التسجيل مكتبي الرسائل الخاصة الرئيسية البحث الخروج  
النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: من كلمات د/محمد عمارة

  1. #1

    افتراضي من كلمات د/محمد عمارة

    [11/27, 10:23 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية
    ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]
    أنظر مدى الاستجابة للأوامر والنواهي عند السلف والخلف لتعلم صدق المحبة من الكذب فيها، عن أبي أسيد الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {استأخرن فإنه ليس لَكُنَّ أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق} قال الراوي: فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. [رواه أبو داود] ولو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال أختي الكريمة.. لا نريدك تلتصقين بالجدار.. ولكن نريد البعد عن فتنة الرجال في مواقعهم!! وعدم إظهار الزينة... وعدم التطيب عند الخروج للأسواق.. وعدم تقديم التنازلات في الحجاب أو بعضه!! ولكن هذا لا يتأتى إلا بصدق محبة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومتابعته.. نماذج فريدة في الاتباع والمحبة ورد في قصة صلح الحديبية عن المسور بن مخرمة ومروان: .... ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه فقال: (والله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك.. وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إني ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً) [رواه البخاري]. عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يخطب فسمعه وهو يقول: {اجلسوا، فجلس رضي الله عنه فكان خارجاً عن المسجد حتى فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من خطبته، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: زادك الله حرصاً على طواعية الله وطواعية رسوله} [أخرجه ابن عساكر كما في كنز العمال وهو في الإصابة].
    عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة} قال: فكان زيد يروح إلى المسجد وسواكه على أذنه بموضع قلم الكاتب ما تقام الصلاة إلا استاك قبل أن يصلي. [رواه الترمذي وأبو داود وأحمد]. عن نافع قال: لو نظرت إلى ابن عمر رضي الله عنه إذا اتبع أثر النبي صلى الله عليه وسلم لقلت: هذا مجنون!! [رواه أبو نعيم في الحلية والحاكم].
    عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لو تركنا هذا الباب للنساء} قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات!! [ابن سعد في الطبقات، سير أعلام النبلاء].

    د. محمد عمارة
    [11/28, 9:26 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (225)
    ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 32]
    بدأت السورة بوحدانية الله، ثم تكلمت عن بعض صفات الله كالقدرة المطلقة وعلمه المحيط، وعن أحقيته للعبادة والخضوع، وعن الكتب السماوية وما اشتملت عليه من هدايات وعن محكم القرآن ومتشابهه، وعن رعاية الله- تعالى- لعباده المؤمنين، وعن وعيد الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم، وكون المال الذي جمعوه لن ينفعهم شيئا، وعن أنواع الشهوات التي يتعلق بها الإنسان وعما هو أفضل منها، وعن دين الإسلام وأنه هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وعن بعض الرذائل التي عرفت عن أكثر أهل الكتاب، وعن حث الناس على مراقبة الله- تعالى- وإخلاص العبادة له حتى يكونوا ممن يحبهم ويحبونه فيسعدوا في دينهم ودنياهم وآخرتهم.. أمرهم الله تعالى بأعم الأوامر وهو طاعته سبحانه ثم كرر الأمر مقرونا بطاعة نبيه فيما أخبر به أو فعله أو أقره وكأن الآية خطاب لواقع الحال الذي نعيشه في تأويل بعضهم لما يطاع النبي صلى الله عليه وسلم فيه من بعض الأقوال دون بعض أو ردهم لعموم السنة كما يزعم آخرون، إن الطاعة للرسول متلازمة لطاعة الله يتحقق بها الإيمان والتوحيد، وما هو من فروع ذلك من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، ويدخل في طاعته وطاعة رسوله اجتناب ما نهى عنه؛ لأن اجتنابه امتثالا لأمر الله هو من طاعته، فمن أطاع الله ورسوله فأولئك هم المفلحون ومن أعرض عن طاعة الله ورسوله فليس ثم أمر يرجع إليه إلا الكفر ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ﴾ بل يبغضهم ويمقتهم ويعاقبهم أشد العقوبة، فالآية الكريمة بيان وتفسير لاتباع رسوله في أوامره ونواهيه والتسليم لكل ما أخبر به عن الله وكونه صالحا لكل زمان ومكان
    د. محمد عمارة
    [11/29, 9:49 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية
    ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾
    الآيتان تتكلمان عن الطاعة، الآية الأولى طاعة النبي صلى الله عليه وسلم المطلقة لمن يرى محبته لله صادقا فيها أو كاذبا، ثم الآية الثانية تأكيد لتلك الطاعة لله ورسوله، وجمعهما للتأكيد على أن طاعة العبد لا تختلف في كل ما ورد عنهما فطاعة الله فرض على العبد وطاعة الرسول لا تختلف عنها، وترك الطاعة استخفافا بالأمر أو جحودا له كفر بالله تعالى ورسوله، حتى ولو زعم أنه مسلم وأنه محب وأنه مطيع فجحود الأوامر أكبر دليل على كفره، ومن ذلك استبدال شرع الله تعالى بغيره مما ترجحه العقول كفرا بأوامر الله تعالى وبغضا لها، ومن ذلك كفران السنة الصحيحة المتواترة التي اتفق عليها العلماء وافقت القرآن أو أثبتت أحكاما زائدة عليه، والله لا يحب الكافرين


    د. محمد عمارة
    [11/30, 10:40 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (226)
    ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
    جاء في تفسير البغوي "معالم التنزيل": قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً﴾ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ مِنْ أَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، يَعْنِي: إن الله اصطفى هَؤُلَاءِ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ.
    يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم عليه السلام، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة.
    واصطفى نوحا، عليه السلام، وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، لمّا عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به.
    واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد صلى الله عليه وسلم، وآل عمران، والمراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، عليهم السلام.
    والاصطفاء لبعض الخلق لزيادة أعمالهم وقوة يقينهم وما وقر في قلوبهم من الإيمان فضل من الله تعالى لعلمه سبحانه بهم وما يكونون عليه.

    د. محمد عمارة
    [12/1, 10:28 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (227)
    ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: 36].
    هذه الجملة جاءت في سياق قصة امرأة عمران، وهي والدة مريم ـ عليها السلام ـ يقول تعالى:
    وخلاصة القصة: أن امرأة عمران ـ وهي أم مريم ـ قد نذرت أن يكون مولودها القادم خادما لبيت المقدس، فلما وضعت مولودها، قالت معتذرة: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾؛ لأن قدرة الذكر على خدمة بيت المقدس، ومخالطة الرجال الذين يأتون إليه وربما مبيته فيه وانقطاعه إليه، وربما نوع العمل والذي نراه في حياتنا من خواص أعمال الرجال، والقيام بأعباء ذلك أكثر من الأنثى التي جبلها الله تعالى على الضعف البدني، وما يلحقها من العوارض الطبيعية التي تزيدها ضعفاً: كالحيض والنفاس.
    ومن اللطائف في تركيب هذه القاعدة: أن الله تعالى قال ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ هذا من كلام أم مريم وقد أقره القرآن الكريم حيث لم يبطله بالرد، ولو قالت: "وليست الأنثى كالذكر" لحصل المقصود، ولكن لما كان الذَّكر هو المقصود قُدّم في الذِّكر؛ ولأنه هو المرجو المأمول فهو أسبق إلى لفظ المتكلم.
    د. محمد عمارة
    [12/2, 9:32 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية
    ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: 36].
    لقد بين الشرع التفاوت بين الجنسين في مواضع وردت في القرآن والسنة، منها القوامة والشهادة والجهاد وصلاة الجمعة والجماعة، ومن يلزم بالنفقة والسعي على الأسرة، وأحكام السفر، وهذا هو حكم الله القدري: أن الذكر ليس كالأنثى، وهذا حكم الأعلم بالحِكَمِ والمصالح ـ، هذا كلام الذي خلق الخلق، وعَلِمَ ما بينهم من التفاوت والاختلاف: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، وقد تفرع على ذلك: اختلاف بين الذكر والأنثى في جملة من الأحكام الشرعية ـ وإن كانا في الأصل سواء ـ
    وهذا الاختلاف في الأحكام الشرعية بين الذكر والأنثى راجع إلى مراعاة طبيعة كل منهما من حيث الخلقة، والتركيب العقلي، والنفسي، وغير ذلك من صور الاختلاف التي لا ينكرها العقلاء والمنصفون من أي دين، وليعلم المؤمن هاهنا قاعدة تنفعه في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة، وهي: أن الشرع لا يمكن أن يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متناقضين، وشأن المؤمن الحق ألا يعارض الشرع بعقله القاصر، بل شأنه أن يتلمس الحكم من وراء ذلك التفريق، أو هذا الجمع، والتفريق بينهما في الأحكام بما يناسب كلا منهما.
    ومن توهم ـ من الجهال والسفهاء ـ أنهما سواء فقد أبطل دلالة القرآن والسنة على ذلك
    أما القرآن فإن القاعدة التي نخن بصدد الحديث عنها دليل واضح على هذا، وأما السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، فلو كانا متساويين لكان اللعنُُ باطلاً، ومعاذ الله أن يكون في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لغو أو باطل!

    د. محمد عمارة
    [12/3, 10:28 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (228)
    ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 38، 39].
    ما أجمل وأوضح وأرق وأعذب هذه الآيات
    رأى زكريا توكل مريم الأنثى التي كفلها وقام بشأنها ورأى من صلاحها وحسن أحوالها مع ربها ما جعل الرزق يأتيها في محرابها دون عناء أو مشقة، فاشتاق إلى الولد وهو الشيخ الكبير وزوجه العجوز العاقر، ولكن كرامات مريم دفعته إلى الدعاء، مد يد الضراعة لمن يملك العطاء مد حباله بالله فاتصلت فكانت القصة:
    دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه ذرية طيبة، أي: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم، فاستجاب الله له دعاءه، وبينما هو قائم في محرابه يتعبد لربه ويتضرع نادته الملائكة ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى عليه السلام، لأنه كان بكلمة الله ﴿ وسيدًا﴾ أي: يحصل له من الصفات الجميلة ما يكون به سيدا يرجع إليه في الأمور ﴿وحصورًا﴾ أي: ممنوعا من إتيان النساء، فليس في قلبه لهن شهوة، اشتغالا بخدمة ربه وطاعته ﴿ونبيًا من الصالحين﴾ فأي: بشارة أعظم من هذا الولد الذي حصلت البشارة بوجوده، وبكمال صفاته، وبكونه نبيا من الصالحين.

    د. محمد عمارة
    [12/4, 10:34 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (228)
    ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 38، 39].
    دعاء من عبد صالح رجا الذرية، وعطاءٌ واستجابةٌ من رب كريم يملك كل شيء ويقدر على كل شيء، الدعاء عبادة الصالحين يرد الله به القضاء، ويبلغ به الأماني، ويرفع به الدرجات، ويرفع شأن صاحبه، حينما تدعو فقط أيقن بقدرته على الإجابة، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
    زكريا بلغ به الكبر مبلغه وامرأته عاقر، قد يكون للحمل والإنجاب أسباب معقولة معلومة، ولكن العبرة في الآيات التأكيد على أن الأسباب بيد الله تعالى يغيرها سبحانه لزكريا كما غيرها لإبراهيم؛ ليحسن العبد اليقين فيه وحسن التوجه إليه، وليسأله ما شاء فهو رب كريم جواد ماجد واحد عطاؤه كلام وعذابه كلام إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

    د. محمد عمارة
    [12/5, 9:41 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية
    ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:39].
    هل كان واحدا أم جماعة من الملائكة؟ النص يوحي بأنهم عدد وإن صح لغة إطلاق الجماعة على الواحد، والشاهد هنا فرح الملائكة وبشارتهم بيحيى عليه السلام، وما يكون عليه من الخيرية والعبودية والطاعة لله، ووحي الله ومن اسمه وفعله يأتي الفرح به!
    واختلف العلماء لم سمي يحيى، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لِأَنَّ اللَّهَ أَحْيَا بِهِ عقر أمّه.
    وقال قتادة: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أحيا قلبه بالإيمان، وقيل: سمّي يحيى لأنه استشهد، والشهداء أحياء، وقيل: معناه يموت، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ حَتَّى لَمْ يَعْصِ وَلَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ.
    وسمي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَلِمَةَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: كُنْ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فَكَانَ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكَلِمَةِ لِأَنَّهُ بِهَا كَانَ.
    وَقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةً لِأَنَّهُ يُهْتَدَى بِهِ كَمَا يُهْتَدَى بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى.
    وَقِيلَ: هِيَ بِشَارَةُ اللَّهِ تَعَالَى لمريم بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، بكلامه على لسان جبريل عليه السلام.
    وقيل: لأن الله تعالى أخبر الأنبياء بكلامه في كتبه أنه يخلق نبيا بلا أب، فَسَمَّاهُ كَلِمَةً لِحُصُولِهِ بِذَلِكَ الْوَعْدِ، وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَدَّقَهُ، وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكْبَرَ مِنْ عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَانَا ابْنَيِ خالة، ثُمَّ قُتِلَ يَحْيَى قَبْلَ أَنْ يرفع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى السَّمَاءِ.
    د. محمد عمارة
    [12/6, 10:28 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية
    ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ * قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ﴾ [آل عمران 38- 41].
    تعجب زكريا عليه السلام من شدة فرحه ﴿رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ وكل واحد من الأمرين مانع من وجود الولد، فكيف وقد اجتمعا، فأخبره الله تعالى أن هذا خارق للعادة، فقال: ﴿كذلك الله يفعل ما يشاء﴾ فكما أنه تعالى قدر وجود الأولاد بالأسباب التي منها التناسل، فإذا أراد أن يوجدهم من غير ما سبب فعل، لأنه لا يستعصي عليه شيء، فقال زكريا عليه السلام استعجالا لهذا الأمر، وليحصل له كمال الطمأنينة. ﴿رب اجعل لي آية﴾ أي: علامة على وجود الولد قال ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا﴾ أي: ينحبس لسانك عن كلامهم من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا على الإشارة والرمز، وهذا آية عظيمة أن لا تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره، فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله أن يشكره ويكثر من ذكره بالعشي والإبكار، حتى إذا خرج على قومه من المحراب ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا﴾ أي: أول النهار وآخره.
    د. محمد عمارة
    [12/7, 10:16 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (228)


    ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
    تخاطب الملائكة مريم عليها السلام، عن أمر اللّه لهم بذلك أن اللّه تعالى قد اصطفاها، أي اختارها لاختيار أهلها على العالمين ولكثرة عبادتها وزهادتها، وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، ثم اختيارها مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين، عن رسول اللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: {خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيراً قط} رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة وأخرجه مسلم بنحوه.
    وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد) رواه الشيخان عن علي بن أبي طالب.
    وعن أنَس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (خير نساء العالمين أربع، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول اللّه) رواه ابن مردويه عن أنَس بن مالك.
    وفي البخاري: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع الركوع والسجود، والدأب في العمل لما يريد اللّه بها من الأمر الذي قدره اللّه وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين، بما أظهر اللّه فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولداً من غير أب.
    والآية تدل على مكانة مريم عليها السلام كما تدل على محبة عبادتها لذا طلبت منها الملائكة الاستزادة منها شكرا لله تعالى على ما وهبها.

    د. محمد عمارة
    [12/8, 9:33 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (229)

    ﴿ومكرُوا ومكَر اللهُ واللهُ خَيرُ الماكِرينَ﴾ [آل عمران: 54]
    في هذهِ الآيةِ أَسندَ اللهُ إلى نفسِه المكرَ، ومَكرُ اللهِ ليسَ كمَكرِ العباد، مَكْرُ الإنسانِ أن يُحاولَ إيصَالَ الضّررِ إلى إنسانٍ بطريقةٍ خفِيّةٍ يحتاجُ فيها إلى استعمالِ بعضِ الحِيَل، أما مكرُ اللهِ فليس هكذا، مَكرُ الله هو نفع للمظلوم ودفع للظالم ورد للمظالم، مكر الله تعالى كشف للحيل وإحاطة بالعبد.
    فمَكرُ العِبادِ مذمومٌ لأنه تعد وظلم، ومكرُ الله لا يُذَمُّ؛ لأنَّ اللهَ لا يجوزُ عليه الظُّلمُ، لا يكونُ ظالمـًا إن انتقَم مِن عبادِه الظّالمين بما يشَاءُ.

    فمَكْرُ الله إذا ليسَ بالمعنى الذي يُنسبُ المكرُ إلى العَبد، المكرُ بالنّسبَة للعَبد نَقصٌ أمّا مَكر الله بالماكرين ليسَ نقصًا بل دليلٌ على كمَال قُدرتِهِ معناه يمنع ظلمهم ويكشف مكرهم وربما يعاقبهم فيوصِلُ إليهمُ الضّررَ مِن حيثُ لا يَشعُرون.
    ومع ذلك فوصف الله تعالى بالمكر والكيد والاستهداف مقيد فلا يجوزُ تسميةُ اللهِ ناسِيًا ومَاكِرًا ومستَهزِئًا ومن سمّاهُ بذلك كفرَ؛ لأنّه استَخفَّ باللهِ، أما إذا قالَ على وجه المقابَلةِ أي الـمُشَاكَلةِ فلَيس فيه تنقيصٌ كما في قولِه تعالى ﴿ومَكرُوا ومكَرَ اللهُ﴾ وقولِه: ﴿نَسُوا اللهَ فنَسِيَهُم﴾.
    والـمُشاكَلةُ معناها مشَابهةُ اللفظِ للّفظِ مع اختِلاف المعنى: ﴿نَسُوا الله﴾ أي تَركوا طاعَته، ﴿فنَسِيَهُم﴾ أي تَركَ عَونَهُم وَنَجَاتهَم فتَركَهُم في العذاب، أو عاملهم معاملة من ينسى، أما المعنى الثاني فمحال في حقه فالله تعالى منزه عن كل نقص ومنه النسيان.

    د. محمد عمارة
    [12/9, 10:25 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية

    ﴿ومكرُوا ومكَر اللهُ واللهُ خَيرُ الماكِرينَ﴾
    إن الملأ الذين كفروا بعيسى ابن مريم عليه السلام من بني إسرائيل أرادوا أن يقتلوه ويصلبوه فحضروا إليه فألقى الله تعالى شبهه على رجل منهم هو من أراد أن يدلهم عليه، ورفع الله تعالى عيسى إلى السماء فقتلوا هذا الرجل الذي ألقي شبه عيسى عليه وصلبوه، وزعموا أنهم قتلوا عيسى ابن مريم رسول الله وقد أبطل الله دعواهم تلك في قوله (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم حين جاؤوا إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ليقتلوه وظنوا أنهم أدركوا مرادهم، فهذا من مكر الله تعالى بهم و المكر هو الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر وهو أعني المكر صفة مدح إذا كان واقعاً موقعه وفي محله ولهذا يذكره الله عز وجل واصفاً نفسه به في مقابلة من يمكرون بالله وبرسله فهنا قال (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) فالمكر صفة مدح في محله لأنه يدل على القوة وعلى العظمة وعلى الإحاطة بالخصم وعلى ضعف الخصم وعدم إدراكه ما يريده به خصمه بخلاف الخيانة فإن الخيانة صفة ذم مطلقا ولهذا لم يصف الله بها نفسه حتى في مقابلة من خانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أرادوا خيانته وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ولم يقل فقد خانوا الله فخانهم بل قال: ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾.
    فاللهم امكر لنا ولا تمكر بنا
    د. محمد عمارة
    [12/10, 10:18 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (230)

    ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. [آل عمران: 55]
    اختلف العلماء في معنى متوفيك في الآية من قائل إنها بمعنى النوم، أَيْ: قابضك من غير موتٍ وافياً تاماً أَيْ: لم ينالوا منك شيئاً، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ [الْمَائِدَةِ: 117] ، أَيْ: قَبَضْتَنِي إِلَى السَّمَاءِ وَأَنَا حَيٌّ، لِأَنَّ قَوْمَهُ إنما تنصّروا بعد رفعه لَا بَعْدَ مَوْتِهِ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنس: المراد بالتوفي النوم، وَكَانَ عِيسَى قَدْ نَامَ فَرَفَعَهُ اللَّهُ نَائِمًا إِلَى السَّمَاءِ، مَعْنَاهُ إني منيمك وَرَافِعُكَ إِلَيَّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: 60] ، أي: ينيمكم بالليل.
    وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ بِالتَّوَفِّي الْمَوْتُ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنِّي مُمِيتُكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السَّجْدَةِ: 11].
    وما لا خلاف فيه أن عيسى عليه السلام سوف ينزل إلى الأرض في آخر الزمان، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال: «والذي نفسي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، فيفيض الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُزُولِ عيسى عليه السلام قال: «يهلك الله فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيَهْلَكُ الدَّجَّالُ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ».
    وَقِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ: هَلْ تَجِدُ نُزُولَ عِيسَى فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قوله: وَكَهْلًا وهو لم يَكْتَهِلْ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ «وَكَهْلًا» بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ.
    د. محمد عمارة
    [12/11, 12:50 am] محمد عمارة: شبهة رقم (18)
    أ.د. محمد عمارة
    أستاذ الفقه بجامعة الأزهر
    وجامعة طيبة

    تناقل النصارى والشيعة وأخذ عنهم العلمانيون وأعداء الإسلام عامة على مواقعهم ومنتدياتهم شبهة (أكل الداجن للقرآن العظيم).
    ومستندهم في ذلك ما رواه مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن ِالْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: {لَقَدْ أُنْزِلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ، وَرَضَعَاتُ الْكَبِيرِ عَشْرٌ، فَكَانَتْ فِي وَرَقَةٍ تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِي، فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشَاغَلْنَا بِأَمْرِهِ، وَدَخَلَتْ دُوَيْبَةٌ لَنَا فَأَكَلَتْهَا} و في رواية بنفس السند {وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا}( ).
    وشبهتهم إن الداجن أكلت الصحيفة التي بها القرآن ولم يبق منها شيء، فمعنى ذلك أن القرآن تعرض للضياع والامتهان بأكل الداجن له!
    ==الجواب عن الشبهة.
    مشكلة هؤلاء أنهم لا يفرقون بين صحيح وضعيف، ولا يحسنون النية في الأحكام ولا في النصوص، ولا يسألون إذ جهلوا حكما أو معرفة أهل العلم، ولا يرجعون للحق فيما افتروا، ونقول جوابا عن هذه الفرية أو هذه الشبهة
    أولا: جهل هؤلاء اعتقاد المسلمين ويقينهم في أن كتاب الله تعالى محفوظ من كل تبديل أو تحريف أو نقص؛ لأنه الكتاب الخاتم، قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سورة الحجر الآية 9] وحفظ الله لكتابه ليس بمجرد بقائه في السطور، أو كونه مطبوعا في الأوراق، فحفظ الله أعم من ذلك، وما ذكر نوع من حفظ الله له للخلق، وهناك حفظ القلوب له وهو أعظم وهذا ما تميزت به الأمة في نقل كتاب ربها عن نبيها صلى الله عليه وسلم، وفي نقل سنته وسيرته، إذا فالقرآن الكريم محفوظ وسيحفظه الله إلى أن يرث الأرض ومن عليها.
    ثانيا: الرواية التي اعتمدوا عليها لا تصح أصلا، العلة: انفرد بها محمد ابن إسحاق وهو ثقة مدلس، وسند هذا الحديث ضعيف، ومحمد بن إسحاق لم يصرِّح بالسماع في شيءٍ من الطرق، ومع ذلك فهو مُخْتَلَفٌ في قبول ما ينفرد به لو صرَّح بالسماع، ويكفينا الأخذ بالعلَّة الْمُتَيَقَّنَة، وهي عدم تصريحه بالسماع.
    وهذا الحديث يرويه ابن إسحاق على ألوان، فمرة يرويه عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة، ومرة يرويه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة،
    ومرة يرويه عن الزهري عن عروة عن عائشة كما عند أحمد (6/269) وليس فيه هذه اللفظة المنكرة.
    وفي كل هذه الروايات نجد أن محمد بن إسحاق قد خالف الثقات في متن الحديث.
    إذا العلة في هذا الحديث هو محمد بن إسحاق فقد اضطرب في هذا الحديث وخالف غيره من الثقات.
    ثالثا: نقل الثقات للرواية: روى الإمام مالك رحمه الله في الموطأ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: {كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِك وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ} ( ).
    وروى الإمام مسلم في صحيحه: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: {كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ} ( ).
    إذن كما نرى رواية الإمام مسلم ومالك رحمهما الله لا تحتوي على الزيادة التي انفرد بها محمد بن إسحاق وفي هذه الحالة يكون قد خالف الثقات في متن الحديث.
    رابعا: أقوال العلماء في الرواية:
    يقول ابن قتيبة الدينوري رحمه الله: "ألفاظ حديث مالك خلاف ألفاظ حديث محمد بن إسحاق، ومالك أثبت عند أصحاب الحديث من محمد بن إسحاق". ( )
    وقال محققو مسند الإمام أحمد: " إسناده ضعيف لتفرد ابن إسحاق ـ وهو محمد ـ وفي متنه نكارة " ( )
    ويقول الألوسي رحمه الله: "وأما كون الزيادة كانت في صحيفة عند عائشة فأكلها الداجن، فمن وضع الملاحدة وكذبهم في أن ذلك ضاع بأكل الداجن من غير نسخ، كذا في الكشاف"( ).
    ويقول ابن حزم رحمه الله: "صح نسخ لفظها، وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة رضي الله عنها فأكلها الداجن، ولا حاجة بأحد إليها، وهكذا القول في آية الرضاعة ولا فرق، وبرهان هذا: أنهم قد حفظوها كما أوردنا، فلو كانت مثبتة في القرآن لما منع أكل الداجن للصحيفة من إثباتها في القرآن من حفظهم.
    فبيقين ندري أنه لا يختلف مسلمان في أن الله تعالى افترض التبليغ على رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه الصلاة والسلام قد بلغ كما أمر … فصح أن الآيات التي ذهبت لو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغها لبلغها، ولو بلغها لحفظت، ولو حفظت ما ضرها موته، كما لم يضر موته عليه السلام كل ما بلغ فقط من القرآن ( ).
    ويقول الباقلاني رحمه الله: "وليس على جديدِ الأرض أجهلُ ممن يظُنُ أن الرسولَ والصحابةَ كانوا جميعا يُهملون أمرَ القرآن ويعدِلون عن تحفُظه وإحرازِه، ويعوِّلون على إثباته في رقعةٍ تُجعَلُ تحتَ سريرِ عائشةَ وحدَها، وفي رقاعٍ ملقاةِ ممتهَنةٍ، حتى دخلَ داجنُ الحي فأكلَها!
    وما الذي كان تُرى يبعثُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على هذا التفريطِ والعجز والتواني، وهو صاحبُ الشريعة، والمأمورُ بحفظِه وصيانتِه ونصب الكَتَبةِ له، ويَحضُرُه خَلْقٌ كثيرٌ متبتلون لهذا الباب، ومنصوبون لكتبِ القرآن الذي يَنزِل، وكتبِ العهودِ والصلح والأمانات وغير ذلك مما نزل ويَحدُثُ بالرسول خاصةً وبه حاجةٌ إلى إثباته
    والرسولُ عليه السلامُ منصوبٌ للبيان وحِياطةِ القرآنِ وحفظِ الشريعةِ فقط، لا حرفةَ له ولا شيءَ يقطعُه من أمورِ الدنيا غيرُ ذلك إلا بنَصَبٍ يعود بنُصرةِ الدين وتوكيدِه، ويثبِتُ أمرَ القرآن ويُشِيدُه، وكيف يجوزُ في العادةِ أن يذهبَ على هؤلاءِ وعلى سائرِ الصحابةِ آيةُ الرضاع والرجمِ فلا يحفظها ويذكرها إلا عائشةُ وحدَها، لولا قلةُ التحصيلِ والذهابِ عن معرفةِ الضروراتِ، وما عليه تركيبُ الفِطَرِ والعادات.
    فقد بان بجملةِ ما وصفناه من حالِ الرسولِ والصحابةِ أنه لا يجوزُ أن يذهبَ عليهم شيءٌ من كتاب الله تعالى قلَّ أو كَثرُ، وأنّ العادةَ تُوجِبُ أن يكونوا أقربَ الناسِ إلى حفظِه وحراستِه وما نزلَ منه وما وقع وتاريخهِ وأسبابهِ وناسخِه ومنسوخِه ( ).
    وقال الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله: "ولو كان ما في هذا الحديث صحيحاً أن ذلك من كتاب الله؛ لكان مما لا يخالفه ولا يقول بغيره ( ).
    قال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في ج:3 ص:95، قوله: "وأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات الملاحدة والروافض".
    فتبين لنا مما سبق أن هذه الرواية المنكرة قد تفرد بها محمد بن إسحاق وخالف فيها الثقات، وهي رواية شاذة منكرة.
    وهذه بعض أقوال أهل العلم في حديث محمد بن إسحاق في غير المغازي والسير.
    قال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن نمير-وذكر ابن اسحاق-فقال: "إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة"( ).
    وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل قيل لأبي يحتج به -يعني ابن اسحاق- قال: (لم يكن يحتج به في السنن).
    وقيل لأحمد: إذا انفرد ابن اسحاق بحديث تقبله قال لا والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا- ( ).
    وقال أحمد (وأما ابن اسحاق فيكتب عنه هذه الأحاديث –يعني المغازي ونحوها- فإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوماً هكذا- قال أحمد ابن حنبل- بيده وضم يديه وأقام الإبهامين) ( ).
    وقال الذهبي "وأما في أحاديث الأحكام فينحط حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن إلا فيما شذ فيه، فإنه يعد منكراً"( ).
    وقال الذهبي في العلو صـ39 "وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند وله مناكير وعجائب" ا هـ
    [12/11, 12:50 am] محمد عمارة: شبهة رقم (19)
    لطم موسى ملك الموت وفقأ عينه

    أ.د. محمد عمارة
    أستاذ الفقه بجامعة الأزهر
    وجامعة طيبة
    الشبهة: أرسل ملك الموت إلى موسى فلما جاءه صكه (لطمه) ففقأ عينه (الحديث).
    الحديث رواه البخاري (3407) ومسلم (2372) وعنده زيادة (ففقأ عينه).
    استنكر هذا الحديث الروافض والعلمانيون وغيرهم، وقالوا: هذا لا يليق بنبي أن يغضب فيبطش بطش الجبارين.

    أولا: أثبت القرآن لموسى أنه لطم رجلا فقتله ثم قال إن هذا من عمل الشيطان، فهل يحكي القرآن خرافة لا تليق بالأنبياء؟
    ثانيا: نرد على الروافض خاصة بأن الرواية مثبتة في كتبهم كما في كتاب لآلئ الأخبار للتويسركاني ص91 والأنوار النعمانية 4/205 واستدل به الكاشاني على «أن الطباع البشرية مجبولة على كراهة الموت مطبوعة عن النفور منه. وقصة آدم مع طول عمره وإمداد أيام حياته مع داود مشهورة، وكذلك حكاية موسى مع ملك الموت» (المحجة البيضاء 4/209).
    ثالثا: وأما الرد على ضعاف العقول ممن شككوا في السنة لأجل هذا الحديث واعتبروه خرافة لا تصدق بأن موسى عليه السلام رأى رجلًا أجنبيا داخل بيته، لا يعلم كيف دخل ولا متى دخل، ثم إنه يقول له: أجب ربك، أي سلم روحك، هذا معنى الكلام، أي يريد أن يقتله يريد أن ينتزع روحه، ولا شك أن دفع الصائل مشروع، أي رجل يدخل عليك ليقتلك فقاومه حتى لو أدى ذلك إلى قتله، وهذا الذي فعله موسى عليه السلام مع ذلك الرجل، وهو لا يعلم أنه مَلك!
    صعد ملك الموت إلى الله تعالى: فقال: (إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت)، رد الله تعالى إليه عينه ونزل إلى موسى عليه السلام مرة أخرى، فقال له: أجب ربك، لماذا لم يفقأ عينه في هذه المرة كما فعل في المرة الأولى؟ لأن ملك الموت في المرة الأولى كان في صورة بشر يجري عليه ما يجري على البشر، وفي المرة الثانية جاء على صورته الأصلية، وملك الموت كان يأتي الأنبياء عيانًا كما رواه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح في هذه القصة أيضًا، فلما أراد الله أن يبتلي موسى نزل ملك الموت هذه المرة بغير صورته التي يعرفها موسى فلذلك فقأ عينه، فعندما رد الله – عز وجل- عليه عينه ونزل بصورته التي يعرفها موسى لم يفقأ عينه وعلم أن الأولى كانت اختبارًا وامتحانًا لذلك لم يفقأ عينه، ولا يستطيع ذلك موسى عليه السلام.
    يقول الإمام ابن حجر "إن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه إليه اختيارا. وإنما لطم موسى ملك الموت؛ لأنه رأى آدمياً دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت … وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين فلم يعرفاهم ابتداء، ولو عرفهم إبراهيم لما قدم لهم المأكول ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه" (فتح الباري 6/510).
    رابعا: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى: {لم يقبض نبيا حتى يخير} يخيره الله -عز وجل -بين الدنيا وبين الآخرة، كما رواه أبو سعيد الخدري في الصحيحين قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم-صعد المنبر يومًا فقال: {إن عبدًا خيره الله بين زهرة الحياة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده}، فبكى أبو بكر، وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، قال: فتعجبنا لهذا الشيخ لِمَ يبكي؟، وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو المخير خيره الله بين ما عنده وبين زهرة الحياة الدنيا ، فاختار ما عنده.
    فكل نبيٍ يخير ما بين أن يلقى الله وما بين أن يعيش يختار أن يلقى الله، ولذلك في آخر الحديث عندما قال: {أي ربي، ثم ماذا؟ قال: الموت، قال: فالآن} حينئذٍ خُير أنه يعيش بعدد سنوات شعر العجل أو أنه يلقى الله، فلما خُير وعلم أن ذلك من عند الله اختار ما عند الله، فعندما نزل عليه ملك الموت بغير صورته المعهودة وقال: أجب ربك أي سلم روحك، ولم يسبق أن نزلت علامة، أو علم موسى إن في علامة فظن أن هذا مفتري فعاقبه بفقأ عينه، ولذلك لم يفقأ عينه في المرة الثانية.
    وأما نزول الملائكة في صورة بشر فثبت بالكتاب والسنة أن الملائكة يتمثلون في صور الرجال، وقد يراهم كذلك بعض الأنبياء فيظنهم من بني آدم كما في قصتهم مع إبراهيم ومع لوط عليهما السلام، واقرأ من سورة هود الآيات 69-80، وقال في مريم عليها السلام: {فَـأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَـَتمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَـقِـيًّا} [مريم: 17].
    ومن ظهور الملائكة في صورة البشر ما حدث في غزوة بدر حين جاء جبريل ومعه الملائكة راكباً فرساً يلبس ثياب الحرب وبأعداد بلغت خمسة آلاف.. وقد كان يكفي جبريل وحده الذي دمر قوم لوط ورفعهم إلى السماء بطرف جناحه ثم أسقطهم على الأرض، ولكن ظهور الملائكة في غزوة بدر أخضعها لأحكام الوجود الإنساني فجاء بصورة الحرب المعروفة لدى البشر بكل عناصرها الأساسية الخيل.. زي الحرب.. العدد الكبير.. الضرب فوق الأعناق.
    وانظر كلام الشراح في بيان معناه، مثل شرح مسلم للنووي (15/128) وفتح الباري لابن حجر (6/441).
    والشاهد أن الملك إذا تمثل في صورة بشر جرى عليه ما يجري على صاحب الصورة التي نزل عليها، وهذا ما حدث مع موسى عليه السلام ومَلك الموت.
    [12/11, 10:22 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية

    ﴿...... وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. [آل عمران: 55]
    أَيْ: مُخْرِجُكَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَمُنْجِيكَ مِنْهُمْ، وتأمل (ومطهرك من الذين كفروا) إنه تأكيد على نجاسة الكافرين لسوء اعتقادهم فالله عز وحل مطهره بإيمانه من رجس الكافرين.
    وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
    وعدٌ من الله تعالى لأتباع عيسى عليه السلام أن يجعلهم فوق أهل الكفر إلى يوم القيامة، وقد اختلف أهل العلم فيمن عناهم الله تعالى بالذين اتبعوا عيسى عليه السلام، في هذه الآية:
    فقال بعضهم: إن أتباعه هم أهل الإيمان في زمانه، وأهل الإسلام بعد بعثة رسول الله. وبيان ذلك: أن اتباع عيسى عليه السلام يقتضي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الفوقية بحسبها.
    وقال بعضهم، وجاعل النصارى فوق اليهود، وهو ظاهر، فتكون الآية مخبرة عن: "إذلال اليهود وعقوبتهم، بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة".
    وقال بعض أهل التفسير: "إن المراد: المتبعون له في وقت استنصاره، وهم الحواريون جعلهم الله فوق الكافرين؛ لأنه شرفهم وأبقى لهم في الصالحين ذكرا، فهم فوقهم بالحجة والبرهان، وما ظهر عليهم من أمارات رضوان الله".
    ثم اختلفوا أيضًا في المراد بالفوقية هنا، هل هي فوقية دينية، وهي فضلهم عليهم في حسن الأخلاق، وكمال الآداب، والقرب من الحق، والبعد من الباطل، أم فوقية دنيوية: وهي كونهم أصحاب السيادة عليهم، على قولين.
    وأرى أن تطهير الله تعالى لعيسى عليه السلام من الذين كفروا هو عدم شرفهم بالانتساب الحقيقي إليه فلقد بدلوا وغيروا دينه، فإنهم لا يستأهلون ذلك؛ لأنهم رفعوه إلى منزلة ليست له، ولذلك تبرأ منهم: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به} ثم إنه عليه السلام عندما ينزل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل الجزية وكلها من خواص النصارى، فلا يقبل منهم إلا الإسلام الحق الذي جاء به جميع الأنبياء.

    د. محمد عمارة
    [12/12, 2:59 am] محمد عمارة: شبهة رقم (21)
    دعوى تعارض أحاديث القتل مع القرآن الكريم
    أ.د. محمد عمارة
    أستاذ الفقه بجامعة الأزهر
    وجامعة طيبة
    يدعي بعض المشككين تعارض حديث: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار…}، مع قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} [الحجرات: 9]، فكيف يحكم الرسول – صلى الله عليه وسلم – على القاتل والمقتول إذا التقيا بسيفيهما أنهما في النار، وهذه الآية تأمر المؤمنين إن اقتتلت طائفتان منهم أن يصلحوا بينهما، وهل يأمر الله بالإصلاح بين طائفتين من أهل النار؟!
    رامين من وراء ذلك إلى الطعن في السنة النبوية وبيان مخالفتها للقرآن الكريم.
    وجه إبطال الشبهة:
    هذه إشكالية كبرى يعيشها أعداء السنن بل أعداء الدين وصدق نبينا صلى الله عليه وسلم: {إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه} فلا آلية عندهم للاجتهاد، ولا يسألون إذ جهلوا أمور دينهم، وإنما يقرأون أو يسمعون فيرددون كالببغاوات دون روية أو تفكر أو حتى سؤال أو رد لأهل العلم؛ وهذا يؤكد خبث نواياهم وسوء معتقداتهم، وأن ما يخفون أعظم مما يظهرون، فيقبلون أي سنة إلا سنة الإسلام ويرضون جميع الأحكام إلا حكم الله تعالى وإن جرى على ألسنتهم خلاف ذلك، ومن ثم فإن ما ظنوه تعارضا بين الآية والحديث فلا تعارض فيه بحال لأن موضوع الآية غير موضوع الحديث.
    إذا لا تعارض بين قوله صلى الله عليه وسلم: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما…} ( ) وقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: ٩]؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه». فجزاء المقتول بالنار؛ لأنه كان مصرا ومتعمدا قتل صاحبه.
    والحديث في أعلى درجات الصحة؛ لاتفاق الشيخين على إيراده في صحيحيهما، ولا حق لهم فيما ذهبوا إليه؛ لأن موضوع الحديث غير موضوع الآية، فالحديث قد وردت له تكملة وهي قول أبي بكرة – راوي الحديث – لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: {إنه كان حريصا على قتل صاحبه}، وهذه التكملة للحديث معناها أن المسلم الذي يتعمد ويحرص على الخروج لقتل أخيه المسلم يدخل النار، وينطبق هذا على القاتل والمقتول؛ لوجود الحرص والإصرار على القتل لديهما، ولا يدخل في القتل المدافع عن ماله أو دينه أو عرضه أو نفسه؛ لأن هناك فرقا شاسعا بين قتال المسلم عن عرضه ونفسه ودينه وماله، وبين قتال المسلم أخاه المسلم بغير سبب شرعي، فقد ورد في الحديث الشريف: {من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد}( )، فهذه أنواع من القتال المشروع بموجب هذه النصوص، ولا يوجد أي مظهر من مظاهر التعارض بين هذه الأحاديث.
    أما الآية فموضوعها مختلف تماما، فهي تختص بمن لم يكن متعمدا القتل، وإنما كان متأولا؛ لرد بغاة أو نصرة مظلوم، أو توحيد كلمة المسلمين ولم شملهم، أو تعذير خارج عن الدولة، وما إلى ذلك مما لا تعمد فيه.
    [12/12, 10:18 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية

    ﴿......وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. [آل عمران: 55]

    كان الذين اتبعوه على دينه الذي لم يبدل، قد جعلهم الله فوق اليهود، وأيضا: فالنصارى فوق اليهود الذين كفروا به إلى يوم القيامة.
    وأما المسلمون فهم مؤمنون به، ليسوا كافرين به، بل لما بدل النصارى دينه، وبعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بدين الله الذي بعث به المسيح وغيره من الأنبياء، جعل الله محمدا وأمته فوق النصارى إلى يوم القيامة.
    فكل من كان أتم إيمانا بالله ورسله كان أحق بنصر الله تعالى
    يقول ابن كثير: " {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}، وهكذا وقع؛ فإن المسيح، عليه السلام، لما رفعه الله إلى السماء تفرقت أصحابه شيعا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة، وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورد على كل فريق.
    فاستمروا كذلك قريبا من ثلاثمائة سنة، ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان، يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه، إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه. ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة -التي هي الخيانة الحقيرة-وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون.
    وصار دين المسيح، دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة الملكية منهم.
    وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيدهم الله عليهم؛ لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارا.
    فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض؛ إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي، خاتم الرسل، وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته، الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته، مع ما قد حرفوا وبدلوا.
    ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخ الله بشريعته شريعة جميع الرسل، بما بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم من الدين الحق، الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائما منصورا ظاهرا على كل دين.
    فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم، عز وجل، في قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} الآية [النور: 65].
    د. محمد عمارة
    [12/13, 9:54 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (231)
    {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ* وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 56، 57].
    يلاحظ في الآية وما سبقها من آيات الله تعالى استخدم ضمير الخطاب المفرد مع المسيح عليه السلام في قوله (متوفيك، ورافعك، ومطهرك، وجاعل، ثم إلي مرجعكم، فأحكم، فأعذبهم) وهذه الآيات ليسهل تصورها: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين}.
    فالأسلوب هنا بالإفراد اقتضاه السياق، وفيه أيضا تأكيد وحدانية الله ورد على من زعم أن الله ثالث ثلاثة.
    ولما كان المقام مقام التهديد والوعيد أضاف الباري تبارك وتعالى عذابهم إلى نفسه، ومن تولى الله عذابه فمن ينصره بعد ذلك؟
    ثم نجد التفاتا في الآية التالية التي في حق المؤمنين على قراءة عاصم " فيوفيهم " فهو مشعر بمقام آخر يليق بحال المؤمنين المختلف عن حال ومقام المكذبين الظالمين، فكأنه ينقل السامع إلى مقام آخر يشعر بالأمن والتكريم بعيدا عن ذلك المقام المشحون بالتهديد والوعيد.
    وأما على قراءة الجمهور " فنوفيهم" فهو مشعر بعظمة التكريم وعظمة مقدار الأجور التي أعدها الله لعباده المؤمنين.
    وأسلوب الالتفات في الخطاب؛ أبلغ في البشارة، وأزجر في النذارة، وتفنن في الفصاحة، والالتفات إلى صيغة الغائب في ذكر الإثابة للمؤمنين بقوله: (فيوفيهم) وذكر التعذيب للكافرين بقوله (فأعذبهم) للاختلاف الظاهر بين حال المؤمنين وحال الكافرين، ولما كان سياق الحديث عن المخالفين قدمهم، وخاطبهم بقوله: (فأعذبهم) لبيان إذلالهم.
    د. محمد عمارة
    [12/14, 9:39 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية (232)
    ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 59-60].
    قدِم على النبي صلى الله عليه وسلم وفدٌ من نصارى نجران، وناظروه في المسيح- عليه السلام- وأنزل الله تعالى فيه ما أنزل، فبين فيه قول الحق الذي اختلفت فيه اليهود، والنصارى؛ وذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: 34].
    أما اليهود فقالوا في المسيح: إنه ولِدَ- كما يولَد الناس- من ذكر وأنثى، وإن ميلاده كان على فراش الإثم والفاحشة.
    وأما النصارى فقد قصُرَت مداركهم عن إدراك قدرة الله تعالى، فلم تحتمل عقولهم تلك الحقيقة، وهي أن الله تعالى قدير على كل شيء، يخلق ممَّا يشاء، وكيف يشاء ما يشاء من يشاء، فقالوا في المسيح: إنه ابْنُ الله؛ كما قالت اليهود: عُزَيْرٌ بْنُ الله، فردَّ الله تعالى عليهم قولهم، ووبَّخهم على افترائهم وكذبهم بقوله: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30]. وضرب لهم مثلا في الخلق وهو آدم عليه السلام بل هو أقوى في دلالة القدرة فإذا كان عيس ولد لغير أب فهناك من خلقه الله تعالى لغير أبوين وهو آدم عليه السلام، وأقرب مثل لعيسى عند الله تعالى هو مثل آدم، فأيهما أعظم في الإعجاز، وعلى الرغم من ذلك توقفت عقولهم عن الإدراك وأصروا على ما هم عليه من الاعتقاد بأن عيسى ابن الله أو الله أو غير ذلك، والعرب تضرب الأمثال لبيان ما خفيَ معناه، ودقَّ إيضاحه. ولمَّا خفي سِرُّ ولادة عيسى- عليه السلام- من غير أب؛ لأنه خالف المعروف، ضرب الله تعالى له المثل بآدم الذي استقرَّ في الأذهان، وعُلِمَ أنه خُلِقَ من غير أب، ولا أمٍّ.
    وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ مشبَّهٌ. وقوله: ﴿كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ مشبَّه به. ولا بد من مشابهة معنوية بين من ضُرِبَ له المثل، ومن ضُرِبَ به من وجه واحد، أو أكثر، ولا يُشْترَط المشابهة بينهما في جميع الوجوه. والمعنى الذي وقعت فيه المشابهة بين آدم، وعيسى- عليهما السلام- كونُ كل واحد منهما خلق من غير أب.
    فإذا جاز ادعاء البُنُوة والإلهيَّة في عيسى لكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ادِّعائها في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل. وإذا كان ذلك باطلاً، فدَعْواه في عيسى أشدُّ بطلانًا، وأظهر فسادًا، لأنه خلق من غير أب، وآدم خلق من غير أب وأم.
    د. محمد عمارة
    [12/15, 9:30 pm] محمد عمارة: تأملات قرآنية
    ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 59-60].
    قد يسأل سائل ما الغرض من التشبيه الوارد في الآية؟ والجواب بأن الغرض من التشبيه في هذا المثل هو إقامة الدليل والحجة على المحاجين بخلق عيسى عليه السلام من غير أب، مع اعترافهم بخلق آدم من غير أب وأم، فشبه الغريب بالأغرب، والبعيد بالأبعد. فإذا اعترف بالأغرب والأبعد، كان الاعتراف بالغريب والبعيد أولى، وهذا يقتضي حسم النزاع.
    وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ المراد به: أن نسبة المسيح إلى الله تعالى لا تزيد على نسبة آدم إليه شيئًا، في كونه خلْقًا غيرَ معتاد للمحاجِّين فيه. وإنما ذكر تعالى هذا القيد الذي قيَّد به مثل عيسى؛ لأنهم جعلوا خلقه العجيب موجبًا للمسيح نسبة خاصة عند الله، وهي البُنُوَّة والإلهيّة، فكان لابد من ذكر هذا القيد.
    فإن قيل: لماذا خلق الله تعالى عيسى من أنثى بلا ذكر خلافًا للمعتاد؟ فالجواب عن ذلك: أن الله جل جلاله أراد أن يظهر قدرته لخلقه، وأن يبين عموم هذه القدرة في خلق النوع البشري على الأقسام الممكنة، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]، وخلق عيسى– عليه السلام- من أنثى بلا ذكر، وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى؛ كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: 13].
    د. محمد عمارة

    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ

    رحمة الله عليك ياأبي*

    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،

    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  2. #2
    قلب كبير
    تاريخ التسجيل
    Nov 2018
    المشاركات
    429

    افتراضي رد: من كلمات د/محمد عمارة

    بارك الله فيك و نفع بك
    و جزاك الله خيرا على هذا النقل الطيب
    لا حول و لا قوة إلا بالله

المواضيع المتشابهه

  1. تعالوا نختار كلمات الصباح
    بواسطة ست الحبايب في المنتدى أستراحة المنتدى
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 12-09-2018, 12:53 PM
  2. تتمة ما كتب الاستاذ محمد عمارة
    بواسطة ست الحبايب في المنتدى المنتدى الاسلامي العام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 11-28-2018, 08:01 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •