سقطت (بغداد) في يد التتار، فأخذوا يخربون البلاد، ويأسرون العباد، والناس يفرون من أمامهم، وقد سادهم الذعر الشديد وفي هذا الوقت الحالك السواد المدلهم الظلمة ولد تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في (حران) بالغرب من دمشق في يوم الاثنين 10 ربيع الأول 661هـ بعد سقوط بغداد في أيدي التتار بست سنوات.

كان ابن تيمية قوي الإيمان، فصيح اللسان، شجاع القلب، غزير العلم، وكان قوة عظمى يحسب لها الأعداء ألف حساب، فازداد الناس تعلقًا به، والتفافًا حوله، وظل يقضي وقته بين التدريس في المساجد، وتبصير الناس بأمور دينهم، وبيان ما أحل الله وحرم، والدفاع عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن أعداءه ومنافسيه كانوا له بالمرصاد، فأوقعوا بينه وبين سلطان مصر والشام (ركن الدين بيبرس) فنقل إلى مصر وتمت محاكمته بحضور القضاة وكبار رجال الدولة، فحكموا عليه بالحبس سنة ونصف في القلعة، ثم أخرجوه من السجن، وعقدوا جلسة مناظرة بينه وبين منافسيه وخصومه،فكسب (ابن تيمية) المناظرة، ورغم ذلك لم يتركه الخصوم فنفي إلى الشام، ثم عاد مرة أخرى إلى مصر وحبس، ثم نقل إلى الإسكندرية حيث حبس هناك ثمانية أشهر .

واستمرت محنته واضطهاده إلى أن عاد إلى القاهرة حيث قرر السلطان (الناصر محمد بن قلاوون) براءته من التهم الموجهة إليه، وأعطاه الحق في عقاب خصومه الذين كانوا السبب في عذابه واضطهاده، لكن الإمام (ابن تيمية) فضل أن يعفو عنهم!! وهكذا تكون شيم الكرام .

وظل (ابن تيمية) في القاهرة ينشر العلم، ويفسر القرآن الكريم، ويدعو المسلمين إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، ثم رحل إلى (مشق) بعد أن غاب عنها سبع سنين، وخلال وجوده هناك أفتى في مسألة، فأمره السلطان بأن يغير رأيه فيها، لكنه لم يهتم بأوامر السلطان وتمسك برأيه وقال : (لا يسعني كتمان العلم) فقبضوا عليه وحبسوه ستة أشهر ثم خرج من سجنه ورجع يفتي بما يراه مطابقًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

لكن خصومه انتهزوا فرصة إفتائه في مسألة شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، فقد كان يرى أن تلك الزيارة ليست واجبة على المسلمين، فشنعوا عليه حتى حبس هو وأخوه الذي كان يخدمه، ورغم ذلك لم ينقطع عن التأليف والكتابة، لكنهم منعوه من ذلك، فأرادوا كتمان صوت علمه أيضا، فأخرجوا ما عنده من الحبر والورق، فلم تلن عزيمته ولم تضعف همته وتحداهم، فكان يكتب بالفحم على أوراق مبعثرة هنا وهناك، وكان من أقواله (حبسي خلوة، وقتلي شهادة، ونفيي سياحة) .

وقد توفي (ابن تيمية) عام 728هـ وهو على حاله صابرًا مجاهدًا، مشتغلاً بالعلم، وحضر جنازته أكثر من خمسمائة ألف مسلم، وله مؤلفات كثيرة تجاوزت ثلاثمائة مجلد أغلبها في الفقه وأصوله والتفسير .

نفي وسجن وتغريب وتعذيب لم توهن مجتمعة أو متفرقة من عزيمة هذا العالم الكبير ! .

سجنوه ومنعوا القلم والقرطاس عنه فلم ييأس.. بل بحث عن بصيص أمل يومض في ظلام سجنه الجائر, فوجد قطع الفحم فأشعلها بين أصابعه نورًا ينثر ضياءه على قراطيسه البيضاء ! .

زُجَّ به بريئًا في عتمة سجن بارد موحش.. فلم يثر أو ينهار أو ييأس, بل قال بكل تفاؤل وأمل (حبسي خلوة، وقتلي شهادة، ونفيي سياحة) فكان عزاؤه لنفسه بهذه الكلمات النورانية أشبه بمشعل متوقد منحه من القوة والصلابة ما جعله يورث لنا هذا الكم الهائل من المؤلفات التي بقيت آثارها في حين لم يبق الزمان آثارًا لكلمات سجانيه وظالميه ! .

* فتأمل أيها القارئ صلابة هذا الشيخ وضياء الأمل الذي منحه له النور الإيماني العجيب في داخله ! .