الحصون ..

ولكن أحد هذه الكلاليب سقط فجأة ، فتعلق بأنس رضي الله عنه ولم يستطع

أنس رضي الله عنه أن يخلص نفسه ، إذ كانت السلسلة تتوهج لهبا ونارا ..

وأبصرالبراء المشهد فأسرع نحو أخيه الذي كانت السلسلة المحمأة تصعد

به على سطح جدار الحصن ، وقبض على السلسلة بيديه وراح يعالجها في

بأس شديد حتى قصمها وقطعها ، ونجا أنس وألقى البراء ومن معه نظرة

على كفيه فلم يجدوهما مكانهما.

لقد ذهب كل ما فيهما من لحم ، وبقي هيكلهما العظمي مسمرا محترقا

وقضى البطل فترة أخرى في علاج بطيء حتى بريء ..
موقعة تستر



أما آن لعاشق الموت أن يبلغ غايته ؟؟

بلى آن ...

وهاهي ذي موقعة تستر تجيء ليلاقي المسلمون فيها جيوش فارس

ولتكون لـ البراء رضي الله عنه عيدا أي عيد ..

احتشد أهل الأهواز ، والفرس في جيش كثيف ليناجزوا المسلمين ، وكتب

أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى سعد بن أبي وقاص

رضي الله عنه بالكوفة ليرسل إلى الأهواز جيشا ..

وكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بالبصرة ليرسل إلى الأهواز

جيشا ، قائلا له في رسالته :

( اجعل أمير الجند سهيل بن عدي وليكن معه البراء بن مالك )

والتقى القادمون من الكوفة بالقادمين من البصرة ليواجهوا جيش الأهواز و

جيش الفرس في معركة ضارية ..

كان الإخوان العظيمان بين الجنود المؤمنين ، أنس بن مالك ، والبراء بن مالك رضي الله عنهما ..

وبدأت الحرب بالمبارزة ، فصرع البراء رضي الله عنه وحده مائة مبارز من

الفرس ثم التحمت الجيوش ، وراح القتلى يتساقطون من الفريقين كليهما في

كثرة كاثرة .. واقترب بعض الصحابة من البراء رضي الله عنه ، والقتال دائر ،

ونادوه قائلين : ( أتذكر يا براء قول الرسول عنك :

" رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له ، لو أقسم على الله لأبره ، منهم البراء بن مالك "

يا براء أقسم على ربك، ليهزمهم وينصرنا )

ورفع البراء رضي الله عنه ذراعيه إلى السماء ضارعا داعيا :

( اللهم امنحنا أكنافهم .. اللهم اهزمهم .. وانصرنا عليهم وألحقني اليوم بنبيك )

وألقى على جبين أخيه أنس الذي كان يقاتل قريب منه نظرة طويلة ، كأنه يودعه ..

وانقذف المسلمون في استبسال لم تألفه الدنيا من سواهم ، ونصروا نصرا مبينا.
وترجل الفارس



وسط شهداء المعركة ، كان هناك البراء رضي الله عنه تعلو وجهه ابتسامة

هانئة كضوء الفجر ، وتقبض يمناه على حثية من تراب مضمخة بدمه الطهور ،

وسيفه ممدا الى جواره قويا غير مثلوم ..

لقد بلغ المسافر داره ..

وأنهى مع اخوانه الشهداء رحلة عمر جليل وعظيم ، ونودوا :

(( أن تلكم الجنة * أورثتموها بما كنتم تعملون ))

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:32 PM
أنس بن مالك

أنس بن مالك بن النضر الخزرجي الأنصاري ، ولد بالمدينة ،

وأسلم صغيرا وهو أبو ثمامة الأنصاري النجاري ، وأبو حمزة

كناه بهذا الرسـول صلى الله عليه وسلم وخدم رسول الله صلى

الله عليه وسلم عشر سنوات .
خدمة النبي



يقول أنس رضي الله عنه :

أخذت أمي بيدي وانطلقت بي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :

( يا رسول الله إنه لم يبقى رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وقد

أتحفك بتحفة ، وإني لا أقدر على ما أتحفك به إلا ابني هذا ، فخذه فليخدمك ما بدا لك )

فخدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما

ضربني ضربة ، ولا سبني سبة ، ولا انتهرني ، ولا عبس

في وجهي ، فكان أول ما أوصاني به أن قال :

( يا بُني أكتم سري تك مؤمنا )

فكانت أمي وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألنني عن

سر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أخبرهم به ، وما أنا

مخبر بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا أبدا .


تزكية النفس



كانت مدة صحبته أنس بن مالك رضي الله عنه عشر سنوات

كاملات , نهل فيها من هديه ما زكى به نفسه , ووعى من

حديثه ما ملأ به صدره , وعرف من أحواله و أخباره و أسراره

و شمائله ما لم يعرفه أحد سواه .

و لقي أنس بن مالك رضي الله عنه من كريم معاملة النبي صلى الله

عليه وسلم ما لم يظفر به ولد من والد ، وذاق من نبيل شمائله , و جليل خصاله ما تغبطه عليه الدنيا .
صور مضيئة



قال أنس بن مالك رضي الله عنه :

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا , و أرحبهم

صدرا و أوفرهم حنانا ، فقد أرسلني يوما لحاجة فخرجت ,

وقصدت صبيانا كانوا يلعبون في السوق لألعب معهم و لم أذهب

إلى ما أمرني به , فلما صرت إليهم شعرت بإنسان يقف خلفي ,

و يأخذ بثوبي ، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم

و يقول : " يا أُنيس أذهبت إلى حيث أمرتك؟ "

فارتبكت و قلت :

( نعم .. إني ذاهب الآن يا رسول الله

والله لقد خدمته عشر سنين , فما قال لشيء صنعته : لم صنعته ؟

ولا لشيء تركته : لم تركته ؟ )

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا نادى أنسا ناداه ( أنيسا )

بصيغ التصغير تحببا و تدليلا ، و كان يغدق عليه من نصائحه

و مواعظه ما ملأ قلبه و ملك لبه .

من ذلك قوله له :

" يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد

فافعل ، يابني إن ذلك من سنتي , و من أحيا سنتي فقد أحبني

و من أحبني كان معي في الجنة

يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم يكن بركة عليك و على أهل بيتك "
بركة دعاء النبي



عندما أخذته أمه ( أم سليم ) رضي الله عنهما الى رسـول

الله صلى الله عليه وسلم وعمره يوم ذاك عشر سنين قالت :

( يا رسـول الله ، هذا أنس غلامك يخدمك فادع الله له )

فقبله الرسـول صلى الله عليه وسلم بين عينيه ودعا له :

( اللهم أكثر ماله وولده وبارك له ، وأدخله الجنة )

فعاش تسعا وتسعيـن سنة ، ورزق من البنين والحفـدة الكثيريـن

كما أعطاه الله فيما أعطاه من الرزق بستانا رحبا ممرعا كان

يحمل الفاكهة في العام مرتين ، ومات وهو ينتظر الجنة .
الحديث عن الرسول



كان أنس رضي الله عنه قليل الحديث عن الرسول صلى الله عليه

وسلم ، فكان إذا حدث يقول حين يفرغ :

أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد حدث مرة بحديث

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل :

( أنت سمعته من رسول الله ؟ )

فغضب غضبا شديدا وقال :

( والله ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

ولكن كان يحدث بعضنا بعضا ، ولا نتهِم بعضنا )
البحرين



لما استخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعث الى أنس بن

مالك رضي الله عنه ليوجهه الى البحرين على السعاية ، فدخل

عليه عمر رضي الله عنه فقال له أبو بكر رضي الله عنه :

( إني أردت أن أبعث هذا الى البحرين وهو فتى شاب )

فقال له عمر رضي الله عنه :( ابعثه فإنه لبيب كاتب )
علمه



عاش أنس بن مالك رضي الله عنه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

أكثر من ثمانين عاما ، ملأ خلالها الصدور علما من علم الرسول صلى الله

عليه وسلم , و أحيا فيها القلوب بما بثه بين الصحابة والتابعين من

هدي النبي صلى الله عليه وسلم .

ولما مات أنس رضي الله عنه قال مؤرق العجلي :

( ذهب اليوم نصف العلم )

فقيل له : ( وكيف ذاك يا أبا المُغيرة ؟ )

قال : ( كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث عن

رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا له : تعال الى من سمعه منه )

يعني أنس بن مالك رضي الله عنه .
فضله



دخل ثابـت البناني على أنس بن مالك رضي اللـه عنه فقال :

( رأت عيناك رسـول اللـه صلى الله عليه وسلم ؟ )

فقال : ( نعم )

فقبلهما ثم قال : ( فمشت رجلاك في حوائج رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم ؟)

فقال :( نعم )

فقبّلهما ثم قال : ( فصببت الماء بيديك ؟ )

قال : ( نعم )

فقبلهما ثم قال له أنس رضي الله عنه :

( يا ثابت ، صببت الماء بيدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم لوضوئه فقال لي :

" يا غلام أسبغ الوضوء يزد في عمرك ، وأفش السلام تكثر حسناتك ،

وأكثر من قراءة القرآن تجيء يوم القيامة معي كهاتين "

وقال بأصبعيه هكذا السبابة والوسطى )

و ظل أنس بن مالك رضي الله عنه يعيش مع ذكرى رسول الله

صلى الله عليه وسلم ما امتدت به الحياة ، فكان شديد البهجة بيوم

لقائه ، سخي الدمعة على يوم فراقه , كثير الترديد لكلامه ، حريصا

على متابعة أقواله و أفعاله , يحب ما أحب , و يكره ما كره , و كان

أكثر ما يذكره من أيامه يومان :

يوم لقائه معه أول مرة , و يوم مفارقته له آخر مرة.

فإذا ذكر اليوم الأول سعد به و انتشى

و إذا خطر له اليوم الثاني انتحب و بكى و أبكى من حوله من الناس .

و كثيرا ما كان يقول :

( لقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يوم دخل علينا , و رأيته

يوم قبض منا , فلم أر يومين يشبهانهما ..

ففي يوم دخوله المدينة أضاء فيها كل شيء ...

وفي اليوم الذي أوشك فيه أن يمضي إلى جوار ربه أظلم فيها كل شيء ...

و كان آخر نظرة نظرتها إليه يوم الإثنين حين كشفت الستارة عن

حجرته , فرأيت وجهه كأنه ورقة مصحف , و كان الناس يومئذ

وقوفا خلف أبي بكر ينظرون إليه , و قد كادوا أن يضطربوا , فأشار إليهم أبو بكر أن اثبتوا .

ثم توفي الرسول عليه الصلاة والسلام فما نظرنا منظرا كان أعجب

إلينا من وجهه صلى الله عليه وسلم حين واريناه ترابه )


وفاته




توفي رضي الله عنه في البصرة ، فكان آخر من مات في البصرة

من الصحابة ، وكان ذلك على الأرجح سنة ( 93 هـ ) وقد تجاوز

المئة ودفن على فرسخين من البصرة ، قال ثابـت البُنانـي :

( قال لي أنس بن مالك : هذه شعرة من شعر رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فضعها تحت لساني )

قال : ( فوضعتها تحت لسانه ، فدُفن وهي تحت لسانه )

كما أنه كان عنده عُصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمات

فدفنت معه بين جيبه وبين قميصه ، وقال أنس بن سيرين :

شهدت أنس بن مالك وحضره الموت فجعل يقول :

( لقنوني لا إله إلا الله ، فلم يزل يقولوها حتى قبض )

هنيئا لأنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه على ما أسبغه الله عليه من خير ..

فقد عاش في كنف الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات كاملات ...

و كان ثالث اثنين في رواية حديثه هما أبو هريرة ,

و عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعا

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:34 PM
أنس بن النضرالشهيد الصادق



إنه الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه ، عم أنس

بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى اسمه

يسمى ، وينسب إلى بني النجار في المدينة.

ثناء النبي عليه



أسلم أنس رضي الله عنه بعد وصول رسول الله صلى الله عليه

وسلم إلى المدينة ، وقد أثنى عليه صلى الله عليه وسلم حيث ورد

في الأثر أن أخته كَسرت ثنية جارية فأمر رسول الله صلى الله عليه

وسلم بالقصاص فقال أنس رضي الله عنه :

( لا والله لاتكسر ثنيتها يا رسول الله )

فرضي القوم وقبلوا دية الكسر ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم :

" إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره "

وقد أحب أنس رسوله صلى الله عليه وسلم ، وظل مدافعا عنه حتى آخر قطرة دم في جسده .
تخلفه عن بدر



لم يعلم أنس رضي الله عنه بخروج النبي صلى الله عليه وسلم لقتال

المشركين يوم بدر، فحزن حزنا شديدا ، ونذر نفسه للشهادة في سبيل الله ليعوض ما فاته من يوم بدر.

وذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نادما أن فاتته غزوة بدر،

فقال للنبي صلى الله عليه وسلم :

( يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين والله لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع )
الوفاء بالوعد




لما كان يوم أحد ، خرج أنس بن النضر رضي الله عنه مع المسلمين ،

وهو يتمنى أن يلقى الله شهيدا في هذه الغزوة.

وبدأت المعركة وكان النصر حليف المسلمين إلى أن خالف الرماة أمر

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحول النصر إلى هزيمة ، وفر

عدد كبير من المسلمين ، ولم يثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم سوى

نفر قليل ، فلما رأى أنس بن النضر رضي الله عنه ذلك المشهد تذكر

على الفور وعده لله تعالى ، وقوله للرسول صلى الله عليه وسلم :

( لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع )

وذهب إلى رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم فقال :

( ما يجلسكم ؟ )

قالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال رضي الله عنه : ( فماذا تصنعون بالحياة بعده ؟

قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم )

ثم انطلق يشق صفوف المشركين قائلا :

( اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء " يعنى أصحابه " وأبرأ إليك

مما صنع هؤلاء " يعنى المشركين " )

ثم تقدم شاهرا سيفه ، فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال :

( أي سعد ، هذه الجنة ورب أنس إني لأجد ريحها دون أحد )

وأخذ يقاتل ويضرب بسيفه يمينا وشمالا ، حتى سقط شهيدا على أرض المعركة .

وبعد انتهاء القتال حكى سعد بن معاذ رضي الله عنه للنبي صلى

الله عليه وسلم ما صنعه أنس بن النضر رضي الله عنه ، وقال :

( فما استطعت يا رسول الله ما صنع )

رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه




قام الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليتفقدوا شهداء أحد ،

ويتعرفوا عليهم ، فوجدوا أنس بن النضر رضي الله عنه وبه بضعة

وثمانون جرحا ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم ،

وقد مثل به المشركون فلم يعرفه أحد إلا أخته الرُبيع بنت النضر عرفته ببنانه .

وروي أن هذه الآية الكريمة :

(( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى

نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ))

نزلت في أنس بين النضر ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم.

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:36 PM
عبد الله بن الزبير فارس الجزيرة
كان جنينا مباركا في بطن أمه، وهي تقطع الصحراء اللاهبة مغادرة مكة

الى المدينة على طريق الهجرة العظيم.

هكذا قدر لعبدالله بن الزبير رضي الله عنه أن يهاجر مع المهاجرين وهو لم يخرج الى الدنيا بعد .

وما كادت أمه أسماء رضي الله عنها وأرضاها، تبلغ قباء عند مشارف

المدينة، حتى جاءها المخاض ونزل المهاجر الجنين الى أرض المدينة في

نفس الوقت الذي كان ينزلها المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وحمل أول مولود في الهجرة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره

بالمدينة فقبله وحنكه، وكان أول شيء دخل جوف عبدالله بن الزبير رضي

الله عنه ريق النبي صلى الله عليه وسلم.

واحتشد المسلمون في المدينة، وحملوا الوليد في مهده، ثم طوفوا به في

شوارع المدينة كلها مهللين مكبرين.

ذلك أن اليهود حين نزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة

كبتوا واشتعلت أحقادهم، وبدؤا حرب الأعصاب ضد المسلمين، فأشاعوا

أن كهنتهم قد سحروا المسلمين وسلطوا عليهم العقم، فلن تشهد المدينة منهم وليدا جديدا.

فلما أهل عبدالله بن الزبير رضي الله عنه عليهم من عالم الغيب، كان وثيقة

دمغ بها القدر افك يهود المدينة وأبطل كيدهم وما يفترون.
طفولته

ان عبدالله لم يبلغ مبلغ الرجال في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولكنه تلقى من ذلك العهد، ومن الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم اتصاله

الوثيق به، كل خامات رجولته ومبادئ حياته التي اصبحت فيما بعد ملء الدنيا وحديث الناس.

وكانت كنيته ( أبا بكر ) مثل جده أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، ولقد

كُلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في غِلمة ترعرعوا ، منهم عبد الله بن

جعفر ، وعبد الله بن الزبير ، وعمر بن أبي سلمة فقيل له :

( يا رسول الله ، لو بايعتهم فتصيبهم بركتُك ويكون بهم ذكر )

فُأتي بهم إليه فكأنهم تكعكعوا -أي هابوا - حين جيء بهم إلى النبي

صلى الله عليه وسلم ، فاقتحم ابن الزبير أولهم ، فتبسم رسول الله صلى

الله عليه وسلم وقال : " إنه ابن أبيه "

وبايعوه .

لقد راح الطفل ينمو نموا سريعا، وكان خارقا في حيويته، وفطنته وصلابته

ومضى مع أيامه وقدره، وارتدى مرحلة الشباب، فكان شبابه طهرا، وعفة

ونسكا، وبطولة تفوق الخيال...

لقد اصبح رجلا يعرف طريقه، ويقطعه بعزيمة جبارة، وايمان وثيق وعجيب..
شربه دم رسول الله

أتى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم ،

فلما فرغ قال له : " يا عبد الله ، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد "

فلما برز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمد إلى الدم فشربه ، فلما رجع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا عبد الله ، ما صنعت ؟ "

قال رضي الله عنه : ( جعلته في أخفى مكان علمت أنه بخافٍ عن الناس )

قال صلى الله عليه وسلم : " لعلك شربته "

قال رضي الله عنه : ( نعم )

قال صلى الله عليه وسلم :

" ولِمَ شربت الدم ؟ ويل للناس منك ، وويل لك من الناس "

فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم .
إيمانه

على أن بطولته في القتال كانت برغم تفوقها واعجازها تتوارى أمام بطولته في العبادة.

فلا حسبه، ولا شبابه، ولا مكانته ورفعته، ولا أمواله ولا قوته ، لا شيء من

ذلك كله، استطاع أن يحول بين عبدالله بن الزبير رضي الله عنه وبين أن يكون

العابد الذي يصوم يومه، ويقوم ليله، ويخشع لله خشوعا يبهر الألباب.

قال عمر بن عبدالعزيز يوما لابن أبي مليكة :

( صف لنا عبدالله بن الزبير )

فقال : ( والله ما رأيت نفسا ركبت بين جنبين مثل نفسه ، ولقد كان يدخل في
الصلاة فيخرج من كل شيء اليها ، وكان يركع أو يسجد، فتقف العصافير

فوق ظهره وكاهله، لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده الا جدارا، أو ثوبا

مطروحا ، ولقد مرت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي، فوالله ما

أحس بها ولا اهتز لها، ولا قطع من أجلها قراءته، ولا تعجل ركوعه )

ان الأنباء الصادقة التي يرويها التاريخ عن عبادة ابن الزبير لشيء يشبه

الأساطيرفهو في صيامه، وفي صلاته، وفي حجه، وفي علو همته، وشرف نفسه..

وفي سهره طوال العمر قانتا وعابدا..

وفي ظمأ الهواجر طوال عمره صائما مجاهدا..

وفي ايمانه الوثيق بالله، وفي خشيته الدائمة له..

هو في كل هذا نسيج وحده..

سئل عنه ابن عباس رضي الله عنهما فقال على الرغم مما كان بينهما من خلاف:

( كان قارئا لكتاب الله، متبعا سنة رسوله ، قانتا لله، صائما في الهواجر

من مخافة الله ، ابن حواري رسول الله ، وأمه أسماء بنت الصديق ، وخالته

عائشة زوجة رسول الله ،فلا يجهل حقه الا من أعماه الله )
جهاده


في فتح افريقية والأندلس، والقسطنطينية ،كان وهو لم يجاوز السابعة

والعشرين بطلا من أبطال الفتوح الخالدين..

وفي معركة افريقية بالذات وقف المسلمون في عشرين ألف جندي أمام

عدو قوام جيشه مائة وعشرون ألفا ، ودار القتال، وغشي المسلمين خطر عظيم..

وألقى عبد الله بن الزبير رضي الله عنه نظرة على قوات العدو فعرف مصدر

قوتهم .. وما كان هذا المصدر سوى ملك البربر وقائد الجيش، يصيح في جنوده

ويحرضهم بطريقة تدفعهم الى الموت دفعا عجيبا..

وأدرك عبدالله رضي الله عنه أن المعركة الضارية لن يحسمها سوى سقوط هذا القائد العنيد..

هنالك نادى بعض اخوانه، وقال لهم : ( احموا ظهري، واهجموا معي )

وشق الصفوف المتلاحمة كالسهم صامدا نحو القائد، حتى اذا بلغه، هوى عليه

في كرة واحدة فهوى، ثم استدار بمن معه الى الجنود الذين كانوا يحيطون
بملكهم وقائدهم فصرعوهم..

ثم صاحوا الله أكبر..

ورأى المسلمون رايتهم ترتفع، حيث كان يقف قائد البربر يصدر أوامره

ويحرض جيشه، فأدركوا أنه النصر، فشدوا شدة رجل واحدة، وانتهى كل شيء لصالح المسلمين..

وعلم قائد الجيش المسلم عبدالله بن أبي سرح رضي الله عنه بالدور العظيم

الذي قام به ابن الزبير رضي الله عنهما فجعل مكافأته أن يحمل بنفسه بشرة

النصر الى المدينة والى خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه..
ابن معاوية

لقد كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه يرى أن ( يزيد بن معاوية بن أبي سفيان )

آخر رجل يصلح لخلافة المسلمين إن كان يصلح على الإطلاق ، فكيف يبايعه

الزبير ، لقد قال كلمة الرفض قوية صادعة لمعاوية وهو حي ، وها هو يقولها

ليزيد بعد أن أصبح خليفة ، وأرسل إلى ابن الزبير رضي الله عنهما يتوعده بشر

مصير ، هنالك قال ابن الزبير رضي الله عنهما : ( لا أبايع السكير أبدا )

ثم أنشد :

ولا ألين لغير الحق أسأله 00000 حتى يلين لِضرس الماضِغ الحَجر
الإمارة


بُويع لعبد الله بن الزبير رضي الله عنه بالخلافة سنة أربع وستين ، عقب موت

يزيد بن معاوية ، وظل ابن الزبير أميرا للمؤمنين متخِذا من مكة المكرمة عاصمة

خلافته ، باسطا حكمه على الحجاز و اليمن والبصرة و الكوفة وخُراسان والشام

كلها عدا دمشق بعد أن بايعه أهل هذه الأمصار جميعا ، ولكن الأمويين لا يقر

قرارهم ولا يهدأ بالهم ، فيشنون عليه حروبا موصولة ، وأثناء نزاعه مع الأمويين

زاره الحصين بن نمير قائد الجيش الذي أرسله يزيد لاخماد ثورة ابن الزبير رضي

الله عنهما ، زاره اثر وصول الأنباء الى مكة بموت يزيد..

وعرض عليه أن يذهب معه الى الشام، ويستخدم الحصين نفوذه العظيم هناك في أخذ البيعة لابن الزبير..

فرفض عبدالله هذه الفرصة الذهبية،لأنه كان مقتنعا بضرورة القصاص من جيش

الشام جزاء الجرائم البشعة التي ارتكبها رجاله من خلال غزوهم للمدينة، خدمة لأطماع الأمويين..

حتى جاء عهد عبد الملك بن مروان حين ندب لمهاجمة عبد الله في مكة واحدا من

أشقى بني آدم وأكثرهم قسوة وإجراما ، ذلكم هو ( الحجاج الثقفي ) الذي قال
عنه الإمام العادل عمر بن عبد العزيز :

( لو جاءت كل أمة بخطاياها ، وجئنا نحن بالحجاج وحده ، لرجحناهم جميعا )
الحجاج



لقد كان رضي الله عنه وهو في قوة خلقه وثبات سجاياه، يزري بثبات الجبال

واضح شريف قوي، على استعداد دائم لأن يدفع حياته ثمنا لصراحته واستقامة نهجه..

وعندما هاجمه الحجاج بجيشه، وفرض عليه ومن معه حصارا رهيبا، كان من

بين جنده فرقة كبيرة من الأحباش، كانوا من أمهر الرماة والمقاتلين..

ولقد سمعهم يتحدثون عن الخليفة الراحل عثمان رضي الله عنه، حديثا لا ورع

فيه ولا انصاف، فعنفهم وقال لهم :

( والله ما أحب أن أستظهر على عدوي بمن يبغض عثمان )

ثم صرفهم عنه في محنة هو فيها محتاج للعون، حاجة الغريق الى أمل ،

إن وضوحه مع نفسه، وصدقه مع عقيدته ومبادئه، جعلاه لا يبالي بأن يخسر

مائتين من أكفأ الرماة، لم يعد دينهم موضع ثقته واطمئنانه، مع أنه في

معركة مصير طاحنة، وكان من المحتمل كثيرا أن يغير اتجاهها بقاء هؤلاء الرماة الأكفاء الى جانبه.

ذهب الحجاج على رأس جيشه ومرتزقته لغزو مكة عاصمة ابن الزبير رضي الله

عنهما ، وحاصرها وأهلها قرابة ستة أشهر مانعا عن الناس الماء والطعام، كي

يحملهم على ترك عبدالله بن الزبير وحيدا، بلا جيش ولا أعوان.

وتحت وطأة الجوع القاتل استسلم الأكثرون، ووجد عبدالله نفسه، وحيدا أو يكاد،

وعلى الرغم من أن فرص النجاة بنفسه وبحياته كانت لا تزال مهيأة له، فقد قرر

أن يحمل مسؤوليته الى النهاية، وراح يقاتل جيش الحجاج في شجاعة أسطورية،

وهو يومئذ في السبعين من عمره.
الساعات الاخيرة

ولن نبصر صورة أمينة لذلك الموقف الفذ الا اذا اصغينا للحوار الذي دار بين عبدالله

وأمه العظيمة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما في تلك الساعات الأخيرة من حياته.

لقد ذهب اليها، ووضع أمامها صورة دقيقة لموقفه، وللمصير الذي بدا واضحا أنه

ينتظره ، فقالت له أسماء رضي الله عنها :

( يا بني: أنت أعلم بنفسك ، ان كنت تعلم أنك على حق ، وتدعو الى حق ، فاصبر عليه

حتى تموت في سبيله ، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية ، وان كنت تعلم

أنك أردت الدنيا ، فلبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك )

قل عبد الله رضي الله عنه :

( والله يا أماه ما أردت الدنيا ، ولا ركنت اليها ، وما جرت في حكم الله أبدا ، ولا ظلمت و لا غدرت )

قالت أمه أسماء رضي الله عنها :

( اني لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا إن سبقتني الى الله أو سبقتك

اللهم ارحم طول قيامه في الليل ، وظمأه في الهواجر ، وبره بأبيه وبي
اللهم اني اسلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبني في عبدالله بن الزبير ثواب الصابرين الشاكرين )

وتبادلا معا عناق الوداع وتحيته.
الشهيد

وبعد ساعة من الزمان انقضت في قتال مرير غير متكافئ، تلقى الشهيد العظيم

ضربة الموت ، في وقت استأثر الحجاج فيه بكل ما في الأرض من حقارة ولؤم ،

فأبى الا أن يصلب الجثمان الهامد، تشفيا وخسة.

وقامت أمه رضي الله عنها ، وعمرها يومئذ سبع وتسعون سنة ، قامت لترى

ولدها المصلوب كالطود الشامخ ..

واقترب الحجاج منها في هوان وذلة قائلا لها :

يا أماه ، إن أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان قد أوصاني بك خيرا ،

فهل لك من حاجة..؟

فصاحت رضي الله عنها به قائلة :

( لست لك بأم ، انما أنا أم هذا المصلوب على الثنية ، وما بي اليكم حاجة ،

ولكني أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

" يخرج من ثقيف كذاب ومبير "

فأما الكذاب فقد رأيناه ، وأما المبير ، فلا أراه الا أنت )

واقدم منها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما معزيا، وداعيا اياها الى الصبر ،

فأجابته قائلة :

( وماذا يمنعني من الصبر ، وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا الى بغي من بغايا بني اسرائيل )

يا لعظمتك يا ابنة الصديق ، أهناك كلمات أروع من هذه تقال للذين فصلوا

رأس عبدالله بن الزبير عن رأسه قبل أن يصلبوه..؟؟

ما أروع التشبيه ، وما أصدق الكلمات.

وبعد ، فهل كان يمكن لعبدالله بن الزبير أن يحيا حياته دون هذا المستوى

البعيد من التفوق ، والبطولة والصلاح ، وقد كان له أم من هذا الطراز ..

سلام على عبدالله.. وسلام على أسماء.. سلام عليهما في الشهداء الخالدين..

وسلام عليهما في الأبرار المتقين.

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:38 PM
عبدالرحمن بن أبي بكر

بطل حتى النهاية
هو صورة مبينة للخلق العربي بكل أعماقه، وأبعاده ، فبينما كان

أبوه أول المؤمنين والصديق الذي آمن برسوله إيمانا ليس من طراز

سواه وثاني اثنين اذ هما في الغار ، كان هو صامدا كالصخر مع دين قومه ، وأصنام قريش.

وفي غزوة بدر، خرج مقاتلا مع جيش المشركين ، وفي غزوة أحد

كان كذلك على رأس الرماة الذين جندتهم قريش لمعركتها مع المسلمين

وقبل أن يلتحم الجيشان ، بدأت كالعادة جولة المبارزة ، ووقف عبدالرحمن

يدعو إليه من المسلمين من يبارزه ، ونهض أبوه أبو بكر الصديق

رضي الله عنه مندفعا نحوه ليبارزه ، ولكن الرسول صلى الله عليه

وسلم أمسك به وحال بينه وبين مبارزة ولده.

إن العربي الأصيل لا يميزه شيء مثلما يميزه ولاؤه المطلق لاقتناعه

إذا اقتنع بدين أو فكرة استعبده اقتناعه، ولم يعد للفكاك منه سبيل ،

اللهم إلا إذا أزاحه عن مكانه اقتناع جديد يملأ عقله ونفسه بلا زيف، وبلا خداع.

فعلى الرغم من إجلال عبدالرحمن أباه ، وثقته الكاملة برجاحة عقله ،

وعظمة نفسه وخلقه ، فان ولاءه لاقتناعه بقي فارضا سيادته عليه.

ولم يغره إسلام أبيه باتباعه.

وهكذا بقي واقفا مكانه ، حاملا مسؤولية اقتناعه وعقيدته ، يذود عن

آلهة قريش ، ويقاتل تحت لوائها قتال المؤمنين المستميتين.

والأقوياء الأصلاء من هذا الطراز ، لا يخفى عليهم الحق وان طال المدى ،

فأصالة جوهرهم ، ونور وضوحهم ، يهديانهم إلى الصواب آخر الأمر ، ويجمعانهم على الهدى والخير.
اسلامه
لقد دقت ساعة الأقدار يوما ، معلنة ميلادا جديدا لعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما

لقد أضاءت مصابيح الهدى نفسه فكنست منها كل ما ورثته الجاهلية من ظلام وزيف.

ورأى الله الواحد الأحد في كل ما حوله من كائنات وأشياء ، وغرست

هداية الله ظلها في نفسه وروعه ، فإذا هو من المسلمين .

ومن فوره نهض مسافرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أوابا إلى دينه الحق.

وتألق وجه أبي بكر رضي الله عنه تحت ضوء الغبطة وهو يبصر

ولده يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد كان في كفره رجلا ، وها هو ذا يسلم اليوم إسلام الرجال ،

فلا طمع يدفعه ، ولا خوف يسوقه ، وإنما هو اقتناع رشيد سديد أفاءته عليه هداية الله وتوفيقه.

وانطلق عبدالرحمن رضي الله عنه يعوض ما فاته ببذل أقصى

الجهد في سبيل الله ، ورسوله والمؤمنين.
ما بعد الإسلام



في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي أيام خلفائه من بعده ،

لم يتخلف عبدالرحمن رضي الله عنه عن غزوة، ولم يقعد عن جهاد مشروع.

ولقد كان له يوم اليمامة بلاء عظيم ، وكان لثباته واستبساله دور

كبير في كسب المعركة من جيش مسيلمة والمرتدين ، بل انه

هو الذي أجهز على حياة محكم بن الطفيل ، والذي كان العقل

المدبر لمسيلمة ، كما كان يحمي بقوته أهم مواطن الحصن الذي

تحصن جيش الردة بداخله ، فلما سقط محكم بضربة من عبدالرحمن

رضي الله عنه وتشتت الذين حوله ، انفتح في الحصن مدخل واسع

كبير تدفقت منه مقاتلة المسلمين.
قوة شخصيته


لقد كان جوهر شخصيته رضي الله عنه الولاء المطلق لما يقتنع به ،

ورفضه للمداهنة في أي ظرف كان ، وازدادت خصال عبدالرحمن

رضي الله عنه في ظل الإسلام مضاء وصقلا.

فولاؤه لاقتناعه، وتصميمه المطلق على اتباع ما يراه صوابا وحقا ، ورفضه المداهنة ...

كل هذا الخلق ظل جوهر شخصيته وجوهر حياته ، لم يتخل عنه قط

تحت إغراء رغبة ، أو تأثير رهبة، حتى في ذلك اليوم الرهيب ، يوم

قرر معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد بحد السيف ، فكتب إلى مروان عامله

بالمدينة كتاب البيعة ، وأمره أن يقرأه على المسلمين في المسجد.

وفعل مروان ، ولم يكد يفرغ من قراءته حتى نهض عبدالرحمن بن أبي

بكر رضي الله عنهما ليحول الوجوم الذي ساد المسجد إلى احتجاج

مسموع ومقاومة صادعة فقال :

( والله ما الأخيار أردتم لأمة محمد ، ولكنكم تريدون أن تجعلوها

هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل )

لقد رأى عبدالرحمن رضي الله عنه كل الأخطار التي تنتظر الإسلام

لو أنجز معاوية أمره هذا ، وحول الحكم في الإسلام من شورى تختار

بها الأمة حاكمها، إلى قيصرية أو كسروية تفرض على الأمة بحكم

الميلاد والمصادفة قيصرا وراء قيصر.

لم يكد عبدالرحمن يصرخ في وجه مروان بهذه الكلمات القوارع ،

حتى أيده فريق من المسلمين على رأسهم الحسين بن علي ، وعبدالله

بن الزبير، وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم .

ولقد طرأت فيما بعد ظروف قاهرة اضطرت الحسين وابن الزبير

وابن عمر رضي الله عنهم إلى الصمت تجاه هذه البيعة التي قرر معاوية أن يأخذها بالسيف.

لكن عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه ظل يجهر ببطلان هذه

البيعة، وبعث إليه معاوية من يحمل مائة ألف درهم، يريد أن يتألفه

بها، فألقاها ابن الصديق رضي الله عنهما بعيدا وقال لرسول معاوية :

( ارجع إليه وقل له : إن عبدالرحمن لا يبيع دينه بدنياه )

ولما علم بعد ذلك أن معاوية يشد رحاله قادما إلي المدينة غادرها من فوره إلي مكة.وفاته

وأراد الله أن يكفيه فتنة هذا الموقف وسوء عقباه ، فلم يكد يبلغ

مشارف مكة ويستقر بها حتى فاضت الى الله روحه ، وحمله الرجال

على الأعناق إلى أعالي مكة حيث دفن هناك، تحت ثرى الأرض التي

شهدت جاهليته ، وشهدت اسلامه.

وكان إسلام رجل صادق ، حر شجاع ...

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:43 PM
أسامة بن زيد

الحِب بن الحِب



جلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقسم أموال بيت المال

على المسلمين ، وجاء دور عبدالله بن عمر رضي الله عنه ، فأعطاه عمر رضي الله عنه نصيبه.

ثم جاء دور أسامة بن زيد رضي الله عنه ،فأعطاه عمر رضي الله عنه ضعف

ما أعطى ولده عبدالله رضي الله عنه .

وإذا كان عمر رضي الله عنه يعطي الناس وفق فضلهم، وبلائهم في الاسلام،

فقد خشي عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن يكون مكانه في الاسلام آخرا،

وهو الذي يرجو بطاعته، وبجهاده، وبزهده، وبورعه، أن يكون عند الله من السابقين..

هنالك سأل أباه قائلا :

لقد فضلت علي أسامة، وقد شهدت مع رسول الله ما لم يشهد ؟

فأجابه عمر رضي الله عنه :

( ان أسامة كان أحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك ، وأبوه كان أحب الى رسول الله من أبيك )

فمن هذا الذي بلغ هو وأبوه من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وحبه ما لم

يبلغه ابن عمر رضي الله عنه ، وما لم يبلغه عمر رضي الله عنه بذاته..؟؟

انه أسامة بن زيد رضي الله عنه كان لقبه بين الصحابة : الحِب بن الحِب ..

أبوه زيد بن حارثة رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي

آثره على أبيه وأمه وأهله ، والذي وقف به النبي صلى الله عليه وسلم

على جموع أصحابه يقول :

" أشهدكم أن زيدا هذا ابني، يرثني وأرثه "

وظل اسمه بين المسلمين زيد بن محمد حتى أبطل القرآن الكريم عادة التبني ،

وأمه هي أم أيمن، مولاة رسول الله وحاضنته، ولقد كان له وجه أسود وأنف أفطس ..

ولكن ، متى كان الاسلام يعبأ بالأشكال الظاهرة للناس ؟

متى.. ورسوله صلى الله عليه وسلم هو الذي يقول :

" ألا رب أشعث، أعبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره "

لقد بلغ في ولائه و افتدائه وعظمة نفسه وصفاته المدى الذي من جعله

قريبا قلب رسول الله وهيأه لهذا الفيض من حب رسول الله صلى الله عليه

وسلم وتقديره وقد كان يقول :
" ان أسامة بن زيد لمن أحب الناس الي، واني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا "
نشأته وايمانه





كان أسامة رضي الله عنه مالكا لكل الصفات العظيمة التي تجعله قريبا من

قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وكبيرا في عينيه..

فهو ابن مسلمين كريمين من أوائل المسلمين سبقا الى الاسلام، ومن أكثرهم

ولاء للرسول صلى الله عليه وسلم وقربا منه.

وهو من أبناء الاسلام الحنفاء الذين ولدوا فيه، وتلقوا من فطرته النقية، دون

أن يدركهم من غبار الجاهلية المظلمة شيء.

وهو رضي الله عنه على حداثة سنه، مؤمن، صلب، ومسلم قوي، يحمل كل تبعات

ايمانه ودينه، في ولاء مكين، وعزيمة قاهرة ، وهو مفرط في ذكائه، مفرط في

تواضعه، ليس لتفانيه في سبيل الله ورسوله حدود.

ثم هو بعد هذا، يمثل في الدين الجديد ، ضحايا الألوان الذين جاء الاسلام ليضع

عنهم أوزار التفرقة ، فهذا الأسود الأفطس يأخذ في قلب النبي صلى الله عليه

وسلم ، وفي صفوف المسلمين مكانا عليا، لأن الدين الذي ارتضاه الله لعباده

قد صحح معايير الآدمية والأفضلية بين الناس فقال :

(( ان أكرمكم عند الله أتقاك ))

وعندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح العظيم كان رديفه

أسامة بن زيد ، وعندما دخل الكعبة في أكثر ساعات الاسلام روعة وفوزا،

كان عن يمينه ويساره بلال، وأسامة ..

رجلان تكسوهما البشرة السوداء الداكنة، ولكن كلمة الله التي يحملانها في

قلبيهما الكبيرين قد أسبغت عليهما كل الشرف وكل الرفعة.
حب الرسول له

- عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت :

عثر أسامة على عتبة الباب فشج جبهتهُ ، فجعل رسول الله صلى الله عليه

وسلم يمص شجته ويمجه ويقول :

" لو كان أسامة جارية لكسوتهُ وحليتهُ حتى أنفِقهُ "

- كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها :

ما ينبغي لأحد أن يُبغِض أسامة بن زيد بعدما سمعت رسول الله صلى الله

عليه وسلم يقول : " من كان يُحب الله ورسوله ، فليحب أسامة "

- اشترى الرسول صلى الله عليه وسلم حلة كانت لذي يزن ، اشتراها

بخمسين دينارا ، ثم لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس على المنبر

للجمعة ، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسا الحلة أسامة بن زيد .

- بعث الرسول صلى الله عليه وسلم بعثا فأمرعليهم أسامة بن زيد ، فطعن

بعض الناس في إمارته ، وبلغ همسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

فصعد المنبر، وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال :

" ان بعض الناس يطعنون في امارة أسامة بن زيد ، ولقد طعنوا في امارة

أبيه من قبل ، وان كان أبوه لخليقا للامارة ، وان أسامة لخليق لها ، وانه

لمن أحب الناس الي بعد أبيه ، واني لأرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرا "

الدروس النبوية

- قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بعامين خرج أسامة أميرا على سرية

للقاء بعض المشركين ، وهذه أول امارة يتولاها ، وقد أخذ فيها درسه الأكبر

من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهاهو يقول :

( فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتاه البشير بالفتح ، فاذا هو متهلل

وجه ، فأدناني منه ثم قال : " حدثني "

فجعلت أحدثه ، وذكرت له أنه لما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت اليه بالرمح ،

فقال : " لا اله الا الله "

فطعنته فقتلته ، فتغير وجه رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم وقال :

" ويحك يا أسامة فكيف لك بلا اله الا اللـه ؟ ويحك يا أسامة فكيف لك بلا اله الا الله "

فلم يزل يرددها علي حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته ، واستقبلت

الاسلام يومئذ من جديد ، فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا اله الا الله بعد ماسمعت

رسول الله صلى الله عليه وسلم )

- أهم قريش شأن المرأة التي سرقت ، فقالوا :

من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فقالوا : ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسـول اللـه صلى اللـه عليه

وسلم فكلمه أسامة رضي الله عنه فقال رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم :

" لِم تشفع في حد من حدود الله ؟ "

ثم قام النبـي صلى الله عليه وسلم فاختطب فقال :

" إنما أهلك الله الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا

سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يَدَها "
جيش أسامة

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد بن حارثة الى الشام ،

وهو لم يتجاوز العشرين من عمره ، وأمره أن يوطىء الخيل تخوم البلقاء

والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس وخرج مع أسامة المهاجرون الأولون ،

وكان ذلك في مرض الرسول صلى الله عليه وسلم الأخير ، فاستبطأ الرسول

صلى الله عليه وسلم الناس في بعث أسامة وقد سمع ما قال الناس في امرة

غلام حدث على جلة من المهاجرين والأنصار ، فصعد المنبر فحمدالله وقال صلى الله عليه وسلم :

" أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في امارته لقد قلتم في

امارة أبيه من قبله ، وانه لخليق بالامارة ، وان كان أبوه لخليقا لها "

فأسرع الناس في جهازهم ، وخرج أسامة والجيش ، وانتقل الرسول صلى

الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى ، وتولى أبو بكر رضي الله عنه الخلافة

وأمر بانفاذ جيش أسامة وقال :

( ما كان لي أن أحل لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم )

وخرج ماشيا ليودع الجيش بينما أسامة رضي الله عنه راكبا فقال له :

( يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن )

فرد أبوبكر :

( والله لا تنزل ووالله لا أركب ، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة )

ثم استأذنه في أن يبقى الى جانبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلا له :

( ان رأيت أن تعينني بعمر فافعل )

ففعل وسار الجيش ، وبينما كان امبراطور الروم هرقل، يتلقى خبر وفاة

الرسول صلى الله عليه وسلم ، تلقى في نفس الوقت خبر الجيش الذي يغير
على تخوم الشام بقيادة أسامة بن زيد، فحيّره أن يكون المسلمون من القوة

بحيث لا يؤثر موت رسولهم في خططهم ومقدرتهم.

وهكذا انكمش الروم، ولم يعودوا يتخذون من حدود الشام نقط وثوب على مهد الاسلام في الجزيرة العربية.

وعاد الجيش بلا ضحايا ، وقال عنه المسلمون يومئذ :

( ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة )
أسامة والفتنة
وعندما نشبت الفتنة بين علي ومعاوية التزم أسامة حيادا مطلقا ، كان يحب

عليا كثيرا ويبصر الحق بجانبه ، ولكن كيف يقتل من قال لا اله الا الله وقد

لامه الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك سابقا فبعث الى علي رضي الله عنه يقول له :

( انك لو كنت في شدق الأسد ، لأحببت أن أدخل معك فيه ، ولكن هذا أمر لم أره )

ولزم داره طوال هذا النزاع ، وحين جاءه البعض يناقشونه في موقفه قال

لهم : ( لا أقاتل أحدا يقول لا اله الا الله أبدا )

فقال أحدهم له : ألم يقل الله :

(( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ))

فأجاب أسامة رضي الله عنه :

( أولئك هم المشركون ، ولقد قاتلناهم حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله )
وفاته
وفي العام الرابع والخمسين من الهجرة ، اشتاق أسامة للقاء الله، وتلملمت

روحه بين جوانحه، تريد أن ترجع الى وطنها الأول ، وتفتحت أبواب الجنان،

لتستقبل واحدا من الأبرار المتقين وهو ابن ( 75 )

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:44 PM
عباد بن بشر


معه من الله نور



عندما نزل مصعب بن عمير رضي الله عنه المدينة موفدا من لدن

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليعلم الأنصار الذين بايعوا الرسول

صلى الله عليه وسلم الإسلام ، وليقيم بهم الصلاة ، كان عباد بن بشر

رضي الله عنه واحدا من الأبرار الذين فتح الله قلوبهم للخير، فأقبل

على مجلس مصعب رضي الله عنه وأصغى إليه ثم بسط يمينه يبايعه

على الإسلام، ومن يومئذ أخذ مكانه بين الأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه..

وانتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرا ، وبدأت الغزوات

التي اصطدمت فيها قوى الخير والنور مع قوى الظلام والشر.

وفي تلك المغازي كان عباد بن بشر رضي الله عنه في الصفوف الأولى

يجاهد في سبيل الله متفانيا بشكل يبهر الألباب.

غزوة ذات الرقاع



بعد أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين من غزوة

ذات الرقاع نزلوا مكانا يبيتون فيه ، واختار الرسول صلى الله عليه وسلم

للحراسة نفرا من الصحابة يتناوبونها وكان منهم عمار بن ياسر وعباد بن

بشر رضي الله عنهما في نوبة واحدة.

ورأى عباد رضي الله عنه صاحبه عمار مجهدا، فطلب منه أن ينام أول

الليل على أن يقوم هو بالحراسة حتى يأخذ صاحبه من الراحة حظا يمكنه

من استئناف الحراسة بعد أن يصحو.

ورأى عباد رضي الله عنه أن المكان من حوله آمن، فلم لا يملأ وقته إذن

بالصلاة، فيذهب بمثوبتها مع مثوبة الحراسة ، وقام يصلي .

وبينما هو قائم يقرأ بعد فاتحة الكتاب سور من القرآن، اخترم عضده سهم

فنزعه واستمر في صلاته ..ثم رماه المهاجم في ظلام الليل بسهم ثان نزعه

وأنهى تلاوته.. ثم ركع ، وسجد ..

وكانت قواه قد بددها الاعياء والألم، فمد يمينه وهو ساجد إلى صاحبه النائم

جواره، وظل يهزه حتى استيقظ..

ثم قام من سجوده وتلا التشهد وأتم صلاته.

وصحا عمار رضي الله عنه على كلماته المتهدجة المتعبة تقول له :

( قم للحراسة مكاني فقد أصبت )

ووثب عمار رضي الله عنه محدثا ضجة وهرولة أخافت المتسللين، ففروا

ثم التفت إلى عباد رضي الله عنه وقال له :

( سبحان الله هلا أيقظتني أول ما رميت )

فأجابه عباد رضي الله عنه :

( كنت أتلو في صلاتي آيات من القرآن ملأت نفسي روعة فلم أحب أن

أقطعها ، ووالله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني الرسول بحفظه، لآثرت الموت على أن أقطع تلك الآيات التي كنت أتلوها )
نوره وولاؤه



كان عباد رضي الله عنه شديد الولاء والحب لله، ولرسوله ولدينه ،

وكان هذا الولاء يستغرق حياته كلها وحسه كله.

ومنذ سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول مخاطبا الأنصار الذين هو منهم :

" يا مَعْشر الأنصار أنتم الشعار ، والناس الدثار ، فلا أوتينّ مِن قِبَلكم "

لم يتوانى عن بذل حياته وماله وروحه في سبيل الله ورسوله فكان

عابد تستغرقه العبادة

بطل تستغرقـه البطولة

جواد يستغرقـه الجود

وعرفه المسلمين بهذا الإيمان القـوي ، وقد قالت عنه السيدة عائشـة رضي الله عنها :

( ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم في الفضل أحد ، سعد بن معاذ ، وأسَيْد بن حُضَير ، وعبّاد بن بشر )

وعرف المسلمون الأوائل عبادا رضي الله عنه بأنه الرجل الذي معه نور من الله ،

فقد كانت بصيرته المجلوة المضاءة تهتدي إلي مواطن الخير واليقين في غير بحث أو عناء..

بل ذهب إيمان إخوانه بنوره إلى الحد الذي أسبغوا عليه في صورة الحس والمادة،

فأجمعوا على أن عبادا رضي الله عنه كان إذا مشى في الظلام انبعثت منه أطياف نور وضوء، تضيء له الطريق..
معركة اليمامة




في حروب الردة ، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حمل عباد رضي

الله عنه مسؤولياته في استبسال منقطع النظير ..

وفي موقعة اليمامة التي واجه المسلمون فيها جيشا من أقسى وأمهر الجيوش

تحت قيادة مسيلمة الكذاب أحس عباد رضي الله عنه بالخطر الذي يتهدد الإسلام

وكانت تضحيته وعنفوانه يتشكلان وفق المهام التي يلقيها عليه إيمانه، ويرتفعان

إلى مستوى إحساسه بالخطر ارتفاعا يجعل منه فدائيا لا يحرص على غير الموت والشهادة..

وقبل أن تبدأ معركة اليمامة بيوم ، رأى في منامه رؤيا لم تلبث أن فسرت مع شمس

النهار، وفوق أرض المعركة الهائلة الضارية التي خاضها المسلمون..

يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه :

( قال لي عباد بن بشر يا أبا سعيد رأيت الليلة، كأن السماء قد فرجت لي، ثم أطبقت

علي وإني لأراها إن شاء الله الشهادة )

فقلت له : خيرا والله رأيت

وإني لأنظر اليه يوم اليمامة ، وانه ليصيح بالأنصار :

( احطموا جفون السيوف ، وتميزوا من الناس )

فسارع إليه أربعمائة رجل، كلهم من الأنصار، حتى انتهوا إلى باب الحديقة ،

فقاتلوا أشد القتال ،واستشهد عباد بن بشر رحمه الله ، ورأيت في وجهه ضربا

كثيرا، وما عرفته الا بعلامة كانت في جسده )
الشهادة




هكذا ارتفع عباد رضي الله عنه إلى مستوى واجباته كمؤمن من الأنصار، بايع

رسول الله على الحياة لله، والموت في سبيله..

وعندما رأى المعركة الضارية تتجه في بدايتها لصالح الأعداء، تذكر كلمات

رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه الأنصار :

" أنتم الشعار ، فلا أوتين من قبلكم "

وملأ الصوت روعه وضميره.. حتى لكأن الرسول صلى الله عليه وسلم قائم الآن

يردده كلماته هذه ، وأحس عباد رضي الله عنه أن مسؤولية المعركة كلها إنما

تقع على كاهل الأنصار وحدهم.. أو على كاهلهم قبل سواهم..

هنالك اعتلى ربوة وراح يصيح :

( يا معشر الأنصاراحطموا جفون السيوف وتميزوا من الناس )

وحين لبى نداءه أربعمائة منهم قادهم هو وأبو دجانة والبراء ابن مالك إلى حديقة
الموت حيث كان جيش مسيلمة يتحصن.. وقاتل البطل القتال اللائق به ..

كرجل .. وكمؤمن .. وكأنصاري ..

وفي ذلك اليوم المجيد استشهد عباد رضي الله عنه ، ولقد صدقت رؤياه التي رآها

في منامه ، ولقد تفتحت أبواب السماء لتستقبل في حبور، روح عباد بن بشر رضي

الله عنه .. الرجل الذي كان معه من الله نور.

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:46 PM
عبدالله بن عمرو بن العاص القانت الأواب



إنه القانت ، التائب ، العابد ، الأواب ، إنه عبد الله بن عمرو بن

العاص بن وائل القرشـي رضي الله عنه ، يقال كان اسمه العاص

فسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالله ، وقد سبق أباه عمرو

بن العاص رضي الله عنهما للإسلام ، وبقدر ما كان أبوه أستاذا في الذكاء والدهاء وسعة الحيلة..

كان هو أستاذا ذا مكانة عالية بين العابدين الزاهدين ولم يعد الليل والنهار يتسعان لتعبـده ونسكـه .
تعبده

كان عبد الله رضي الله عنه منذ وضع يمينه في يمين الرسول صلى

الله عليه وسلم مبايعا ، إذا لم يكن هناك خروج لغزو يقضي أيامه

من الفجر إلى الفجر في عبادة موصولة ، وقلبه مضاء كالصبح النضير بنور الله ونور طاعته ..

عكف أولا على القرآن فكان كلما نزلت منه آيات حفظها وفهمها، حتى إذا تم واكتمل ، كان لجميعه حافظا..

ولم يكن يحفظه ليكون مجرد ذاكرة قوية، تضم بين دفتيها كتابا محفوظا

بل كان يحفظه ليعمر به قلبه ، وليكون بعد هذا عبده المطيع يحل ما أحل،

ويحرم ما يحرم ، ويستجيب له في كل ما يدعو إليه .

وإذا خرج جيش الإسلام إلى جهاد يلاقي فيه المشركين كان في مقدمة

الصفوف يتمنى الشهادة .

فاذا وضعت الحرب أوزارها ، عاد إلى المسجد أو في مسجد داره ،

صائم نهاره ، قائم ليله ، لا يعرف لسانه حديثا من أحاديث الدنيا مهما

يكن حلالا، إنما هو رطب دائما بذكر الله، تاليا قرآنه ، أو مسبحا بحمده ، أو مستغفرا لذنبه ..

و إذا كان أحد وجهي العظمة في حياة عبدالله بن عمرو رضي الله عنه ،

الكشف عما تزخر به النفس الإنسانية من قدرة فائقة على بلوغ أقصى

درجات التعبد والتجرد والصلاح ، فإن وجهها الآخر هو حرص الدين على

القصد والاعتدال في نشدان كل تفوق واكتمال ، حتى يبقى للنفس حماستها

وأشواقها وحتى تبقى للجسد عافيته وسلامته .

ولقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عبدالله بن عمرو بن العاص

يقضي حياته على وتيرة واحدة .. فاستدعاه النبي صلى الله عليه وسلم

إليه ، وراح يدعوه إلى القصد في عبادته قائلا :

" ألم اخبر أنك تصوم النهار، ولا تفطر، وتصلي الليل لا تنام ، فحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام "

قال عبدالله رضي الله عنه : ( إني أطيق أكثر من ذلك )

قال النبي صلى الله عليه وسلم : "فحسبك ان تصوم من كل جمعة يومين "
قال عبدالله رضي الله عنه : ( فإني أطيق أكثر من ذلك )

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" فهل لك إذن في خير الصيام ، صيام داود ، كان يصوم يوما ويفطر يوما "

وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله قائلا :

" وعلمت أنك تجمع القرآن في ليلة ، وإني أخشى أن يطول بك العمر ،

وأن تملّ قراءته ، اقرأه في كل شهر مرة ، اقرأه في كل عشرة أيام

مرة ، اقرأه في كل ثلاث مرة "

ثم قال له صلى الله عليه وسلم :
" إني أصوم وأفطر.. وأصلي وأنام .. وأتزوج النساء .. فمن رغب عن سنتي فليس مني"

ولقد عَمر عبدالله بن عمرو رضي الله عنه طويلا ، ولما تقدمت به السن ووهن

منه العظم كان يتذكر دائما نصح الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول :

( يا ليتني قبلت رخصة رسول الله )
الكتابـة

قال عبدالله بن عمرو رضي الله عنه :

( كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد

حفظه ، فنهتني قريش فقالوا :

إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضى .

فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم

فقال : " اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق "

قال أبو هريرة رضي الله عنه :

( ما كان أحد أحفظ لحديث رسـول اللـه صلى اللـه عليه وسلم مني إلا

عبدالله بن عمرو ، فإني كنت أعي بقلبي ، ويعي بقلبه ويكتب )

وعن مجاهد رضي الله عنه قال :

( دخلت على عبدالله بن عمرو بن العاص ، فتناولت صحيفة تحت رأسه ،

فتمنع علي فقلت : (تمنعني شيئا من كتبك ؟

فقال : إن هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله صلى

الله عليه وسلم ليس بيني وبينه أحد ، فإذا سلم لي كتاب الله ، وسلمت

لي هذه الصحيفة ، والوهط ( وهو بستان عظيم كان بالطائف لعبد الله ) لم أبالِ ما صنعت الدنيا )

فضله

قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه :

( ابن عباس أعلمنا بما مضى ، وأفقهنا فيما نزل مما لم يأت فيه شيئا )

قال عكرمة فأخبرتُ ابن عباس رضي الله عنهما بقوله فقال :

( إن عنده لعلما ، ولقد كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلال والحرام )
علمه
قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنه :

( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة

الله عز وجل ، فإن المنبت لا بلغ بُعدا ، ولا أبقى ظهرا ، واعمل عمل امرىءٍ

يظن ألا يموت إلا هرما ، واحذر حذر امرىءٍ يحسب أنه يموتُ غدا ) وقال رضي الله عنه :

( لأن أكون عاشر عشرة مساكين يوم القيامة أحب إلي من أكون عاشر

عشرة أغنياء ، فإن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال :

هكذا وهكذا ، يقول : يتصدق يمينا وشمالا )

وقال رضي الله عنه :
( ما أعطي إنسان شيئا خيرا من صحة وعفة ، وأمانة وفقه )

وقال عمرو بن العاص لإبنه رضي الله عنهما :

( يا بني ، ما الشرف ؟ )

قال رضي الله عنه : ( كف الأذى ، وبذل الندى )

قال : ( فما المروءة ؟ )

قال : ( عرفان الحق ، وتعاهد الصنعة )

قال : ( فما المجد ؟ )

قال : ( احتمال المغارم وابتناء المكارم )
وسأله : ( ما الغي ؟ )

قال : ( طاعة المفسد ، وعصيانُ المرشد )

قال : ( فما البله ؟ )

قال : ( عَمى القلب ، وسرعة النسيان )
الوصية الغالية
كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنه مقبلا على العبادة إقبالا كبيرا ،

الأمر الذي كان يشغل بال أبيه عمرو بن العاص رضي الله عنه دائما ،

فيشكوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرا ، وفي المرة الأخيرة

التي أمره الرسول صلى الله عليه وسلم فيها بالقصد في العبادة وحدد

له مواقيتها كان عمرو رضي الله عنه حاضرا ، فأخذ الرسول صلى الله

عليه وسلم يد عبد الله رضي الله عنه ووضعها في يد أبيه عمرو بن العاص

رضي الله عنه وقال الرسول له : " افعل ما أمرتك ، وأطع أباك "

فكان لهذا العبارة تأثيرا خاصا على نفس عبد الله رضي الله عنه وعاش

عمره الطويل لا ينسى لحظة تلك العبارة الموجزة
موقعة صِفين

تتابعت في موكب الزمن أعوام وأيام ورفض معاوية بالشام أن يبايع

عليا رضي الله عنهما ورفض علي رضي الله عنه أن يذعن لتمرد غير مشروع.

وقامت الحرب بين طائفتين من المسلمين ، ومضت موقعة الجمل ، وجاءت موقعة صفين.

كان عمر بن العاص رضي الله عنه قد اختار طريقه إلى جوار معاوية رضي

الله عنه وكان يدرك مدى إجلال المسلمين لابنه عبدالله رضي الله عنه

ومدى ثقتهم في دينه، فأراد أن يحمله على الخروج ليكسب جانب معاوية

رضي الله عنه بذلك الخروج ، كذلك كان عمرو رضي الله عنه يتفاءل

كثيرا بوجود عبدالله إلى جواره في قتال ، وهو لا ينسى بلاءه معه في فتوح الشام ، ويوم اليرموك.

فحين هم بالخروج إلى صفين دعاه إليه وقال له :

( يا عبدالله تهيأ للخروج، فانك ستقاتل معنا )

وأجابه عبدالله رضي الله عنه :

( كيف وقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أضع سيفا في عنق مسلم أبدا )

وحاول عمرو رضي الله عنه بدهائه إقناعه بأنهم إنما يريدون بخروجهم

هذا أن يصلوا إلى قتلة عثمان وأن يثأروا لدمه الزكي ، ثم قال :

( أتذكر يا عبدالله ، آخر عهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم حين

أخذ بيدك فوضعها في يدي وقال لك : أطع أباك ؟

فإني أعزم عليك الآن أن تخرج معنا وتقاتل )

وخرج عبدالله بن عمرو رضي الله عنه طاعة لأبيه ، وفي عزمه ألا يحمل

سيفا ولا يقاتل مسلما ، حسبه الآن أن يخرج مع أبيه ، أما حين تكون

المعركة فلله ساعتئذ أمر يقضيه .. ونشب القتال حاميا ضاريا..
واختلف المؤرخون فيما اذا كان عبدالله قد اشترك في بدايته أم لا..

مقتل عمار
لم يلبث القتال إلا قليلا، حتى وقعت واقعة جعلت عبدالله بن عمرو

رضي الله عنه يأخذ مكانه جهارا ضد الحرب، وضد معاوية رضي الله

عنه وذلك ان عمار بن ياسر رضي الله عنه كان يقاتل مع علي رضي

الله عنه وكان عمار موضع إجلال مطلق من أصحاب الرسول صلى الله

عليه وسلم وأكثر من هذا، فقد تنبأ في يوم بعيد بمصرعه ومقتله.
كان ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون مسجدهم بالمدينة

اثر هجرتهم إليها ، وكانت الأحجار عاتية ضخمة لا يطيق أشد الناس قوة

أن يحمل منها أكثر من حجر واحد ،لكن عمارا رضي الله عنه من فرط غبطته

ونشوته ، راح يحمل حجرين حجرين، وبصر به الرسول صلى الله عليه

وسلم فتملاه بعينين دامعتين وقال :

" ويح ابن سمية ، تقتله الفئة الباغية "

سمع كل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المشتركين في البناء

يومئذ هذه النبوءة، ولا يزالون لها ذاكرين.وكان عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أحد الذين سمعوا.

وفد بدء القتال بين جماعة علي وجماعة معاوية رضي الله عنهما ، كان

عمار رضي الله عنه يصعد الروابي ويحرض بأعلى صوته ويصيح :

( اليوم نلقى الأحبة ، محمدا وصحبه )

وتواصى بقتله جماعة من جيش معاوية رضي الله عنه ، فسددوا نحوه

رمية آثمة، نقلته الى عالم الشهداء الأبرار.

وسرى النبأ كالريح أن عمار رضي الله عنه قد قتل ، وانتقض عبدالله

بن عمرو رضي الله عنه ثائرا مهتاجا :

( أوقد قتل عمار..؟ وأنتم قاتلوه..؟ اذن انتم الفئة الباغية .. أنتم المقاتلون على ضلالة )

وانطلق في جيش معاوية رضي الله عنه كالنذير، يثبط عزائمهم ، ويهتف

فيهم أنهم بغاة، لأنهم قتلوا عمارا رضي الله عنه وقد تنبأ له الرسول

صلى الله عليه وسلم منذ سبع وعشرين سنة على ملأ من المسلمين بأنه ستقتله الفئة الباغية..
عبد الله و معاوية
وحملت مقالة عبدالله الى معاوية رضي الله عنهما، ودعا عمرا وولده عبدالله

رضي الله عنهما ، وقال لعمرو رضي الله عنه :

( ألا تكف عنا مجنونك هذا..؟ )

قال عبدالله رضي الله عنه:

( ما أنا بمجنون ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية )

فقال له معاوية رضي الله عنه : ( فلم خرجت معنا ؟ )

قال عبدالله رضي الله عنه :

( لأن رسول الله أمرني أن أطيع أبي ، وقد أطعته في الخروج ، ولكني
لا أقاتل معكم )

واذ هما يتحاوران دخل على معاوية رضي الله عنه من يستأذن لقاتل عمار

رضي الله عنه في الدخول، فصاح عبدالله بن عمرو رضي الله عنه :

( ائذن له وبشره بالنار )

وأفلتت مغايظ معاوية رضي الله عنه على الرغم من طول أناته ، وسعة حلمه ،

وصاح بعمرو رضي الله عنه : ( أو ما تسمع ما يقول )

وعاد عبدالله رضي الله عنه في هدوء المتقين واطمئنانهم ، يؤكد لمعاوية

رضي الله عنه أنه ما قال إلا الحق، وأن الذين قتلوا عمارا رضي الله عنه
ليسوا إلا بغاة والتفت صوب أبيه وقال :

( لولا أن رسول الله أمرني بطاعتك ما سرت معكم هذا المسير )

وخرج معاوية وعمرو رضي الله عنهما يتفقدان جيشهما، فروعا حين سمعوا

الناس جميعا يتحدثون عن نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمار رضي الله عنه :

( تقتلك الفئة الباغية )

وأحس عمرو ومعاوية رضي الله عنهما أن هذه المهمة توشك أن تتحول

إلى نكوص عن معاوية وتمرد عليه ، ففكرا حتى وجدا حيلتهما التي مضيا

يبثانها في الناس قالا :

نعم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار ذات يوم :

تقتلك الفئة الباغية ونبوءة الرسول حق.. وها هو ذا عمار قد قتل.. فمن قتله..؟؟

انما قتله الذين خرجوا به ، وحملوه معهم إلى القتال

وفي مثل هذا الهرج يمكن لأي منطق أن يروج، وهكذا راج منطق معاوية

وعمرو رضي الله عنهما .. واستأنف الفريقان القتال ..
الندم
عاد عبدالله بن عمرو الى مسجده، وعبادته.. وعاش حياته لا يملؤها بغير

مناسكه وتعبده.. غير أن خروجه الى صفين مجرد خروجه .. ظل مبعث

قلق له على الدوام ..فكان لا تلم به الذكرى حتى يبكي ويقول :

( مالي ولصفين ؟ مالي ولقتال المسلمين ؟ )

وذات يوم وهو جالس في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مع بعض

أصحابه مربهم الحسين بن علي رضي الله عنهما ، وتبادلا السلام ، ولما

مضى عنهم قال عبدالله رضي الله عنه لمن معه :

( أتحبون أن أخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء..؟

انه هذا الذي مر بنا الآن الحسين بن علي ، وانه ما كلمني منذ صفين ،

ولأن يرضى عني أحب إلي من حمر النعم )

واتفق مع أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما على زيارة الحسين رضي

الله عنه وهناك في دار الحسين تم لقاء الأكرمين ..

وبدأعبدالله بن عمرو رضي الله عنه الحديث ، فأتى على ذكر صفين

فسأله الحسين رضي الله عنه معاتبا :

( ما الذي حملك على الخروج مع معاوية )

قال عبدالله رضي الله عنه:

( ذات يوم شكاني عمرو بن العاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له :

ان عبدالله يصوم النهار كله، ويقوم الليل كله.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

يا عبدالله صل ونم .. وصم وافطر .. وأطع أباك..

ولما كان يوم صفين أقسم علي أبي أن أخرج معهم ، فخرجت ، ولكن

والله ما اخترطت سيفا ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت بسهم )


وفاته

وبينما هوفي مصلاه ، يتضرع إلى ربه ، ويسبح بحمده دعي إلى رحلة

الأبد ، فلبى الدعاء في شوق عظيم الى اخوانه الذين سبقوه بالحسنى ،

ذهبت روحه تسعى وتطير..والبشير يدعوها من الرفيق الأعلى :

( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضيةفادخلي في عبادي وادخلي جنتي )

توفي رضي الله عنه في ليالي الحرة وهو في الثانية والسبعين من عمره

المبارك سنة ( 63 هـ) من شهر ذي الحجة.

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:48 PM
عقيل بن أبي طالب



هو عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي ،

ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، أبوه أبو طالب

بن عبد المطلب سيد بني هاشم في زمانه ، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم ويكنى أبا يزيد.

ولد رضي الله عنه في مكة المكرمة سنة 44 ق.هـ ، فهو أكبر من

أخيه جعفر رضي الله عنه بعشر سنين ومن أخيه الإمام علي رضي الله عنه بعشرين سنة .
معركة بدر والأسر





شهد معركة بدر في السنة الثانية للهجرة مع المشركين قبل أن يسلم ،

وكان قد خرج معهم مكرها فوقع أسيرا لدى المسلمين ، ولم يكن

ذا مال ففداه عمه العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، ويروى

أن عقيلا رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أسير :

(من قتلت من أشراف قريش ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قُتل أبو جهل

قال عقيل رضي الله عنه : الآن صفا لك الوادي )
إسلامه



أسلم ثم هاجر إلى المدينة سنة 8هـ ، وشهد موقعة مؤتة مع أخيه

جعفر رضي الله عنه ، ومرض فعاد إلى المدينة وأقام بها ، ولم يسمع

له ذكر في فتح مكة ولا حنين ولا الطائف ، وفي رواية أنه شهد

معركة حنين وثبت فيها مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

حب النبي له



كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه ، وقال له مرة :

" يا أبا يزيد ، إني أحبك حبين :

حبا لقرابتك مني ، وحبا لما كنت أعلم من حب عمي لك "

ورد له ذكر في كتب الحديث مثل كتب البخاري والنسائي وابن

ماجه ، حيث روى عدة أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ،

وروى عنه ابنه محمد وحفيده عبد الله بن محمد ، والحسن البصري ، وعطاء بن أبي رباح ، وغيرهم.
علمه



كان رضي الله عنه بساما ، مزاحا ، وكان علامة بالنسب وأيام العرب

ومن أنسب قريش وأعلمهم بأيامها ، وكانت له سجادة تطرح له في

المسجد النبوي يصلي عليها ، ثم يجتمع إليه الناس يسألونه في علم

النسب وأيام العرب ، وكان أسرع الناس جوابا ، وأحضرهم مراجعة

في القول ، وأبلغهم في ذلك ، وكان مبغضا في قريش لأنه يعد مساويهم

فقالوا فيه بالباطل ، واختلقوا عليه أحاديث مزورة ، وكان مما أعانهم

على ذلك مغاضبته لأخيه الإمام علي رضي الله عنه وخروجه إلى معاوية

بن أبي سفيان رضي الله عنه في الشام .
عقيل ومعاوية



- قال حميد بن هلال :

سأل عقيل عليا رضي الله عنهما ، وشكى حاجته .

فقال على رضي الله عنه : اصبر حتى يخرج عطائي

فألح عليه فقال : انطلق فخذ ما في حوانيت الناس .

قال عقيل رضي الله عنه : تريد أن تتخذني سارقا ؟

قال على رضي الله عنه :

وأنت تريد أن تتخذني سارقا وأعطيك أموال الناس ؟

فقال رضي الله عنه : لآتين معاوية .

قال على رضي الله عنه : أنت وذاك .

فسار إلى معاوية رضي الله عنه فأعطاه مائة ألف وقال :

اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك علي وما أوليتك

فصعد عقيل رضي الله عنه وقال :

( يا أيها الناس .. إني أردت عليا على دينه ، فاختار دينه علي ،

وأردت معاوية على دينه ، فاختارني على دينه )

فقال معاوية رضي الله عنه :

هذا الذي تزعم قريش أنه أحمق .

- ويروى أن معاوية رضي الله عنه قال يوما في حضرته :

هذا لولا علمه بأني خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه .

فقال عقيل رضي الله عنه :

( أخي خير لي في ديني ، وأنت خير لي في دنياي ، وقد آثرت

دنياي وأسأل الله تعالى خاتمة الخير )

- وقيل إن معاوية رضي الله عنه قال :

هذا عقيل وعمه أبو لهب

فقال عقيل رضي الله عنه:

( هذا معاوية وعمته حمالة الحطب )

وكان معاوية رضي الله عنه يصله ويقضي عنه ديونه ، وقد وردت

عنه أخبار ونوادر في بعض الكتب مثل كتاب الأغاني ، وأكثرها

لا يصح ، تنقل عقيل رضي الله عنه بين البصرة والكوفة والشام

ولكن أكثر إقامته كانت في المدينة وله دار فيها.
وفاته



عمر عقيل رضي الله عنه طويلا ، وكان قوي الجسم شديد

البنية ، شوهد مرة ، وهو شيخ كبير يحمل دلو ماء كبيرا ،

وقد عمي في آخر عمره ، وتوفي في المدينة في خلافة

معاوية رضي الله عنه ودفن في بقيع الغرقد وقبره معروف رحمه الله ورضي عنه .

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:49 PM
سعد بن الربيع

والنموذج الفذ في الإخاء



سعد بن الربيع بن أبي زهير الأنصاري الخزرجي صحابي

جليل من الأنصار وأحد السابقين إلى الإسلام وأحد الفرسان

المشاهير ، شهد بيعة العقبة الكبرى وكان أحد النقباء على قومه .
نموذج فذ في الإخاء



آخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين الصحابي المهاجر

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما فكان نموذجا فذا في

حسن الإخاء ، فقد عرض على عبد الرحمن بن عوف رضي الله

عنه أن يتنازل له عن إحدى زوجتيه ليتزوج بها وأن يعطيه شطر

ماله ، ولكن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه شكره ودعا له

واعتذر عن قبول ذلك وقال له :

( دلني على السوق مالهذا هاجرنا )
جهاده واستشهاده



شهد سعد بن الربيع رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم

بدرا وأبلى فيها البلاء الحسن ، وقتل فيها رفاعة بن أبى رفاعة

المخزومي ، وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم أحدا فأظهر

شجاعة نادرة ، حتى استشهد رضي الله عنه ، وذكر أحد الصحابة

أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه يوم أحد يطلب سعد بن الربيع

رضي الله عنه ، وقال له :

" إن رأيته ، فأقره مني السلام ، وقل له :

يقول لك رسول الله : كيف تجدك ؟ "

فطفت بين القتلى ، فأصبته وهو في آخر رمق ، وبه سبعون ضربة ،

وقيل اثنتي عشرة طعنة فأخبرته ، فقال :

( على رسول الله السلام وعليك ، قل له :

يا رسول الله ، أجد ريح الجنة ، وقل لقومي الأنصار :

لا عذر لكم عند الله إن خُلِص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ومنكم عين تطرف ) وفاضت نفسه رضي الله عنه.

فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالة سعد رضي الله عنه ،

اتجه إلى القبلة ثم رفع يديه ، فقال :

" اللهم الق سعد بن الربيع وأنت عنه راض "

ثم قال صلى الله عليه وسلم :

" رحمه الله نصح لله ولرسوله حيا وميتا "


سبب نزول آية المواريث




جاءت امرأة سعد بن الربيع رضي الله عنهما بابنتيها من سعد

رضي الله عنه تشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت :

( يا رسول الله ، هاتان بنتا سعد ، قُتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا ،

وإن عمهما أخذ مالهما ، فلم يدع لهما مالا ، ولا تنكحان إلا ولهما مال )

قال صلى الله عليه وسلم :

" اللهم أحسن الخلافة في تركته "

فنزلت لأجلهن آية المواريث ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال :

" أعط بنتي سعد الثلثين ، وأعط أمهما الثمن ، وما بقي فهو لك

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:52 PM
قتادة بن النعمان الذي فدي النبي بعينه




إنه الصحابي الجليل قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد

بن ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري

الأوسي ، يكنى أبا عمرو، وقيل ‏:‏ أبو عمر، وقيل‏ :‏ أبو عبد الله‏.‏

وهو أخو أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لأمه .

إسلامه





كان قتادة رضي الله عنه يشعر في قرارة نفسه أن للكون إلها

عظيما , وأن هذا الليل لن يطول ، وعندما سمع ببعثة النبي صلى

الله عليه وسلم ، ذهب إليه وكان أحد الأنصار الذين شهدوا بيعة العقبة ،

وأعلن إسلامه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وعاهد الرسول

صلى الله عليه وسلم مع الأنصار على أن ينصروه ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم .

وما إن لامس الإيمان شغاف قلبه حتى جعل حياته كلها وقفا

لله عز وجل ونصرة دينه ، وظل ملازما للنبي صلى الله عليه

وسلم يقتبس من هديه وعلمه وأخلاقه إلى أن توفى النبي صلى

الله عليه وسلم فحزن عليه قتادة رضي الله عنه حزنا شديدا كاد أن يمزق فؤاده.
فدى النبي بعينه





جاهد قتادة رضي الله عنه مع الرسول صلى الله عليه وسلم جهادا

عظيما ، وعندما اشتد القتال يوم أحد ، ولاحت في سماء المعركة

هزيمة المسلمين ، وانتهز المشركون هذه الفرصة ليتخلصوا من

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خاصة بعد أن انفض عنه أكثر

أصحابه ، ولم يبق معه إلا قليل ، كان قتادة رضي الله عنه واحدا

من أولئك القليل ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد دفع إليه قوسا ،

فأخذها وظل يرمي بها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

حتى لم تعد صالحة للرمي ، فوجد قتادة رضي الله عنه نفسه ، وليس

معه ما يدافع به عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، وهو أحب الناس إليه ،

فوضع جسده أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتلقى عنه السهام المصوبة نحوه.
فأصاب سهم وجهه فسالت منه عين قتادة رضي الله عنه على خده ،

ورأى الصحابة أن عين قتادة بن النعمان رضي الله عنه قد أصيبت ،

فسالت حدقته على وجنته ، ورأى الصحابة ما أصاب أخاهم فأشاروا

عليه بقطعها ، ولكنه ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو

يحمل عينه في كفه ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم رَق له ، ودمعت عيناه ، وقال :

" اللهم إن قتادة قد وقى وجه نبيك بوجهه ، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرا "

فاستجاب الله لدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم .

فما أروع التضحية بالنفس الغالية ، انتصارا لدين الله ، وإبقاء

على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أعظم الجزاء من الله سبحانه.

وشهد قتادة رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد
كلها , وكانت معه يوم الفتح راية بني ظفر .

وظل قتادة رضي الله عنه يبذل نفسه وماله لله ونصرة دين الله في

عهد ابو بكر وعمر رضي الله عنهما وكانا يعرفان له قدره ومكانته السابقة.

وكان على مقدمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما

سار إلى الشام وكان من الرماة المعدودين .

كراماته





في ليلة مظلمة من ليالي الشتاء شديدة البرد ، حيث يقل الساعون

إلى المسجد للصلاة ، تحن نفس قتادة رضي الله عنه إلى رؤية النبي

صلى الله عليه وسلم ، ويقول في نفسه :

( لو أتيت رسول الله وشهدت معه الصلاة وآنسته بنفسي )

فقام وخرج إلى المسجد ، فلما دخل برقت السماء فرآه رسول الله صلى

الله عليه وسلم فقال : " ما السري يا قتادة ؟ "

أي ما الذي أخرجك في هذه الليلة.

فقال قتادة رضي الله عنه :

( إن شاهد الصلاة الليلة قليل ، فأحببت أن أشهدها معك بأبي أنت وأمي وأؤنسك بنفسي )

فقال صلى الله عليه وسلم : " فإذا صليت فأت "

قال قتادة رضي الله عنه : ( فأتيته )

فقال صلى الله عليه وسلم :

" خذ هذا العرجون فتحصن به ، فإنك إذا خرجت أضاء لك عشرا "

( أي أمامك وعشرا خلفك )

ثم قال لي : " فإذا دخلت البيت ورأيت سوادا في زاوية البيت

فاضربه قبل أن يتكلم فإنه شيطان "

فلما دخلت البيت وجدته كما وصف لي ، فضربته حتى خرج من بيتي.
تأييد الله لقتادة



وهذه كرامة أخرى يرويها المفسرون أكرم الله بها قتادة رضي

الله عنه ، فقد كان رفاعة بن زيد رضي الله عنه عما لقتادة بن النعمان

رضي الله عنه وكانت له مشرب يضع فيها طعامه وشرابه ، فعمد

رجل من المنافقين اسمه " بشر بن أبيرق " إلى تلك المشربة فنقبها وأخذ ما فيها من طعام وسلاح.

فلما أصبحوا جاء قتادة رضي الله عنه إلى عمه فأخبره بالخبر،

فأخذا يتحسسان الأمر ليعلما من الذي اعتدى على غرفتهما ،

وأخذ الطعام والسلاح إلى أن تأكد لهما أن الذي صنع ذلك هو

" ابن أبيرق " فقال رفاعة لابن أخيه :

لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت :

يا رسول الله ، إن أهل بيت منا أهل جفاء ، عمدوا إلى عمي

رفاعة بن زيد فنقبوا شربة له ، وأخذوا سلاحه وطعامه ، فليردوا

علينا سلاحنا ، وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه.

ولكن المنافقين من " بني أبيرق " ومن ناصرهم لا يفقهون ، عمدوا

إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذبوا عليه ليضلوه ، ورسول

الله صلى الله عليه وسلم بشر لا يعلم من الغيب شيئا إلا ما يخبره به ربه.

وجاء قتادة رضي الله عنه ليعرف منه الجواب ، فلقيه رسول الله

صلى الله عليه وسلم محتدا يقول له :

" عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة من غير بينة تثبت "

وكانت مفاجأة لقتادة رضي الله عنه حين غاب عنه أنه لا يجوز

اتهام الناس من غير بينة ولا دليل.
فخشى قتادة رضي الله عنه أن يكون رسول الله صلى الله عليه

وسلم قد غضب عليه ، وأخذ يقول في نفسه :

( لوددت أني خرجت من أهلي ومالي ولم أكلم رسول الله في ذلك )

ويأتيه عمه يسأله : ياابن أخي ما صنعت ؟

فيخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول عمه كما

قال نبي الله يعقوب : ( فصبر جميل والله المستعان )

وينزل القرآن:

(( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله
ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ))

ويدعو الرسول صلى الله عليه وسلم قتادة رضي الله عنه فيقرؤه

عليه ، ويأتي بالسلاح فيدفعه إليه ليرده إلى عمه رفاعة ، ففرح

قتادة رضي الله عنه بتأييد الله له ، فحمل السلاح إلى عمه ، فانتفض

الرجل فرحا ، ليس لرجوع سلاحه وعتاده ، لكن لمثل ما فرح

به قتادة رضي الله عنه ، ثم يزيد فيقول :

( يابن أخي هي في سبيل الله )

وفاته




وتوفي قتادة بن النعمان رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين ، وهو ابن

خمس وستين سنة‏ ، وصلى عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ونزل

في قبره أبو سعيد الخدري ، ومحمد بن مسلمة‏ رضي الله عنهم أجمعين .

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:54 PM
كعب بن مالك التائب الصادق


إنه الصحابي الجليل كعب بن مالك رضي الله عنه ، صاحب

التوبة الصادقة ، وكان كعب رضي الله عنه قد أسلم حين سمع

بالإسلام ، فأتى مكة وبايع النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة

العقبة الثانية ، فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه

آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه .



كعب والشعر
كان كعب رضي الله عنه شاعرا مجيدا ، وخاصة في مجال

المغازي والحروب الإسلامية ، وكان واحدا من شعراء الرسول

صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين يردون عنه الأذى بقصائدهم ،

وهم : كعب بن مالك ، وحسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ،

رضي الله عنهم فكان كعب يخوفهم بالحرب ، وكان حسان يهجوهم بالأنساب ، وكان عبد الله يعيرهم بالكفر .

وقد جاء كعب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم

فقال : يا رسول الله ، ماذا ترى في الشعر؟

فقال رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم :

" المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه "

موقف مشهود
كان لكعب رضي الله عنه مواقف مشهودة في غزوة أحد ،

حين دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وألبسه ملابسه التي

يلبسها في الحرب ، ولبس النبي صلى الله عليه وسلم ملابس

كعب رضي الله عنه الحربية ، يقول كعب رضي الله عنه :

( لما انكشفنا يوم أحد كنت أول من عرف رسول الله وبشرت به المؤمنين حيا سويا ، وأنا في الشعب )

وقد جرح سبعة عشر جرحا ، وكان المشركون يوجهون إليه

السهام ظنا منهم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
التخلف عن تبوك
يقول كعب رضي الله عنه :

( كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

في غزوة تبوك ، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت

عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتها

في تلك الغزاة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد

غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة ، فغزاها

الرسول صلى الله عليه وسلم في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا

ومفاوز ، واستقبل عددا كثيرا ، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا

أهبة عدوهم ، فأخبرهم وجهه الذي يريد ، والمسلمون مع الرسول
صلى الله عليه وسلم كثير ، لا يجمعهم كتاب حافظ الديوان ، فقل

رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل .

وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار

والظلال ، وأنا والله أُصعر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه

وسلم والمؤمنون معه ، فطفقت أغدو لكي اتجهز معهم فأرجع ولم

أقض من جهازي شيئا ، فأقول لنفسي :

أنا قادر على ذلك إن أردت .. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر

بالناس بالجد ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي شيئا ، وقلت :

أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه .. فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز

فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ، ثم غدوت فرجعت ولم أقض

من جهازي شيئا ، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط

الغزو ، فهممت أن ارتحل فألحقهم ، وليت أني فعلت ، ثم لم يقدر

ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه

وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا في النفاق ، أو رجلا ممن عذره الله عز وجل ) .
النبي يسأل عنه
يقول كعب رضي الله عنه :

( ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك ،

فقال وهو جالس في القوم بتبوك : " ما فعل كعب بن مالك ؟ "

فقال رجل من بني سلمة : ( حبسه يا رسول الله براده والنظر

في عطفيه ) فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه :

( بئسما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا )

فسكت الرسول صلى الله عليه وسلم )

عودة النبي من تبوك
لما عاد المسلمون إلى المدينة دخل الرسول صلى الله عليه وسلم

إلى المسجد ، وصلى فيه ركعتين ، فدخل عليه المنافقون الذين

تخلفوا عن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وبدءوا يكذبون

على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويتعللون بأعذار واهية.
صدقه
لم يكذب كعبا رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم ،

وأقر بذنبه وتقصيره في حق الله وتكاسله عن الجهاد ، وفعل

مثله هلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهما ، وكانا قد تخلفا أيضا.
المقاطعة
بعدما سمع النبي صلى الله عليه وسلم كلام كعب رضي الله عنه ،

أمر المسلمين أن يقاطعوه وصاحبيه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك

بدون عذر ، فلم يكلمهم أحد من المسلمين ، ولم يتعاملوا معهم.

فجلس الاثنان كل منهما في بيته يبكيان ، أما كعب رضي الله عنه

فلم يحبس نفسه مثلهما ، بل كان يخرج للصلاة ، وكان إذا سار في

السوق أو غيره لا يتحدث معه أحد ، وكان لكعب رضي الله عنه

ابن عم يحبه حبا شديدا هو الصحابي الجليل أبو قتادة رضي الله

عنه ، ولما اشتد الأمر بكعب رضي الله عنه ، ذهب إلى ابن عمه

أبي قتادة رضي الله عنهما في بستانه وألقى عليه السلام ،
ولكن أبا قتادة رضي الله عنه لم يرد عليه ، فقال له كعب رضي الله عنه :

( يا أبا قتادة ، أنشدك بالله ، هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ )

فلم يرد عليه أبو قتادة رضي الله عنه ، فكرر كعب رضي الله

عنه السؤال ، فقال أبو قتادة رضي الله عنه :

( الله ورسوله أعلم ) ففاضت عينا كعب رضي الله عنه بالدموع وتركه.

دعوة للتنصر
ذات يوم ، ذهب كعب رضي الله عنه إلى السوق ، فإذا برجل

نصراني من الشام يسأل عنه ، وعندما قابله أعطاه النصراني

رسالة من ملك غسان ، فقرأها كعب رضي الله عنه ووجد فيها :

( أما بعد ، فإنه قد بلغني أن صاحبك محمدا جفاك ، ولم يجعلك

الله بدار مذلة أو هوان ، فالحق بنا نواسك )

وبعد أن قرأ كعب رضي الله عنه الرسالة قال في نفسه :

( والله إن هذه أيضا من الفتنة والابتلاء ، ثم ألقى بالرسالة في النار )
الأمر بالإعتزال
مضى على كعب رضي الله عنه وصاحبيه أربعون يوما ، وهم

على تلك الحالة من الندم والبكاء والمقاطعة الكاملة من كل

المسلمين ، وبعدها أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يهجروا

زوجاتهم ، وظلوا على هذه الحالة عشرة أيام.
البشارة والفرج

بعد خمسين يوما جاء الفرج ، ونزلت التوبة من الله على هؤلاء

المؤمنين الصادقين الذين لم يكذبوا على رسول الله صلى الله عليه

وسلم ، فبعد أن صلى كعب رضي الله عنه صلاة الفجر، جلس

بمفرده ، فسمع صوتا ينادى من بعيد :

( يا كعب ، أبشر يا كعب )

فلما سمعه كعب رضي الله عنه خر ساجدا لله سبحانه ، وعلم أن

الله قد تاب عليه ، وبلغ من شدة فرحته أنه خلع ثوبيه وألبسهما

للرجل الذي بشره و ما كان يملك يومئذ غيرهما واستعار ثوبين

فلبسهما ثم انطلق مسرعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ،

فاستقبله الصحابة وهم سعداء ، وقام طلحة بن عبيد الله رضي الله

عنه من بين الحاضرين جميعا وأسرع ليهنئ كعبا رضي الله عنه ،

فلم ينسها له كعب رضي الله عنه أبدا ، وتبسم له الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له :

" أبشر بخير يوم مرعليك منذ ولدتك أمك "

وأنزل الله فيه وفي صاحبيه قرآنا ، قال تعالى في سورة التوبة آية ( 118 ) :

(( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت

وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب ))
الصدق منجاة
كان كعب رضي الله عنه يقول :

( والله ما مر علي يوم كان خيرا ولا أحب إلي من ذلك اليوم الذي

بشرت فيه بتوبة الله تعالى علي وعلى صاحبي ، ثم قال للرسول صلى الله عليه وسلم :

( إن من توبتي أن أتصدق بمالي كله لله ولرسوله )

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :

" أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرلك "

فقال كعب رضي الله عنه :
( يا رسول الله ، إن الله تعالى أنجاني بالصدق ، وإن من توبتي

ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين ابتلاه

الله في صدق الحديث أحسن مما ابتلاني )

وكان كعب رضي الله عنه يقول بعد ذلك :

( ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا شيئا من الكذب ،

وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى بقية عمري )

وكان كعب رضي الله عنه يقول :

( والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم

في نفسي من صدقي أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا

أكون كذبته ، فأهلك كما هلك الذين كذبوا ، فقد قال الله تعالى :

(( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنه

إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم

لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ))

وهكذا كان صدق كعب رضي الله عنه سببا في نجاته ، وقبول توبة

الله عليه ، بينما أهلك الله المنافقين الذين كذبوا على رسول الله صلى

الله عليه وسلم ، واعتذروا بالباطل ، فجعلهم الله من أهل النار.

وظل كعب يجاهد في سبيل الله ، ولا يتخلف عن حرب أبدا ، فحارب

المرتدين في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وشارك في

الفتوحات الإسلامية على عهد الفاروق عمر رضي الله عنه ، وكذلك

في خلافة كل من عثمان وعلي رضي الله عنهما وأول خلافة معاوية

رضي الله عنه ، وظل على صدق إيمانه وقوة عقيدته.
وفاته
توفي رضي الله عنه بالشام في خلافة معاوية رضي الله عنه سنة

(50هـ ) وقيل سنة (53 هـ ) ، وعمره آنذاك ( 77 ) سنة ويقال :

إن الله سبحانه قد ابتلاه بفقد بصره قبل وفاته ، فصبر لذلك حتى

ينعم بما عند الله من الجنة.

وقد روى كعب بن مالك رضي الله عنه ثلاثين حديثا من أحاديث

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:55 PM
المغيرة بن شعبة



المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي صحابي جليل

أسلم قبل الحديبيـة وشهدها وبيعة الرضوان ، ولد في ثقيف بالطائف

وبها نشأ ، وكان كثير الأسفار .

صفاته



كان رضي الله عنه رجلا طوالا مهيبا ، ضخم الهامة ، أصهب الشعر

جعده ، أصيبت عينه في اليرموك وقيل في القادسية ، وقيل بل نظر

إلى الشمس وهي مكسوفة فذهب ضوء عينه.

وكان واحدا من دهاة العرب وذوي آرائها المشهورين حتى قيل له : مغيرة الرأي.

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث ، وروى عنه

أولاده عروة وحمزة وعقار، والمسور بن مخرمة ومسروق وغيرهم.

وكان مزواجا مطلاقا أحصن أكثر من ثمانين امرأة ، طعن في بطنه يوم

القادسية فجيء بامرأة من طيء تخيط بطنه فلما نظر إليها قال رضي

الله عنه : ( ألك زوج ؟ )

قالت : وما يشغلك ما أنت فيه من سؤالك إياي ؟
إسلامه



أسلم عام الخندق بعدما قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك ، كانوا قدموا

من الإسكندرية بهدايا من المقوقس ، وجاء بها لرسول الله صلى الله عليه

وسلم ليرى فيها رأيه ، فهي غنيمة من المشركين ، فقبل الرسول صلى الله عليه وسلم إسلامه ورد هذه وقال :

" أما إسلامك فنقبله ، ولا آخذ من أموالهم شيئا ولا أخمسهُ لأن هذا غدر ، والغدر لا خير فيه "

وأقام المغيرة رضي الله عنه عند النبي صلى الله عليه وسلم وخرج معه

في غزوة الحديبية ، فبعثت قريش عروة بن مسعود رضي الله عنه إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفاوضه في الصلح وجعل يمس لحيته ،

والمغيرة رضي الله عنه قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع

في الحديد ، فقال لعروة رضي الله عنه : ( كُف يدك قبل ألا ترجع إليك )

فقال عروة رضي الله عنه : من ذا يا محمد ؟ ما أفظه وأغلظه .

قال صلى الله عليه وسلم : " ابن أخيك المغيرة "

فقال رضي الله عنه : يا غدر والله ما غسلت عني سوءتك إلا بالأمس .

وكان قد أدى دية أولئك عن ابن أخيه ، وانصرف عروة رضي الله عنه إلى قريش .
وشهد المغيرة بيعة الرضوان والمشاهد بعدها ، ولما قدم وفد ثقيف

أنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم عنده ، فأحسن ضيافتهم ، وبعثه

صلى الله عليه وسلم مع أبي سفيان بن حرب رضي الله عنهما بعد

إسلام أهل الطائف فهدما اللات.

دهاؤه



عن عامر رضي الله عنه قال :

( القضاة أربعـة : عمـر وعلـي وابـن مسعود وأبو موسـى الأشعري ،

والدهاة أربعـة : معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد )

قال قبيصة بن جابر رضي الله عنه :

( صحبت المغيرة ، فلو أن المدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من

باب منها إلا بالمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها )

وقال الطبري رحمه الله :

( كان لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجا ، ولا يلتبس عليه أمران إلا أظهر الرأي في أحدهما )

وما غلبه أحد في الدنيا كما كان يقول إلا شاب من قبيلة الحارث

بن كعب ، حين خطب المغيرة امرأة فقال له الشاب :

أيها الأمير لا تنكحها فإني رأيت رجلا يقبلها.

فانصرف عنها ، فتزوجها الشاب ، فقال له المغيرة رضي الله عنه :

( ألم تقل إنك رأيت رجلا يقبلها ؟ )
قال : بلى رأيت أباها يقبلها وهي صغيرة.

ولما دفن النبي صلى الله عليه وخرج علي من القبر الشريف ألقى المغيرة

رضي الله عنه خاتمه وقال : يا أبا الحسن خاتمي

قال علي رضي الله عنه : انزل فخذه

قال المغيرة رضي الله عنه : ( فمسحت يدي على الكفن فكنت آخر الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم )

ومن أقواله رضي الله عنه :

( اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك ، فإنه لا بقاء للنعمة

إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت ، إن الشكر زيادة من النعم وأمان من الفقر )
جهاده




حين تولى الصديق رضي الله عنه الخلافة أرسله إلى أهل النُجَير

وهوحصن منيع باليمن لجأ إليه أهل الردة مع الأشعث بن قيس رضي

الله عنهما ، ثم شهد اليمامة وفتوح الشام وفقئت عينه باليرموك ، وكان

رسول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى رستم في القادسية.
الإمارة



استعمله عمر رضي الله عنه على البحرين فنفر منه أهلها فعزله عمر رضي

الله عنه، ثم خافوا أن يعيده إليهم ، فجمعوا مائة ألف وأرسلوها مع

دهقانهم إلى عمر رضي الله عنه فقال له :

إن المغيرة اختان هذا من مال الله (أي اختلسه) وأودعه عندي .

فدعا عمر المغيرة رضي الله عنهما فسأله فقال :

( كذب أصلحك الله إنها كانت مائتي ألف )

قال عمر رضي الله عنه : ما حملك على ذلك ؟

قال رضي الله عنه : ( العيال والحاجة )

فقال عمر رضي الله عنه للدهقان : ما تقول ؟

قال : لا والله لأصدقنك ما دفع إلي قليلا ولا كثيرا

فقال عمر للمغيرة رضي الله عنه : ما أردت إلى هذا ؟

قال رضي الله عنه : ( كذب علي الخبيث فأحببت أن أخزيه )

ثم ولي البصرة لعمر رضي الله عنه ثلاث سنوات ، فقاد الجيش وهو وال

عليها ، وفتح بيسان ودست بيسان ، وأبز قباذ ولقي العجم بالمرغاب

فهزمهم ، وفتح سوق الأهواز ، وغزا نهر تيرى ومغاذر الكبرى ، وفتح

همذان ثم شهد نهاوند ، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن رضي الله عنه ،

وكتب عمر رضي الله عنه وقتها :

( إن هلك النعمان فالأمير حذيفة فإن هلك فالأمير المغيرة )

وكان أول من وضع ديوان البصرة وجمع الناس ليعطَوا عليه ، ثم عزل

عن البصرة لتهمة لم تثبت ، وولاه عمر رضي الله عنه بعدها الكوفة ،

فكان الرجل يقول للآخر :

(غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة عزله عن البصرة وولاه الكوفة )

وظل واليا للكوفة حتى قتل عمر رضي الله عنه، فاستمر في عهد عثمان رضي الله عنه حينا ثم عزله .
الرشوة



قال المغيرة رضي الله عنه :

( أنا أول من رشا في الإسلام ، جئت إلى يرفاً حاجب عمر ، وكنت أجالسه ،

فقلت له : ( خذ هذه العمامة فالبسها ، فإن عندي أختها )

فكان يأنس بي ، ويأذن لي أن أجلس من داخل الباب ، فكنت آتي فأجلس

في القائلة فيمر المار فيقول :

( إن للمغيرة عند عمر منزلة ، إنه ليدخل عليه في ساعة لا يدخل فيها أحدا )

اعتزال الفتنة



اعتزل الفتنة أيام علي رضي الله عنه فلقيه عمار بن ياسر رضي الله عنه

في سكك المدينة فقال له :

هل لك يا مغيرة أن تدخل في هذه الدعوة فتسبق من معك وتدرك من سبقك ؟

فقال رضي الله عنه :

( وددت والله أني علمت ذلك ، وإني والله ما رأيت عثمان مصيبا ولا رأيت

قبله صوابا فهل لك يا أبا اليقظان أن تدخل بيتك وتضع سيفك وأدخل بيتي

حتى تنجلي هذه الظلمة ويطلع قمرها فنمشي مبصرين ؟ )

قال عمار رضي الله عنه : أعوذ بالله أن أعمى بعد إذ كنت بصيرا يدركني

من سبقته ويعلمني من علمته.
فقال المغيرة رضي الله عنه :( يا أبا اليقظان إذا رأيت السيل فاجتنب جريته )

وحج بالناس سنة أربعين لما كان معتزلا بالطائف.

ولما آل الأمر إلى معاوية رضي الله عنه قدم عليه ، فاستشاره معاوية رضي الله

عنه في أن يولي عمرو بن العاص على الكوفة ، وابنه عبد الله رضي الله عنهما

على مصر ، فقال المغيرة رضي الله عنه :

( يا أمير المؤمنين تؤمر عمرا على الكوفة وابنه على مصر

وتكون كالقاعد بين فكي الأسد )

قال معاوية رضي الله عنه : ما ترى ؟

قال : ( أنا أكفيك الكوفة ، فولي الكوفة لمعاوية إلى وفاته )

الوفاة




توفي المغيرة رضي الله عنه بالكوفة سنة خمسين للهجرة

وهو ابن سبعين سنة .

مجدى بدوى
11-28-2009, 02:55 PM
المغيرة بن شعبة



المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي صحابي جليل

أسلم قبل الحديبيـة وشهدها وبيعة الرضوان ، ولد في ثقيف بالطائف

وبها نشأ ، وكان كثير الأسفار .

صفاته

كان رضي الله عنه رجلا طوالا مهيبا ، ضخم الهامة ، أصهب الشعر

جعده ، أصيبت عينه في اليرموك وقيل في القادسية ، وقيل بل نظر

إلى الشمس وهي مكسوفة فذهب ضوء عينه.

وكان واحدا من دهاة العرب وذوي آرائها المشهورين حتى قيل له : مغيرة الرأي.

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث ، وروى عنه

أولاده عروة وحمزة وعقار، والمسور بن مخرمة ومسروق وغيرهم.

وكان مزواجا مطلاقا أحصن أكثر من ثمانين امرأة ، طعن في بطنه يوم

القادسية فجيء بامرأة من طيء تخيط بطنه فلما نظر إليها قال رضي

الله عنه : ( ألك زوج ؟ )

قالت : وما يشغلك ما أنت فيه من سؤالك إياي ؟
إسلامه

أسلم عام الخندق بعدما قتل ثلاثة عشر رجلا من بني مالك ، كانوا قدموا

من الإسكندرية بهدايا من المقوقس ، وجاء بها لرسول الله صلى الله عليه

وسلم ليرى فيها رأيه ، فهي غنيمة من المشركين ، فقبل الرسول صلى الله عليه وسلم إسلامه ورد هذه وقال :

" أما إسلامك فنقبله ، ولا آخذ من أموالهم شيئا ولا أخمسهُ لأن هذا غدر ، والغدر لا خير فيه "

وأقام المغيرة رضي الله عنه عند النبي صلى الله عليه وسلم وخرج معه

في غزوة الحديبية ، فبعثت قريش عروة بن مسعود رضي الله عنه إلى

رسول الله صلى الله عليه وسلم ليفاوضه في الصلح وجعل يمس لحيته ،

والمغيرة رضي الله عنه قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم مقنع

في الحديد ، فقال لعروة رضي الله عنه : ( كُف يدك قبل ألا ترجع إليك )

فقال عروة رضي الله عنه : من ذا يا محمد ؟ ما أفظه وأغلظه .

قال صلى الله عليه وسلم : " ابن أخيك المغيرة "

فقال رضي الله عنه : يا غدر والله ما غسلت عني سوءتك إلا بالأمس .

وكان قد أدى دية أولئك عن ابن أخيه ، وانصرف عروة رضي الله عنه إلى قريش .
وشهد المغيرة بيعة الرضوان والمشاهد بعدها ، ولما قدم وفد ثقيف

أنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم عنده ، فأحسن ضيافتهم ، وبعثه

صلى الله عليه وسلم مع أبي سفيان بن حرب رضي الله عنهما بعد

إسلام أهل الطائف فهدما اللات.

دهاؤه

عن عامر رضي الله عنه قال :

( القضاة أربعـة : عمـر وعلـي وابـن مسعود وأبو موسـى الأشعري ،

والدهاة أربعـة : معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد )

قال قبيصة بن جابر رضي الله عنه :

( صحبت المغيرة ، فلو أن المدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من

باب منها إلا بالمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها )

وقال الطبري رحمه الله :

( كان لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجا ، ولا يلتبس عليه أمران إلا أظهر الرأي في أحدهما )

وما غلبه أحد في الدنيا كما كان يقول إلا شاب من قبيلة الحارث

بن كعب ، حين خطب المغيرة امرأة فقال له الشاب :

أيها الأمير لا تنكحها فإني رأيت رجلا يقبلها.

فانصرف عنها ، فتزوجها الشاب ، فقال له المغيرة رضي الله عنه :

( ألم تقل إنك رأيت رجلا يقبلها ؟ )
قال : بلى رأيت أباها يقبلها وهي صغيرة.

ولما دفن النبي صلى الله عليه وخرج علي من القبر الشريف ألقى المغيرة

رضي الله عنه خاتمه وقال : يا أبا الحسن خاتمي

قال علي رضي الله عنه : انزل فخذه

قال المغيرة رضي الله عنه : ( فمسحت يدي على الكفن فكنت آخر الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم )

ومن أقواله رضي الله عنه :

( اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك ، فإنه لا بقاء للنعمة

إذا كفرت ولا زوال لها إذا شكرت ، إن الشكر زيادة من النعم وأمان من الفقر )
جهاده


حين تولى الصديق رضي الله عنه الخلافة أرسله إلى أهل النُجَير

وهوحصن منيع باليمن لجأ إليه أهل الردة مع الأشعث بن قيس رضي

الله عنهما ، ثم شهد اليمامة وفتوح الشام وفقئت عينه باليرموك ، وكان

رسول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى رستم في القادسية.
الإمارة

استعمله عمر رضي الله عنه على البحرين فنفر منه أهلها فعزله عمر رضي

الله عنه، ثم خافوا أن يعيده إليهم ، فجمعوا مائة ألف وأرسلوها مع

دهقانهم إلى عمر رضي الله عنه فقال له :

إن المغيرة اختان هذا من مال الله (أي اختلسه) وأودعه عندي .

فدعا عمر المغيرة رضي الله عنهما فسأله فقال :

( كذب أصلحك الله إنها كانت مائتي ألف )

قال عمر رضي الله عنه : ما حملك على ذلك ؟

قال رضي الله عنه : ( العيال والحاجة )

فقال عمر رضي الله عنه للدهقان : ما تقول ؟

قال : لا والله لأصدقنك ما دفع إلي قليلا ولا كثيرا

فقال عمر للمغيرة رضي الله عنه : ما أردت إلى هذا ؟

قال رضي الله عنه : ( كذب علي الخبيث فأحببت أن أخزيه )

ثم ولي البصرة لعمر رضي الله عنه ثلاث سنوات ، فقاد الجيش وهو وال

عليها ، وفتح بيسان ودست بيسان ، وأبز قباذ ولقي العجم بالمرغاب

فهزمهم ، وفتح سوق الأهواز ، وغزا نهر تيرى ومغاذر الكبرى ، وفتح

همذان ثم شهد نهاوند ، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن رضي الله عنه ،

وكتب عمر رضي الله عنه وقتها :

( إن هلك النعمان فالأمير حذيفة فإن هلك فالأمير المغيرة )

وكان أول من وضع ديوان البصرة وجمع الناس ليعطَوا عليه ، ثم عزل

عن البصرة لتهمة لم تثبت ، وولاه عمر رضي الله عنه بعدها الكوفة ،

فكان الرجل يقول للآخر :

(غضب الله عليك كما غضب أمير المؤمنين على المغيرة عزله عن البصرة وولاه الكوفة )

وظل واليا للكوفة حتى قتل عمر رضي الله عنه، فاستمر في عهد عثمان رضي الله عنه حينا ثم عزله .
الرشوة

قال المغيرة رضي الله عنه :

( أنا أول من رشا في الإسلام ، جئت إلى يرفاً حاجب عمر ، وكنت أجالسه ،

فقلت له : ( خذ هذه العمامة فالبسها ، فإن عندي أختها )

فكان يأنس بي ، ويأذن لي أن أجلس من داخل الباب ، فكنت آتي فأجلس

في القائلة فيمر المار فيقول :

( إن للمغيرة عند عمر منزلة ، إنه ليدخل عليه في ساعة لا يدخل فيها أحدا )
اعتزال الفتنة

اعتزل الفتنة أيام علي رضي الله عنه فلقيه عمار بن ياسر رضي الله عنه

في سكك المدينة فقال له :

هل لك يا مغيرة أن تدخل في هذه الدعوة فتسبق من معك وتدرك من سبقك ؟

فقال رضي الله عنه :

( وددت والله أني علمت ذلك ، وإني والله ما رأيت عثمان مصيبا ولا رأيت

قبله صوابا فهل لك يا أبا اليقظان أن تدخل بيتك وتضع سيفك وأدخل بيتي

حتى تنجلي هذه الظلمة ويطلع قمرها فنمشي مبصرين ؟ )

قال عمار رضي الله عنه : أعوذ بالله أن أعمى بعد إذ كنت بصيرا يدركني

من سبقته ويعلمني من علمته.
فقال المغيرة رضي الله عنه :( يا أبا اليقظان إذا رأيت السيل فاجتنب جريته )

وحج بالناس سنة أربعين لما كان معتزلا بالطائف.

ولما آل الأمر إلى معاوية رضي الله عنه قدم عليه ، فاستشاره معاوية رضي الله

عنه في أن يولي عمرو بن العاص على الكوفة ، وابنه عبد الله رضي الله عنهما

على مصر ، فقال المغيرة رضي الله عنه :

( يا أمير المؤمنين تؤمر عمرا على الكوفة وابنه على مصر

وتكون كالقاعد بين فكي الأسد )

قال معاوية رضي الله عنه : ما ترى ؟

قال : ( أنا أكفيك الكوفة ، فولي الكوفة لمعاوية إلى وفاته )

الوفاة


توفي المغيرة رضي الله عنه بالكوفة سنة خمسين للهجرة

وهو ابن سبعين سنة .


تم بحمد الله ارجو ان اكون وفقت للنقل
ومراجع الكتاب


مواقع تم الاستعانة بها لإصدار هذا الكتاب


مركز بحوث ودراسات المدينه المنوره
موقع نداء الايمان
موقع الاسلام
الشبكة الاسلاميه
موقع الصحابه رضوان الله عليهم

لا تحرمونا من دعوة خالصه

اسامة حافظ صندوقة
11-29-2009, 01:14 AM
عندما يطرب القلم حبا لاصحاب رسول الله


لقد شهد الله سبحانه وتعالى لهم


طهارة القلوب


وصدق الإيمان


وتلك – والله - شهادة عظيمة من رب العباد


لا يمكن أن ينالها بَشَر بعد


انقطاع الوحي


قال تعالى:


( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْ


نَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ


فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي


الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ


يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ


آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً )


الفتح/29


طوبى لكم


وأي طوبى لاصحاب الحبيب محمد


رسول الله


صلى الله عليه وسلم


أسمع يا أخي


ما أحسن ما قال


عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :


" من كان منكم مستنا


فليستن بمن قد مات


فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة
أولئك أصحاب محمد


صلى الله عليه وسلم


كانوا أفضل هذه الأمة


أبرها قلوبا


وأعمقها علما


وأقلها تكلفا



قوم اختارهم الله لصحبة نبيه


وإقامة دينه


فاعرفوا لهم فضلهم


واتبعوهم في آثارهم


وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم


فإنهم كانوا على الهدى المستقيم "


رواه ابن عبد البر في الجامع ، رقم (1810) .


لقد وعدهم الله سبحانه وتعالى


بالجنات والنعيم المقيم


وأحَلَّ عليهم رضوانه


في آيات تتلى إلى يوم القيامة


فهل يعقل أن يكون ذلك لمن لا يستحق الفضل !؟



يقول سبحانه وتعالى :


( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ


وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ


رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ


وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ


خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) التوبة/100


وقد شهد لهم بالفضل


سيد البشر وإمام الرسل والأنبياء


صلى الله عليه وسلم


فقد كان


شاهدا عليهم في حياته


يرى تضحياتهم


ويقف على صدق عزائمهم


فأرسل صلى الله عليه وسلم


كلمات باقيات في شرف أصحابه


وحبه لهم


عن أبي هريرة رضي الله عنه


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :


( لا تَسُبُّوا أَصحَابِي ؛ فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ


لَو أَنَّ أَحَدَكُم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا


مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلا نَصِيفَهُ )


رواه البخاري (3673) ومسلم (2540)


وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه


عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :


( خَيرُ النَّاسِ قَرنِي


ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم


ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم )


رواه البخاري (2652) ومسلم (2533)


أيها الاخوة الأحبة


أنها والله


الهجرة


والجهاد


والنصرة


وبذل المهج والأموال


وقتل الآباء والأولاد


والمناصحة في الدين


وقوة الإيمان واليقين


نشهد أمام الله


على


عدالتهم


والاعتقاد لنزاهتهم


وأنهم أفضل من جميع المعدلين


والمزكين


الذين يجيؤون من بعدهم


أبد الآبدين


هذا مذهبنا


وهومذهب كافة العلماء


ومن يعتد بقوله من الفقهاء


أخبروني بالله عليكم


أي قلم هذا!!!!


وأي قرطاس ذاك!!!!


يسع



مواقفهم التي نصروا فيها الدين


وأعمالهم التي استحقوا بها الرفعة


والمنزلة العالية



والله ما كفتنا المجلدات الطوال


فقد كانت حياتهم كلها


في سبيل الله تعالى


بالله عليكم


أي قرطاس يسع حياة


المئات من الصحابة


رضوان الله عليهم أجمعين


الذين ملؤوا الدنيا بالخير


والصلاح


أسمع وركز


يقول ابن مسعود رضي الله عنه :



" إن الله نظر في قلوب العباد


فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم


خير قلوب العباد


فاصطفاه لنفسه


فابتعثه برسالته


ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد


فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد


فجعلهم وزراء نبيه


يقاتلون على دينه


فما رأى المسلمون حسنا


فهو عند الله حسن


وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ


ما هو واجبنا نحو الصحابة


رضوان الله عليهم


الأعتقاد بعدالةِ الصحابة


وفضلهم


هذا هو مذهبُ أهلِ السنة والجماعة


وذلك لما أثنى اللهُ تعالى عليهم


في كتابه


ونطقت به السنَّةُ النبويةُ في مدحهم


وتواترت هذه النصوص


في كثير من السياقات


مما يدل دلالة واضحة


على أن الله تعالى حباهم من الفضائل


وخصهم من كريم الخصال


ما نالوا به ذلك الشرف العالي


وتلك المنزلة الرفيعة عنده


وكما أن الله تعالى يختار لرسالته


المحل اللائق بها من قلوب عباده


فإنه سبحانه يختار لوراثة النبوة


من يقوم بشكر هذه النعمة


ويليق لهذه الكرامة


كما قال تعالى :


( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)


الأنعام/ 124 .


أخي مجدى بدوى


حياك الله


وجزاك الله خير الجزاء الاوفى


بارك الله فيك


ورحم الله والديك


وجعل عملك هذا في ميزان حسناتك


بيض الله وجهك


يوم تسود وجوه وتبيض وجوه


والسلام

تائب الى الله
12-01-2009, 06:34 AM
جزاك الله خير وكتب الله لك الاجر والثواب
وسيره عطره لا اصحاب المصطفى عليه الصلاة والسلام ورضي الله عن اصحابه الكرام
بارك الله فيك ورضي الله عنا وعنك اجمعين

امال مصباح
06-02-2010, 11:47 PM
أنهم والله كالنجوم في السماء لقد شمخت هاماتهم لتطاول الكواكب في كبد السماء وما كان لهم ذلك إلا بنور الإسلام الذي سطع في قلوبهم فصبغ جميع حياتهم بصبغة السنة الحقهفكانوا خير صحابة لخير بشر وطئت قدماه الأرض .
وإن سيرتهم لغذاء لروح ومبعث لعلو الهمم رضي الله عنهم أجمعين وجزى الله معلم هذه القمم الشامخة خير ما جزى نبي عن أمته وصلي اللهم وسلم على خير الأنام محمد النبي العدنان.
جزاك الله خيرا أستاذي الفاضل وجعله الله في ميزان حسناتكrrrr[1].gifrrrr[1].gifrrrr[1].gif

عصام
06-05-2010, 12:36 PM
بارك الله فيك أخي مجدي على الفائدة العظيمة