اليتيم في القرآن والسنة
عز الدين بحر العلوم
طبعة ثانية مزيدة ومنقحة
دار الزهراء
للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت ـ لبنان

(5)
بسم الله الرحمن الرحيم
مع الكتاب في طبعته الثانية
****قارئي الكريم :
****عذراً إذا لم يوف حق اليتيم في الطبعة الأولى من كتابنا هذا « اليتيم في القرآن والسنٌة » فقد فوجئت في حينها من قبل إدارة « دار الزهراء للطباعة والنشر » الموقرة بطلب طبع مالي من نتاج كتابي ، وكنت يومها في شفرة إلى ربوع لبنان ، ولم أكن قد صحبت معي في تلك السفرة إلا هذا الموضوع ، وهو محاضرة من سلسلة محاضرات كنت ألقيها على بعض الأخوان من طلاب العلوم الدينية ممن تضمهم الحوزة العلمية في النجف الأشرف.
**** والقاريء العزيز يدرك أن طبيعة المحاضرات في مثل هذه الجلسات لا تسمح للمحاضر بالكتابة الشاملة لاستيعاب الموضوع من جميع جوانبه التي تحيط به ، لذلك كانت على جانب من الإختصار وأخيراً طلبت مني الدار ـ مشكورة ـ الإذن في إعادة طبع الكتاب بعد أن نفذت النسخ التي طبعت منه.

(6)
**** لذا رأيت لزاماً عليٌ ـ وأنا ألبٌي الطلب ـ أن أعيد النظر في بعض فصوله وإضافة مواضيع جديدة له تعميماً للفائدة. ولعلني ـ في الوقت نفسه ـ أكون قد أديت بعض ما لليتيم من حق في التنويه عن حقوقه المادية ، والاجتماعية بشكل أوسع مما سبق في الطبعة الأولى.
**** والله الموفق ، وهو المسدد للصواب.
النجف الأشرف : عز الدين السيد علي بحر العلوم

(7)
بسم الله الرحمن الرحيم
****الطفل :
****للطفل في الشرائع السماوية مكانة محفوفة باللطف ، والرعاية ، فهي تستثنيه من التكاليف التي لا تمس حقوق المكلفين كما توجه أبنائها إلى الإهتمام بتوجيهه ، وتربيته وله حقوقه الثابتة فيها ، ويستطيع معرفتها كل من يراجع الكتب السماوية ، ولا سيما القرآن الكريم ، والسنة النبوية. ولا تحتاج معرفة سبب هذا الإهتمام إلى دراسة ، وتفكير. فأهمية الطفل في المجتمع الإنساني العام واضحة تماماً ، فهو اللبنة المقومة لبناء المجتمع. والعناية به عناية بالبناء نفسه.
****وبما أن الطفل في عالمه الطفولي لا يتمكن من تربية نفسه وتوجيهها إلى صالحه ، وصالح مجتمعه لذلك نرى العناية الإلهية تولي هذه الناحية الإهتمام الوافر ، فتوجد في نفس الأبوين عاطفة جياشة تشدهما شداً وثيقاً إلى الطفل من اللحظات الأولى التي تبدأ فيها مسيرته التكوينية ، فعواطف الأبوين هي المادة الحيوية في توجيه حياة الطفل ، وتقويمها.
****وفي سبيل تنمية هذه العواطف ، وتصعيدها نرى الرسول الاكرم (ص) يخاطب زوجته أم سلمه قائلاً :
****« إذا حملت المرأة كانت بمنزلة الصائم. القائم. المجاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، فإذا وضعت كان لها من الأجر ما لا يدري أحد ما هو لعِظَمه ، فإذا أرضعت كان لها بكل مصةٍ كعدل عتق محررٍ من ولد إسماعيل ، فاذا فرغت من رضاعه ضرب ملك كريم على جنبها وقال :

(8)
إستأنفي العمل فقد غفر لك » (1).
**** لقد تناول الحديث الشريف مرحلتين من أهم المراحل التي يمر بها الوليد ، وهما :
**** مرحلة الحمل ، ومرحلة التغذية في دورها الرضاعي. وعلى هاتين القاعدتين تبتني الحياة.
**** ويأتي التشويق للمحافظة على الجنين في المرحلة الاولى في أروع صورة عندما يقول النبي (ص) إذا حملت المرأه كانت بمنزلة الصائم القائم المجاهد ».
****لقد منح الحديث المرأة الحامل ثواب :
1 ـ الصائم.
2 ـ القائم : وهو الذي يقضي وقته بالعبادة لله سبحانه.
3 ـ المجاهد : ولم يحدد الحديث الجهاد ، بل كان مطلقاً يشمل الجهاد على الصعيدين : بالنفس ، وبالمال في سبيل الله.
**** وثواب هؤلاء : طفحت ببيانه كتب الحديث من جميع المذاهب فأسهبت في تقديره.
**** كل ذلك تناله المرأة الحامل ، ولكن لماذا كانت موضع عناية الله في الحصول على كل هذا الثواب ؟
****فهل قضت تلك المرأة أيامها صائمة ؟.
****أو هل اتعبت بدنها بالعبادة المتواصلة ؟.
****أو هل ضربت بسيف في معركة جهادية مع الكفار ؟.
1 ـ وسائل الشيعة : حديث ( 1 ) من الباب ( 67 ) من أبواب أحكام الأولاد.
(9)
**** أو هل أنفقت من مالها إلى الفقراء ، والمعوزين لتنال بواحدٍ من هذه الأمور ، أو بأكثر كل هذا الثواب ؟.
**** ويأتي الجواب عقب هذه التساؤلات بكلمة ( لا )..
**** وإذا فلماذا نالت المرأة كل ذلك ؟.
**** ونتلمس الجواب واضحاً من خلال الحديث نفسه في قوله (ص) : « إذا حملت المرأة» الخ ...
**** فالحمل : هو السبب في نيلها هذه الدرجات الرفيعة. وأي إمرأة لا تحافظ على حملها إذا كان الأجر بهذا النوع من العطاء الجزل من الله سبحانه ؟.
**** أما في المرحلة الثانية : وهي المرحلة المتعقبة للولادة فنرى الحديث يشوق الأم لتغذية الطفل وضمه إلى صدرها بأن يمنحها بكل مصةٍ من ثديها ثواب عتق رقبة مؤمنة. وأخيراً يختتم الحديث بأن يزف إلى تلك الام المرعضة البشرى الكبرى بأنه بانتهاء عملية الرضاع لكل وجبة غذاء يقول لها ملك كريم : « إستأنفي العمل فقد غفر لك ».
**** بهذا الأسلوب الرقيق جاءت الشريعة لتحث الوالدة لتتولى بنفسها تغذية الولد في أدواره الاولى من هذه الحياة ولا تتركه عرضة تتلاقفه المرضعات بين أحضانهن لان لبنها مكيف تكييفاً مناسباً لحال الطفل ، وبنيته فالام تعذي الطفل بلبن دافىء معقم طبيعي حي غير متغير بالتسخين ، أو فاسد بالجراثيم أو مختلف عليه لو كان من مرضعة أخرى.
**** والطفل حين تضمه الأم إلى صدرها تلاعبه وتلاطفه وتغذيه من لبنها تشعره بدفء الحنان الأنثوي ، وبعاطفة الأمومة فيأنس الطفل بهذه العاطفة ، ويطمئن إلى مصدر هذا اللطف.
**** ولهذا نرى الأطباء ينصحون الامهات اللاتي يرضعن أولادهن

(10)
بالزجاجة أن لا يحرمن الطفل من هذه المداعبة والملاطفة لئلا يفقد الصغير الغذاء الروحي كما فقد اللبن منها.
**** وبنفس التقام الطفل لحلمة الثدي فائدة عظيمة حيث تتهيج الام بدغدغة هذا الموضع منها فتهيج عواطفها مما يبعثها على تقريب الطفل ، وضمه إليها وهي تشعر بالعطف المتزايد عليه وبهذا تشتد أواصر المحبة بينهما.
**** ويستمر التوجيه من الشارع المقدس للأبوين ليكملا ما بعد هذا الدور من أدوار الطفولة لينال الطفل تربية صالحة فالتربية الصالحة كفيلة بخلق جيل يحقق للأمة سعادتها وهنائها.
**** أما الأهمال ، وعدم الرعاية فنتيجته الحتمية هو ايجاد جيل ينخر في كيان الامة مما يؤدي إلى تدهورها ، وسقوطها.
**** ومن خلال هذه العناية بالطفل نرى اللطف الإلهي يتجلى في أظهر صوره حيث يتبنى مشكلة يعاني المجتمع منها في جميع الادوار والمراحل تلك هي مشكلة ( اليتامى ) الذين يفقدون اليد التي تحنو عليهم ، ويبقون عرضة لاعاصير هذه الحياة العاتية ومورداً خصباً لتجمع الرذائل ، والموبقات وبذلك تفقد الامة من أعضائها ما بهم تشد أزرها ، ويخسر المجتمع أفراداً كانت الاستفادة منهم حتمية لو حصل لهم من يبادلهم العطف ، واللطف ، والرعاية الطيبة.
**** ولذلك نرى الدين الاسلامي الحنيف يفرض على مجتمعه ويكلف كل فردٍ من أبنائه برعاية اليتيم ، والعناية به في سائر شؤون الحياة لئلا ينشأ فاقد التوجيه ، ويصبح عاهة في المجتمع العام ، فإهمال اليتيم يساوي إهمال المجتمع ، وهدم كيانه الحافظ للحياة الإنسانية العامة.
**** وإذاً فلكي نحافظ على مجتمعنا ، وندافع عن مصالحه يلزمنا القيام

(11)
برعاية اليتيم ، وسد الفراغ العاطفي منه ، وذلك باشغال شعور الطفل بما ينسى به فقد أبيه.

****من هو اليتيم ؟ :
****اليتيم : كما تطالعنا به كتب اللغة هو :
****الفرد من كل شيء. يقال : بيت يتيم ، وبلد يتيم. ومن الناس من فقد أباه.
****ومن البهائم من فقد أمه.
****وحيث كانت الكفالة في الإنسان منوطة بالاب كان فاقد الاب يتيماً دون من فقد أمه.
****وعلى العكس في البهائم ، فإن الكفالة حيث كانت منوطة بالام كذلك كان من فقد أمه يتمياً.
****وقد حدد اللغويون نهاية هذا العنوان فقال الليث : اليتيم ، الذي مات أبوه ، فهو يتيم حتى يبلغ الحلم فإذا بلغ زال عنه إسم اليتم.
****وهكذا قال غيره من علماء اللغة.
****تحديد عنوان اليتيم :
****ويتفق الفقهاء مع اللغويين بتحديد اليتيم إلى هذا الحد ، فهم يرون أن هذا العنوان يتمشى مع الطفل إلى حد البلوغ الشرعي ، والذي تقرره الشريعة المقدسة بظهور واحدٍ من علامات ثلاث :
****1 ـ إنهاء الطفل خمسة عشر عام من عمره إذا كان ذكراً ، وتسعة إذا كان إنثى.

(12)
****2 ـ إنبات الشعر على عانته.
****3 ـ الإحتلام بخروج المني منه ، أو الحيض من الانثى.
****حيث تنبىء هذه العلامات بوصوله إلى مدارك الرجال. وحينئذٍ ، فينتقل من مرحلة الطفولة ، وهي مرحلة عدم المسؤولية إلى مرحلة العبء الإجتماعي ، والمسؤولية الشرعية التي تفرض على الرجال البالغين.
**** ولم يقتصر إطلاق عنوان اليتيم على الطفل قبل بلوغه بل أطلق على البالغين أيضاً ، ولكنه إطلاق مجازي ، وليس باطلاق حقيقي كما كانوا يسمون النبي (ص) وهو كبير : «يتيم أبي طالب» ( عليه السلام ) لانه رباه بعد موت أبيه وفي الحديث : « تستأمر اليتمية في نفسها فإن سكتت فهو أدنها ».
**** اراد باليتيمة : البكر البالغة التي مات أبوها قبل بلوغها ، فلزمها إسم يتيم ، فدعيت به ، وهي بالغة مجازاً.

****سبب التسمية باليتيم
****الذي يظهر مما يقوله أهل اللغة في هذا الصدد هو : أن التسمية بهذا الاسم منشأها ... عدم الاعتناء الذي يلاقيه من فقد كفيله وهو بهذا السن من العمر حيث صرح بمثل ذلك من تضلع بتتبع هذا النوع من المصطلحات.
****يقول المفضل : أصل اليتم الغفلة ، وبه سمي اليتيم يتيماً لانه يتغافل عن بره.
****أما أبو عمر فقال اليتم : الإبطال ، ومنه أخذ اليتيم لأن البر يبطيء عنه (1).
1 ـ لاحظ للموضوع من ناحيته اللغوية : لسان العرب / مادة يتم. ومن الناحية الفقهية كافة المصادر الفقهية لجميع المذاهب.
(13)
****اليتيم في القرآن والسٌنة :
****ليس من السهل ضبط حصة اليتيم من السنة الكريمة على النحو الدقيق.
****أما حصته في القرآن الكريم فقد تعرضت الآيات له في اثنين وعشرين آية (1) مقسمة إلى أقسام ثلاثة :
****تعرض القسم الأول منها إلى بيان شمول اللطف الإلهي له في الشرائع السابقة ، والايصاء به.
**** أما القسم الثاني : فقد تعرض إلى بيان حقوقه الإجتماعية. وقد تركز القسم الثالث على بيان حقوقه المالية.
****كما وقد تناولت الآيات الكريمة بشكل خاص يتامى آل النبي محمد (ص) تمييزاً لهم في بعض الحقوق المالية عن بقية اليتامى لاداء بعض ما للنبي الاكرم (ص) من حق على الناس.

****اليتيم في الشرائع السابقة :
****لو لاحظنا اليتيم لرأيناه : طفلاً من الاطفال فقد كفيله ، وحرم من تلك العواطف الابوية ، ولكنه لم يفقد الرحمة الإلهية حيث إحاطته فكانت
1 ـ وهي كما يلي :
**** سورة البقرة : آية ( 83 ، 177 ، 215 ، 230 ).
**** وسورة النساء : آية ( 2 ـ 3 ، 6 ، 8 ، 10 ، 36 ، 137 ).
**** وسورة الأنعام : آية ( 153 ) ، وسورة الانفال آية ( 41 ) وسورة الاسراء آية : ( 17 ) وسورة الكهف : آية ( 82 ) ، وسورة الحشر : آية ( 7 ) وسورة الإنسان : آية ( 8 ) وسورة الفجر : آية ( 17 ) وسورة البلد : آية ( 15 ) وسورة الضحى آية ( 6 ، 9 ) وسورة الماعون آية ( 2 ).
(14)
له الحصة الوافرة في التشريع من الحث على ضرورة التزامه ، والامن بعدم التجاوز على حقوقه ، والترغيب في جلب مودته ، والتلطف به لئلا يشعر بالوحدة والانعزال ، ولئلا يكون فريسة لشهوات أولئك الذين لم تجد الرحمة إلى قلوبهم سبيلاً.
****ولم يكن هذا المعنى من مختصات شريعتنا الاسلامية المقدسة بل كانت هذه الرعاية سنة الله في خلقه قبل أن يقوم للاسلام كيان ، فرعاية اليتيم ، والمحافظة عليه كانت من جملة بنود الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل من قبل. فالقرآن الكريم يحدث النبي (ص) عن هذا الميثاق المقدس ويوضح له ذلك في الآية الكريمة التالية :
****« وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة » (1).
**** ولسنا الآن بصدد بيان أين ، ومتى أخذ هذا الميثاق ، بل المهم هو أن القرآن الكريم يعرض بنود هذا الميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل ، والذي هو ميثاق إلى جميع البشر من غير الاسرائيليين لعدم إختصاصهم به لانه الركائز الحقيقية لدين الله الحنيف في جميع شرائعه المقدسة ، وهي الاصول الثابتة لبناء مجمتمع متماسك الاطراف.
**** ومع الميثاق في بنوده :
****1 ـ لا تعبدون إلا الله :
****الاقرار بالله ، والتوحيد لذاته المقدسة هو البند الاول في هذا الميثاق الانساني ، وهو كل شيء ، وقبل كل شيء في هذه الحياة. فلا عبادة لغير
1 ـ سورة البقرة آية ( 83 ).
(15)
الله ، ولا خضوع لغير ذاته المقدسة ، فاليه لا بد من الاتجاه في كل صغيرة وكبيرة. وفي السراء والضراء لا بد من التوكل عليه ، والاتجاه لغيره هو الشرك الذي يفسد على الكون نظامه.
****« لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا » (1).
****فلا يستقيم نظام الكون لو فسحنا المجال لشريك يعبده الفرد. وكيف نتصور كوناً تحكمه إرادتان ، ولنفرض ان إحدى الارادتين توجهت لسلب شيء ، بينما كانت الاخرى تريد الايجاب. وهكذا في بقية المجالات التي يحصل فيها الاختلاف فأي الارادتين تتقدم ؟.
**** إذاً فلا بد من السير على النهج الذي يضمن للحياة استقامتها وللمجتمع سعادته ، وهذا ما لا يحصل إلا بتوحيد الله سبحانه والعبودية له.
**** « قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد. ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد » (2).
**** والشرك بعد كل هذا يسد طريق المغفرة على الانسان « إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » (3).
****وإذا انسد باب المغفرة في وجه الفرد ، فمصيره جهنم. وإذاً فالتوحيد هو اللبنة الاولى في سعادة الفرد ومن وراء ذلك سعادة المجتمع الموحد المتماسك الاطرف وإذا ما انتقلت الآية الكريمة تطالع الرسول الاعظم ببيان البند الثاني من ذلك الميثاق فاذا بها تصرح :
1 ـ سورة الانبياء : آية ( 23 ).
2 ـ سورة الاخلاص : الآيات ( 1 ـ 4 ).
3 ـ سورة النساء : آية ( 48 ).