التسجيل مكتبي الرسائل الخاصة الرئيسية البحث الخروج  
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 31 من 31

الموضوع: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

  1. #21

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    تأملات قرآنية (46)
    ï´؟وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداًï´¾ [لقمان: 34]
    هل ستَكون فقيرًا أم غَنِيًّا؟ تتزوَّج أم لا؟ تنْجب أولادًا ذكورًا أم إناثًا؟ أم عقيمًا؟! فلا أحدَ يعْلم، كم تكسب؟، كم تنفق؟، ماذا تملك؟، هل تسافر؟، هل تنجح؟ هل تخفق؟ كم هي تحليلات الإنسان لنفسه وحساباته في الأمور المادية، كم هي دقة حسابات الشركات القائمة والتحليلات الموجودة نتيجة أعمالها، والواقع يقول: ï´؟وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداًï´¾
    دعك من تحليلاتهم فهم لا يدرون ما سيحدث لأنفسهم غدا...الأمر كله لله.
    كم من جاهل يزيد رزقه، وكم من عالم يقل رزقه!
    رجل يخرج إلى السوق فيأتيه الرزق الكثير، وآخر يأتيه كسبه في بيته، وهذا يجده في أرضه، وذاك في ولده أو زوجه، وكم من ذكي قوي ذو وجاهة يسعى لتحصيل كسبه ولكنه لا يأتيه إلا بحساب.
    والكسب هنا لا يقتصر على المال، بل ربما كسب الحسنات والسيئات، وكسب الهداية أو الضلالة، وكسب المعرفة والعلم والخُلق، وفي الحديث: { أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب ......}، وقال صلى الله عليه وسلم: { وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة الزمان الطويل فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها......}؟
    فمهما بلغت من علم ودراية وبذلت من وقت أو أنفقت من مال ولو اجتمعت الدنيا كلها لك عونا لن تستطيع أن تعلم ذلك فعلمه عند الله، فما كان يدري فرعون أن الطفل الذي رباه في بيته هو الذي قتل الأطفال لأجله، وما علم أنه سيهلك في اليوم الذي تبع فيه موسى ومن معه، وأبو جهل يوم بدر قال: لن نرجع حتى نشرب الخمور وتعزفنا القرآن وتسمع بنا العرب، وما درى بقتله ولا فضيحة قريش في هذا اليوم: ï´؟وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداًï´¾

    د. محمد عمارة.
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  2. #22

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [3/10, 10:24 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (52)

    ï´؟وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌï´¾.. [آل عمران: 178].
    تأكيد السنن في إمهال الكافرين ومن على شاكلتهم يأكلون يتمتعون كما تأكل الأنعام، والكافر عندما يجد نفسه في رفاهية وطول عمر، فهو يعتقد أنه تُرك لخير له، وكذا يغتر غيره بما هو فيه، والكفار يسيرون على غير منهج الله. وربما كانوا على منهج المضادة والمضارة لمنهج الله.
    وذلك هو الشر. إذن فالله لا يملي لهم بقصد الخير، إنما يملي الله لهم لأنهم ما داموا على الكفر فهم يشغلون أوقات أعمارهم بأحداث شرّية تخالف منهج الله، وكل حدث شرّى له عذابه وجزاؤه. إذن فإطالة العمر لهم شر.
    و(يحسَبَنَّ) فعل مضارع، بمعنى الظن، والظن كما نعرف أمر وهمي، والحق سبحانه يذكرهم أن ظنونهم بأن بقاء حياتهم هو خير لهم ليست حقاً. بل هي حدس وتخمين لا يرقى إلى اليقين، والأحداث التي تقع من الكافر تقع على غير منهج إيماني فلابد أن تكون شراً، حتى ولو فعل ما ظاهره أنه خير فإنه يفعله مضارة لمنهج الله.
    وهو سبحانه يقول: ï´؟إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْï´¾ والإملاء هو تمديد الوقت وإطالته.
    والمقصود هنا أن إطالة أعمارهم ليست خيراً لهم ولا يصح أن يظنوا أنها خير لهم، لأن الله إنما يملي لهم؛ ï´؟ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌï´¾ وهنا نجد (لام العاقبة).
    ï´؟وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌï´¾ وتأتي كلمة (مهين) وصفاً للعذاب مناسبة تماماً؛ لأن الكافر قد يخرج من المعركة وقد تملكه الزهو والعجب بأن أحداً لم يستطع أن يقطع رقبته بالسيف، ويتيه بالعزة الآثمة، لذلك فالإيلام هنا لا يكفي، لأنه قد يكتم الألم ويتجلد عليه، ولكن العذاب عندما يكون مهيناً فهو العقاب المناسب لمثل هذا الموقف. والمتكلم هنا هو الله، وسبحانه العليم بالمناسب لكل حال.
    د. محمد عمارة
    [3/11, 11:10 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (53)
    ï´؟أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ غ– إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَï´¾ [النمل: 56]
    انتكاس الفطرة ورفض الشرع واتهامه بالجمود والقسوة لسان حال المفسدين في كل زمان ومكان.
    ملخص القصة في قرية سادوم كانت تعيش جماعة أرسل الله إليهم نبيه الكريم لوط عليه السلام، وهؤلاء قد انتكست فطرتهم وكانوا يأتون الرجال من دون النساء، لم يسبقهم أحد إلى هذا الفعل من البشر منذ بدء الخلق فلهم براءة اكتشافه، ووصفوا من آمن بلوط عليه السلام بالطهر، وهذا يعني أنهم يصفون أنفسهم بخلافه من الدناءة والنجاسة والارتكاس في الرذيلة والفتنة، إنهم يحبون ما يخالف الطهر.
    وبما أنهم على هذه الأوصاف وبيدهم القوة فإنهم لن يسمحوا بدعاة الطهر والفضيلة بالبقاء بينهم؛ لأنهم يخالفونهم المنهج، وكأنهم يُجبرون على موافقة القدر في تخلية المكان من كل طاهر حتى يُدمر جميعه بمن فيه من أصحاب النجاسات.
    والتاريخ يكرر نفسه مع أصحاب الفطر المنتكسة الذين يرفضون العفة بشتى صورها، فيتهمون الإسلام في حجاب المرأة وفي تكاليفه الشرعية وعباداته، ويحاربونه بكل ما أوتوا من قوة يقتلون أهله ويزيفون عليهم التهم والأحقاد، ويزردونهم، ولسان الحال: ï´؟أخرجوهم من قريتكمï´¾ فإنهم لا يرفضون الفساد ولا يسكتون عنه كما رفضه المؤمنون مع لوط عليه السلام.
    والسنن تتكرر فلا اعتبار ولا اتعاظ بما في القرآن ولا في أخبار السابقين، وإنما أهواء وشهوات شيطانية تحكم على أصحابها بالهلاك والدونية وتميزهم بالانتكاسة والتعاسة بسوء فعلهم، وقبيح معتقداتهم من الرجس والفسوق ومخالفة شرع الله تعالى.
    وما يدريك لعلها السنة في إظهار عجز أهل الإيمان وضعفهم وتجميع أهل الفساد واستخراج ما في قلوبهم ومدهم في طغيانهم ثم يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون.

    د. محمد عمارة
    [3/12, 11:04 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (54)
    ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
    ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُï´¾ [الحج: 73]
    من أعظم أمثال القرآن التي تظهر قوة رب العالمين وضعف وعجز الخلق ومن عبدوهم أو لجئوا إليهم من دون الله، والمثل المضروب للناس إن هؤلاء الذين تدعونهم من الإنس أو الجن أو غيرهم عند الشدائد ليساعدوكم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، بل هم عاجزون أن يخلقوا شيئاً من المخلوقات، كالذباب.
    وكمال الإعجاز والتحدي بكون المتحدَى به ضعيفًا محتقرا عندهم وهو الذباب تقليلا لشأنهم وشأن معبوداتهم، على الرغم من وجود الإعجاز الإلهي فيه كغيره فمادة الحياة في الذباب وهي الروح هي نفسها التي في الأسد، ولكن لما كان أمرهم محتقرا قلل من شأنهم بالمتحدى به فضرب المثل بالذباب لا بغيره.
    وزيادة على ذلك فإن هذا الذباب الضعيف إذا سلبهم شيئاً من طعامهم أو شرابهم فإنهم لا يستطيعون أن يستنقذوه منه، وهذا دليل آخر على ضعفهم وعجزهم، وضعف الذباب وعجزه، فكيف تدعونهم من دون الله؟ وهذا المثل فيه إنكار شديد على من يدعو غير الله، ويطلب من غير الله، ويستعين أو يلجأ أو يخاف، أو يرجو، أو يسأل أو يثق بغير الله تعالى.
    إنهم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سلبهم شيئا من طعامهم أو شرابهم، ثم أرادت أن تستنقذه منه لما قدرت على ذلك. هذا والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، فإذا عجزوا فهم ضعفاء كما هو ضعيف.
    لقد ثبت اليوم أن الذبابة إذا أخذت شيئاً تحلّل في جسمها مباشرة فلا يستطيع أحد أخذه منها، فتبارك الله رب العالمين.
    لو أحسن الخلق الاعتقاد في هذا المثل ما وثقوا في قوة أيا كانت ولا اعتمدوا على أي أحد سوى الله تعالى فغير الله لا يقدر على خلق ذبابة ولا يستنقذون منها ما سلبته منهم، فهي وهم في الضعف سواء.
    د. محمد عمارة
    [3/13, 11:15 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (55)
    ï´؟وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهï´¾ [البقرة: 282]
    قال ابن القيِّم: وأما قوله تعالى: ï´؟وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُï´¾، فليس من هذا الباب؛ بل هما جملتان مستقلَّتان؛ طلبيَّة، وهي الأمر بالتقوى، وخبرية وهي قوله تعالى: ï´؟وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُï´¾؛ أي: والله يعلِّمكم ما تتَّقون، وليست جوابًا للأمر بالتقوى، ولو أُريد بها الجزاء لأتى بها مَجزومة مجرَّدة عن الواو فكان يقول: واتَّقوا الله يعلِّمْكم، أو إن تتَّقوه يعلِّمْكم؛ كما قال: ï´؟إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًاï´¾، فتدبَّرْه" مفتاح دار السعادة 1/172).
    وهذا وجه والوجه الثاني لبعض أهل العلم، أن التقوى سبب لتعليم الله تعالى، وإن ترجح معنًى على آخر فلا يعني إقصاء المَرجوح، وقد ذهب لكليهما طائفةٌ من أهل التفسير؛ كالطبري في الأول، وبعض النحاة وأهل التفسير في الثاني.
    واعتبار التفسير الثاني لا يلغي كون العلم النَّافع ثمرةً من ثمرات التقوى.
    ونور الله لا يُهدى لعاصِ، التقوى تَهيئة للعلم النَّافع، كما أنَّ العلم النافع يُثمر التقوى.

    والمقصود ألا يغتر أحد بعلمه ولا يفخر به على غيره فالله يَعلم البرَّ والفاجِر، ولا ينتفع بالعلم حقيقة إلاَّ أهل التقوى؛ قال عمر بن عبد العزيز: "إنَّما قَصَرَ بنا عن عِلم ما جهلنا، تقصيرُنا في العمل بما علِمنا، ولو عملنا ببعض ما علِمنا، لأورثنا علمًا لا تقوم به أبداننا؛ قال الله تعالى: ï´؟وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهï´¾.
    فكلُّ عِلم لم يورث عملاً وخشيةً لله وذلاًّ، فليس هو نافعًا صاحبه، وإن كان في أصله ممَّا يُنتفع به، والعالِم هو العارِف العامِل بعلمه، ولولا ما قام بقلبه من المعرفة والخَشية لما نفعَه علمُه فعمِل به، وهذا هو محض الصَّلاح، وبذا تتحقَّق العبوديَّة لله في قَلب العالِم الرَّبَّاني، فيعود عملُه بعلمه فتحًا عليه في مغاليق العِلم وهدًغŒ ورسوخًا، وهكذا عودًا بعد بدء يزيده اللهُ ويَفتح عليه من مَعين فضله، وجميلِ منِّه وكرمه.
    د. محمد عمارة
    [3/14, 11:06 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (56)
    ï´؟وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِï´¾ [آل عمران: 140]
    تداول الشيء يعني: حصوله في يد هذا تارة وهذا تارة أخرى، ومن أمثال العرب: الحرب سجال، والأيام دول، فهي تارة لهؤلاء وتارة لأولئك، ومنه قول الشاعر
    فيوم علينا، ويوم لنا ... ويوم نُساء ويوم نُسر
    فالتداول بمعنى الانتقال والتحول والتغيير من حال إلى حال حقيقة لغوية، وهو كذلك سنة كونية أثبتها القرآن الكريم في قوله جل من قائل: ï´؟وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُها بَينَ النَّاسِï´¾ والآية بيان لسنة الله الجارية في كونه، وهي المُدَاولة، بمعنى: نقل الشيء من واحد إلى آخر، وقد جاءت هذه الآية تسلية وتمحيصا للمؤمنين في غزوة أحد، وذلك أنّ الله عزّ وجلّ أدال المسلمين من المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأدال المشركين من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا منهم خمسة وسبعين.
    وبما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما قرره أهل الأصول، فإن "الأيام" في الآية تكون عامة بمعنى الأوقات لا الأيام العرفية، وتعريفها للعهد إشارة إلى أوقات الظفر والغلبة والفرح والغم والرخاء والشدة... الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية، وتكون "الناس" أيضا عامة في البشر كلهم حاكهم ومحكومهم في كل زمان ومكان؛ لأن هذا من السنن الكونية، فلا يختص بالقوم المتحدث عنهم. فاليوم قد تَملك، وربما غدا لا تجد ما تملك، واليوم أنت في نعيم، فربما تغير إلى شدة وحاجة، ورئيس اليوم قد يكون غدا مرؤوسا، وظالم اليوم، قد يغدو غدا مظلوما.
    يقول الشاعر:
    لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ** يبقى الإله ويفنى المال والولــــد
    لم تغن عن قيصر يوم خزائنـــه ** والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
    ولا سليمان إذ تجري الرياح لـه ** والجن والإنس فيما بينها تفـــــد
    أين الملوك التي كانت لعزتــــها ** من كل صوب إليها وافد يفـــــد
    حوض هنالك مورود بلا كــذب ** لا بد من ورده يوماً كـما وردوا.
    فهل ينتظر هؤلاء – إذا - إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم؟ أم اتخذوا عند الله عهدا؟

    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  3. #23

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [3/16, 10:58 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (58)
    ï´؟فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِï´¾ [الفتح: 10].
    سنن الله الكونية سرعة عاقبة الغدر ونقض العهد، فالغادر الناكث يعود أثر غدرته عليه، ويرتد جزاء نكثه عليه، وإذا كان كل غادر يتصور أنه استثناءٌ من هذه السنة الإلهية، وتغره نفسه عن الاعتبار بمن سبقوه من أهل الغدر الذين كانوا أشد قوة وأكثر جمعا وأحكم رأيا وأوثق خطة، فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئا.
    والغدر حرام حتى لو ظهرت فيه مصلحةٌ للمسلمين، ولو كان عهدا مع كافر، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بعهود المشركين ما لم ينقضوا منها شيئا: ï´؟إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَï´¾، وأما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثما.
    إن نظرة سريعة في نصوص القرآن والسنة تكشف عن دناءة الطبيعة النفسية للغادر الذي لا يتقن إلا الخداع والدسائس، ولهذا قالت الحكماء: "لم يغدر غادرٌ قط إلا لصغر همته عن الوفاء، واتضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم". وتأملوا أوصاف الغادر في القرآن والسنة، وناظروها بواقع الغادرين.
    والغدر من خصال النفاق، وهو علامةٌ على قسوة القلب؛ لأن الغدر دليل على غياب خوفه من الله فيقسو قلبه، ولذلك تهون عليه الدماء، ولا تؤثر في مشاعره آهات المعذبين، بل ربما تلذذ بتعذيب من يخدعهم، والغدر فسقٌ، وصف الله الغادر بالفسق في آيات كثيرة، ومن آثار الغدر الإغراء بالعداوة والبغضاء بين الغادرين: فإن بعض النصارى لما نقضوا الميثاق والعهود أورثهم الله العداوة والبغضاء بين طوائفهم المختلفة، وبينهم وبين اليهود، إلى يوم القيامة: ï´؟وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَï´¾.
    وهكذا كل الغادرين، لا يأمن بعضهم بعضا، ولا يأمنون غيرهم؛ خوفا من أن يغدروا مثلهم، فحياتهم قلقٌ واضطرابٌ وهمٌ مقيمٌ، ولهذا ما أسرع ما يسقطون.
    وربما سلط الله بعض الغادرين على بعض فقتل بعضهم بعضا، ففي الحديث: «ما نقض قومٌ العهد قط إلا كان القتل بينهم.
    د. محمد عمارة
    [3/17, 9:47 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (59)
    في سورة القصص
    بدأها الله تعالى بقصة موسى عليه السلام ونهاها بوعود التمكين لمحمد صلى الله عليه وسلم مع تشابه الظروف والأحوال.
    أولا: بين مكافئة الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم مع المرأتين حيث تزوج من إحداهن ومكث في أرض مدين في أمان بعيدا عن فرعون وبطشه، وهو مكافئة للخير الذي بذله موسى صلى الله عليه وسلم.
    وفي نهاية السورة تأكيد لكل من يفعل خيرا من المؤمنين: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا............} للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وكل من يفعل الحسنة.
    ثانيا: ذكر الله في السورة قصة خروج موسى صلى الله عليه وسلم من مصر وقد خرج متخفيا: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ.....}، وقد نصحه رجل بالخروج منها: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.......}، ثم رجع إليها داعيا إلى دين الله جل وعلا.
    وكذلك أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وخرج معه رجل يصحبه في رحلته وهو أبو بكر رضي الله عنه: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، وقد وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أثناء خروجه من مكة وقبل وصوله المدينة بالعودة إلى مكة مرة أخرى، فالذي رد موسى صلى الله عليه وسلم مع بطش فرعون سيرد النبي محمدا صلى الله عليه وسلم مكة مرة أخرى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ..........}. وقد رجع النبي صلى الله عليه وسلم فاتحا منتصرا: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}.
    ثالثا: اتهم فرعون موسى بالسحر: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} وقد أجابهم موسى صلى الله عليه وسلم: {وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، وكأنها إشارة إلى اتهامهم هم بما قالوا وأنهم في ضلال.
    وهو نفس ما جرى مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فرمته قريش بالسحر تارة والجنون أخرى، فنفاه الله عنه، ثم أثبت له الهداية ولهم الضلالة: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.
    رابعا: دعا موسى صلى الله عليه وسلم فرعون إلى الإسلام فتحداه فرعون بالسحرة وجاءوا يعلنون التحدي فآمنوا فتوعدهم فرعون بالقتل وقطع الأيدي والأرجل، فما صدهم ذلك عن دينهم شيئا، ولم يؤمن فرعون ولو شاء الله لهداه وهو من تربى موسى في بيته.
    وكذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به أبو طالب الذي ربي في بيته وكان يعلم صدقه وأمانته، ولذا قال ربنا: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
    خامسا: قضية الأمن والخوف فجعل الله الأمن لموسى فيما يبدو للعقلاء منه الخوف، فرباه في بيت فرعون الذي يقتل الأطفال لأجل الوصول إليه، فلا حاجة للخوف إذا حال خروجه من مصر إلى مدين فلقد أمنه وهو في أشد الأحوال ضعفا، وهو رضيع صغير.
    كذا الحال للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة وقد اجتمعوا حول بيته فلما فشلوا في قتله وقد خرج من بين ظهرانيهم، خرجوا يطلبونه في جميع الاتجهات يتبعون الأثر ويبذلون المال، فيستشعر معنى الأمان والعناية: {ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا}.
    والعجيب أن سورة القصص قد جاءت بآية عجيبة وقمة في الإعجاز للأمان والحفظ لعامة الناس، لمن يزعمون أن الأمن فقط للأنبياء، لتثبتها عامة لعموم المؤمنين: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.

    د. محمد عمارة
    [3/19, 12:36 am] محمد عمارة: تأملات قرآنية (60)

    {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [سورة الزلزلة: 4]
    إنها أخبار بني آدم وأعمالهم تشهد الأرض بها، فتخبر الأرض بما عُمل عليها من خير أو شر، وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية يومئذ تحدث أخبارها قال: " أتدرون ما أخبارها - قالوا الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل يوم كذا كذا وكذا.
    وتحديثها أخبارها: أن تتكلم فتقول: إن الله أمرني بهذا، وأوحى إليّ به، وأذن لي فيه.
    والأرض وغيرها من المخلوقات التي هي بالنسبة لنا جماد لا يعقل ولا يفهم هي لله تعالى تأتمر بأمره وتبقى بقدرته، وتسبح له وتقدس، وإن كنا لا نعي ذلك منها: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}، قال داود بن قيس: سمعت ابن كعب يقول: "إن الأرض لتبكي من رجل، وتبكي على رجل، تبكي لمن كان يعمل على ظهرها بطاعة الله تعالى، وتبكي ممن يعمل على ظهرها بمعصية الله تعالى، قد أثقلها، ثم قرأ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ}.
    هذه الأرض سوف تأتي يوم القيامة شاهدة على الإنسان بكل ما صنع عليها من خير أو شر، بعد أن تخرج ما في بطنها من الأموات وما ظن أصحابه أنه خفي على الخلق من قتلى واراهم التراب، وذنوب سترها أصحابها وتَخَفَّو بها بين الجدران وفي سفح الجبال وأعماق الأرض، أو حتى في البحار، غُيبت عن الناس لكن الأرض تعيد على الجميع نشرها يوم القيامة لا تكتم من ذلك شيئا إلا الذي أمرها الله بستره.
    د. محمد عمارة
    [3/19, 11:03 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (61)
    ï´؟....وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْï´¾ [الفتح:29]
    هي صفة إذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم خير هذه الأمة، والتراحم من الإيمان، وقد أمرنا الله تعالى بالاقتداء بهم والسير على طريقهم، ولن يستقيم إيمان حتى يكون كإيمانهم: ï´؟فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُï´¾.
    فإذا كنا نعلم ذلك فما الذي يجري الآن بيننا وخاصة من يدعون العلم وحراسة الشريعة من غلظة وقسوة وجفاء طبع ولا سيما في اللفظ أو الكلمة -وإن كانت صغيرة الحجم عظيمة المعنى- التي بها تنفر القلوب ومنها تتآلف القلوب.
    إن صفة التنافر والتباعد والتدابر والتحاسد والتباغض كلها منهي عنها وهي من صفات اليهود وأهل النفاق، ليست من صفات المسلمين، فما بال البعض قد نظَّر للفُجْر في الخصومة، ترك الدنيا كلها ولم يعادى سوى أهل الدعوة، أنزعت منهم الرحمة، أم لم يعلموا أن الرحمة من صفات المؤمنين: {وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد:27]، وعن النّعمان بن بشير رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسّهر والحمّى) متفق عليه.
    كلما رأيت تقطيب وجه بعضهم وجفاء وقسوة قلوبهم على إخوانهم وسوء حديثهم وأحيانا فتاوى تبيح الدماء والأعراض ذكرت حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «حرّم على النّار كلّ هيّن ليّن سهل قريب من النّاس).
    إذا كنا نعتقد في خيرية الصحابة وحسن اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن منهجهم أسلم منهج وطريقهم أفضل طريق فلنقتدي بهم ولنتبع آثارهم، فإن الفرقة والخلاف شر مذموم، فرق الأمة وضيع مقدراتها في ظل استخدام البعض وتطويعه علمه للفرقة بين المسلمين، ولنذكر: ï´؟.... أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْï´¾.
    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  4. #24

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [3/16, 10:58 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (58)
    ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: 10].
    سنن الله الكونية سرعة عاقبة الغدر ونقض العهد، فالغادر الناكث يعود أثر غدرته عليه، ويرتد جزاء نكثه عليه، وإذا كان كل غادر يتصور أنه استثناءٌ من هذه السنة الإلهية، وتغره نفسه عن الاعتبار بمن سبقوه من أهل الغدر الذين كانوا أشد قوة وأكثر جمعا وأحكم رأيا وأوثق خطة، فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئا.
    والغدر حرام حتى لو ظهرت فيه مصلحةٌ للمسلمين، ولو كان عهدا مع كافر، وقد أمر الله تعالى بالوفاء بعهود المشركين ما لم ينقضوا منها شيئا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، وأما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثما.
    إن نظرة سريعة في نصوص القرآن والسنة تكشف عن دناءة الطبيعة النفسية للغادر الذي لا يتقن إلا الخداع والدسائس، ولهذا قالت الحكماء: "لم يغدر غادرٌ قط إلا لصغر همته عن الوفاء، واتضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم". وتأملوا أوصاف الغادر في القرآن والسنة، وناظروها بواقع الغادرين.
    والغدر من خصال النفاق، وهو علامةٌ على قسوة القلب؛ لأن الغدر دليل على غياب خوفه من الله فيقسو قلبه، ولذلك تهون عليه الدماء، ولا تؤثر في مشاعره آهات المعذبين، بل ربما تلذذ بتعذيب من يخدعهم، والغدر فسقٌ، وصف الله الغادر بالفسق في آيات كثيرة، ومن آثار الغدر الإغراء بالعداوة والبغضاء بين الغادرين: فإن بعض النصارى لما نقضوا الميثاق والعهود أورثهم الله العداوة والبغضاء بين طوائفهم المختلفة، وبينهم وبين اليهود، إلى يوم القيامة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.
    وهكذا كل الغادرين، لا يأمن بعضهم بعضا، ولا يأمنون غيرهم؛ خوفا من أن يغدروا مثلهم، فحياتهم قلقٌ واضطرابٌ وهمٌ مقيمٌ، ولهذا ما أسرع ما يسقطون.
    وربما سلط الله بعض الغادرين على بعض فقتل بعضهم بعضا، ففي الحديث: «ما نقض قومٌ العهد قط إلا كان القتل بينهم.
    د. محمد عمارة
    [3/17, 9:47 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (59)
    في سورة القصص
    بدأها الله تعالى بقصة موسى عليه السلام ونهاها بوعود التمكين لمحمد صلى الله عليه وسلم مع تشابه الظروف والأحوال.
    أولا: بين مكافئة الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم مع المرأتين حيث تزوج من إحداهن ومكث في أرض مدين في أمان بعيدا عن فرعون وبطشه، وهو مكافئة للخير الذي بذله موسى صلى الله عليه وسلم.
    وفي نهاية السورة تأكيد لكل من يفعل خيرا من المؤمنين: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا............} للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وكل من يفعل الحسنة.
    ثانيا: ذكر الله في السورة قصة خروج موسى صلى الله عليه وسلم من مصر وقد خرج متخفيا: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ.....}، وقد نصحه رجل بالخروج منها: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.......}، ثم رجع إليها داعيا إلى دين الله جل وعلا.
    وكذلك أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وخرج معه رجل يصحبه في رحلته وهو أبو بكر رضي الله عنه: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}، وقد وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أثناء خروجه من مكة وقبل وصوله المدينة بالعودة إلى مكة مرة أخرى، فالذي رد موسى صلى الله عليه وسلم مع بطش فرعون سيرد النبي محمدا صلى الله عليه وسلم مكة مرة أخرى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ..........}. وقد رجع النبي صلى الله عليه وسلم فاتحا منتصرا: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}.
    ثالثا: اتهم فرعون موسى بالسحر: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} وقد أجابهم موسى صلى الله عليه وسلم: {وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، وكأنها إشارة إلى اتهامهم هم بما قالوا وأنهم في ضلال.
    وهو نفس ما جرى مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فرمته قريش بالسحر تارة والجنون أخرى، فنفاه الله عنه، ثم أثبت له الهداية ولهم الضلالة: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.
    رابعا: دعا موسى صلى الله عليه وسلم فرعون إلى الإسلام فتحداه فرعون بالسحرة وجاءوا يعلنون التحدي فآمنوا فتوعدهم فرعون بالقتل وقطع الأيدي والأرجل، فما صدهم ذلك عن دينهم شيئا، ولم يؤمن فرعون ولو شاء الله لهداه وهو من تربى موسى في بيته.
    وكذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤمن به أبو طالب الذي ربي في بيته وكان يعلم صدقه وأمانته، ولذا قال ربنا: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
    خامسا: قضية الأمن والخوف فجعل الله الأمن لموسى فيما يبدو للعقلاء منه الخوف، فرباه في بيت فرعون الذي يقتل الأطفال لأجل الوصول إليه، فلا حاجة للخوف إذا حال خروجه من مصر إلى مدين فلقد أمنه وهو في أشد الأحوال ضعفا، وهو رضيع صغير.
    كذا الحال للنبي صلى الله عليه وسلم الذي خرج من مكة وقد اجتمعوا حول بيته فلما فشلوا في قتله وقد خرج من بين ظهرانيهم، خرجوا يطلبونه في جميع الاتجهات يتبعون الأثر ويبذلون المال، فيستشعر معنى الأمان والعناية: {ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا}.
    والعجيب أن سورة القصص قد جاءت بآية عجيبة وقمة في الإعجاز للأمان والحفظ لعامة الناس، لمن يزعمون أن الأمن فقط للأنبياء، لتثبتها عامة لعموم المؤمنين: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.

    د. محمد عمارة
    [3/19, 12:36 am] محمد عمارة: تأملات قرآنية (60)

    {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [سورة الزلزلة: 4]
    إنها أخبار بني آدم وأعمالهم تشهد الأرض بها، فتخبر الأرض بما عُمل عليها من خير أو شر، وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية يومئذ تحدث أخبارها قال: " أتدرون ما أخبارها - قالوا الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول عمل يوم كذا كذا وكذا.
    وتحديثها أخبارها: أن تتكلم فتقول: إن الله أمرني بهذا، وأوحى إليّ به، وأذن لي فيه.
    والأرض وغيرها من المخلوقات التي هي بالنسبة لنا جماد لا يعقل ولا يفهم هي لله تعالى تأتمر بأمره وتبقى بقدرته، وتسبح له وتقدس، وإن كنا لا نعي ذلك منها: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}، قال داود بن قيس: سمعت ابن كعب يقول: "إن الأرض لتبكي من رجل، وتبكي على رجل، تبكي لمن كان يعمل على ظهرها بطاعة الله تعالى، وتبكي ممن يعمل على ظهرها بمعصية الله تعالى، قد أثقلها، ثم قرأ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ}.
    هذه الأرض سوف تأتي يوم القيامة شاهدة على الإنسان بكل ما صنع عليها من خير أو شر، بعد أن تخرج ما في بطنها من الأموات وما ظن أصحابه أنه خفي على الخلق من قتلى واراهم التراب، وذنوب سترها أصحابها وتَخَفَّو بها بين الجدران وفي سفح الجبال وأعماق الأرض، أو حتى في البحار، غُيبت عن الناس لكن الأرض تعيد على الجميع نشرها يوم القيامة لا تكتم من ذلك شيئا إلا الذي أمرها الله بستره.
    د. محمد عمارة
    [3/19, 11:03 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (61)
    ﴿....وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:29]
    هي صفة إذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم خير هذه الأمة، والتراحم من الإيمان، وقد أمرنا الله تعالى بالاقتداء بهم والسير على طريقهم، ولن يستقيم إيمان حتى يكون كإيمانهم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
    فإذا كنا نعلم ذلك فما الذي يجري الآن بيننا وخاصة من يدعون العلم وحراسة الشريعة من غلظة وقسوة وجفاء طبع ولا سيما في اللفظ أو الكلمة -وإن كانت صغيرة الحجم عظيمة المعنى- التي بها تنفر القلوب ومنها تتآلف القلوب.
    إن صفة التنافر والتباعد والتدابر والتحاسد والتباغض كلها منهي عنها وهي من صفات اليهود وأهل النفاق، ليست من صفات المسلمين، فما بال البعض قد نظَّر للفُجْر في الخصومة، ترك الدنيا كلها ولم يعادى سوى أهل الدعوة، أنزعت منهم الرحمة، أم لم يعلموا أن الرحمة من صفات المؤمنين: {وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد:27]، وعن النّعمان بن بشير رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسّهر والحمّى) متفق عليه.
    كلما رأيت تقطيب وجه بعضهم وجفاء وقسوة قلوبهم على إخوانهم وسوء حديثهم وأحيانا فتاوى تبيح الدماء والأعراض ذكرت حديث ابن مسعود رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: «حرّم على النّار كلّ هيّن ليّن سهل قريب من النّاس).
    إذا كنا نعتقد في خيرية الصحابة وحسن اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن منهجهم أسلم منهج وطريقهم أفضل طريق فلنقتدي بهم ولنتبع آثارهم، فإن الفرقة والخلاف شر مذموم، فرق الأمة وضيع مقدراتها في ظل استخدام البعض وتطويعه علمه للفرقة بين المسلمين، ولنذكر: ﴿.... أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  5. #25

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [3/20, 10:50 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (62)

    ï´؟وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَï´¾
    ما أغبى هؤلاء وأبعدهم عن الفهم، يدعوهم الله تعالى إليه ويأبون إلا الواسطة بينه وبينهم، فيعبدونهم من دون الله، ويتركون أوامره ويعتمدون على عقولهم وما سولته لهم شياطينهم، من عبادة غير الله بأوهام وظنون أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم، ويأتي البيان من الله تعالى بأن عبادتهم إياهم لا تنفعهم في الدنيا ولا في الآخرة، ويقولون: إنما نعبدهم ليشفعوا لنا عند الله، والله يقول لهم لا تفعلوا ذلك، وقل لهم -أيها الرسول-: أتخبرون الله تعالى بشيء لا يعلمه مِن أمر هؤلاء الشفعاء في السماوات أو في الأرض؟ فإنه لو كان فيهما شفعاء يشفعون لكم عنده لكان أعلم بهم منكم ولأخبركم بمكانهم، فكيف جعلتموهم شفعاء.
    والحال ينطبق على أولئك الذين يتقربون بالأولياء ويدعون القبور ويزعمون مكانة لهم وبعض أولئك المدعوين إما مشهود لهم بالتشيع وعدم الصلاة أو فعل المعاصي والذنوب، وبعضهم مشكوك في أمر إسلامه أصلا، فأنى لهم أن يحكمون لهم بالولاية ويثبتون لهم الشفاعة، وأين هم من الله تعالى الذي لا يقبل الوساطة في العبادة حتى ولو من المرسلين، أم عندهم من العلم ما كتمه النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، أو لم يُعلمه الله إياه، وعلموه هم، أو جهل فضل ذلك حاشاه سبحانه، وحاشاه صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى منزَّه عما يفعله هؤلاء المشركون من إشراكهم في عبادته ما لا يضر ولا ينفع، وما لم يأذن به من العبادة.
    د. محمد عمارة
    [3/21, 11:43 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (63)
    ï´؟........ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَï´¾.
    تخيل هذا الأمر التحذيريُّ وُجِّه إلى أتْقَى الخَلْق، وأخشاهم لله سبحانه وتعالى الرسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم بأن يَحْكُمَ بكتاب الله، ولا يتَّبع أهواءَ أهلِ الكِتاب مِن اليهود والنصارى، ويُحَذِّرهم مِن فِتنتهم بالباطل الذي يُحاولون أنْ يُدَلِّسوا به لِيُوهِمُوا أنَّهم على حقٍّ.
    ومن يتأمل واقع الأمة اليوم يعلم تمام العلم قيمة هذا التحذير اليوم، وكم نحن بحاجة إلى وعيه وإدراك ما فيه، تتحدَّث الآية عن نوع مِن العلاقة بين الحقِّ والباطل، وأنَّ أصحاب الباطل يَسْعَون إلى فتنة أهل الحقِّ بباطلهم، ويحْرصون على ذلك بطريقةٍ أو بأخرى، وما أَكثَرَ تدليسَهم!
    والذي يَظُنُّ أنه بلغ مِن ذكائه وفِطْنته وقوَّة إيمانه أن يَسْلَمَ مِن فتنة أهل الباطل إذا خَاضَ معهم في نواديهم، فقد غَامَرَ بإيمانه، وقَامَرَ بقلبِه، ورَمَى بنفسه في غابة مليئة بوحوش ضاريةٍ جائعةٍ.
    ï´؟وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَï´¾ واحذَر أيُّها النبي أنْ يَفتنَك أعداؤك عن بعض ما أنزل الله إليك؛ أي: يميلوا بك مِن الحقِّ إلى الباطل، أنْ يفتنوك بدعاوَى ظاهرُها الحقُّ، وباطنُها الباطلُ، كدعوى جمْعِ الكلمة، أو دعوى حقوق الإنسان، أو دعوى الوسطيَّة والاعتدال، وتُخْفي تحتها الطعنَ في الشريعة والهجومَ على السُّنَّة، والاعتراضَ على أحكام الشريعة.
    وعليه؛ فإنَّ العبدَ المسلم مَهْمَا بَلغَ مِن الثقة بالنفس، وبلغ مِن الطاعة والالتزام ما بلغ، فلا ينبغي أن يُفارقَه الحذَرُ، وخاصَّة في زمن تمُوج الفِتَن فيه كأمواج البحر الهائج.
    واحْذَرهم أنْ يَفْتِنوك؛ فهم دُعاة فِتنة وضلال، ولو كانوا دُعاة حقٍّ ونور، لما اعترَضوا على حُكْم الله بطريقة أو بأخرى، ولما طَعَنوا في السُّنَّة بوجهٍ أو بآخرَ.
    واحْذَرهم أنْ يفتنوك؛ فإذا وقعتَ في الفتنة، فلن ينفعوك، ولن يُغْنوا عنك مِن الله شيئًا، وستندمُ حين لا ينفع الندمُ
    وهي دعوة تحذيرية لكل مسلم
    واحذرهم أن يفتنوك بكثرتهم واجتماعهم.
    واحذرهم أن يفتنوك بسلوكهم ومغرياتهمًً.
    واحذرهم ان يفتنوك بأموالهم ونساءهم وسلطانهم وكراسيهم. احذر من تقريبك إليهم فما قربوك إلا لأغراض دنيئة وأهداف خبيثة.
    واحذر من دعواهم الكاذبة باتهام الإسلام بالتطرف والجمود والتشدد فما أنت عليه هو ما أمرك به ربه وأراده لك
    د. محمد عمارة
    [3/23, 10:50 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (65)
    ï´؟أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَï´¾ (الزخرف: 32)
    كم هي مريحة هذا الآية عندما يتدبر الإنسان معانيها، فرحمة الله تعالى لا يملكها سواه، وعطاياه مقسمة على الخلق، وارتفاع بعضهم على بعض بتقدير وحكمة، وما يصيب العباد من رحمة الله خير مما يجمعون.
    وتأمل: ï´؟نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاï´¾ المعيشة مقسمة بين الخلق تقسيما محكما، ليس في المال فحسب بل في جميع العطايا والهبات، فهذا مقسوم له في المال، وغيره في الجاه، وآخر في محبة الخلق، وبعضهم في الأخلاق، وبعضهم في الصحة، وهذا في الذرية، وذاك في الجمال، وبعضهم مقسوم له بحسن الذكر والثناء، وأعظمهم من كان قسمه ثناء الله ورضوانه عليه.
    إذا كانت المعايش مقسومة من الله تعالى، فلم التنافس فيها إذا ولم الحسد والبغي، ولم لا يكون الأمر تسليما بالقضاء، ومنافسة في الخير وتقربا إلى الله تعالى، ومسارعة إلى رحمته فهي خير مما يجمع الخلق....
    د. محمد عمارة
    [3/27, 11:49 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (69)
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾ [القيامة: ظ£ظ¦]
    الاستفهام للتوبيخ، والسدي المهمل، والمعنى أيظن الإنسان أن يترك مهملا لا يعتنى به فلا يبعث بإحيائه بعد الموت ولازمه ألا يكلف ولا يجزى على عمله؟
    أيحسب الإنسان أن يترك هكذا هملا يفجر ويطغى ويكذب ويظلم ثم يصير إلى غير عقوبة؟
    أيحسب الإنسان أن الله عز وجل يغير سننه أو يهمل خلقه؟
    يقول ابن الجوزي في التبصرة: " يا من تكتب لحظاته وتجمع لفظاته وتعلم عزماته وتحسب عليه حركاته إن راح أو غدا.
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾.
    ويحك إن الرقيب حاضر يرعى عليك اللسان، والناظر وهو إلى جميع أفعالك ناظر إنما الدنيا مراحل إلى المقابر وسينقضي هذا المدى.
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾.
    مالي أراك في الذنوب تعجل، وإذا زجرت عنها لا تقبل ويحك انتبه لقبح ما تفعل؛ لأن الأيام في الآجال تعمل مثل عمل المدى.
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾.
    سترحل عن دنياك فقيرا لا تملك مما جمعت نقيرا بلى قد صرت بالذنوب عقيرا بعد أن رداك التلف رداء الردى.
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾.
    كأنك بالموت قد قطع وبت وبدد الشمل المجتمع وأشت وأثر فيك الندم حينئذ وفت انتبه لنفسك فقد أشمتّ والله العدا.
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾.
    كأنك ببساط العمر قد انطوى وبعود الصحة قد ذوى وبسلك الإمهال قد قطع فهوى اسمع يا من قتله الهوى وما ودى.
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾.
    تالله ما تقال وما تعذر فإن كنت عاقلاً فانتبه واحذر كم وعظك أخذ غيرك وكم أعذر ومن أنذر قبل مجيئه فما اعتدى.
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾.
    فبادر نفسك واحذر قبل الفوت وأصخ للزواجر فقد رفعت الصوت وتنبه فطال ما قد سهوت واعلم قطعاً ويقيناً أن الموت لا يقبل الفدا.
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾.
    انهض إلى التقوى بقريحة وابك الذنوب بعين قريحة وأزعج للجد أعضاءك المستريحة تالله لإن لم تقبل هذه النصيحة لتندمن غدا.
    ï´؟أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًىï´¾".
    د. محمد عمارة
    [3/28, 10:53 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (70)
    ï´؟يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَï´¾ [الانفطار:6-8].
    يا أيها الإنسان الضعيف القليل الحيلة قليل الشأن قصير العمر، يا أيها الإنسان قليل العلم ضعيف الحجة ما الذي غرك بربك الكريم.
    أي شيء غرَّك بربك الكريم المنَّان الذي أوجدك من العدم، وسوَّى خَلْقَك في أحسن صورة، وأتمِّها، فجعلك معتدلَ القَامَة، جميلَ الصورة، بديعَ الخِلْقَة، أما ترى تناسبَ جوارحك، وعجائبَ حواسِّك، ووظائفَ أعضائك، كيف تعمل وفق نظام عجيب، وخَلْقٍ بديع مُعجز، يشهد بعظمة الخالق جلَّ جلاله، وعِظَمِ منَّته عليك، وجميل عنايته بك.
    ولو شاء سبحانه لصوَّرك في صورة قبيحة وخِلْقَةٍ مهينة، كصورة كلب أو حمار أو قِرد، لكنه تعالى كرَّمكَ ورفعك وفضَّلك على كثير من خلقه، وجعلك أهلاً للتكليف، فهل يليق بك مع هذا التكريم أن تكذِّب بوعده، وتعصي أمره، وتتجرأ على حدوده وحُرماته!
    ما غرك بربك الكريم حتى جعلته أهون الناظرين إليك؟
    ما غرك بربك حتى ضيعت أوامره ونواهيه؟
    ما غرك بربك حين كشفت الستر الذي بينك وبينه؟
    ما غرك بربك وأنت تُقَدّم بين يديه ما لم يأذن به؟
    ما غرك بربك وأنت تتقول على كتابه وتكذب على شرعه؟
    أغرك به إمهاله إياك أم جهلك وسوء ظنك؟

    قال ابن كثير في تفسيره: وقوله: ï´؟يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِï´¾: هذا تهديد لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب حيث قال: (الكريم) حتى يقول قائلهم غره كرمه بل المعنى في هذه الآية ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم أي العظيم حتى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق كما جاء في الحديث يقول الله يوم القيامة: "ابن آدم ما غرك بي؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟". عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية ï´؟يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِï´¾، قال ابن عمر: غره والله جهله.
    وقوله: ï´؟الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَï´¾ أي ما غرك بالرب الكريم: ï´؟الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَï´¾ أي جعلك سويًا معتدل القامة منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال.
    د. محمد عمارة
    [3/29, 9:56 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (71)
    ï´؟يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُï´¾ [سورة فاطر: 15].
    نداء لعموم الخلق بفقرهم وحاجتهم إلى الله تعالى في كل شيء، والفقر ليس في قلة المال فحسب بل في كل شيء يحتاجه الإنسان في حياته من صحة وعافية وزوجة وولد ورضا وقناعة وخلق وسعادة ونجاة وأمن وستر ومحبة، فقراء إلى الله تعالى في كل شيء، وهو سبحانه الغني الحميد الغني عن خلقه، وَالحَمِيدُ سُبْحَانَهُ هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، وَهُوَ المَحْمُودُ عَلَى مَا خَلَقَ وَشَرَعَ، وَوَهَبَ وَنَزَعَ، وَضَرَّ وَنَفَعَ، وَأَعْطَى وَمَنَعَ، وَعَلَا بِذَاتِهِ وَشَأْنِهِ فَارْتَفَعَ، وَأَمْسَكَ السَّمَاءَ عَنِ الأَرْضِ أَنْ تَقَعَ، وَفَرَشَ الأَرْضَ فَانْبَسَطَ سَهْلُهَا وَاتَّسَعَ، حَمِدَ نَفْسَهُ، وَحَمِدَهُ المُوَحِّدُونَ، فَلَهُ الحَمْدُ كُلُّهُ.
    وهو المَحْمُودُ عَلَى مَا خَلَقَهُ وَأَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، فَهُوَ المَحْمُودُ عَلَى طَاعَاتِ العِبَادِ وَمَعَاصِيهِم وَإِيمَانِهِم وَكُفْرِهِم، وَهُوَ المَحْمُودُ عَلَى خَلْقِ الأَبْرَارِ وَالفُجَّارِ وَالمَلَائِكَةِ وَعَلَى خَلْقِ الرُّسُلِ وَأَعْدَائِهِم، وَهُوَ المَحْمُودُ عَلَى عَدْلِهِ فِي أَعْدَائِهِ كَمَا هُوَ المَحْمُودُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِنْعَامِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، فَكُلُّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ الكَوْنِ شَاهِدَةٌ بِحَمْدِهِ، وَلِهَذَا سَبَّحَ بِحَمْدِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
    لقد سعد من تعلق قلبه خوفاً ورجاء بالملك المولى, وقد خاب من طغى وأعرض واستغنى، فمن تعلق بغير الله وكل إليه، ومن تعلق بربه أسعفه بمراده وقربه إليه, عَنْ أَبِي ذَرٍّ –رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: {يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ, يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ, يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ, يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ, يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي, وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي, يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ, مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ).
    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  6. #26

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [3/31, 10:43 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (73)
    ï´؟أَلَمْ تَرَ أَنَّ ظ±للَّهَ يُسَبِّحُ لَهُغ¥ مَن فِى ظ±لسَّمَوَاتِ وَظ±لْأَرْضِ وَظ±لطَّيْرُ صَافَّاتٍ غ– كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُغ¥ وَتَسْبِيحَهُغ¥ غ— وَظ±للَّهُ عَلِيمٌغ¢ بِمَا يَفْعَلُونَï´¾.
    كم يخجل الإنسان من نفسه إذا قرأ هذه الآية فعلم أن المخلوقات جميعها تسبح الله تعالى على الرغم من عدم تكليفها، وقد خلقت في الجملة مسخرة للإنسان، مع تقصير الإنسان المكلف في العبادة والتسبيح والذكر، بل والإعراض عنه أحيانا جهلا أو استكبارا، أو نسيانا.
    إنها تنبيه للعباد على عظمة الخالق سبحانه، وكمال سلطانه، وافتقار جميع المخلوقات إلى ربوبيته، وعبادتها وحاجتها إياه، فكل ما في الكون من حيوان وجماد يسبح بحمده ويخضع لعظمته، ï´؟وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍï´¾ أي: صافات أجنحتها، في جو السماء، تسبح ربها، كل هذه المخلوقات ï´؟قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُï´¾ أي: كل له صلاة وعبادة بحسب حاله اللائقة به، ï´؟وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَï´¾ أي: علم جميع أفعالها، فلم يخف عليه منها شيء.
    وهذا توجيه آخر لبني البشر للاستجابة والانشغال بتسبيحه وتقديسه وعبادته، فما خلقوا إلا لأجلها وهو سبحانه عليم بما يفعلون وما يحتاجون وهو القادر على أن يعطيهم ما يريدون، وهو عليم بعبادتهم سرها وعلنها، ماكان منها خالصا وما كان فيه شرك أو رياء ، ولكن القليل منهم من يفقه هذا!
    كم هي مخجلة إذا ما تفكر فيها المرء بقلبه، وعلم أن الدابة والحشرة والحجر والشجر والمدر والوبر، وكل ما في هذا الكون يسبح لله تسبيحا ويقدس له تقديسا لا يغفل عن ذلك، والإنسان في غفلة عما خلق له، بل ويمتن على الله تعالى إذا أدى بعض ما وجب عليه.
    كم هي مخجلة عندما نعلم أن الجزع حن لفراق رسول الله وبكى لفراق الذكر، والحصى سُمع تسبيحه بين يديه، والجبال تُأوب مع داود حبا للذكر وعبادة لله والإنسان في غفلة عن أدنى أوامر ربه!
    د. محمد عمارة
    [4/1, 10:44 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (74)
    ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَï´¾ [الأعراف: 194]
    كم من همة عالية لكنها صرفت في غير وجهتها، وصدق أمير المؤمنين عمر إذ قال " اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة ".
    وكم من بذل وعطاء وفداء وتضحية لكنها لغير الله.
    تعجب من همة القبوريين ومن قبلهم الروافض فيما يفعلون لغير الله من تطبير، ورقص، وتمايل وبذل ونفقة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ألا فليعلموا أن هؤلاء أمثالهم لا يملكون لهم نفعا وضرا، ولا يجلبون لهم خيرا، ولا يدفعون عنهم شرا ولا يكشفون عنهم كربا ï´؟ قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ï´¾ [ الإسراء: 56 ] ، فكيف يترك هؤلاء ربهم الذي خلقهم ورزقهم وأحياهم ويميتهم ، ثم يدعون عبيدا أمثالهم لا يملكون لهم رزقاً ولا حياة ولا نشوراً؟ أين العقول؟
    أليس هو الذي أعطاهم ومنحهم الصحة والعافية والزوجة والولد وكشف عنهم الضر ومنَّ عليهم بشتى النعم دون سؤال، أليس ذلك الخالق أحق بأن يدعوه، قال تعالى: ï´؟وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ï´¾ [ البقرة186].
    هل أخر دعاءهم فسألوا غيره، هل وجدوا باب غيره أعظم من بابه، أو عطاء غيره أكثر من عطائه، أم فقدوا رحمة منه وجدوها عند سواه؟
    ألا فاعلموا دعاة الأولياء أو حتى الأنبياء، أنكم ضللتم الطريق، وأشركتم مع الله سواه، وفعلتم ما لم يأمر به، ولم يأت به نبيكم ولا خيرة خلقه من بعده، فعلام إذا المماطلة والمجادلة، حكموا العقول وتأملوا قول ربكم: ï´؟ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍï´¾ [ فاطر: 23- 17].
    فتأملوا كيف جعل الله دعاء غيره شركاً وكفراً به سبحانه وتعالى ، فاحذروا أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون.
    واجعلوا نشاطكم في طاعة ربكم تجدون من كرمه ولطفه وعنايته أعجب مما تتخيلون .
    د. محمد عمارة
    [4/2, 10:47 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (75)
    ï´؟قَالُوا لَا ضَيْرَ غ– إِنَّا إِلَىظ° رَبِّنَا مُنقَلِبُونَï´¾
    ما أجمل اليقين والاستسلام لله تعالى عندما يضحي الإنسان بأغلى ما يملك ويبيع كل ما يملك لله تعالى، كعادة الظالمين والطغاة هدد فرعون السحرة ببطشه وجبروته، بسلبهم أغلى ما يملكون : ï´؟لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ï´¾ بعد أن استعان بهم لمواجهة موسى عليه السلام وأيقنوا أن ما جاء به موسى أعظم مما عندهم ولا قدرة لهم عليه فآمنوا بالله تعالى، فلم يعجب الطاغية إيمانهم ولا رضوخهم للحق وعادة أهل الباطل الجدال والتمويه وتزييف الحقائق على الناس، كما أنهم لا يستسلمون للحق استكبارا بما عندهم من بطش وظلم، فتهدد السحرة بعد إيمانهم لعلهم يرجعون إلى ولاءهم إليه ويتركون ما آمنوا به لأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم -أيها السحرة- من خلاف: بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو اليد اليسرى والرجل اليمنى، ثم لأعلقنَّكم جميعًا على جذوع النخل؛ تنكيلا بكم وإرهابًا للناس، فكان جوابهم المزلزل والذي لم يتوقعه فرعون: ï´؟قَالُوا لَا ضَيْرَï´¾ أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عذاب الدنيا؛ استحقارا لشأنه وتهوينا لأمره، أي إنما عذابك ساعة فنصبر لها وقد لقينا الله مؤمنين، وهذا يدل على شدة استبصارهم وقوة إيمانهم.
    قال مالك: دعا موسى عليه السلام فرعون أربعين سنة إلى الإسلام، وأن السحرة آمنوا به في يوم واحد.
    ما الذي تعلموه في يوم لأجل هذه التضحية، وما الذي قدموه لأجل هذه الرفعة وهذا الاختيار؟
    أي إيمان عندهم وأي كرامة لهم، وهم لم يتعلموا السنين، وإنما رأوا قدرة لم يعهدوها بعملهم، فتحولوا إلى دعاة شهداء في يوم واحد، خلد الله تعالى ذكرهم في كتابه، وجعلهم عنوانا لكلمة حق عند ظالم متجبر أذاق الناس صنوفا من العذاب، ليبقى ملكا عليهم، فأخزاه الله تعالى وجعله وجنوده وأعوانه عبرة لكل طاغية!.
    د. محمد عمارة
    [4/4, 12:38 am] محمد عمارة: تأملات قرآنية (76)
    ï´؟أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم غ– مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ غ— أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ï´¾ [البقرة: 214] .
    يفهم كثيرون هذه الآية خطأ، ويضعونها في غير موضعها من الاستشهاد أو الاستئناس بها، ويظنون أن هؤلاء قد استبطأوا النصر فسألوا هذا السؤال، وما كان قولهم استبطاء للنصر؟ فهذا لا يليق بحال الأنبياء، وإنما أيسوا من تدبير أنفسهم، فسألوا متى نصر الله؟ فلما علم الله تعالى من تبريهم من حولهم وقوتهم وتدبيرهم لأنفسهم وإظهارهم الافتقار إليه في أروع وأكمل صوره، الافتقار الكامل، وأن لا حيلة لهم دونه أجابهم بقوله: ï´؟ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌï´¾.
    وهذا هو حال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ففي يوم بدر مع وعد الله إياه بالنصر وشدة يقينه وتعلق قلبه بربه وحسن ظنه به، يتوجه بالدعاء إليه ملحا عليه، مستقبلا القبلة مادا يديه يهتف بربه "اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آت ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه؛ فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: "يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك". فأنزل الله - عز وجل -: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ }، فأمده الله بالملائكة". رواه مسلم.
    لذا من حسن الظن بالأنبياء وأهل الإيمان ألا يظن بهم غير ذلك، فالسؤال لم يصدر من إنسان متضجر أو شخص ضعيف الصلة بالله تعالى وإنما صدر من الرسول والذين آمنوا معه . من الرسول الموصول بالله ومن المؤمنين الذين وثقوا بوعد الله، فلماذا هذا السؤال إذا؟.
    ليصور مدى البلاء والمحن التي تزلزل مثل هذه القلوب فتبعث منها ذلك السؤال ، وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة عندئذ تتم الكلمة ويجيء النصر من الله، إنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس (واعلم أن النصر مع الصبر) رواه الإمام أحمد.
    لا تظن أن النصر يرتبط بقوة أرضية، أو آلات حربية، أو قوات عسكرية، أو كثرة مال أو سلطان، أو يتعلق بأناس للأسف لا يغضبون على ضياع الدين أو استباحة أحكامه كما يغضبون على التضييق عليهم في الأرزاق أو الحريات.
    الرهان الحق على تعلق القلوب بالله، والثقة في وعده واتباع أوامره وتفويض الأمور إليه، وتبرأ الإنسان من حيلته وقوته إلى حيل الله قوته، مع الأخذ بالأسباب والعمل بها، عند استقرار هذه المعاني في الأذهان والقلوب يأتي الجواب الإلهي الصريح (ألا إن نصـر الله قريب).

    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  7. #27

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [4/8, 10:09 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (81)
    {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [ سورة الفاتحة، الآية: 5]
    من أجمع الأدعية وأنفعها لما فيه من الجمع بين العبادة والاستعانة حيث فرض سبحانه علينا أن نناجيه وندعوه في كل صلاة بهذا الدعاء.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقوله تعالى في الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
    وعلم القرآن جمع في الفاتحة وعلم الفاتحة في هذين الأصلين عبادة الله والتوكل عليه، وإذا أفرد لفظ العبادة دخل فيه التوكل فإنه من عبادة الله تعالى كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} سورة البقرة، الآية: 21]، وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} سورة الذاريات، الآية: 56]، وإذا قرن به التوكل كان مأمورا به بخصوصه".
    ويقول ابن القيم: "وسر الخلق والأمر، والكتب والشرائع، والثواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد، حتى قيل: أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب، جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع معاني القرآن في المفصل، وجمع معاني المفصل في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
    وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين، فنصفهما له تعالى، وهو {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، ونصفهما لعبده وهو: {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
    ومن الفوائد البيانية حول هذه الآية، ومن هذه اللمسات ما يلي:
    أولاً: أفاد تقديم مفعولي نعبد ونستعين لقصد الاختصاص، فـ إيَّاكَ: في الجملة الأولى مفعول به مقدّم على فعله وهو: {نَعْبُدُ}. وإيَّاكَ: في الجملة الثانية مفعول به مقدّم على فعله وهو: {نَسْتَعِينُ}.
    وقد أفاد هذا التقديم تخصيصَ وحَصْر العبادة لله وحده دون سواه، فلا يعبد بحق ويستحق العبادة إلا الله وحده، ولا يستعان، وليس أهلاً للاستعانة إلا الله تعالى وحده.
    والمعنى: نخصك بالعبادة، ونخصك بالاستعانة، فلا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك؛ إذ لا تصح العبادة إلا لله، ولا يجوز الاستعانة إلا به.
    ولو قيل: نعبدك ونستعينك، لم يفد نفي عبادتهم لغيره.
    ثانيًا: سر تكرار إياك للتنصيص على طلب العون منه تعالى، فإنه لو قال سبحانه: إياك نعبد ونستعين لاحتمل أن يكون إخبارًا بطلب المعونة من غير أن يعين ممن يطلب، وقيل: إنه لو اقتصر على واحد، ربما توهم أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما والواقع خلافه.
    يقول ابن القيم: "وفي إعادة إياك مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل واحد من الفعلين ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه فإذا قلت لملك مثلاً إياك أحب وإياك أخاف كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره ما ليس في قولك إياك أحب وأخاف.
    ثالثاً: التعبير بالعبادة والاستعانة بلفظ الجمع لا الإفراد: إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام، المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم، فأخبر عن نفسه وعن إخوانه.
    إياك أعبد لكان ذلك تكبراً ومعناه أني أنا العابد لكن لما قال إياك نعبد كان معناه أني واحد من عبيدك، فالأول تكبر، والثاني تواضع، ومن تواضع لله رفعه.
    رابعًا: قرنت العبادة بالاستعانة ليدل على أن العبد لا يستطيع أن يقوم بأي عبادة إلا بإعانة الله وتوفيقه، فهو إقرار بالعجز عن حمل هذه العبادة.
    فالاستعانة بالله علاج الغرور العبد وكبريائه، و"يجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم، وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته.
    خامسًا: إطلاق الاستعانة: يقول الشوكاني: "وإطلاق الاستعانة لقصد التعميم.

    سادسًا: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب: وسر هذا الالتفات أن الحامد لما حمد الله تعالى ووصفه بعظيم الصفات، بلغت به الفكرة منتهاها فتخيل نفسه في حضرة الربوبية فخاطب ربه بالإقبال، ولذلك تخلص الكلام من الثناء إلى الدعاء، والدعاء يقتضي الخطاب.
    سابعًا: تقديم العبادة على الاستعانة: يقول ابن القيم رحمه الله: "وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل؛ إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها.
    ولأن: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} متعلق بألوهيته واسمه الله، {وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} متعلق بربوبيته، واسمه الرب، فقدم إياك نعبد على إياك نستعين، كما قدم اسم الله على الرب في أول السورة.

    د. محمد عمارة
    [4/9, 11:04 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (82)
    {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}
    بعد أن أديت حمد الله تعالى على الوجه الأكمل والتزمت الأدب في إقبالك عليه ووقوفك بين يديه خاضعا مخبتا تائبا مقبلا، محسنا الثناء والتمجيد كما علمك مؤمنا بالله سبحانه وتعالى إلها وربا.. وبعد استحضار عطاء الألوهية ونعم الربوبية وفيوضات رحمات الله على خلقه وإعلان التوحيد قولا واعتقادا بقول: "إياك نعبد" أي أن العبادة لله تبارك وتعالى لا نشرك به شيئا ولا نعبد إلا إياه.. وإعلان أن الاستعانة بالله وحده بقول: "إياك نستعين". فإنك قد أعلنت بذلك حسن الثناء واللجوء والاعتماد على الله. ويعلمك الله سبحانه وتعالى خير الدعاء وأجمعه، وما دمت من عباد الله، فإن الله جل جلاله سيستجيب لك.. مصداقا لقوله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}
    ومن رحمة الله تبارك وتعالى أنه علمنا ما نطلب .. وهذا يستوجب الحمد لله .. وأول ما يطلب المؤمن هو الهداية والصراط المستقيم: {اهدنا الصراط المستقيم}.
    وسؤال الهداية أجمع الدعاء؛ لأن الهداية تعني طريق الحق الذي يرضاه الله تعالى لعباده، وتعني هداية القلب تسليما وإيمانا لله تعالى، وتعني هداية العمل والتوفيق إليه والهداية للسنة والطاعة والهداية الأخلاقية.
    والهداية نوعان: هداية دلالة وهداية معونة. هداية
    الدلالة هي للناس جميعا.. وهداية المعونة هي للمؤمنين فقط المتبعين لمنهج الله. والله سبحانه وتعالى هدى كل عباده هداية دلالة أي دلهم على طريق الخير وبينه لهم.. فمن أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه.. ومن أراد ألا يتبعه تركه الله لما أراد.
    هذه الهداية العامة هي أساس البلاغ عن الله. فقد بين لنا الله تبارك وتعالى في منهجه بإفعل ولا تفعل ما يرضيه وما يغضبه.. وأوضح لنا الطريق الذي نتبعه لنهتدي. والطريق الذي لو سلكناه حق علينا غضب الله وسخطه .. ولكن هل كل من بين له الله سبحانه وتعالى طريق الهداية اهتدى؟ .. نقول لا .. واقرأ قوله جل جلاله: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (فصلت: 17)
    إذن هناك من لا يأخذ طريق الهداية بالاختيار الذي أعطاه الله له .. فلو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا جميعا مهديين .. ما استطاع واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته. ولكنه جل جلاله خلقنا مختارين لنأتيه عن حب ورغبة بدلا من أن يقهرنا على الطاعة ..
    د. محمد عمارة
    [4/10, 10:48 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (83)
    {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ}
    أرشدنا الله سبحانه إلى أن نسأله الهداية إلى طريق الصنف الأول: {الذين أنعم عليهم}، وأن نبرأ من الصنفين الآخرين، فكلاهما هالك.
    أَيْ: اهدنا إلى صراط هؤلاء الذين مننْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ
    وهؤلاء هم المنعم عليهم هم أهل الإيمان والتوفيق والرضوان، فالمسلم يطلب من ربه ليل نهار أن يهديه إلى طريق الذين أنعم عليهم، وهم الذين أطاعوا الله والرسول وليس في قلوبهم ذرة إلا وهي معمورة بحب الله تعالى، والذين أنعم الله عليهم، ولا شك أن أهل هذا الطريق هم النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
    فهؤلاء قد أنعم الله عليهم بالسعادة في الدنيا والآخرة؛ لأنهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وهذه النعمة، نعمة مطلقة، شاملة، موجبة للفلاح الدائم.
    والذين أسبغ الله عليهم نعمه ليسوا من الذين ينحرفون عن صراطه المستقيم، أو يجلبون على أنفسهم نيران غضبه ولعنته، وإنما يستجلبون رضى الله تعالى، ويبتعدون عن أسباب غضبه وتنكب الصراط.
    وصراط الذين أنعم الله عليهم، هو الصراط المستقيم، الذل لا اعوجاج فيه.
    وعلى كل مسلم ألا يغفل عن طلب العون من الله تعالى، ونعمة الهداية هي أكبر النعم التي امتن الله بها على عباده، إذ إن الهداية لا ينالها إلا المطيعون الموفقون الصالحون، والمنعم عليهم هم المؤمنون المتقون، الذين عرفوا الحق، فاتبعوه وعملوا به في مقابلة من يأتي ذكرهم، وهم الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به وأنكروه، والذين ضلوا عن الصراط وأخطئوا الطريق الصحيح.
    د. محمد عمارة
    [4/11, 10:53 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (84)

    {..........فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]
    الله عز وجل يخاطب الكفار الذين يجحدون نعم الله سبحانه، والذين يكذبون رسل الله عليهم الصلاة والسلام بأن يسيروا في وأن يعتبروا بمن سبقهم من الأمم الغابرة، ويبين أن العمى على نوعين عمى العين وعَمَى القلب، والأول شيء هيِّن، إذا ما قِيسَ بعمى القلوب؛ لأن الإنسان إذا فقد رؤية البصر يمكنه أنْ يسمع، وأنْ يُعمل عقله، وأنْ يهتدي، ومَا لا يراه يمكن أنْ يخبره به غيره، ويَصِفه له وَصْفا دقيقاً وكأنه يراه، لكن ما العمل إذا عَميَتْ القلوب، والأنظار مبصرة؟
    وإذا كان لعمى الأبصار بديل وعِوَض، فما البديل إذا عَمي القلب؟
    وفي سورة الإسراء يقول لنا: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء:72]، يعني من كان أعمى في هذه الدنيا، والمراد عمى القلب، فهو في الآخرة أشد عمى، فأعمى أفعل تفضيل، ولا يأتي ذلك في العين، لا يقال: فلان أعمى من فلان؛ لأن هذا أعمى وهذا أعمى، هذا ذاهب البصر وهذا ذاهب البصر، وإنما عمى القلوب يأتي فيه أعمى الذي هو أفعل تفضيل، فهذا أشد عمى من ذلك، هذا في ضلال وذاك في ضلال أشد من ضلال الأول، وذاك أشد ضلالاً من هذا وذاك، فلذلك من كان أعمى في الدنيا فهو في الآخرة أعمى أي: أشد عمى، فالعمى الذي فيه التفاضل ليس هو عمى الأبصار، فعمى الأبصار يستوي، وإنما هو عمى القلوب.
    ولا أدل على ذلك من تنكب الطريق والانحراف عن الحق مع وضوحه واتباع الباطل مع ظهوره، كمن كفر بالله تعالى مسببا أن ما جاء به النبي مغايرا لما عهد عليه آباءه وأجداده.
    وكذا موالاة الظالمين وحبهم وحرب المؤمنين ومعتقدهم، كما يظهر عمى القلوب في الإعراض عن الحق أو التنظير للباطل، وما أكثر الحجج وما أيسر الاستدلال كما استدل إبليس على أفضليته على آدم معللا لترك السجود له، والعجيب أنه يعلل بذلك لربه، فهل يعجز هؤلاء أن يعللوا ويبرهنوا بالأدلة والمصالح والمفاسد التي يرونها لمن هم مثلهم، يجادلون بالباطل وينتصرون له، والعلل كثيرة لأنهم يرونها من منظورهم المنغلق، وقد تكون الدلالات واضحة وضوح الشمس في ظهور الحق وظهور آياته من أتباعه، أو أتباع معاديه، ولكنه عمى القلوب الذي أغلق الأفهام وأصم الآذان، وأبكم الأسن، وغطي على الأعين فلم ير حقا ولم ينكر باطلا.
    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  8. #28

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [4/12, 10:29 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (85)
    ï´؟وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَï´¾ [سورة الزمر:67].
    أي: ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.
    قال مجاهد: نزلت في قريش، وقال السدي: ما عظموه حق تعظيمه.
    وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه.
    وكل من أضاف إلى الله -تبارك وتعالى- ما لا يليق به أو كذب عليه أو قال عليه بلا علم، أو سأل غيره، أو افترى عليه الكذب أو تقول عليه، أو قدم بين يديه، أو استعان بغيره، أو بغي وظلم وافترى، أو استخدم ما أعطاه الله فيما يغضب الله، أو استبطأ العقاب أو تعجل ما أخر الله، أو لجأ إلى ما عداه أو دعا نبيا أو وليا من دون الله، أو شبه الله بخلقه، أو نفى عنه ما أثبت لنفسه، أو أثبت له ما نفاه عن ذاته، فما قدر الله حق قدره، وكذا من قال: إنه لا يبعث من يموت وإن الله -تبارك وتعالى- لا يقدر على جمع الأجساد وما تفرق منها في التراب، فكل هؤلاء ما قدروا الله حق قدره، ومن أضاف إليه الصاحبة والولد وأشرك معه غيره فما قدره حق قدره، فهؤلاء المشركون ما قدروه حق قدره حيث عبدوا معه غيره، وأنكروا قدرته على البعث.
    روى البخاري في قوله تعالى: ï´؟وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِï´¾ عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد: إنا نجد الله -عز وجل- يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ï´؟وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِï´¾الآية.
    وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يقبض الله تعالى الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟).
    وروى البخاري في موضع آخر عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله -تبارك وتعالى- يقبض يوم القيامة الأرضين على أصبع، وتكون السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك)).
    تفرد به أيضاً من هذا الوجه، فروى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ï´؟وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَï´¾ ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول هكذا بيمينه يحركها يقبل بها ويدبر: ((يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم))
    فرجف برسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر حتى قلنا: لَيَخِرَّن به.
    د. محمد عمارة
    [4/13, 10:37 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (86)
    ï´؟ قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَظ±نصُرُواْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَï´¾ [ الأنبياء: 68].
    منهج الظالمين كله واحد، فعند عجزهم عن مواجهة الفكرة، أو الاقتناع حتى بما يقوم عليه اعتقادهم تجد أن الأسلوب المتبع هو استخدام القوة من البطش، والحرق، والقتل، وترويج الإشاعات عن الخصم والكذب على الناس، لا يعنيه شيء سوى الانتصار للذات، سلطان العظمة والكبر مهما كلف من خسائر في سبيل استقرار ما يراه هو صوابا، حتى ولو لم يقتنع بما هو عليه، فهو لا يرى إلا نفسه، فهؤلاء قوم إبراهيم عليه السلام على الرغم من استخدامه عليه السلام لكثير من الحجج العقلية التي أبهتتهم، ودحض بها حججهم، وأظهر عجزهم، وعلا الحق واندفع الباطل، فبدل الإيمان أو حتى على الأقل تركه لدعوته عدلوا إلى استعمال جاه القوة، فقالوا: ï´؟حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلينï´¾ فجمعوا حطبا كثيرا جدا - قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبا لحريق إبراهيم.
    وفرعون بعد ظهور الآيات التي عاقبهم الله بها بدعاء موسى عليهم وبيان عجزهم الكامل وضعفهم مع كل بلية، وعلى الرغم من ذلك فإن عظمة النفس تغلب عليه، فيقول: ï´؟ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُï´¾، كأنه بلغ به في النهاية الغيظ والحنق من موسى على السلام إلى أن يقول ذلك، أي: ليعمل الذي يريده، ï´؟وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَï´¾ [غافر:26].
    لو طالعت القرآن كله في قصصه لوجدت أسلوب الظالمين لا يتغير، وعقلية الغلبة مع قهر المخالف، والحكم ولو على حساب القتل واحدة، مع ضعف الحجة، وسوء التدبير منهم، وتأمل أصحاب الأخدود، وفعل النمرود، وقوم عاد وأصحاب الرس وثمود، وغيرهم من الظالمين المتجبرين الذين لا يعقلون من الدنيا غير البطش والقتل والحرق وسياسة التجويع والتفريق والتخويف، وما اختلف طغاة زماننا عن ذلك كثيرا إلا في أساليب العذاب والتنكيل
    فلم يكن من عادة الجاهلية الأولى مثلا التنكيل بالنساء نكاية في الرجال ولا أخذ البعض بجريمة غيرهم، وإنما هي تطور أساليب الظالمين امتدادا لأسلافهم.
    د. محمد عمارة
    [4/14, 10:17 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (87)
    ï´؟مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ غ— وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ غڑ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌï´¾ [التغابن: 11].
    ما من مصيبة أيّاً كانت، سواء كانت في النفس أم في المال أم في الولد، أم الأقارب، ونحو ذلك تصيب المرء، إلا بقدر وقضاء من الله تعالى، جرى به القلم، ونفذت به المشيئة، واقتضته الحكمة، وهو واقع لا محالة.
    ثم علق الله هداية القلب على الإيمان والتسليم بذلك؛ ذلك أن الأصل في المؤمن أن يروضه الإيمان على تلقي المصائب، واتباع ما يأمره الشرع به من البعد عن الجزع والهلع، والمعنى يهدي قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
    وهذا كما هو مقتضى الإيمان، فإن في هذه القاعدة: ï´؟وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُï´¾ إيماءً إلى الأمر بالثبات والصبر عند حلول المصائب؛ لأنه يلزم من هَدْيِ الله قلبَ المؤمن عند المصيبة = ترغيبَ المؤمنين في الثبات والتصبر عند حلول المصائب، فلذلك جاء ختم هذه الآية بجملة: ï´؟وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌï´¾.
    وهذا الختم البديع بهذه الجملة: ï´؟وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌï´¾ يزيد المؤمن طمأنينة وراحة من بيان سعة علم الله، وأنه سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء مما يقع، وأنه عز وجل الأعلم بما يصلح حال العبد وقلبه، وما هو خير له في العاجل والآجل، وفي الدنيا وفي الآخرة، يقرأ المؤمن هذا وهو يستشعر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".
    ويقول عون بن عبدالله بن عتبة رحمه الله: "إن الله ليكره عبده على البلاء كما يكره أهل المريض مريضهم، وأهل الصبي صبيهم على الدواء، ويقولون: اشرب هذا، فإن لك في عاقبته خيرا".
    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  9. #29

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [4/18, 10:54 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (91)

    ï´؟أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَï´¾ [الأنعام: 122].
    هذا مثل يفرق الله فيه بين من كان على هداية ومن كان على ضلالة وغواية، وأن الهداية للحق وحدها كافية لتمييز أهلها مهما كابدوا في الحياة من جراح أو وجدوا من عناء، فها هو المؤمن الذي كان ميتاً أي في الضلالة هالكاً حائراً فأحياه الله بقدرته، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه ووفقه لاتباع رسله، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، أي: يهتدي كيف يسلك وكيف يتصرف به، والنور هو القرآن وقيل الإسلام، وكلاهما صحيح، قوله: ï´؟كَمَنْ مَثَلُهُï´¾ أي الجهالات، والأهواء، والضلالات المتفرقة ï´؟لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَاï´¾ أي: لا يهتدي إلى منقذ ولا مخلص مما هو فيه.
    وتخيل ذلك النور الذي يسير المؤمن فيه وبه يظهر عليه في أقواله وأفعاله وسمته، يظهر في جميع تصرفاته وفي قسمات وجهه، يظهر في عبادته لربه وطاعته إياه واتباع شرعه، ويظهر كذلك في أخلاقه، إنه نور الإيمان، يقابله تلك الظلمة الحالكة التي لا تتوارى عن المنافقين فضلا عن الكفار ظلمة في خُلق وفكر وخِلقة وعقل، فلا يميزون بين حق وباطل ولا بين شرع وغيره، طمس على أعينهم وطبع على قلوبهم فهم لا يعقلون ولا يبصرون ولا يسمعون يعني لنداء الحق، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا.
    روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: {إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ النُّورُ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ}، وكما قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِï´¾ [البقرة: 257].
    فالنور الذي يحصل عليه المؤمن إنما هو نور الإيمان والطاعة، يُحرَم منه المنافق والكافر لكفرهم وإجرامهم، قال تعالى: ï´؟كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَاï´¾ [الأنعام: 122]. وقال تعالى: ï´؟ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍï´¾
    قال ابن القيم -رحمه الله:-
    "وهذه الظلمات ضد الأنوار التي يتقلب فيها المؤمن، فإن نور الإيمان في قلبه، ومدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، ومشيته في الناس نور، وكلامه نور، ومصيره إلى نور، والكافر بالضد، ولما كان النور من أسمائه الحسنى وصفاته كان دينه نوراً، ورسوله نوراً، وكلامه نوراً، وداره نوراً يتلألأ، والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين ويجري على ألسنتهم، ويظهر على وجوههم، وكذلك لما كان الإيمان واسمه المؤمن لم يعطه إلا أحب خلقه إليه، وكذلك الإحسان صفته وهو يحب المحسنين وهو الذي جعل من يحبه من خلقه كذلك، وأعطاه من هذه الصفات ما شاء وأمسكها عمن يبغضه وجعله على أضدادها، فهذا عدله وذلك فضله والله ذو الفضل العظيم".

    د. محمد عمارة
    [4/19, 10:28 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (92)
    ï´؟وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا غ– وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَï´¾ [الأنعام: 123].
    يقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين ورؤساء ودعاة إلى الكفر والصد عن سبيل الله وإلى مخالفتك وعداوتك كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة والنصرة على عدوهم، كما قال تعالى: ï´؟وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ ï´¾ الآية، وقال تعالى: ï´؟وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِك قَرْيَة أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَاï´¾ الآية، قيل معناه أمرناهم بالطاعة فخالفوا فدمرناهم، وقيل أمرناهم أمرا قدريا كما قال ههنا " ليمكروا فيها " وقوله تعالى: ï´؟أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَاï´¾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: ï´؟ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَاï´¾ قال سلطنا شرارهم فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب، وقال مجاهد وقتادة " أكابر مجرميها " عظماؤها.
    قلت: وهكذا قوله تعالى: ï´؟وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَر أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَï´¾، وقال تعالى: ï´؟وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارهمْ مُقْتَدُونَï´¾، والمراد بالمكر ههنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرفٍ من المقال والفعال كقوله تعالى إخبارا عن قوم نوح: ï´؟وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًاï´¾، وكقوله تعالى: ï´؟وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْد رَبّهمْ يَرْجِع بَعْضهمْ إِلَى بَعْض الْقَوْل يَقُول الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْد إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ . وَقَالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْر اللَّيْل وَالنَّهَار إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُر بِاَللَّهِ وَنَجْعَل لَهُ أَنْدَادًاï´¾، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان قال : كل مكر في القرآن فهو عمل وقوله تعالى: ï´؟وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ï´¾ أي وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم كما قال تعالى: ï´؟وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْï´¾، وقال: ï´؟وَمِنْ أَوْزَار الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَï´¾.
    إنها حال الأمم عندما يظهر فسادها ويقبح فعال أهلها ويستعلي المترفون بفسادهم فيها فيحملون الناس على المعاصي والكفر واستعمال الحرام، بل يشرعون الحرام أحيانا ويحرمون عليهم الحلال ويستغلون في ذلك ما يملكون من وسائل.
    د. محمد عمارة
    [4/20, 10:02 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (93)

    ï´؟أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًاï´¾ [الفرقان: 44].
    عقل المرء لا يعتبر بهيئته، ولا بما وصل إليه، ولا بما يملكه من ماديات الحياة، فكم من أجساد عظيمة الهيئة ولا عقل لها يردعها أو يدلها على الخير، وكما قال الشاعر:
    أجسام كأجسام البغال تراها.
    وأحلام كأحلام العصافير
    وهذا حال كثير من البشر يعيشون بلا عقل يردعهم أو يذكرهم بالله تعالى يعيشون في هيئات بشرية وعقول بهيمية، وانظر ذلك التشبيه (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل)، سبحان الله؛ تأمل تلك المقارنة في القرآن الكريم حينما يوضح لنا مدى الانحطاط الذي يقع فيه الإنسان عندما يعصي ربه سبحانه وتعالى أو يتحكم فيه هواه، أو لا يستخدم عقله للهداية؛ وهذا هو الفارق بينه وبين الأَنْعَام، وبقدر معصيته لربه يكون انحطاطه، حتى إذا غلب عليه هواه وتمكن الشيطان من قلبه وآثر الدنيا، وغفل عن مراقبة الله، فهو في المقابل ينسلخ من آدميته ولا شك؛ قال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ï´¾ [الأعراف: 179].
    أولئك الذين يتركون الدين الحق وما فيه وكذا من يدعون للرذائل وترك الفضائل، الذين يدعون إلى الانخلاع من أوامر الدين، والذين يبيعون كل فضيلة وخُلق بثمن بخس، والذين يحاربون الشرع ليل نهار وينسلخون من أحكامه للتبعية الغربية أو التأثر بها، أو إرضاء لشهوات النفس البهيمية ورغباتها، أو العمالة لأعداء الأمة وما أكثرهم في الإعلام وفي مواقع المسؤولية، يحاربون الدين ويعادون كل ما فيه، ليظهر لك من سمتهم، ومن خلال أفعالهم وتكبرهم على الحق مدى تطابق وصف الحق سبحانه وتعالى لهم: ï´؟.......إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًاï´¾، ووالله إن بعضا من الأنعام ليستجيب لما فيه نفعه ولكن هؤلاء لا يستجيبون إلا لرغبات شهوانية أو نزعات شيطانية فكانوا أضل من الأنعام سبيلا، وأبعد طريقا، وأعمى بصيرة!.

    د. محمد عمارة
    [4/21, 10:42 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (94)
    {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}* [ البقرة: ظ¢ظ¦ظ¨ ]
    وعد من الله تعالى بالمغفرة والفضل ثم ختام الوعد بأن الله واسع عليم وهو يدل على وفرة رزقه وكثرة خيره وعموم فضله الذي لم ينقطع أبدا عن خلقه.
    وقبل ذلك وعد من الشيطان وتخويف بالفقر والحاجة والذي لم ينقطع كذلك معنويا عن أتباعه ممن يتعلقون بالدنيا ويملؤهم الطمع وحب المال.
    ومعنى {يعدكم} يسوّل لكم وقوعه في المستقبل إذا أنفقتم خيار أموالكم، وذلك بما يلقيه في قلوب الذين تخلّقوا بالأخلاق الشيطانية.
    وسمّي الإخبار بحصول أمر في المستقبل وعدًا مجازًا؛ لأنّ الوعد إخبار بحصول شيء في المستقبل من جهة المخبِر.
    وعلى كل نجد الأتباع والأولياء، فأولياء الله تعالى يدعون إلى كمال الإيمان والتسليم بوعد الله وتصديق وعده والثقة في موعوده سبحانه وأن فضله لا ينقطع ورزقه لا يمتنع، وعطاؤه لا يرد، ونعمه لا تعد، وفضله دائم، وقد أكد على ذلك مرارا: { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ غڑ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ غ– وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.
    وأولياء للشيطان يدعون إلى الخوف من قلة الرزق وانقطاع الخير عن الخلق، ومن ثم فقد وُجد من قتل ولده خشية أن يطعم معه، ومن ظن أن الإنجاب والذرية سبب للفقر.
    فأولياء الله تعالى ينبغي أن يكون عندهم يقين في أن من رزقه اليوم فسيرزقه غدًا، وأن رزقه المقدر له لا بد أن يأتيه، وأن شدة الحرص ليس سببا للوصول إلى الرزق أبدًا، وليس سببًا في الوقاية من الفقر، ولكن الذي يعد المرء بالفقر هو الشيطان فهو الذي يخوف المرء من قلة الرزق، ويوسوس له أنه سيفتقر ويمرض، ويعجز، ويحتاج، وبالتالي يحثه على شدة الحرص، لأجل هذه الأشياء المتوهمة.
    إن المرء إذا علم أن فضل الله محتم وأن رزقه قد قدر له قبل أن يُخلق، وأن الله تعالى قد ضمنه له فإنه حينئذ لا يتشوش عليه ذهنه، ولا يكون مضطربًا أو قلقًا على ما سيحصِّله في غده، ولا يتوقف فضله على طعام وشراب ومال بل تأمله في هداية يعطيها، وعافية يبقيها، وعِلْة يَشفيها، وذلة يمحيها، وذنوب يخفيها، ودعوة ينميها،وصدقة يُرْبيها، وذرية يحميها، وعطية يبديها، ولا يبتديها، وكروب يجليها، ومعاص ينسيها، وغير ذلك من فضله كثير ، وأن ما قُدر للعبد سيأتيه لا ، {وأن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها}، وأن وعد الله لا يخلف.
    د. محمد عمارة
    [4/22, 10:44 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (95)
    ï´؟وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَï´¾ [الأنعام: 112، 113].
    هذه حقيقة مقررة فلا تقتصر الشيطنة على الجن، بل للإنس كذلك شياطين لها عملها في زخرفة القول وتزيين الباطل كشياطين الجن، أولئك أعداء الفضيلة الذين يصدون عن الدعوة ويحاربون المنهجَ، ويصدون عن السنة، ويرفضون الخُلق.
    يزينون الكلمات، ويُزخرفون العبارات، ويفتنون الخَلق بالفعل والقول، حتى تظهر المعصية في أحسن صورها، فيغتر بهم السفهاء، وينقاد لهم الأغبياء، وينجذب إليهم الجُهلاء، الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، ولا يحسنون المرامي، فيميلون إليه بأفئدتهم: ï´؟وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِï´¾ [الأنعام: 113]، وعدم إيمانهم باليوم الآخر يحملهم على ذلك، ï´؟وَلِيَرْضَوْهُï´¾ يُزيَّن في قلوبهم، فيصبح عقيدة راسخة، وصفة لازمةً، ثم يقترفون من الأعمال ما هم مقترفون، فيفترون ويرتكبون أبشع الجرائم، وأما أهل الإيمان بالآخرة، وأولو العقول النيِّرة، والألباب الخيِّرة، فإنهم لا يغترون بتلك العبارات، ولا تجذبهم تلك الكلمات، بل ينصرفون إلى معرفة الحقائق، وينظرون إلى مرامي المعاني، فإن كانت حقًّا، قبِلوها، وانقادوا لها، ولو كُسيت عبارات رديئة وألفاظًا قميئة، ردُّوها على من قالها، كائنًا مَن كان، ولو أُلبست ما هو أرق من الحرير.
    لقد تفوقت شياطين الإنس في زماننا على شياطين الجن في مكرهم ودهائهم وتمردهم وبغيهم وحقدهم لكل ما هو من الدين، لقد تفوقوا عليهم في وسائل الغواية والصد والتنكيل بالآخرين، لقد تركوا كل شيء وتفرغوا للدين والخُلق كيدا وقهرا، حتى أصبح الدين عند كثيرين ممقوتا ومظهره مرفوضا، وسيما الإسلام رمزا للتطرف والإرهاب، وتحولت السنة إلى تزمت، والفريضة إلى تشدد، والمعصية إلى حرية شخصية، والعري تقدما، والعلاقات المحرمة فنا راقيا، والله محيط بهم.
    قال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد عليَّ من شيطان الجن؛ وذلك أني إذا تعوذت بالله، ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانًا.

    د. محمد عمارة
    [4/23, 10:26 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (96)
    {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّ‌ا لَّكُم غ– بَلْ هُوَ خَيْرٌ‌ لَّكُمْ}
    الإفك: هو الكذب والبهتان، وهذه الآية وبعض آيات بعدها، كلها نزلت في شأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية العظيمة وما أرادوا عائشة حقيقة وإنما أرادوا النبي صلى الله عليه وسلم.
    وحادثة الإفك من أعظم ما ابتلي به بيت النبوة من بلاء عَبْر مسيرته في الدَّعوة إلى الله عزّ وجلّ، حيث اتهم في عِرْضَه الشّريف، وقد اهتزّ لهذا الحدث بيتُ النّبوّة، فاهتزّت له المدينةُ كلّها، وحزن المسلمون على ذلك حزنا عظيما، والعجيب هو تأخر الوحي فترة من الزمان زيادة في البلاء، وتمحيصا للقلوب، ويلفت نظرنا في هذه الآية الكريمة قوله تعالى: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّ‌ا لَّكُم غ– بَلْ هُوَ خَيْرٌ‌ لَّكُمْ غڑ}! وعندئذٍ يثور هذا السؤال: كيف يكون حادث الإفك خيرًا للمؤمنين وهو فيه ما فيه من الشدة؟
    نحن نعلم أنّه بالنسبة للمنافقين، لم يزِدهم إلا سوءًا على سوئِهم، وهذا ما قرّرته الآية الكريمة: {لِكُلِّ امْرِ‌ئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ غڑ وَالَّذِي تَوَلَّىظ° كِبْرَ‌هُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
    وحتّى بالنّسبة للمؤمنين، نحن نعلم ما عانته عائشة الصِّدِّيقة رضي الله عنها، من انتشار قالة السّوء عنها، وما عاناه الرّسول صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ الصديق وأمها، والصّحابة جميعًا، طوالَ شهرٍ كاملٍ، ولكنّ قوله تعالى: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّ‌ا لَّكُم غ– بَلْ هُوَ خَيْرٌ‌ لَّكُم} يعتبر من أعظم الأدلة على خُلُق التّفاؤل، الّذي يرسمُ منهجًا إسلاميًّا في تفسير الأحداث، وكيفيّة التّعامل معها، منهجًا يستند إلى الإيمان بالله تعالى وإلى الإيمان بالقدر.
    وما من مصيبة تنال المؤمن فسلم واستسلم لله فيها إلا وظهر الخير من خلالها، فكم من منافق كشفت عنه حادثة الإفك، وكم من مذبذب ثبت بعد إظهار براءة عائشة، وازداد أهل الإيمان إيمانا ويقينا بالله تعالى ومحبة لبيت النبي صلى الله عليه وسلم.
    إنه درس عملي لكل ما يصاب به أهل الإيمان في كل زمان، لستم أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد اتهم بما يصان عنه أهل المروءة في الجاهلية فضلا عن أهل الإسلام فضلا عن بيت النبوة المكرم المطهر، فاصبروا على ما أصابكم وأيقنوا بأن الخيرة فيما اختاره الله لكم والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فكل ما يصيب الناس من مضار لا كسب لهم فيها، فإنها كاشفة لهم عن كثير مما لم يكونوا يعلموه لولا حدوثها، فتكشف لهم عن منافقين، ونفعيين، ووصوليين، وأصحاب مصالح، وتظهر لهم الإمعة الحقيقية من المقلدين الذين ينتسبون لأشخاص لا ينتسبون لله يقاتلون لأجلهم، ويحيون لهم، فتظهر السنة الإلهية عندئذ {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّ‌ا لَّكُم غ– بَلْ هُوَ خَيْرٌ‌ لَّكُمْ غڑ} .
    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  10. #30

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [4/29, 10:36 pm] محمد عمارة: بين النبيين الكريمين محمد ويوسف عَلِيهما الصلاة والسلام.

    تأملات قرآنية (102)
    ï´؟نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِï´¾
    قصة يوسف أحسن القصص، وما بينها وبين أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته من تشابه يؤكد كذلك على أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أحسن القصص، ونذكر بعضا منها.
    نزلت سورة يوسف في مكة بعد سورة يونس ، وكان وقت نزولها بعد وفاة السيدة خديجة رضى الله عنها وكذا بعد وفاة أبي طالب عم النبى صلى الله عليه وسلم، حيث اشتد إيذاء قريش فكان بحاجة إلى تخفيف ما يلقاه من أذى وما يعانيه من حزن.
    فما هو وجه الشبه ما بين سورة يوسف وقصته وموقف النبى فى هذا الوقت..؟
    النبي صلى الله عليه وسلم فقد والديه صغيرا أما أبوه فلم يره، وأما أمه فماتت وهو صغير، ثم فقد فى هذه الفترة المؤازر له في دعوته زوجته وعمه، مع شدة رغبته في هداية عمه، وحبه لزوجته.
    كذلك يوسف صلى الله عليه وسلم فقد ابتلى بالحرمان من أبويه مع شدة حب أبيه إياه وتعلقه به.
    ما تم من اقتراحات حول يوسف من قتل إو إخراجه من بلده أو حبسه في البئر، ï´؟ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَï´¾، هي نفسها التي اقترحها أهل قريش للتخلص من النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته: ï´؟وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَï´¾ [الأنفال:30].
    إذا كان يوسف ألقي في بئر مظلم لا يجد فيه أنيس، وهو يخشى من تربص إخوته به، فكذا النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ألجئ من قريش إلى المبيت بالغار ثلاثا حتى ينقطع عنه الطلب.
    يوسف يأوي إلى بلد يُكرم ويُمكن له فيه ويعامل معاملة الولد من حاكم البلد، ثم يصلح عزيزا فيه يتبوء منه حيث شاء، والنبي صلى الله عليه وسلم يأوي إلى بلد يكرمه أهله ويؤونه وينصرونه كما ينصرون أولادهم ثم يتبوء فيه كذلك بحكم رسالته.
    يوسف يبتلى بالنسوة ويُتهم ويُحبس بالباطل، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتلى باليهود والمنافقين، ويتهم في عرضه في حادثة الإفك.
    تظهر براءة يوسف صلى الله عليه وسلم، ويمكن من خزائن مصر، والنبي صلى الله عليه وسلم تُبرأ زوجته، وينصره الله على اليهود ويطهر الله المدينة منهم، ويُطلعه الله تعالى على المنافقين ويسميهم له.
    يأتي إخوة يوسف إليه في حاجة ويتمكن من رقابهم، ولكنه يعفو عنهم ويزيد في إكرامهم: ï´؟لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَï´¾، والنبي صلى الله عليه وسلم يتمكن من رقاب قريش، ويسألهم ما تظنون أني فاعل بكم؟ فيقولون: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول: لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء، وتأملوا قول النبي عن يوسف ( الكريم ابن الكريم ابن الكريم بن الكريم) فالكرم صفة تجمعهما.
    ابتدأت حياة يوسف بالرؤى الصالحة وقد حُققت له، والرؤيا جزء من نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وقد كانت الرؤيا هي المبشرة لفتح مكة وعودة المهاجرين إليها فتحا بعد خروجهم منها خوفا.
    إذا كان يوسف قد ابتلي فإن ابتلاءه تحول إلى منحة عظيمة مُكن له بعدها وظهر للناس عفته وكرامته وأمانته وحسن خلقه، وكذا ظهر لكل قبائل العرب مدى كرم النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته، حينما عفا عن قريش بعدما مكنه الله من رقابهم، فلا منحة بدون محنة، ولا التمكين والنصر إلا بعد الابتلاء.
    ليتحقق في كلٍ مراد الله تعالى ï´؟وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَï´¾.
    د. محمد عمارة
    [4/30, 10:33 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (103)
    يدبر الإنسان لما أراد والله غالب على أمره

    ï´؟وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَï´¾ [يوسف: 21].
    في هذه الآية العظيمة والقاعدة المستبينة التنبيه على أهمية التعبد لله تعالى بشهود آثار أسمائه وصفاته في الحوادث، فإن الحوادث قد تجري على غير ما يشتهي الإنسان، وربما توقع لها نتائج معينة، لكثرة ما يحيط بها من الأسباب التي تؤدي إلى ذلك، فإذا بالأمر يأتي على خلاف ذلك، فلا يملك المتعبد المستحضر دائمًا باب التعبد العظيم "باب الأسماء والصفات لله سبحانه" إلا أن يقول: ï´؟وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَï´¾.
    فإن الله إذا أراد شيئًا فلا يُرد، ولا يُمانع ولا يخالف، وإن السنن الكونية جميعها تجري على حسب تدبيره ووفق مراده، وهو الغالب سبحانه لما سواه، والعجب أن هذا التدبير وتلك السنن يجريها سبحانه لما فيه نفع العباد، فيرشدهم من ضلالة، ويحفظهم من غواية، ويدلهم على طريق الحق، ويحفظهم بوسائل حفظه، وأكثر الناس لا يدرون حكمته، وتلطفه لما يريد، فاسم اللطيف يتضمن علمه بالأشياء الدقيقة، وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية، ولذلك قال يوسف عليه السلام في آخر القصة: ï´؟إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُï´¾ [يوسف: 100].
    كل أحداث القصة تبين مع بداية رؤيا يوسف وتأويل يعقوب عليه السلام لها ونهيه أن يقصها على إخوته حذرا من كيد الشيطان، وخوفه من إرسال يوسف مع إخوته وحرص يعقوب على بقاء يوسف في حفظه وإلى جواره، لكن الله غالب على أمره. ولا يغني حذر من قدر.
    خاف يعقوب عليه من الذئب فجعلوا ذلك حجة فَقْد يوسف: ï´؟وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِï´¾.
    ظنوا أن ذهاب يوسف يغير حال الحب في قلب يعقوب ونسيانه إياه، فوقع عكس ما أرادوا وزاد حبه له وتعلقه به، والله غالب على أمره: ï´؟وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌï´¾ [يوسف: 84]، حتى بعد فقد أخيه.
    أرادوا له الإبعاد والإهانة والإذلال فألقوه في الجب وباعوه بثمن بخس ليكون عبدا ويعيش رقيقا، وأيقنوا ذهابه بلا عودة ولكن... الله غالب على أمره، وخرج من البئر إلى القصر ليعيش في مكان أكثر ترفا مما كان فيه.
    ثم تراوده امرأة العزيز وتحتال بشتى الحيل وتأخذ بأسباب الستر ووقوعه في الفاحشة من تغليق للأبواب، وعرض نفسها عليه، وإظهار مفاتنها، وإبداء زينتها، وتتوعده بالحبس أو العذاب، ولكن الله غالب على أمره، فانكشف الأمر وهتك الستر.
    اتهمته بأنه هو من راودها فكشف الله أمرها وبرأ يوسف، فشهد شاهد من أهلها، والله غالب على أمره.
    أراد إخراج نفسه فمكث ولم يخرج، وأراد الله له أحسن الأحوال عند خروجه، إذ لو خرج بشفاعة السجين، لكان للناس عليه منة، ولخرج مغمورًا لا قدر له ولا شأن. - ولكن... الله غالب على أمره، فيقدر له أسباب الخروج، فيخرج عزيزا مبرءا مشهودا له بالأمانة ممكنا له في الأرض: ï´؟إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌï´¾ [يوسف: 54]، والله غالب على أمره.
    بعد كل هذا يأتي إليه إخوته يلتمسون منه العفو، ويجمع الله عليه شمل أبويه، ويخرون له تعظيما وإكبارا بعدما كانوا يسخرون من حب أبيه له، ويرون أنفسهم أولى بحب يعقوب لقوتهم، وضعفه، بل ويبقون في أرض النعيم بإكرامه وتفضله عليهم، ï´؟وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَï´¾.
    د. محمد عمارة
    [5/1, 10:34 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (104)
    ما هم ّيوسف بالمعصية وما أرادها

    ï´؟وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ï´¾ [يوسف: 24].
    أكثَر الناس الخوض في هذه الآية بالباطل، ناسين أن يوسف عليه السلام معصوم من الوقوع في الفواحش لكونه نبي، والعجب من ذلك أنهم رددوا أقوالا وآثارا تناقلوها تسيء للأسف لنبي شهد له ربه وشهد له أعداؤه بطهره وعفافه، حتى ذكروا في تفسير الهم أن يوسف جلس من المرأة مجلس الرجل من امرأته، وحل سراويله، وجعل يعالـج ثيابه، وذكروا كذلك أنه لما هم بالفاحشة ظهر له يعقوب، فضرب صدره، فقام إلى آخر ما ذكر من الخرافات والإسرائيليات والأكاذيب التي لا تليق بنبي كريم جعل الله قصته أحسن القصص، وبشر بالنبوة قبل هذه الواقعة بسنوات، وأعجب ما قيل وأكذبه أن يوسف لما هم بها، قال الله عز وجل لجبريل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل عليه السلام عاضًّا على إصبعه يقول: يا يوسف، تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء.
    ورأى آخرون أن الهم قد حصل من سيدنا يوسف - عليه السلام - بَيْدَ أنهم نفوا عنه العزم بالفاحشة، واختلفوا في متعلق الهم، فمن قائل: إنه هم بالفاحشة بمقتضى الطبع البشري ولم يتجاوز ذلك، ومن قائل: هم بضربـها، وقال آخرون منهم: همَّ بالهروب منها، وكل هذا باطل؛ لِما يأتي:
    أولًا: كل ما استدلوا به من هذه الروايات وغيرها موضوع، وأخبار كاذبة.
    ثانيًا: تأكيد القرآن براءة يوسف في كثير من آياته ومنها قوله: ï´؟وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَï´¾ [يوسف: 23]
    وقوله: ï´؟وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَï´¾ [يوسف: 24]
    فتأمل قوله: ï´؟كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَï´¾ لم يقل: لنصرفه عن السوء والفحشاء، ولو كان هكذا لكان يوسف عليه السلام آنذاك هو الذي يركض وراء السوء والفحشاء طالبًا لهما، ولما قدم لفظة ï´؟عَنْهُï´¾ على ï´؟السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ï´¾، دل على أن السوء والفاحشة هما اللذان يركضان وراء يوسف وهو يهرب منهما.
    وقوله حكاية عن المرأة: ï´؟قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَï´¾ [يوسف: 32]. والاستعصام معناه الامتناع والإباء والرفض بقوة لما أريد منه.
    وقبل ذلك يخبر القرآن عن فضل يوسف وأنه أوتي حكمة وعلمًا؛ قال تعالى: ï´؟وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَï´¾ [يوسف: 22]، والحكم: هو الحكمة، وهي: الإصابة في القول والفعل بوضعهما في موضعهما، أو هي النبوة، وعلى كلا التقديرين يبعُدُ عن صاحبها - مع ما يملِك من العلم - ما نسب إليه زورًا وبهتانًا.
    وقول الله تعالى: ï´؟ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَï´¾ [يوسف: 24] والمخْلَص بفتح اللام من أخلصه الله تعالى لنفسه واختصه بذاته فلا يقارف معصية ولا سلطان للشيطان ولا للهوى عليه، لسبق مراد الله، وقد استثنى الشيطان المخلَصين من غوايته: ï´؟قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَï´¾ [الحجر: 39، 40]، وقد بين الله ذلك بقول: ï´؟ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَï´¾.
    فأي فضل إذا ليوسف إن فُسر همه بإرادة المعصية على غيره ممن امتنع منها ورفضها، وهم كثر، ولا يقاسون بشعرة في صدر يوسف عليه السلام.
    وتفسير همها بالمعصية، وهمه بالضرب مردود أيضا؛ لأنه يلزم منه الاختلاف فيما حقه الاتحاد، وهو ممنوعٌ؛ لأنه لا يجوز في اللغة أن تقول: هممت بفلان وهم بي، وأنت تريد اختلاف الهمين.
    والراجح في تفسير الآية أن بها تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: (ولولا أن رأى برهان ربه هم بها).
    وحينئذ يكون الهم السيئ بكل أنواعه منتفيًا عن سيدنا يوسف - عليه السلام - وهو اللائق بمثل جنابه الكريم، ويكون المعنى حينئذ: وهمَّ بـها لولا أن رأى برهان ربه، لكنه رأى برهان ربه فلم يهمَّ بـها أصلًا.
    وبهذا نصل إلى نتيجة مفادها براءة سيدنا يوسف - عليه السلام - وعفته، وانتفاء الهم منه؛ فلم يهُمَّ بالفاحشة قط.
    د. محمد عمارة
    [5/2, 10:00 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (105)
    ï´؟وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍï´¾
    على الرغم من أن امرأة العزيز ( غَلَّقت الأبواب ).
    واستخدام هذه الصيغة (غلّقت) فيه تأكيد على تعدد الأبواب، وشدة إحكام إغلاقها من قبل المرأة استعداد لما همت به، وما أخبرت به يوسف بقولها حين قالت له: ï´؟هَيت لكï´¾ ..!!
    إلا أن الواقع المذكور أنهما استبقا الباب واستباقهما يختلف على حسب غرض كل منهما، فيوسف يستبق الباب هروبا وفزعا وخوفا من الله سبحانه وأن يقر المرأة على المرأة على ما أرات ولو بالبقاء معها، والمرأة تسابقه الباب لتمنعه من الخروج لتنفيذ ما أرادت، وقد دل على ذلك قوله: ï´؟وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍï´¾.
    والسؤال: ما الذي جعل يوسف عليه السلام يجري ناحية باب يعلم يقيناً أنه (مُغَلَّق) ؟! وهو يعلم كذلك مكانة المرأة وقوة تأثيرها على القصر ومن فيه.
    ربما كانت الإجابة واضحة.. (الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، وهروبا من المعصية وخوفا من الله)
    ولكن !!!
    ما الذي يجعل امرأة العزيز صاحبة القصر والمكانة تسابقه إلى الباب الذي تعلم يقيناً أنه (مُغَلّق) ويقف خلفه حُرَّاسُها عليه؟!
    والجواب: إنه فزع أهل الباطل وخوفهم، بل الرعب الذي ينتاب قلوبهم الذي يصيبهم حين يتحرك أهل الحق متوكلين على الله..!!
    فقط أخذ بالأسباب وحسن توكل واعتماد على الله تعالى يُبلج الحق، ويتلجلح الباطل .
    هكذا الباطل هش ضعيف، لا يملك حجة، ولا قوة، ولا بيان فتجد دائما ردة فعله غير طبيعية من قسوة مفرطة أو انفلات لسان، .. والباطل مهما تملك من أسباب القوة فهو ضعيف.. فإذا تحرك أهل الحق مهما كانت الأسباب عنهم منقطعة.. اضطرب أهل الباطل أيا كانت الأسباب التي في أيديهم!
    قال الله تعالى : ï´؟ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌï´¾.
    د. محمد عمارة
    [5/3, 10:53 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (106)
    ï´؟فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ غ– فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌï´¾.
    هذه الآية تؤكد على ما كان في النسوة من كيد ، كيد امرأة العزيز للوصول لغرضها من يوسف، ثم كيدها للنسوة، وكيدهن لامرأة العزيز.
    لما سمعت امرأة العزيز بقول النسوة فيها ما قالوا، أرسلت إليهن أي: دعتهن إلى منزلها لتضيفهن ظاهرا، وأعدت لهن المجلس المعد، فيه مفارش ومخاد وطعام، فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه، وروي أن النسوة قلن ذلك احتيالا منهن لرؤية يوسف، فاحتالت هي بما أعدته لهن، ولهذا قال تعالى: ï´؟وآتت كل واحدة منهن سكيناï´¾ وكان هذا مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته، ï´؟وقالت اخرج عليهنï´¾ فلما خرج ورأينه أكبرنه أي: أعظمن شأنه، وأجللن قدره، وجعلن يقطعن أيديهن دهشا برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين، والمراد: أنهن حززن أيديهن بها.
    وقد ذكر عن زيد بن أسلم: "لما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن، فقالت: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هكذا، فكيف ألام أنا؟ فقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم، ثم قلن لها : وما نرى عليك من لوم بعد الذي رأينا؛ لأنهن لم يرين في البشر شبهه ولا قريبا منه ، فإنه ، صلوات الله عليه وسلم كان قد أعطي شطر الحسن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بيوسف ، عليه السلام في السماء الثالثة، قال: "فإذا هو قد أعطي شطر الحسن".
    والعجيب في هذه الآية ما ذكر من مكر ودهاء النساء واحتيالهن لفعل المحرم!
    ودهشة النساء من جمال يوسف حتى قطعن أيديهن بدلا من الطعام.
    ثم عُذر النساء للمرأة في إرادة الحرام لما رأين جمال يوسف عليه السلام، وجرأتهن في ذلك، حتى قيل إن كل واحدة منهن جعلت تدعوه لنفسها، وتقول له: أنا خير لك من امرأة العزيز.
    ولا عجب في ذلك فكذلك طبقات المجتمع العليا إذا أردن شيئا احتلن عليه، ويلزم أن امرأة لن تدعو إلى بيتها وطعامها عوام النسوة، بل خواصهن! قلت سبحان الله !
    إذا كن فعلن ذلك لجمال يوسف وهو جمال دنيوي فكيف بجمال الآخرة.
    وكيف بجمال النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟ وكيف بجمال الجنة وما جعل الله فيها من وسائل الجمال؟
    وكيف بجمال الملائكة؟
    وكل هذا من خلق الله فكيف بجمال الخالق سبحانه، ï´؟ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيمï´¾. اللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم ووالدينا وأزواجنا وأولادنا وأهلينا بفضلك يا أكرم الأكرمين.

    د. محمد عمارة
    [5/4, 10:07 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (107)
    ï´؟وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَï´¾ [يوسف: 33]
    والمعنى: رب دخول السجن أسهل علي وأهون من الوقوع في المعصية، لا أن دخول السجن مما يُحب على التحقيق، ولكن مقارنة بالمعصية هو أحب إليه عليه السلام، وإلا تصرف عني كيدهن، كيد النسوة اللاتي رأينه؟ فإنهن أمرنه بمطاوعة امرأة العزيز يخوفنه بطشها، وقيل: صارت كل واحدة تدعوه لنفسها وتراوده، فقال: يا رب كانت واحدة فصرن جماعة، وقيل : كيد امرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة، وكنى عنها بخطاب الجمع إما لتعظيم شأنها في الخطاب، وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض أدبا منه عليه السلام رغم ظلمها إياه وكذبها واحتيالها عليه، إلا أن عفة لسانه عدلت عن التصريح.
    والأرجح صرف الكيد لجميع النسوة فإنهن وإن لم يصدر منهن أمر المراودة ظاهرا إلا أن إقرارهن لامرأة العزيز وعذرهم لها بعد رؤية يوسف ينزل منزلة الفعل وللمقر حكم الفاعل.
    والكيد من النسوة هو الاحتيال، ولهذا سميت الحرب كيدا لاحتيال الناس فيها.
    وهذا تفويض الأمر منه لله تعالى، واستعانة بالله، وبيان ضعفه، وقلة حيلته، ولسان الحال: إن وكلتني إلى نفسي ، فليس لي من نفسي قدرة ، ولا أملك لها ضرا ولا نفعا إلا بحولك وقوتك ، أنت المستعان وعليك التكلان ، فلا تكلني إلى نفسي.
    وما أجمل أسلوب الاستعانة في بيان ضعفه، وحاجته إلى الله تعالى وتسليمه أمره إليه وتفويضه سبحانه في توليه، ï´؟وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلينï´¾ أي وإلا يكن منك أنت العون والمنعة لا يكن منّي ولا عندي، وأكن بصبوتي إليهن من الذين جهلوا حقك، وخالفوا أمرك ونهيك.
    والعبدُ الصادقُ مع ربهِ ينبغي أن يلتجأ إليه ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية، ويتبرأ من حَولهِ وقوتهِ لأنه عبدٌ ضعيفٌ، وقد كانَ ذلكَ من يوسف - عليه السلام –
    لم يتعلل يوسف بغربته وضعفه، ولَم يبال بتهديد صاحبة القصر والسلطان، ولَم يبال بالسجن، ولا بقول الناس واتهامهم إياه بالباطل بعد حبسه، وإنما جل فكره وغاية مراده إرضاء الله تعالى أيًّا كانت العواقب
    وهذا هو طريق الأنبياء، وقد درج الناس في زماننا على نفاق غيرهم والإقرار على المحرمات بل وفعلها تعليلا بالمصالح أو خوفا من العقوبة، أو تحصيلا لمكانة أو حرصا على راتب، نسأل الله السلامة والعافية .
    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  11. #31

    افتراضي رد: تأملات قرآنية للدكتور محمد عمارة

    [5/5, 10:32 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (108)

    ï´؟وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ، فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ، فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَï´¾ [سورة يوسف: 42]
    يعتقد البعض أن الذي نسي ذكر ربه في هذه الآية هو يوسف عليه السلام، والذين قالوا ذلك القول، قالوا: كان الأَولى أن يتوكل على الله ولا يقول اذكرني عند ربك، فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن بضع سنين.
    وإن كان هذا القول قد قال به البعض لكنه غير صحيح فلا سلطان للشيطان على أهل الإيمان فضلا عن كونهم أنبياء، وإنما هو السجين الآخر الذي بُشر بالخروج من السجن، وقد طلب منه يوسف أن يذكره عند ربه وهو الأظهر ، وليس في إرسال هذه الرسالة من كونه يُذكر العزيز بأمر يوسف شيء مما يخل بمنصب الرسالة ولا مكانة الأنبياء، بل ولا عبودية التوكل على الله وإنزال الحوائج به.
    والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك؛ ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه؛ بل كان ذاكرا لربه، وقد دعاهما قبل تعبير الرؤيا إلى الإيمان بربه، ودعاهما إلى عبادته وتوحيده، وأن العلم الذي يعلمه إنما هو من تعليم الله إياه، وأنه متبع لملة آبائه ملة حنيفية لا شرك فيها، ثم إنه دعاهما إلى الإيمان بربه، ثم بعد هذا عبر الرؤيا وذكر أن ذلك مما علمه الله إياه، وأخبرهما أن عنده من العلم عن الله ما يخبرهما به عن الطعام قبل أن يأتيهما، ثم لما قضى تأويل الرؤيا: ï´؟وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربكï´¾ ، فكيف يكون قد أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه؟
    والصحيح أن الناسي هو الشخص
    وليس في قوله: (اذكرني عند ربك) ما يناقض التوكل، بل من باب الأخذ بالأسباب؛ بل قد قال يوسف: (إن الحكم إلا لله) كما أن قول أبيه: (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) لم يناقض توكله، بل قال : (وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون).
    وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به؛ ليعلم حاله، ليتبين الحق، ويوسف كان من أثبت الناس، ولهذا بعد أن طلب: (وقال الملك ائتوني به)، قال: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم) ، فيوسف يذكر ربه في هذه الحال كما ذكره في تلك.
    والمقصود أن يوسف لم يفعل ذنبا ذكره الله عنه .
    ثالثاً: وكلمة الرب إذا أطلقت يراد بها ربوبية العبادة وإذا قيدت بشيء معين أطلقت عليه والمراد بها هنا ربوبية الملك والتصرف.
    د. محمد عمارة
    [5/6, 10:30 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (109)
    ï´؟وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ï´¾ [ يوسف: 50]
    لم يذكر القرآن شيئا عن يوسف عليه السلام حال ألقي في البئر، ولا حتى عن ردة فعله مع إخوته حين ألقوه فيه ولا فترة بقائه، ولا حين باعوه، ولا موقفه من إخوته الذين فرقوا بينه وبين أبويه، وتركها القرآن هكذا مجملة، ولكن القرآن ذكر ردة فعله حين أرسل الملك إليه بعد تفسير رؤياه له، فلم يخرج متعجلا على الرغم من طول حبسه، فقال للرسول : ï´؟..... ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ï´¾ حتى يتحقَّق الملك ورعيَّته براءة ساحته، ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن كان ظلماً وعدواناً، وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره، ففي المسند والصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ï´؟رب أرني كيف تحيي الموتىï´¾، ويرحم اللّه لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي} أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة"، وفي لفظ: (لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، واللّه يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه واللّه يغفر له، حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر).
    ولبثـه فى السجن كان كرامة من الله فى حقه؛ ليتم بذلك صبره وتقواه، فإنه بالصبر والتقـوى نـال ما نال؛ ولهذا قال‏:‏‏ï´؟‏‏أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَï´¾‏‏ ‏[‏يوسف‏:‏90‏]‏، ولو لم يصبر ويتق، بل أطاعهم فيما طلبوا منه جزعًا من السجن، لم يحصل له هذا الصبر والتقوى، وفاته الأفضل باتفاق الناس‏.
    ليتأكد لكل قارئ أن البلاء محتم ومقدر، وأن الصبر عليه سبب لتفريجه، وأن الاستعانة بالله تعالى وتوكيل الأمر إليه سبحانه من أعظم أعمال العبد، فمتى ما ترك العبد التدبير لله توكل الله عنه، وتولى التدبير له بنفسه، فخرج يوسف عليه السلام مكرما منزها، وسارعت النسوة جميعا يظهرن براءته وعفته، وجاءت امرأة العزيز، لتؤكد ذلك، وأنها التي فعلت، ثم يولى على خزائن الأرض لحفظه وعلمه، فمن حفظ الأعراض ولم ينتهك الحرمات مع تمكنه وتوافر أسباب فعلها، فهو أحفظ للطعام والشراب وحاجات الناس،، ومن حسن أدبه وكمال خلقه، أنه لم يذكر المرأة التي راودته باسمها ï´؟فَاسْأَلْهُ مَا بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّï´¾ أدبا واحتراما وتعففا وتكرما، وزيادة في الستر عليها، وذكرا لمعروفها معه حين جاء إليها من مصر صغيرا. ولقد قال فيه نبينا صلى الله عليه وسلم: { الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم}.
    د. محمد عمارة
    [5/7, 10:28 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (110)
    ï´؟قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَï´¾ [يوسف:86]
    يعقوب عليه السلام بعد بلاءه في ضياع يوسف منه، وانقطاعه عنه هذه الفترة، وهو موقن عدم موته، يهتم لأمره كما يهتم الأب عندما يفقد ولدا لا هو ميت فيسلم الأمر لله ويستريح، ولا هو معلوم المكان فيطمئن، ثم يأتيه خبر بنيامين وأنه قد تم احتجازه في مصر، وعلى الرغم من توالي تلك المصائب، فإنه لم ييأس أبدا من فضل الله تعالى، بل رجا الله أن يأتيه بهم جميعاً، ثم تولى عن أبنائه وقد ظن أن أنفسهم قد سولت لهم أمراً: ï´؟وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌï´¾.
    فيشتد عليه أبناؤه ويغلظون له في القول: ï´؟قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَï´¾ [يوسف:85].
    فيجيب يعقوب عليه السلام أبنائه، بهذا الجواب الذي يثبت ما في قلبه من حرقة وألم على أبنائه، ومدى تعلق قلبه بالله تعالى والذي لم يلجأ أبدا إلى غيره: ï´؟قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَï´¾، وكأنه يقول لهم: إليكم عني، دعوني، أنتم لا تعيشون مأساتي ولا تعلمون ما أحسّ به من أمل وتفاؤل وحسن ظن بالله جل وعلا.
    إنها مشاهد عجيبة تزيد التعلق بالله واللجوء إليه وقيمة الصبر على الابتلاء وحسن التوجه إليه سبحانه، ومع كل هذا فمشهد التفاؤل الذي يظهر في كلامه على الرغم من طول فترة انقطاع وبعد يوسف عنه، وكأنه يقول ما أنا بشاك لحظة في عودة يوسف الذي طال انتظاره ولا أعلم مكانه، ولا يقل يقيني في عودته عن عودة بنيامين الذي يعلم مكانه، وسبب غيابه.
    إنه الأمل واليقين وحسن الظن في الله تعالى والذي يقول: {أنا عند ظن عبدي في فليظن بي ما شاء}.

    د. محمد عمارة
    [5/8, 10:01 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (111)
    ï´؟..... كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُï´¾.
    أي: دبرنا ويسرنا له هذا الكيد، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم ï´؟مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِï´¾؛ لأنه ليس من دينه أن يُتملك السارق، وإنما له عندهم جزاء آخر، ولو رُد الأمر إلى ما عندهم في دين الملك ما تمكن يوسف من إبقاء أخيه عنده، ولكنه جعل الحكم منهم، ليتم له ما أراد.
    وليس هذا من يوسف عليه السلام من الكذب أو الخداع المحرم ، ولكنه من الكيد الحسن الذي كاد الله به له ليتم عليه نعمته، ويجمعه بوالديه وأهله ، وليستقبل إخوته التوبة، وليظهر لهم خطؤهم فيما صنعوه بأبيهم وأخويهم، وليتم الله نعمته على أبيهم يعقوب عليه السلام، ويرد عليه ابنه بعد طول غياب وشدة معاناة، فكاد الله تعالى لنبيه هذا الكيد الحسن المبارك، لتحصل هذه النعم للجميع، وليس هذا من الظلم والعدوان والخداع المحرم، حاشا وكلا. فالكيد من الله تعالى كله حسن؛ لأنه لرفع ظلم أو رد حق، ولا يكون إلا عن طريق مشروع ولذا حاكمهم إلى عرفهم، وهو أخذ السارق بسرقته.
    قال ابن القيم رحمه الله في "إغاثة اللهفان: "كان إلهام الله تعالى لإخوة يوسف عليه السلام قولهم: (مَنْ وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) كيدا من الله تعالى ليوسف عليه السلام، أجراه على ألسن إخوته، وذلك خارج عن قدرته.
    وكان يمكنهم أن يتخلصوا من ذلك، بأن يقولوا: لا جزاء عليه، حتى يثبت أنه هو الذى سرق، فإن مجرد وجوده فى رحله لا يوجب أن يكون سارقاً ؛ وقد كان يوسف عليه السلام عادلا لا يأخذهم بغير حجة.
    وكان يمكنهم التخلص أيضا بأن يقولوا: جزاؤه أن يفعل به ما تفعلونه بالسراق فى دينكم، وقد كان من دين ملك مصر - فيما ذكر -: أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين، فلو قالوا له ذلك، لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم، فلذلك قال سبحانه: ï´؟كَذلكَ كِدْنَا لِيُوسُفْ مَا كَانَ لِيَأْخُذُ أَخَاهُ فِى دِينِ المَلِكِ إلا أَنْ يَشَاءَ اللهُï´¾.

    أى ما كان ليمكنه أخذه فى دين ملك مصر، لأنه لم يكن فى دينه طريق إلى أخذه.
    وقوله (إِلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) استثناء منقطع، أى لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر، ويجوز أن يكون متصلا، والمعنى: إلا أن يهيئ الله سببا آخر يؤخذ به فى دين الملك غير السرقة " انتهى.
    د. محمد عمارة
    [5/9, 10:40 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (113)
    ï´؟قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ï´¾ [95]
    قول فيه أعلى درجات القسوة في التعامل من أبناء مع أبيهم يعلمون أنه نبي مرسل من عند الله تعالى، تالله أيها الرجل إنك من حب يوسف وذكره لفي خطئك وزللك القديم وبعدك عن الصواب، والبعض يفسرها بالجنون، لا تنساه ولا تتسلى عنه، على الرغم من كون القرآن يذكر خطاب يعقوب لبنيه دائما بخطاب التلطف والتودد: ï´؟يا بَنيï´¾ وتفويض الأمر لله تعالى ï´؟قال بل سولت لكم أنفسكم أمراï´¾ ولم يذكر عنه تعنيفا لهم، ولا شدةً في الخطاب، وهذا يؤكد لنا على أشياء مهمة:
    أولها: صبر يعقوب عليه السلام مع أولاده وحسن صحبته إياهم على الرغم من يقينه بكذبهم، واتفاقهم على إبعاد يوسف وإصرارهم على ذلك، وهذا يعلمنا أهمية الصبر على الأبناء في التعامل معهم، ولسنا خيرا من يعقوب عليه السلام حين ابتلاه الله تعالى بعقوق أولاده إياه.
    ثانيها: ابتلاؤه بأبناءه وهو نبي كريم، فالابتلاء قد يكون في الأبناء كما يكون في غيره، وعقوق الأبناء وانحرافهم عن الطريق الصحيح من أشد أنواع الابتلاء على النفس خاصة لحب الإنسان لأولاده وحرصه عليهم، وقصة أبناء يعقوب عليه السلام تمثل صورة من أعظم صور العقوق لأبناء لا يرحمون أبا كبيرا ولا أخا صغيرا، سواء كان في لحظات اختطافه من بين يدي والده، أو حال طرحه في الجب، أو بيعهم إياه بثمن بخس، وسكوتهم لسنوات طوال يصرون على موقفهم، وهم يعلمون أنهم كذبة، وأي عقوق أعظم من أبناء يرون أباهم لسنوات يتمزق قلبه، ويذهب بصره حزنا على فقد ولده، ولم تتحرك مشاعرهم نحوه يرحمون ضعفه وسِنّه.
    ثالثها: لا يتوقف عقوق الأبناء ولا غيره من البلاء على معصية فعلها الآباء، فأي معصية اقترفها يعقوب عليه السلام وهو المعصوم من الخطأ؛ لأن بعضا من الناس يربطون بين البلاء وبين المعصية بصفة متلازمة، والبلاء قد يكون رفعة، وقد يكون تكفيرا للسيئات، وقد يكون تربية.
    رابعها: دوام محبة يعقوب ليوسف عليهما السلام، فما زاد بُعده عن أبيه إلا حبا وتعلقا به، وهذا ما علمه أولاده من حاله، وما عبر عنه القرآن ببياض العين من كثرة بكائه عليه وفراقه إياه وطول ذكره له، وحثهم دائما عن البحث عليه.
    د. محمد عمارة
    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
    رحمة الله تغمر روحك سهى..لن أنساكِ
    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،♥
    ♥♥
    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

المواضيع المتشابهه

  1. الدكتور محمد عمارة. قال:
    بواسطة ست الحبايب في المنتدى أستراحة المنتدى
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 03-08-2018, 03:51 PM
  2. أمة محمد صلى الله عليه وسلم. نائمة
    بواسطة ست الحبايب في المنتدى منتدى أخبار عالم
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-20-2016, 01:38 PM
  3. روائع قرآنية !!!!
    بواسطة عبد الستار في المنتدى منتدى القرآن الكريم
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 12-08-2016, 05:39 PM
  4. وكنوز ومقام كريم حقائق قرآنية !!!
    بواسطة عبد الستار في المنتدى منتدى الإعجاز العلمي من القران والسنة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-03-2016, 03:11 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •