التسجيل مكتبي الرسائل الخاصة الرئيسية البحث الخروج  
صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234
النتائج 61 إلى 69 من 69

الموضوع: القرآن منهاج الحياة

  1. #61

    افتراضي رد: القرآن منهاج الحياة

    القسم: الفصل الرابع: تحريم الزنى وعقوبته
    سورة النور(24)
    قال الله تعالى: {سورةٌ أَنْزَلناها وفَرضْناها وأَنْزلنا فيها آياتٍ بيِّناتٍ لعلَّكم تَذَكَّرون(1) الزَّانيةُ والزَّاني فاجْلِدوا كلَّ واحدٍ منهما مائةَ جلدةٍ ولا تأْخذْكُم بهما رأْفَةٌ في دينِ الله إن كنتم تؤمنونَ بالله واليومِ الآخرِ وَلْيَشْهدْ عذابَهُما طائفةٌ من المؤمنين(2)}
    سورة النور(24)
    وقال أيضاً: {إنَّ الَّذين يُحبُّونَ أن تَشِيعَ الفاحشَةُ في الَّذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدُّنيا والآخرةِ والله يعلمُ وأنتم لا تعلمون(19) ولولا فضْلُ الله عليكم ورحمَتُهُ وأنَّ الله رؤوفٌ رحيم(20) ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تتَّبِعوا خُطُواتِ الشَّيطانِ ومن يتَّبعْ خُطُواتِ الشَّيطانِ فإنَّه يأمرُ بالفحشاءِ والمنكرِ ولولا فضْلُ الله عليكم ورحمَتُهُ ما زَكَى منكم من أحدٍ أبداً ولكنَّ الله يُزكِّي من يشاءُ والله سميعٌ عليم(21)}
    ومضات:
    ـ إن جريمة الزنى من أشدِّ الأخطار الَّتي تصيب صميم المجتمع في ضميره وشرفه ووجدانه وصحَّته، لأنها تجعل منه مجتمعاً منحلاً أخلاقياً، ومنهاراً اجتماعياً وصحِّياً.
    ـ الغريزة الجنسية قوَّة فطرية جامحة لا يستطيع المرء لجمها ووضعها في المسار الصحيح إلا بعون الله تعالى ورعايته؛ وبما يملأ قلبه من حبِّ الله وخشيته؛ فتزكو النفس المريضة، وتكتسب المناعة ضدَّ دوافع الشهوة والانحراف.
    ـ إن الكثير من أبناء الدول المتحضرة الَّذين يدرسون الإسلام يرغبون في تطبيق تعاليمه في مجتمعاتهم؛ لكي يتجنَّبوا الأمراض الناجمة عن الفُحش والإباحية.
    في رحاب الآيات:
    يكاد يكون المحور الأساسي الَّذي تدور حوله سورة النور مقتصراً على عملية التربية، الَّتي تشتدُّ في وسائلها إلى درجة تطبيق الحدود كعقاب رادع، وترِقُّ في أسلوبها إلى درجة الاحتكاك مع الإنسان باللمسات الوجدانية الرقيقة، الَّتي تصل القلب بنور الله وآياته المبثوثة في كلِّ مخلوقٍ في هذا الكون الفسيح، وفي ثنايا الحياة الَّتي يعجُّ بها، والهدف واحد في كلٍّ من حالتي الشدَّة واللين ألا وهو تربية الضمائر، وترقية المقاييس الأخلاقية للحياة.
    وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على أحكام عامَّة تتعلَّق بالأسرة الَّتي هي النواة الأولى للمجتمع الأكبر؛ ووضَّحت الآداب الاجتماعية الَّتي يجب أن يتمسَّك بها المؤمنون بدءاً من الاستئذان عند الدخول، إلى غضِّ البصر، وحفظ الفرج، وتقييد الاختلاط، كما ذكرت ما ينبغي أن تكون عليه الأسرة المسلمة من العفاف والستر والطهارة والنزاهة، صيانة لها، وحفاظاً عليها من عوامل التفكُّك والانهيار الخلقي. كذلك ذُكرت في هذه السورة بعض الحدود الشرعية كحدِّ الزنى وقذف المحصنات (الاتِّهام بالزنا من غير دليل)، وهذه الحدود إنما شُرعت تطهيراً للمجتمع من الفساد والفوضى، والتحلُّل الخلقي وحفظاً للأمَّة من عوامل التردِّي في مهاوي الإباحية والفجور، الَّتي تسبِّب ضياع الأنساب وذهاب العرض والشرف.. إضافة إلى الأمراض الجسدية الفتَّاكة والمعضلات الاجتماعية الَّتي تنتج عنها. وباختصار فإن هذه السورة عالجت أموراً تخصُّ الأسرة من النواحي الأخلاقية والأدبية والشرعية والصحِّية، وتعرَّضت كذلك لما هو سبب لإشاعة الفاحشة بين الناس، وغير ذلك ممَّا يُعَدُّ علاجاً للأمراض الاجتماعية والمفاسد الخُلقية الَّتي تفتك بالأسرة والمجتمع، إضافة إلى ما فيها من آداب سامية وحكم عالية، وإرشادات سديدة إلى أسس الحياة الفاضلة، وما يجب أن تكون عليه بيوت المؤمنين من النزاهة والعِفَّة والاستقامة والطهر.
    وقد تعرَّضت السورة الكريمة للحديث عن الزنى لأنه يُعَدُّ في نظر الإسلام جريمة نكراء، فهو قتلٌ من نواحٍ شتى، إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادَّة الحياة في غير موضعها الشرعي، وهو قتل للجماعة من جانب آخر، إذ أن سهولة قضاء الشهوة عن طريق الزنى يجعل الحياة الزوجية أمراً ثانوياً، فتصبح الأسرة وأعباؤها تَبِعةً لا داعي لها، وما من أمَّة فشت فيها الفاحشة إلا كانت عاقبتها الانحلال والدمار؛ منذ قديم الزمان وحتَّى يومنا هذا.
    والله جلَّ وعلا، بحكمته البالغة، أوجد الارتباط بين الذكر والأنثى بالشكل المنظم والمضمون، الَّذي يكفل الحقوق للطرفين وللأولاد، وارتقى بهذه العلاقة إلى المستوى الإنساني الكريم، فحماها من التردِّي إلى الدرك البهيمي الذميم. لقد وضع الإسلام العلاقة بين الزوجين في دائرة الطهارة والعفاف، عن طريق الزواج الشرعي الَّذي يحقِّق الهدف النبيل، والغاية الإنسانية المُثلى، في بقاء النوع الإنساني كما قال تعالى: {والله جعلَ لكم من أنفسِكُم أزواجاً وجعلَ لكم من أزواجِكُم بنينَ وحفدة..} (16 النحل آية 72).
    وإذا استقرأنا الواقع وجدنا أن الحضارة الأوربية الَّتي عاشت عشرات السنين وهي تدعو إلى الحرِّية المطلقة، بما في ذلك الحرِّية الجنسية، قد بدأت اليوم تحصد هي وأنصارها نتائج هذا الانفلات من قيود الفضيلة، أمراضاً وأوبئة تفتك بالمذنب بشكل مباشر، كما تفتك بالبريء بشكل غير مباشر عن طريق الوراثة والعدوى ونقل الدم؛ حيث يولد الطفل مصاباً بالمرض الَّذي تحمله الأم الجانية أو الأب الآثم، أو يصاب بمرض كاليرقان فيضطر الطبيب إلى إعطائه دماً تعويضياً، ثم يظهر أن هذا الدم ملوَّث بجرثوم الإيدز. وفي مثل هذه الحالة لو عُرِض الأمر على القضاء وسمح القاضي لوالد هذا الطفل أن يقتصَّ من الجاني الحقيقي الَّذي عاث في الأعراض فساداً كما يشاء، فهل سيكتفي هذا الوالد المتحضِّر بعقابه مئة جلدة، أم أنها ستكون عقوبة صارمة جداً؛ يقتلع بها جذور الشرِّ من أعماق المجتمع الإنساني؟. إن الغربيين لا يعدُّون الزنى جريمة يعاقب عليها القانون إلا إذا تمَّ بالإكراه، أمَّا إذا كان بالرضا فإنه برأيهم لا يستوجب العقوبة لأنه يخلو حينئذٍ من فكرة العدوان، ونتيجة لهذه النظرة المادِّية البحتة والواقع العملي الَّذي نتج عنها، فقد فسدت الروابط العائلية بينهم، وتخرَّبت الأسرة، وانتشرت الأوبئة والجرائم الخُلُقية في مجتمعاتهم. فإذا سلكنا مسلكهم في ذلك نالنا ما نالهم، فالحذرَ الحذرَ من الانزلاق إلى منزلقاتهم، لاسيَّما وقد بدأت بؤر من العدوى تظهر بيننا؛ إنها صرخة الغيور على مجتمعه وأمَّته كي تعتصم بحبل الله وشرعه الكريم، وبذلك تمتطي قارب النجاة في هذا البحر الهادر فتتحقَّق سلامتها بعون الله تعالى.
    والقرآن الكريم يحذِّر من مجرَّد مقاربة ما يفضي إلى الزنى بقوله تعالى: {ولا تَقرَبوا الزِّنا إنَّه كان فاحشةً وساءَ سبيلا} (17 الإسراء آية 32) وهي مبالغة في التحرز؛ لأن الزنى تدفع إليه شهوة عنيفة، لكنها لا تتولَّد بلا أسباب، فإذا ما باشر الإنسان أسبابها ودواعيها لم يبق هناك ضمان لكبحها. لذلك فالإسلام يكره الاختلاط في غير ضرورة، ويحرِّم الخلوة، ويأمر بغضِّ النظر، وينهى عن التبرُّج، ويحضُّ على الزواج لمن استطاع، ويوصي بالصَّوم من لا يستطيع، ويجعل من كلِّ حاجز يمنع من الزواج مكروهاً، وينفي الخوف من العَيْلة والإملاق بسبب الأولاد، ويحضُّ على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصِّنوا أنفسهم؛ وفي مقابل ذلك كلِّه فإنه شدَّد العقوبة على من يقع في الزنا، وحدَّدها على الشكل التالي:
    1 ـ عقوبة المُحْصَنَيْنِ (المتزوِّجَيْنِ): إن كان الزانيان مُحْصَنَيْنِ وكانا بالغين عاقلين، حُرَّين، مسلمين، متزوِّجَين بعقد صحيح، وجب رجمهما حتَّى الموت، ويكون ذلك على مرأى من المسلمين ليعتبروا بهما؛ وقد ثبت هذا بالسُّنة برواية الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم .
    2 ـ عقوبة غير المُحْصنين: إذا كان الزانيان غير محصنين (أي لم يسبق لهما زواج)، فالعقوبة مائة جلدة لكلٍّ منهما بحضور جمعٍ من المسلمين، كما مرَّ معنا في الآية الكريمة.
    ولما كان الزنى جريمة منكرة وكانت عقوبته عقوبة صارمة وهي (الجلد أو الرجم) فقد شرطت الشريعة الإسلامية شهادة الشهود لإثبات جريمة الزنى، وأخضعت هذه الشهادة لشروط شديدة حاسمة، بتحقُّقها يُقام الحد، وهي:
    أوَّلاً: أن يكون الشهود أربعة لقوله تعالى: {واللاَّتي يَأتِيْنَ الفاحشةَ من نسائِكُم فاستشهدوا عليهِنَّ أربعةً منكم..} (4 النساء آية 15) وقوله أيضاً: {والَّذين يرمونَ المحصناتِ ثمَّ لم يأتوا بأربعةِ شهداءَ فاجلدوهم ثمانينَ جلدةً..} (24 النور آية 4) بخلاف سائر القضايا فإنه يُقبَل فيها شهادة اثنين فقط.
    ثانياً: أن يكون الشهود ذكوراً من أهل العدالة ــ كما في كلِّ شهادة ـ لقوله تعالى: {..وأَشْهدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم..} (65 الطلاق آية 2).
    ثالثاً: أن يكون الشهود مسلمين عاقلين بالغين.
    رابعاً: أن يكونوا قد رأوا الجريمة بتفاصيلها ودقائقها بأعينهم (أي أن يروا ما يمكن وصفه بالمِيل في المُكحُلَة)، بهذا الوضوح التام الَّذي لا شبهة فيه على الإطلاق، وهذا بلاشك لا يمكن أن يتحقَّق أو يُتَصوَّر إلا إذا كان الزانيان يباشران جريمتهما بشكل مكشوف كما يفعل الحيوان.
    خامساً: اتحاد المجلس بأن يشهد الشهود مجتمعين، فإن جاؤوا متفرقين لا تقبل شهادتهم.
    وكان غرض الشارع من هذا التشديد أن يسدَّ السبيل على الَّذين يتَّهمون الأبرياء ظلماً ويقذفون المحصنات بهتاناً، كلُّ ذلك بغية حماية الإنسان أن تطاله العقوبة وهو بريء من فعل ما يوجبها، إذ أن غرض الإسلام منها هو الردع عن ممارسة أسبابها؛ لا إيقاعها بالفعل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادرؤوا الحدود بالشُّبُهات» (رواه الخمسة) فربَّما كانا في فراش واحد ولم تحصل منهما جريمة الزنى.
    كما يمكن إثبات الزنى عن طريق الإقرار، بأن يشهد الشخص على نفسه ويعترف اعترافاً صريحاً بالزنى. وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم باعتراف ماعز والغامدية، وأقام عليهما الحدَّ بعد إصرارهما على الاعتراف ولم يكلِّفهما البيِّنة، ولكن التثبُّت في أمر الإقرار مطلوب، حيث ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لماعز ما عساه أن يصرفه عن الاعتراف فقال له أربع مرات: «لعلك قبَّلت، لعلك نظرت» حتَّى ذكر له ماعز أنه فعل الزنا باللفظ الصريح الَّذي لا شُبْهة فيه، كلُّ ذلك بغية التثبُّت من جهة، وفتحاً لباب الرجوع عن الاعتراف واللجوء إلى التوبة والاستغفار، فإن التائب من الذَّنْب كمن لا ذَنْب له، شرط أن تكون هذه التوبة توبة حقيقية. وعدَّ بعض الفقهاء حمل المرأة الَّتي ليست في عصمة رجل، قرينة على اقتراف فاحشة الزنى.
    ولم يحصل في عصره صلى الله عليه وسلم إقامة حدِّ الزنى إلا عن طريق الإقرار، وفي حادثتين اثنتين، إحداهما حادثة ماعز بن مالك الأسلمي، الَّذي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه: «يارسول الله إني زنيت. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه، وتنحَّى عنه. فأعرض قبله فقال: (إني زنيت) فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثانية وتنحَّى عنه، فأعرض قبله فقال: طهِّرني يارسول الله فقد زنيت. فقال له أبو بكر الصديق: لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكنه أبى فقال: يارسول الله زنيت فطهِّرني. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعلك قبَّلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا. فسأله رسول الله باللفظ الصريح الَّذي معناه (الجماع) فقال: نعم. قال: حتَّى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم. قال: كما يغيب الميل في المُكْحُلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم : هل تدري ما الزنى؟ قال: نعم أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من أهله حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: إني أريد أن تطهِّرني. فأمر صلى الله عليه وسلم به فرُجم. وسمع الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة يتكلَّم عنه ويقول: لقد رُجم رجم الكلاب فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: لقد تاب توبة لو قُسِمَتْ بين أمَّة لوسعتهم». وفي رواية أخرى: «والَّذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنَّة ينغمس فيها» (رواه الشيخان وأبو داود والترمذي).
    أمَّا الحادثة الثانية فهي حادثة الغامدية، فقد روى مسلم في صحيحه أن امرأة تدعى الغامدية جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «يارسول الله إني زنيت فطهِّرني. فردَّها صلى الله عليه وسلم ، فلما كان من الغد قالت: يارسول الله لِمَ ترُدُّني؟ لعلك تردُّني كما رددت ماعزاً؟ فوالله إني لحبلى، فقال: أمَّا الآن فاذهبي حتَّى تَلِدي. فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: فاذهبي فأرضعيه حتَّى تفطميه. فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يانبي الله قد فَطَمتُه وقد أكل الطعام. فدفع الصبيَّ إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فنضح الدم على وجه خالد بن الوليد فسبَّها، فسمعه صلى الله عليه وسلم فقال: مهلاً ياخالد فوالَّذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مُكْسٍ لغُفِرَ له، ثم أمر بها فصُلِّي عليها ودفنت» (رواه مسلم وأصحاب السنن) (المكس: هو النقص والظلم)، فانظر إلى هذه النفوس الكريمة الَّتي لم تتحمل عِظَمَ هذا الذنب فجاءت تريد الطهارة منه.
    ولعلَّ بعض الَّذين تأثَّروا بالثقافة الغربية يرون في هذه الحدود والعقوبات، شيئاً من الشدَّة والقسوة، الَّتي لا تتَّفق مع روح العصر، والواقع أن العقوبة الَّتي شرَّعها الإسلام صارمة، ولكنَّها في الوقت نفسه عادلة، فهي تقع فقط على من استهتر، وسعى في طريق شهوته دون أن يبالي بأي طريق نال الشهوة، ولا ما يترتَّب عليها من أخطار وأضرار. ثمَّ إن الإسلام يعتبر الزنى لوثة أخلاقية وجريمة اجتماعية خطيرة، ينبغي أن تكافَحَ دون هوادة، ولكنه لا يفرض هذه العقوبة الصارمة (الجلد أو الرجم) ـ كما بيَّنا ـ لمجرد التهمة أو الظن، بل على النقيض يوجب التحقُّق والتثبُّت، ويُدرأ الحدُّ بالشُّبُهات، ويشترط شروطاً شديدة تكاد لا تتوافر؛ هي شهادة أربعة رجال مؤمنين عدول يشهدون بوقوعها، ويشهدون على مثل ضوء الشمس، أو اعترافاً صريحاً لا شُبهة فيه من الشخص الَّذي اقترف الجريمة. ولا يخفى على كلِّ ذي نظر أن الاعتراف سلوك باعثه داخلي ذاتي، ولا يحصل إلا من قِبَل أصحاب الإحساس المرهف، والضمير الإيماني الحي اليقِظ، الَّذي يحمل صاحبه على الاعتراف بأمرٍ ستره الله عليه لينال عقاب الدنيا ويطهِّر به نفسه من دنس المعصية، فيَلقى ربَّه طاهراً نقياً. فأي سلطان للقاضي في مثل هذه الأحوال إذا قام الفرد بعمله وكتم ذلك في نفسه، لاسيَّما وأن الله تعالى فتح باب التوبة لكلِّ من أراد إرادة حقيقية تَرْكَ ما حرَّم الله، وسلوكَ سبيلِ ما أباح وأحلَّ.
    إن الناظر بعُمقٍ يرى أن إثبات جريمة الزنى بالبيِّنة والشهادة أمر شبه مستحيل، وأن الإسلام أمَرَ القاضي بهذا الحرص الشديد في قبول الاعتراف من المعترفين، فيخرج بنتيجة مفادها أنه أمر بالحدِّ والعقوبة تلويحاً بها وزجراً، فإذا ما وقع بها بعض المسلمين تحت ظرف ما من الظروف، وبعد أن عاد إلى رُشده وصحا إيمانه وضميره؛ التمس له الشرع الوسائل والأسباب الَّتي تمنع عنه العقاب، وتوجِّهه إلى أبواب رحمة الله، ضارعاً إليه تائباً متنصِّلاً من ذنبه، ليجد ربَّه غفوراً رحيماً.
    ونظراً لبشاعة جريمة الزنى ولفداحة الخسائر الَّتي تنجم عنه، فقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأخطار سواء منها الدنيوية والأخروية، فقد رُوي عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يامعشر الناس! اتقوا الزنى فإن فيه ستَّ خصالٍ: ثلاثاً في الدنيا وثلاثاً في الآخرة، أمَّا الَّتي في الدنيا فيُذهب البهاء، ويُورث الفقر، وينقص العمر، وأمَّا الَّتي في الآخرة فسخط الله سبحانه وتعالى، وسوء الحساب، وعذاب النار» (أخرجه البيهقي في الشعب).
    وقد حذَّر الله تعالى من الرأفة أو الرحمة في إقامة الحدِّ؛ بعد أن تثبت الجريمة بشكل قاطع، لا لَبْس فيه ولا خفاء، فقال تعالى: {الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأْخُذْكُم بهما رَأْفَةٌ في دينِ الله}، لأن الرأفة والرحمة قد تُخَفِّف شدَّتكم في الحقِّ فتعطِّلوا الحدود، أو تخفِّفوا الضرب؛ فالواجب هو أن تكونوا حازمين في دين الله، وذلك لاجتثاث أسباب الفتنة من جذورها، وليأخذ المتهاونون في شرع الله الأمر على محمل الجد، وتدبُّر العواقب قبل أن تقع الواقعة. والعقوبة لا تقتصر على من يرتكب جريمة الزنى فحسب، بل إنها تمتدُّ لتشمل كلَّ من يُعين عليها، ويكون سبباً في إشاعتها؛ بنشر الفاحشة بين الناس وتشجيعهم على ارتكابها، لأنه مجرم في حقِّ مجتمعه إذ يحوِّله إلى مجتمع بهيمي حيواني، لا عقلانية تردعه ولا أخلاق تقوِّمه. ومن ذلك ما يفعله تجار الجنس في يومنا هذا، زمن الأفلام والفيديو، حيث يُحضرون زناة من الجنسين، وحتَّى من الجنس الواحد ليمارسوا أقبح الأعمال وأوقحها، وآلة التصوير تدور معهم حيثما داروا، ليُخرِجوا بذلك فيلماً تتخاطفه النفوس المريضة، ويشاهده المراهقون في غفلة من آبائهم، لتنهار بذلك القيم، ولنخرج بإحصائية مرعبة نجد فيها أطفالاً يمارسون الجنس، وفتيات يَحملن دون زواج وهنَّ دون الخامسة عشرة من أعمارهن، ولنجد أعمال الجنس تُمارَس في الأسرة الواحدة بين الأب وبناته، وبين الأخ وأخته، وبين الرجل والرجل وبين الفتاة والفتاة. ومحصِّلة ذلك كلِّه: أوبئة تستشري، ومجتمعات تنحلُّ، ومخدِّرات تتفشى، حتَّى ليتمنَّى المرء من هؤلاء أن يدركه الموت في أيَّة لحظة ليتخلَّص من الآلام الَّتي تنهش فيه، علاوة على الاضطرابات الفكرية والنفسية، الَّتي أودت وتودي بكثير منهم إلى الانتحار أو الجنون. ولو أنَّا أقمنا عقوبة الرجم في حقِّ تجار الجنس وأعوانهم، لأنقذنا عدداً كبيراً من الناس من الهلاك
    والدمار. لذلك كلِّه، يشدِّد الله تعالى في تحذير عباده من اتِّباع خطوات الشيطان، أو سلوك مسالكه بإشاعة الفاحشة، فمن ينهج نهجه فإنه يضلُّ عن السبيل القويم، فهو لا يأمر إلا بالمنكر الَّذي ينكره الشرع، وتنفر منه العقول والأذواق السليمة. ولولا فضل الله على المؤمنين الَّذي تفضَّلَ به عليهم، بإخراجهم من ظلمات الجهل والضلال، إلى نور العلم والتربية، ما زَكى ولا تطهَّر منهم من أحد، ولكنهم عندما اهتدَوْا بذلك النور ظهرت آثاره في أخلاقهم وآدابهم، وانعكس ضياؤه في قلوبهم فأشرقت، وفي أرواحهم فرقَّت وشفَّت، وفي ضمائرهم فاستيقظت وتنبَّهت، فاستنارت جميع جوانب حياتهم، بذلك النور الإلهي الشامل لجميع ما في الكون.
    سورة الأعراف(7)
    قال الله تعالى: {ولوطاً إذ قالَ لقومِهِ أتأتونَ الفاحشةَ ما سبَقَكُم بها من أحدٍ من العالَمِين(80) إنَّكم لتأتونَ الرِّجالَ شهوةً من دونِ النِّساءِ بل أنتم قومٌ مُسرفون(81) وما كان جوابَ قومِهِ إلاَّ أن قالوا أخرِجوهم من قريَتِكم إنَّهم أُناسٌ يتطهَّرون(82) فأنجيناهُ وأهلَهُ إلاَّ امرأَتَهُ كانت من الغابِرين(83) وأمطرنا عليهم مطراً فانْظُرْ كيف كان عاقبةُ المجرمين(84)}
    سورة العنكبوت(29)
    وقال أيضاً: {ولوطاً إذ قال لقومِهِ إنَّكم لتأتونَ الفاحشةَ ما سبَقَكُم بها من أحدٍ من العالمين(28) أئنَّكم لتأتونَ الرِّجالَ وتقطعونَ السَّبيلَ وتأتونَ في ناديكُمُ المنكَرَ فما كان جوابَ قومِهِ إلاَّ أن قالوا ائتِنا بعذابِ الله إن كنتَ من الصَّادقين(29) قال ربِّ انصرني على القومِ المفسدين(30)}
    سورة الأنبياء(21)
    وقال أيضاً: {ولوطاً آتيناهُ حُكْماً وعِلْماً ونجَّيناهُ من القريةِ الَّتي كانت تعمل الخبائثَ إنَّهم كانوا قومَ سَوْءٍ فاسقين(74) وأدخلناهُ في رحمَتنا إنَّه من الصَّالحين(75)}
    ومضات:
    ـ لو علم الله خيراً في الشذوذ الجنسي لأباحه، وما كان تحريمه إلا لكثرة أضراره النفسية والصحِّية والاجتماعية، وحتَّى اليوم لم يكتشف العلم عنه سوى المزيد من الآثار المدمِّرة لصاحبه ولمجتمعه.
    في رحاب الآيات:
    لقد خلق الله تعالى الحياة وجعل لها نظاماً دقيقاً تسير أمورها وفقاً له، وخلق الإنسان وأعطاه إمكانات التعايش مع هذا النظام، وإن أي إساءة في تطبيقه أو معاندة في تنفيذه، تحدث الخلل والاضطراب في حياة الإنسان وما حوله. والإنسان يلتزم تلقائياً بهذا النظام في حياته العملية، سعياً للحفاظ على راحته وبقائه، والأجدر به أن يلتزم في سلوكه الجنسي بالقوانين الإلهية، للحفاظ على سعادته الروحية والإبقاء على الجنس البشري وحضارته. وإن من هذه القوانين قانون الله في التوالد الَّذي يحكم الكون بأسره، فما من شيء في هذا الوجود إلا ويتوالد بالتقاء عنصرين متخالفين متكاملين: الذكر والأنثى، أو السالب والموجب. وفي عموم الطبيعة نشهد تلاقح الذكورة مع الأنوثة؛ ففي النبات يولِّد الثمرة، وفي مجال الكهرباء تتولَّد الطاقة والإضاءة من تلاقي الشحنات الكهربائية السالبة مع الشحنات الموجبة، بينمايسفر تلاقي الشحنات المتماثلة عن تنافر، ولا يأتي بأية طاقة. وكذلك النسل والإنجاب عند الإنسان لا يتمُّ إلا عن طريق التقاء الرجل مع المرأة؛ ولولا تلاقيهما لانقرض الجنس البشري، وكذلك الحال في عالم الحيوان. إذن، فقانون بقاء النوع قائم على هذا التزاوج الإيجابي البنَّاء، وإن الإخلال بهذا القانون يؤدِّي إلى تعطيل توالد هذه الأجناس ومن ثَمَّ اندثارها.
    والآيات الكريمة الَّتي نحن بصددها تعرض نموذجاً لهؤلاء الَّذين عطَّلوا قانون الله بانحرافهم عن فطرتهم، وفساد سلوكهم، فألحقوا بأنفسهم الدمار والخراب، إنهم قوم لوط، الَّذين أحدثوا في عهدهم ما لم يحدثه غيرهم من الأمم السابقة، حيث جنحوا إلى الاتصال الجنسي بين الرجل والرجل بما فيه من القبح الَّذي يمجُّه الذوق السليم، وينبو عنه الخلق الكريم، وانحدروا بذلك حتَّى عن مستوى البهائم. فلم نرَ أبداً حيواناً ذكراً يقارب ذكراً مثله، لأن غريزته لا تتحرَّك في هذا الاتجاه ـ إلا في حالات نادرة ـ فهل يُعقل أن تكون الغريزة الحيوانية أرقى من بعض أفراد النوع البشري؟؟ لقد عطَّلوا بذلك قانون الزوجية الَّذي يقضي بالتقاء الرجل والمرأة لغايتين نبيلتين: أولاهما تحقيق المتعة الحلال كما أمر الله تعالى، وثانيتهما إنجاب الأولاد لحفظ النسل وعمارة الكون.
    وقد حرَّم الله تعالى الشذوذ الجنسي هذا لأنه:
    1 ـ مفسدة لنفسية الشباب يزرع السلبية فيهم ولا يشبع عواطفهم، فهم لا يستطيعون ممارسته غالباً إلا بعد تعاطي الخمرة أو المخدِّرات لخلق جو وهمي من المتعة بداخلهم؛ وهذا يعني أنه يجرُّهم إلى المزيد من الدمار والعدائية.
    2 ـ مفسدة للنساء اللواتي ينصرف أزواجهن عنهن إلى الرجال، ويقصِّرون فيما يجب عليهم من إحصانهن، فينجرفن إلى طريق الانحراف أو الشذوذ بين بعضهن، أو يرتمين في أحضان رجال غرباء عنهن.
    3 ـ تقليل النسل؛ فمن وقع في براثن الشذوذ فرغب عن الزواج، وتنصَّل من تحمُّل مسؤوليته، فقد ساهم في تهديم مجتمعه، والحدِّ من نسبة التوالد فيه.
    4 ـ الأمراض الفتَّاكة القاتلة الَّتي تنجم عنه، والَّتي كان آخرها مرض فقد المناعة الخطير المعروف باسم الإيدز أو السِيدا.
    لذلك كلِّه بعث الله الرسل، ليحذِّروا أقوامهم وينذروهم من أن يضلُّوا في شعاب الرذيلة، أو ينغمسوا في حمأة الخطيئة، فها هو لوط عليه السَّلام كما تصفه الآيات الكريمة، يفتح باب الحوار بينه وبين قومه، طارحاً عليهم سؤالاً استنكارياً: {أتأتونَ الفاحشة} وهو يعرف جوابه ولكنه ينكره لبشاعته، فلعلَّ ألسنتهم تخجل من النطق به، ولعلَّ صحوتهم الروحية ترتدُّ إليهم، لكن القوم جاهروا بالمعصية وأصرُّوا عليها، فتابع حواره معهم أملاً في إنقاذهم، وعدولهم عن فعلتهم الذميمة، وترغيبهم بمباشرة النساء بالزواج المشروع، فهنَّ أطهر وأزكى، لكنَّهم سخِروا منه وقالوا: أنت تعلم أننا لا نرغب في النساء! ولكنه لم يَيئَسْ وبيَّن لهم بشاعة فضائحهم الأخلاقية من إتيان الذكور، والتعرُّض لهم في الطرقات، والقيام بأعمال مُخِلَّة بالآداب العامَّة؛ لإثارة غرائزهم كالصفير، ورمي الحصى، وفكِّ الإزار، ثم انتقل إلى مجالسهم فعرَّاها بكلِّ ما فيها من فواحش، حيث كانوا يمارسون الشذوذ بشكل علني دون تورُّع ولا خجل، وأنذرهم عقاب الله. ولكنَّ جهوده كلَّها لم تؤثِّر في تلك القلوب الميتة، فتابع تحذيرهم، وذكَّرهم بمصير الأمم السابقة الَّتي عتت عن أمر ربِّها، فكانت عاقبة أمرها خُسراً، فأمعنوا في السُّخرية منه وسفَّهوا رأيه وقالوا متحَدِّين إيَّاه: أرنا إذن العذاب الَّذي تتوعَّدنا به. وازدادوا عناداً وإصراراً، وائتمروا به ليخرجوه من قريتهم، ورمَوه بأنبل تهمة يمكن أن توجَّه إلى إنسان؛ وهي الطعن به أنه طاهر، تلك الصفة الجليلة ذات الأهمية البالغة، في نظر من استقامت به السبل، وانعقدت له أسباب الهداية.
    هنالك، أعيت لوطاً عليه السَّلام الحيلة، ونفض يديه من القوم، ودعا الله قائلاً: {..ربِّ انصُرني على القومِ المفسدين}، فأوحى إليه ربُّه أن اترك القرية وارحل ومعك أهلك، إلا امرأتك فإنه مُصيبها ما أصاب القوم، وخرج من القرية، فأمطرها الله بوابل من العذاب، وخسف الأرض بمن كان عليها من الشواذ، وأصبحوا عبرة لمن أراد أن يعتبر حتَّى قيام الساعة.
    وقد حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم من الاقتداء بقوم لوط فقال: «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط» (أخرجه أحمد والترمذي وحسَّنه ابن ماجه والبيهقي) وورد عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (أخرجه عبد الرزاق وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي).
    وممَّا يؤسف له أشد الأسف أن نرى اليوم شرذمةً من أبناء الدول الراقية يمارسون هذا الشذوذ، في وقت أدركوا فيه من خلال علومهم المتقدِّمة نتائجه الفتَّاكة، والأمراض الخطيرة الناجمة عنه، والَّتي عمَّ ضررها المذنب والبريء. فهل من عودة إلى طريق الله المستقيم؟ وهل من استجابة لنداء الله الَّذي يتَّفق مع الفطرة الَّتي تتلوَّى ألماً، والضحايا يتساقطون بالملايين، فيصحو الإنسان من شرِّ عمله، وتعود إليه طمأنينته وعافيته وتوازنه النفسي، فيسعد في دنياه قبل أن يسعد في أخراه؟!.

  2. #62

    افتراضي رد: القرآن منهاج الحياة

    القسم: تحريم القذف - تحريم السرقة وحدها
    الفصل الخامس:
    تحريم القذف وعقوبته
    سورة النور(24)
    قال الله تعالى: {والَّذين يرمونَ المُحْصناتِ ثمَّ لم يأتوا بأربعةِ شهداءَ فاجلِدُوهم ثمانينَ جلدةً ولا تقْبَلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك همُ الفاسقون(4) إلاَّ الَّذين تابوا من بعدِ ذلك وأصلحوا فإنَّ الله غفورٌ رحيم(5)}
    ومضات:
    ـ إنَّ تَرْكَ الألسنة تنهش في أعراض الناس، دون دليل قاطع وشهادة بيِّنة، يُنذِرُ بتفشي حالة من الشكِّ والريبة بين أفراد الأسر الشريفة، ويهدِّد بانهيارها.
    ـ لقد حمى الإسلام أعراض الناس وأموالهم وحريَّاتهم الشخصية، فأحاطها بسياج كثيف من الضمانات والزواجر الرادعة، وجعل أيَّ اعتداء عليها سبباً للعقاب الشديد، والحرمان من بعض الحقوق المدنية.
    ـ على الرغم من فداحة ذنب التعدِّي على حرمات الناس، فقد ترك الله تعالى باب التوبة مفتوحاً، لمن تاب من أولئك المعتدين، وأصلح ما أفسده واستقام في سيرته.
    في رحاب الآيات:
    اعتاد كثيرون من عامَّة الناس وجهلائهم أن يقضوا أوقات التقائهم وسهراتهم في التحدُّث عن الآخرين، وتعرية أخطائهم وانتقاد تصرُّفاتهم الشخصية، ونادراً ما تخلو أحاديثهم من الإضافات والمبالغات بغرض الإثارة والتشويق. وهذه التُرَّهات من الكلام محرَّمة شرعاً وتدخل تحت مصطلح الغيبة والنميمة، فلا يجوز حضور هذه المجالس حتَّى يخوض أصحابها في أحاديث مثمرة مفيدة لمصلحة الفرد والجماعة.
    ويتمادى الناس في تلك المجالس في انتهاك أعراض الآخرين، وتشويه سمعتهم الأخلاقية، ويبلغ تماديهم ذروته عندما يرمي بعضهم رجلاً أو امرأة بتهمة الزنى، سواء كان رَميه لهما مباشراً كأن يقول: فلان رجل زان، أو فلانة امرأة زانية، أو كان رميه غير مباشر كأن ينسب شخصاً إلى غير أبيه، أو يشتمه بقوله: أنت ابن حرام. فمن صدر منه هذا التصرف اعتبر قاذفاً، وجزاؤه أن يُجلد ثمانين جلدة، ما لم يأت بأربعة شهداء، رأوا المتَّهم بأعينهم وهو يزني، وإلا فيُقامُ عليه الحَدُّ، رجلاً كان القاذف أو امرأة. ولا يخفى أنه يُشترط في هذه الشهادة من التثبُّت واليقين ما يُشترط لإثبات الزنى، وإلا عُدَّ الشهود جميعاً قاذفين، ويجب على القاضي إقامة حدِّ القذف عليهم، كلُّ ذلك ضماناً للأعراض وعدم تركها ألعوبة تلوكها ألسنة السفهاء وتشوِّهها النيَّات الخبيثة.
    وقد أشارت الآية الكريمة إلى شرط من أهمِّ الشروط الَّتي توجب العقوبة؛ وهو أن يكون المقذوف مُحْصَناً؛ ذَكراً كان أم أنثى. ومعنى الإحصان هنا أن لا يكون المتَّهم قد ارتكب جريمة الزنى قبل أن يُقذف بها، بل كان عفيفاً طاهراً. أمَّا إن ثبت عنه ذلك فلا يكون محصناً، وبالتالي تسقط العقوبة الدنيوية عن القاذف، ولا يخلو اتِّهامه هذا من إثم يستحقُّ عليه العقوبة في الدار الآخرة.
    وقد خصَّ الله تعالى المقذوفات من النساء بالذِّكر في الآية بقوله: {المُحْصَنات} لأن قذف المرأة والنَّيلَ من سمعتها يتعدَّى ضرره إلى جميع أفراد أسرتها، فيُلْحِق بهم عاراً كبيراً بخلاف الرجل. أمَّا تخصيصه للقاذفين من الرجال بقوله: {والَّذين يرمون} لأن صنف النساء يغلب عليهن الحياء عادة فلا يقذفن الرجل بالزنى.
    ولم يكتف الإسلام بعقوبة الجَلْدِ في حقِّ القاذفين، بل إنه أقام حَجْراً مدنياً على هؤلاء المتهتكين، فلم يقبل لهم شهادة بعدها أبداً، وهذا العقاب أشدُّ إيلاماً للنفس وأوجع. وهناك عقوبة ثالثة هي وصمهم بالفسق، والانحراف عن طريق الله المستقيم. وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تتبُّع عورات المسلمين وإفشاء سرِّهم فقال: «يامعشر من أسلم بلسانه ولم يُفْضِ الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين ولا تتبَّعوا عوراتهم، فإن من تتبَّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عزَّ وجل عورته، ومن تتبَّع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» (رواه الترمذي وغيره مرفوعاً) وقال أيضاً: «من علم من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة» (رواه الطبراني).
    وتبقى مِظلَّة الإسلام الرحيم، تشمل التائب بظلالها وبركاتها، فتنشر عليه عفو الله ومغفرته، فمن اعترف بذنبه من بعد معاقبته، والتزم بشروط التوبة الحقيقية، وأصلح الضرر الحاصل عن شهادته الكاذبة، فإن الله تعالى غفور رحيم.
    ونستنتج من ذلك كلِّه أن الإسلام قد حرص أشدَّ الحرص على تمتين الروابط الاجتماعية والأخلاقية في المجتمع الإسلامي، وصان سمعة الناس بصيانة أعراضهم وخاصَّةً النساء؛ لأن سمعة المرأة الأخلاقية أثمن شيء تملكه، فجاء زَجْرُ السُّنَّةِ عن انتهاك الأعراض كما مرَّ في الحديث السابق؛ وهاهو ذا كتاب الله الخالد يهدِّد هؤلاء المجرمين بحقِّ ?أعراض غيرهم، بأشد تهديد يمكن أن يسمعه أولئك المغفَّلون، الَّذين أطلقوا لألسنتهم العنان تنهش في أعراض إخوانهم، فقال تعالى: {إنَّ الَّذين يرمونَ المُحْصَناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ لُعِنوا في الدُّنيا والآخرةِ ولهم عذابٌ عظيم} (24 النور آية 23).
    ==============

    الفصل السادس:
    تحريم السَّرقة وعقوبتها
    سورة المائدة(5)
    قال الله تعالى: {والسَّارقُ والسَّارقةُ فاقطعوا أيْدِيَهُما جزاءً بما كسبا نَكالاً من الله والله عزيزٌ حكيمٌ(38) فمن تابَ من بعدِ ظُلْمهِ وأصلحَ فإنَّ الله يتوبُ عليه إنَّ الله غفورٌ رحيمٌ(39)}
    ومضات:
    ـ الإسلام يعالج المشاكل من جذورها، ولا تهاون في تشريعه ولا محاباة لشخص على حساب شخص آخر، والجميع سواسية أمام أحكامه.
    ـ توبة السارق وإعادته الحقوق إلى أصحابها، قبل انكشاف أمره، يُسقِطُ عنه الحدَّ ويضعه في عداد التائبين.
    ـ يمكن للسارق في الإسلام أن يعود عضواً فاعلاً وصالحاً بعد أن يتوب، وينال العقوبة المترتِّبة على سرقته، ويتمتَّع بكامل حقوقه المدنية والإنسانية.
    في رحاب الآيات:
    احترم الإسلام حقَّ الملكية للأفراد، وجعل صيانتها حقاً من حقوقهم المقدَّسة، وعدَّ جريمة الاعتداء على الأموال، كجريمة الاعتداء على النفس أو العرض، ومن ارتكب واحدة منها فقد استوجب أشدَّ أنواع العقوبات، أمَّا من يموت مدافعاً عن حقِّ من هذه الحقوق فإنه يموت شهيداً. عن سعيد بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِل دون أهله فهو شهيد» (أخرجه أحمد والترمذي وصححه).
    فإذا سرق السارق وهو مكتفٍ، غير محتاج لطعام يقيم أوَدَه، أو لباس يستر جسده، أو دواء يعالج به سقمه، فلا تجوز الرأفة به متى ثبتت عليه الجريمة. أمَّا حين تكون هناك شبهة من حاجة أو غيرها، فالمبدأ العامُّ في الإسلام هو درء الحدود بالشُّبُهات؛ لذلك لم يقطع عمر رضي الله عنه يد سارق الطعام في عام الرمادة حين عمَّتِ المجاعة. في حين تسقط العقوبة عنه، إذا تاب وأعاد ما سرقه إلى أصحابه، قبل رفع أمره إلى القاضي.
    والعقوبة الَّتي حدَّدها الشارع الحكيم بحقِّ السارق هي، قطع يده اليمنى من الرسغ، لأنها الأداة الفاعلة في الجريمة، والعضو الَّذي كان ينبغي على السارق السيطرة عليه وكبحه ولجمه عن الحرام، وما ذلك إلا لاستئصال داء السرقة من جذوره، إذ أنه ليس من المصلحة أن نترك الداء يستشري حتَّى يعمَّ الخراب المجتمع كلَّه، أو نترك فرداً مريضاً ينقل العدوى إلى غيره، بل من الرحمة أن تُبتر تلك اليد، ليَسلمَ الناس كلُّهم من شرِّ صاحب هذه النفس المريضة؛ فإذا عاد السارق إلى السرقة بعد قطع يده، يُحْكَمُ بقطع رجله اليسرى إلى الكعب.
    وسبب فرض عقوبة القطع هو أن السارق حين يفكر في السرقة، فإنما يفكر في أن يزيد كسبه من حقِّ غيره، متجاهلاً ما عسى أن يكون صاحب الحقِّ المسلوب قد بذل من جهد وتعب ليحصل عليه، متغافلاً عن مدى حاجته إليه، ولا يهمُّه إلا أن ينمِّيَ ماله ويكثر متاعه عن طريق الكسب الحرام، فيعطِّل بذلك الطرق الشرعية الموصلة للكسب الشريف، وهذا كلُّه بدافع الشَّرَه والأنانية المطلقة، وقد حاربت الشريعة هذا الدافع، بهذه العقوبة الصارمة، لتمنعه من هذا التفلُّت والانتهاك لحقوق الآخرين. وإنَّ يداً واحدة تُقطع لكفيلةٌ بردع كثير من المجرمين، وكفِّ عدوانهم، وتأمين الاستقرار والأمن المالي للمجتمع.
    وقد شدَّد الإسلام في عقوبة السرقة دون غيرها من جرائم الاعتداء على الأموال كالاختلاس الوظيفي والتلاعب التجاري، لأنه يمكن استرجاع الحقوق الَّتي من النوع الآخر بالادِّعاء لدى ولاة الأمور، وتسهل إقامة البيِّنة عليه بخلاف السرقة، فإن إقامة البيِّنة عليها متعسِّرة وتكاد تكون مستحيلة، لذلك عظُم أمرها، واشتدَّت عقوبتها، ليكون ذلك أبلغ في الزجر عنها. لذلك فلا قطع على المُؤتَمَنِ على مال إذا سرقه، ولا على الخادم المأذون له بدخول البيت، ولا على أخذ الثمار من الحقل، ولا قطع على الشريك حين يسرق من مال شريكه، والعقوبة في مثل هذه الحالات هي التعزير، وهي عقوبة مفوَّضة إلى القاضي وهي دون الحدِّ حتماً، وتكون بالجلد أو الحبس أو التوبيخ أو الموعظة في بعض الحالات. وتثبت السرقة بشهادة رجلين أو بالإقرار.
    واليوم نجد أن القوانين الوضعية جعلت الحبس عقوبة للسارق على سرقته، وقد أخفقت هذه العقوبة في محاربة الجريمة على العموم، والسرقة على الخصوص، والعلَّة في الإخفاق أن عقوبة الحبس لا تخلق في نفس السارق العوامل النفسية الَّتي تصرفه عن جريمة السرقة، لأنها لا تحول بين السارق وبين متابعته للسرقات إلا مُدَّة حَبسِه، وقد يسرق غيره من المساجين وهو داخل السجن، وقد يتعلَّم فيه ما يجهله من أساليب اللصوصية وهذا أمر مشاهد ملموس، بالإضافة إلى أنه يقضي فترة عقوبته وكأنه في نادٍ اجتماعي، يأكل ويشرب على نفقة الدولة، مع قضاء وقته في المسامرة أو التدخين، وأحيانا تعاطي الممنوعات، وممارسة الفواحش مع غيره من المساجين، دون أن يزرع السجن في أعماقه أي رادعٍ من الخوف أو الزجر. ناهيك عن رغبة بعض المشرَّدين أو العاطلين عن العمل، قضاء أيامهم في سجون تُؤمِّن لهم ما لا يؤمِّنه لهم المجتمع المترف... لذا فهم ما إن يخرجوا منه حتَّى يعودوا إليه، بسبب ارتكابهم لسرقات جديدة؛ فإن كُشف أمرهم كان ذلك كسباً لهم، وإن لم يُكشَف أمرهم فيكون ما سرقوه كسباً لهم أيضاً.
    أمَّا عقوبة القطع فتحول بينه وبين قيامه بالسرقة أو تنقص من قدرته عليها، إضافة إلى أن عقوبة القطع تجعله مفضوحاً في نفسه أمام الناس، وعبرة لغيره، وهذا من أشدِّ الروادع عن ارتكاب جريمة السرقة.
    وقد يعترض على ذلك معترض ويقول: إن عقوبة القطع لا تتَّفق مع ما وصلت إليه الإنسانية من حضارة ومدنية،? ولكنَّ ما نراه اليوم هو أن الرجل الَّذي يُسرق ماله أو تُغتصب ممتلكاته، يلجأ إلى قتل الفاعل إذا استطاع الإمساك به، تشهد على ذلك الإحصائيات والأخبار اليومية، الَّتي نقرؤها أو نسمع عنها، من أجهزة الإعلام ، حول حوادث القتل الَّتي تدور في الشوارع الرئيسة، والأزقَّة الثانوية، وفي أرقى المدن من تلك البقاع، علاوة على أن السارق نفسه قد يلجأ أحياناً وبدافع السرقة إلى القتل، فيشكِّل بذلك خطراً على حياة الإنسان الآمن إلى جانب الخطر على ممتلكاته، ولهذا فإن تطبيق عقوبة قطع يد السارق هي رحمة به وبضحاياه في آن واحد؛ وحفظٌ لحياته وحياتهم على السواء. وقد ثبت اليوم أنها الأنجع والأنجح، لأنها تقوم على أساس من علم النفس، ومعرفة لطبائع البشر وتجارب الأمم، وهي الأسس الَّتي تقوم عليها المدنيَّة نفسها. والواقع التاريخي يشهد بذلك، إذ أن عقوبة القطع لم تطبَّق في صدر الإسلام خلال قرن من الزمان، إلا في حوادث فردية قليلة جداً؛ لأن المجتمع بنظامه وتربية خشية الله في أفراده من جهة، والعقوبة بشدَّتها من جهة أخرى، كلُّ ذلك لم يسمح بظهور غير هذه الحوادث الفردية النادرة، ومع كلِّ هذا فلم يسمح بإقامة الحدِّ إلا بعد تدقيق وتمحيص شديد وتوافر شروطٍ قاسية؛ بتحقُّقها تزول جميع البواعث الفطريَّة على السرقة؛ ويبقى السارق معها مخلوقاً لا يحمله على السرقة إلا الجشع والطمع في أموال الناس.
    أمَّا الشروط الَّتي يجب اعتبارها في السارق لتطبيق الحدِّ عليه فهي:
    1 ـ أن يكون بالغاً عاقلاً، ولا يُشترط فيه الإسلام؛ فإذا سرق ذميٌّ أو مرتدٌّ فإنه تُقطع يده، كما أن يد المسلم تُقطع إذا سرق من الذميِّ.
    2 ـ أن لا يكون السارق مضطراً إلى السرقة بدافع الجوع، أو أي حاجة أساسية من حاجات الإنسان، فقد أوقف سيِّدنا عمر حدَّ السرقة عام المجاعة للاشتباه في أن جميع من سرق وقتها كان مضطراً.
    3 ـ الاختيار: فلو أُكره على السرقة وثَبَتَ عامل الإكراه فلا يُعَدُّ سارقاً.
    4 ـ ألا يكون للسارق في الشيء المسروق شبهة تملُّك، فإن كانت له فيه شبهة فإنه لا يُقطع، ولهذا لا يُقطع الأب والأم بسرقة مال ابنهما وكذلك لا يُقطع الابن بسرقة مالهما، أو مال أحدهما، لأن الابن يتبسَّط في مال أبيه وأمِّه عادة. وأمَّا ذوو الأرحام، فلا قطع على أحد من ذوي الرَّحم المحَرَّم.
    أمَّا الصفات والشروط الَّتي يجب اعتبارها في المال المسروق فهي:
    1 ـ أن يكون المال مُحرزاً أي محفوظاً في الأماكن الَّتي يحفظ بها مثله، فإن تُرك المال سائباً فلا يُعَدُّ آخذه سارقاً يجب قطع يده.
    2 ـ أن يكون ممَّا يُتمَوَّل ويُملَك ويَحِلُّ بيعه وأخذ العِوَض عنه.
    3 ـ أن يبلغ الشيء المسروق نصاباً، لأنه لابدَّ من ضابط لإقامة الحد. وقد اختلف الفقهاء في مقدار هذا النصاب، فذهب بعضهم إلى أن القطع لا يكون إلا في سرقة ما تساوي قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم. روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً» (رواه أحمد ومسلم وابن ماجه).
    والله تعالى الَّذي وضع الحدود والعقوبات، إنما وضعها بحسب الحكمة الَّتي توافق المصلحة العامَّة للمجتمع، لذا لا يجوز العفو عن السارق، لا من قِبَلِ المجني عليه ولا من قِبَلِ الحاكم، بعد أن كُشِف أمره وأصبح بين يدي الحاكم، كما لا يجوز أن يُستبدلَ قطع اليد بعقوبة أخرى أخفَّ منها أو تأخير تنفيذها أو تعطيلها، بحجَّة الرأفة بالسارق، لأن مثل هذا التهاون سيغري كثيراً من أصحاب النفوس المريضة بارتكاب هذه الجريمة، ويُلحق الضرر البالغ بالمجتمع. أمَّا تطبيق العقوبة الصارمة على السارق، فإنها تقوِّي من هيبة الهيئة الاجتماعية، وتدفع بالأفراد للبحث عن طرق سويَّة للكسب، وعدم التفكير بالسرقة، لتعمَّ بذلك الفائدة على الفرد والمجتمع معاً.
    ومع كلِّ ما تقدم فقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم صاحب المال المسروق على أن يعفو عن السارق، ولكن قبل إعلام ولي الأمر ورفع القضية إليه، وعندها يفقد هذا الحقَّ ويصبح الأمر بيد القاضي وليس من صلاحيَّاته العفو، فقد ثبت «أن رجلاً سرق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء صاحب المال إلى رسول الله يشكو سرقة ماله، فلما عَرَفَ الفاعلَ أمرَ النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يده، فعفا صاحب المال عنه فقال له صلى الله عليه وسلم : هَلاَّ عفوت قبل أن تأتيني» (أخرجه أحمد والحاكم ومالك في الموطأ، والبغوي عن صفوان بن أمية رضي الله عنه ).ومع إنزال عقوبة القطع بالسارق يجب عليه أن يردَّ المسروق إلى أصحابه، وأن يستغفر الله تعالى ويتوب إليه، ويُقبِل عليه عزَّ وجل بصدق وإخلاص لينال منه العفو والمغفرة.
    وحِرصاً من الإسلام على تحقيق الهدف المطلوب من تطبيق حدِّ السرقة، فقد أكَّد على ضرورة المساواة في تطبيق هذا الحدّ بين الخواصِّ والعوام، والشريف والوضيع، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيُّها الناس إنما ضلَّ منكم من كان قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيْمُ الله لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطع محمَّد يدها» (رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن عائشة رضي الله عنها).

    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ

    رحمة الله عليك ياأبي*

    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،

    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  3. #63

    افتراضي رد: القرآن منهاج الحياة

    القسم: الفصل السابع: أحكام استثنائية رُخِّص بها لرفع الحرج
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {..يريدُ الله بكمُ اليُسْرَ ولا يريدُ بكمُ العُسْرَ.. (185)}
    سورة النساء(4)
    وقال أيضاً: {يُريدُ الله أَن يُخفِّفَ عنكم وخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً(28)}
    سورة الحج(22)
    وقال أيضاً: {..وما جعلَ عليكم في الدِّينِ من حرجٍ.. (78)}
    ومضات:
    ـ اليُسْرُ وعدم الحرج سِمَة بارزة في الأحكام الَّتي كَلَّف الله بها عباده، وتتمثَّل في الإقرار بوجود الدوافع الفطريَّة وتنظيم الاستجابة لها، ليكون التوازن قائماً ومنسجماً، بين التكليف وبين متطلَّبات الحياة، على صعيد الفرد والجماعة.
    ـ ليست غاية الإسلام تعذيب النفس وإرهاقها بالمبالغة في التكاليف والأعباء الدِّينية، فقد رحمها الله تعالى لضعفها وعجزها، حيث أن قدراتها محدودة واستعداداتها الطبيعية متفاوتة.
    في رحاب الآيات:
    من كمال حكمة الله التخفيف على عباده فيما شرع لهم من الحدود والأحكام، وذلك رحمة منه بهم، ومراعاة لضعفهم، ورفعاً للحرج ودفعاً للمشقَّة عنهم، فلا ضرر ولا ضرار. وتأكيداً على هذه المبادئ الَّتي تُبرز يُسر الإسلام وسماحته؛ شُرع كثير من أحكام الرُّخَص الَّتي تتعلَّق بالعبادات والمعاملات والعقوبات، والأمثلة عليها كثيرة وعديدة، سنأتي على ذكر بعضها، فيما يتعلَّق بالعبادات من صلاة وصيام وحج.
    فعلى سبيل المثال فرض الله تعالى عدداً من ركعات الصَّلاة يومياً، لكنَّه رخَّص بجواز قَصْرِها في ظروف معيَّنة، كما ورد في قوله تعالى: {وإذا ضرَبْتُم في الأرضِ فليس عليكم جُنَاحٌ أن تَقْصُرُوا من الصَّلاة..} (4 النساء آية 101) أي إذا سافرتم أيُّها المؤمنون في الأرض للجهاد ـ وقياساً لأي داعٍ من دواعي السفر ـ فلا إثم عليكم في أن تَقصُروا الصَّلاة المفروضة، فَتُصَلُّوا الرباعيَّة ركعتين، لأن في السفر من المشقَّة والتعب ما لا يخفى على أحد، والإسلام دين اليُسر الملائم لكلِّ الظروف، وكذلك أبيح الجمع بين فرضين بسبب وجود حرج على المكلَّف، أو دون سبب لما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه : «صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولاسفر»، وهذا استثناء وليس قاعدة عامَّة.
    كما أنه يجوز لمن جهل جهة القبلة، وتعسَّر عليه تحديد جهتها في سفر أو غيره؛ أن يتوجَّه في صلاته إلى أي جهة يغلب على ظنِّه أنها جهة القبلة. كما يجوز للمصلِّي أن يصلِّي صلاة النافلة على المركوب الَّذي يمكن توقيفه والنزول عنه كالدابَّة والسيارة، أمَّا صلاة الفريضة في القطار والباخرة والطائرة، فيمكنه أداءها قاعدا، فيما إذا تعذَّر عليه الصَّلاة واقفا. وتكون قبلته حيث تتجه مركوبته، لما أخرجه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي وهو مُقبل من مكَّة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت الآية: {ولله المَشرقُ والمَغربُ فأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجهُ الله..}» (2 البقرة آية 115). فالحكمة من الاتجاه للقبلة هي توحيد وجهة المصلِّين، ولكنَّ يُسر الإسلام يحكم بجواز الاتجاه لغير جهتها، فيما إذا كان المصلِّي يخضع لظرف يمنعه من استقبالها. فالله موجود في كلِّ مكان، لا تقيِّده الحدود، ولا تحدُّه الجهات، بل هو الواسع العليم، الَّذي يتقبَّل العبادة من المكلَّف على الشكل الَّذي يمكنه أن يقوم بأدائها عليه، وهو الرحيم الرؤوف الَّذي يتجاوز عن الضعفاء من عباده، ولا يكلِّفهم ما لا يطيقون، فيرخِّص لهم في الأحكام في ظروف الجهل والمرض والسفر والخطأ والنسيان وغيرها من الأسباب الاضطرارية، لأنه يريد بهم اليُسر ولا يريد بهم العُسر.
    ومن الرُّخَص الَّتي شُرعت فيما يتعلَّق بالصَّلاة، التخفيف عن المؤمنين بمقدار صلاة قيام الليل، ونَسْخُ حُكمها من الوجوب إلى التطوُّع، لأنه عندما نزل قول الله تعالى: {ياأيُّها المُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيلَ إلاَّ قليلاً * نِصفَهُ أو انقُصْ منه قليلاً * أو زدْ عليه ورتِّلِ القرآنَ ترتيلاً} (73 المزمل آية 1ـ4) سارع الرسول صلى الله عليه وسلم مع طائفة من أصحابه إلى امتثال أمر الله في المداومة على قيام الليل. قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية شقَّ ذلك عليهم فكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه، فيقوم حتَّى يصبح مخافة أن يخطئ، فانتفخت أقدامهم، وامتقعت ألوانهم، فرحمهم الله تعالى وخفَّف عنهم، بعد أن أثنى عليهم في محكم تنزيله فقال جلَّ من قائل: {إنَّ ربَّكَ يعلمُ أنَّك تقومُ أدْنى من ثُلُثَي اللَّيلِ ونصفَهُ وثُلُثَهُ وطائفةٌ من الَّذين معك والله يُقَدِّرُ اللَّيلَ والنَّهارَ عَلِمَ أن لن تُحصوهُ فتابَ عليكم فاقرؤوا ما تيسَّرَ من القرآن عَلِمَ أنْ سيكونُ منكم مرضى وآخرونَ يَضْربونَ في الأرضِ يبْتغونَ من فَضْلِ الله وآخرونَ يُقاتِلونَ في سبيلِ الله فاقرؤوا ما تيسَّرَ منه..} (73 المزمل آية 20).
    ففي هذا منتهى الرأفة بهم من الله تعالى، وغاية العناية الربَّانية الَّتي شاءت أن تخفِّف عنهم وتيسِّر أمورهم، ليبقى التوازن قائماً بين متطلَّبات الروح وحاجات الجسد، فقد يكون الإنسان مريضاً أو مسافراً لأجل كسبه ومعاشه، وقد يكون مجاهداً في سبيل الله لإعلاء كلمته ونشر دينه، وكلٌّ من هؤلاء الثلاثة قد يشقُّ عليه قيام الليل، فخفَّف الله عنهم وعن أمثالهم، وأسقط عن عموم المسلمين وجوب قيام الليل، وتركه نافلة للمتطوِّعين الراغبين في ذلك. ويؤكِّد ذلك الحديث الصحيح عند مسلم والنسائي والترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه الَّذي قال فيه: «قال السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هل عليَّ غيرها؟ يعني الصَّلوات الخمس، فقال: لا، إلا أن تَطَّوَّع»؛ فهو يدلُّ على عدم وجوب غير الصلوات الخمس المفروضة، ومن تطوَّع خيراً فهو خير.
    أمَّا عن الأحكام المتعلِّقة بالصَّوم، فقد فرض الله على عباده المسلمين صيام شهر رمضان، ولكنَّه رخَّص لهم بالإفطار لأسباب مانعة أو مرهقة كالمرض أو السفر، قال تعالى: {..فمن شَهِدَ منكمُ الشَّهرَ فلْيَصُمهُ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ يُريدُ الله بكمُ اليُسرَ ولا يُريدُ بكمُ العسرَ..} (2 البقرة آية 185) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى وضع شطر الصَّلاة عن المسافر، وأرخص له في الإفطار، وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما» (أخرجه أصحاب السنن عن أنس بن مالك رضي الله عنه ). وقد كان الصحابة الكرام تجاه مثل هذه الأحكام على فريقين، فبعضهم يأخذ بالعزيمة ـ في حال السفر أو المرض ـ إذا وجد في نفسه القدرة فيصوم، وبعضهم الآخر يأخذ بالرخصة إذا وجد في الصَّوم مشقَّة وحرجاً فيفطر، إلا أنه لم يكن صائمهم ليَعيب على مفطرهم، ولا مفطرهم على صائمهم. والأخذ بمثل هذه الرُّخص سنةٌ؛ ولا ينقص من الأجر شيئاً، كما أن عدم الأخذ بها يجعل المكلَّف آثماً إذا ترتَّب على عدوله عنها ضرر يؤذيه. ويؤكِّد ذلك ما روي عن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فصام بعض وأفطر بعض، فتحزَّم المفطرون وعملوا، وضعُف الصُوَّام عن بعض العمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (رواه مسلم والنسائي).
    وعن جابر رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى مكَّة في رمضان فصام حتَّى بلغ كُراع الغميم فصام النَّاس، ثمَّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتَّى نظر النَّاس ثمَّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض النَّاس قد صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة» (أخرجه مسلم والترمذي) ويؤيِّد هذا حديث آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم : «ليس من البرِّ الصيام في السفر» (رواه الخمسة عن جابر رضي الله عنه ).
    أمَّا فيما يتعلق بفريضة الحج فقد رُخِّص في بعض أحكامها المتعلِّقة ببعض شعائره كَرَمي الجمار؛ فأصل الحكم في ذلك أنه لا يجوز لأحد أن يرمي قبل نصف الليل الأخير بالإجماع. إلا أنه يُرخَّص للنساء والصبيان، والضعفاء، وذوي الأعذار، ورعاة الإبل أن يرموا جمرة العقبة من نصف ليلة النحر (ليلة الإفاضة من عرفات)، فعن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة ليلة النحر فرمت ثمَّ أفاضت» (رواه أبو داود والبيهقي).
    والأمثلة على التخفيف في الإسلام كثيرة يضيق المجال عن إحصائها، وهي تصل إلى حدِّ إباحة بعض ما حرَّم الله في حال الضرورة القصوى، ومن ثمَّ فإن ميزة التيسير ميزة واضحة في التشريع الإسلامي، نلمس آثارها وملامحها في معظم سور القرآن الكريم، وفي كثير من الحوادث الَّتي جرت في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي كثير من الأقوال الَّتي أُثِرت عنه في هذا الصدد، كقوله عليه الصَّلاة والسلام فيما رواه أحمد عن جابر رضي الله عنه : «بُعثت بالحنيفية السمحة»، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنه حين بعثهما إلى اليمن: «بشِّرا ولا تنفِّرا ويسِّرا ولا تعسِّرا» (رواه البخاري ومسلم). فاليسر في الدِّين هدية من الله لعباده، والتشدُّد فيه والتطرُّف بدعة يبتدعها المتعصِّبون والغُلاة، والله ورسوله بريئان منهم، ويؤكِّد هذا ما روي عن أنس رضي الله عنه قال: «جاء ثلاثة رَهْط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا كأنَّهم تقالُّوها (عدُّوها قليلة) فقالوا: وأين نحن من النبي وقد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟ فقال أحدهم: أمَّا أنا فإني أصلِّي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوَّج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الَّذين قلتم كذا وكذا؟ أمَّا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقُد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني» (رواه البخاري ومسلم) وبهذا فإنه صلى الله عليه وسلم عدَّ من يسعى إلى التطرُّف في دين الله، والغُلُو في تطبيق أحكامه، معادلاً للمقصِّر في دين الله، والراغب عن سنَّته صلى الله عليه وسلم ، وتبرَّأ منه. وخَيْرُ منهجٍ في هذا السبيل منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث صحَّ عنه أنه صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين، إلا اختار أيسرهما
    ما لم يكن إثماً.
    ومع ذلك كلِّه فإننا نصادف أناساً يشدِّدون على أنفسهم وعلى غيرهم من المسلمين، وينصِّبون أنفسهم قضاة عليهم، يُسفِّهون هذا ويُكفِّرون ذاك بداعي التعصُّب والغُلُو، وبدعوى أنهم يريدون من النَّاس أن يكونوا كاملين، بينما يؤكِّد الله تعالى أن الإنسان مخلوقٌ ضعيفٌ وليس بكامل {يُريدُ الله أن يُخففَ عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً}. ثمَّ إنهم يلجؤون إلى الوعظ بفظاظة وغلظة، فيُنفِّرون النَّاس منهم ومن الإسلام، حتَّى كان بعضهم سبباً في جعل بعض الدول تلاحقهم، وتمنعهم من نشر أفكارهم، لما فيها من دعوة إلى العنف والتطرُّف باسم الإسلام، والإسلام من عنفهم وتعصُّبهم بريء؛ فإذا كان الله تعالى قد أراد أن يخفِّف عن المؤمنين، فلماذا يجنح هؤلاء ليثقلوا كواهلهم بتشدُّدهم؟!
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {لله ما في السَّمواتِ وما في الأَرضِ وإن تُبدُوا ما في أنفسِكُم أو تُخفُوهُ يُحاسِبْكُم به الله فَيَغفِرُ لمن يشاءُ ويُعَذِّبُ من يشاءُ والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ(284)}
    سورة البقرة(2)
    وقال أيضاً: {لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسعَهَا لها ما كَسَبَت وعليها ما اكتَسَبَت ربَّنا لا تُؤاخِذْنا إن نَسِينا أو أخطَأنا ربَّنا ولا تَحمِلْ علينا إصْراً كما حَمَلتَهُ على الَّذين من قَبلِنا ربَّنا ولا تُحَمِّلنَا مالا طاقةَ لنا به واعْفُ عنَّا واغفِر لنا وارحَمنا أنتَ مولانا فانصُرنَا على القومِ الكافرين(286)}
    سورة آل عمران(3)
    وقال أيضاً: {قلْ إن تُخفوا ما في صدورِكُم أو تُبْدوهُ يَعْلَمْهُ الله ويعلمُ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ(29)}
    ومضات:
    ـ كيف لخالق هذا الكون بمجرَّاته اللامعدودة وآفاقه اللامحدودة أن يغيب عنه ما نُخفي، أو ما نُسِرُّ وما نعلن، والوجود كلُّه تحت بصره، محاط برعايته وعنايته.
    ـ لقد وضَعَنا الإسلام أمام نظام اجتماعي تربوي في غاية المثالية، فمن التزم به سعد بالمغفرة ونال رضا الله، ومن خالفه أشقى نفسه وحكم عليها بالعذاب.
    ـ لم تتجاهل الدعوة الأخلاقية في الإسلام طاقة النفس البشرية ومقدار تحمُّلها، إنما راعت ظروفها في حالة النسيان وحالة الخطأ غير المتعَمَّد، لتبقي على زخمها المتجدِّد في صلتها بالله تعالى، واستمدادها العون والقوَّة منه عزَّ وجل.
    في رحاب الآيات:
    الإسلام دين سَمْحٌ قويم، لم يفرض على الإنسان إلا ما يرفع عنه الأغلال ويحطُّ عنه الأثقال، ويُفيض عليه الرحمة واليُسر وأسباب الاستقامة على الطريق السويِّ. وعندما نزل قول الله تعالى: {لله ما في السَّمواتِ وما في الأرض وإن تُبْدوا ما في أنفسِكُم أو تُخفوهُ يُحاسِبْكم به الله..} اشتدَّ ذلك على الصحابة، فأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: (كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصَّلاة والصِّيام والجهاد والصَّدقة، وقد نزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها)، فأمرهم صلى الله عليه وسلم بالطاعة والتسليم الكامل لأمر الله حتَّى يكونوا من القوم المهتدين. فلما قرأها القوم وجرت بها ألسنتهم، وتغلغلت في قلوبهم، أنزل الله تعالى : {لا يُكلِّفُ الله نَفْساً إلاَّ وُسْعَها لها ما كَسبَت وعليها ما اكتَسبَت..} فَنَسَخت هذه الآيةُ الآيةَ الأولى.
    لقد أنزل الله تعالى في الآية الأولى ما أخاف المسلمين، فهي تنبِّئهم بأن الله سبحانه مالك لكلِّ ما في السموات والأرض، مطَّلعٌ على ما فيهن، عالمٌ بظواهر الأمور وبواطنها، ومحاسبٌ عليها جميعاً. وقد قال الصحابة ما قالوه لأنهم يرجون الوصول إلى الكمال الخلقي والعملي برغبة صادقة، ولكنهم أدركوا الضعف البشري الَّذي يتسلَّط على النفوس في بعض اللحظات، كالغضب والحبِّ والبغض والكراهية، وما إلى ذلك من جملة الانفعالات، الَّتي تولِّد لدى الإنسان خواطرَ وأفكاراً شتَّى، لا يستطيع التحكُّم بها في لحظتها، لأنها أمور قلبية نفسية بعيدة عن الإرادة والاختيار، فأقبلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ملتجئين إليه ممَّا يعتصر قلوبهم من الخوف، لعدم أهليَّتِهم لتحمُّل ما تكلِّفهم به الآية، مدفوعين بالرجاء من حضرة الله عزَّ وجل ليخفِّف عنهم بعض ما أصابهم. ويطالبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالامتثال دون اعتراض، كي يُقدِّموا الدليل الساطع على صحَّة إيمانهم واستسلامهم لأمر الله، فيكونوا من أصحاب السمع والطاعة؛ ويمتثل الصحابة الكرام وينجحون في الامتحان، فتأتيهم البُشرى من عنده سبحانه وتعالى لتهدِّئ من روعهم وتثلج صدورهم، فتتنزَّل الآية الَّتي تطمئنهم بأن الله تعالى، خالقهم ومولاهم، ولا يريد بهم إلا خيراً، ولن يكلِّفهم من الأمر ما لا يطيقون. فهو العليم بما يختلج في نفس العبد من الأفكار والميول، وما يكتنفه من خواطر وخصوصاً في لحظات الضعف، ولهذا فإنه لا يحاسبه إلا على ما تأصَّل في نفسه، وعقد العزم على الاستجابة له من النوايا والمشاعر، الَّتي كان لها دورٌ موجِّهٌ في أعماله، كمشاعر الحقد والحسد والعُجْب وغيرها، والله سبحانه يتجاوز له عن الخواطر والهواجس الَّتي تتوارد على قلبه بغير إرادته، ولا تترك أثراً في نفسه ولا ينتج عنها فعل، أو قول يكرهه الله، أمَّا إذا استرسل فيها إلى أن قادته إلى دائرة الأذى وإلحاق الضرر
    بالآخرين فإنه آثم، ويحاسَبُ على ما اقترف من أعمال سيئة.
    وبهذا لم يُغفل الإسلام مراعاة متطلَّبات الطبيعة البشرية للإنسان ـ وما فيها من قوَّة وضعف ـ أثناء عملية توجيه مسار سلوكه وتربية نفسه؛ بل نظر إليه على أنه وحدة متكاملة مؤلَّفة من جسد ذي نوازع ودوافع، وعقل ذي تفكير وتقدير، وروح ذات أشواق وآفاق، ففرض عليه من التكاليف ما يطيق، وراعى التناسب بين الطاقة والتكليف بدون مشقَّة، ولبَّى حاجات الجسد والعقل والروح في تناسق ينسجم مع الفطرة، فكلُّ تَوَهُّمٍ باستحالة القيام بهذه التكاليف هو من وساوس الشيطان، الَّذي يثني صاحبه عن الطاعات وما صلح من الأعمال والعبادات. فسائر التكاليف في الشريعة الإسلامية هي في حدود الطاقة البشرية وقدراتها، والله تعالى لا يكلِّف نفساً إلا وُسْعها، وهذا ما يدفع المسلم إلى تحسُّس آثار رحمة ربِّه وعدله، فيشعر بالطمأنينة والراحة والأُنْس، وقوَّة العزيمة للنهوض بهذه التكاليف.
    لقد نسخت هذه الآية الكريمة ما أشفق منه الصحابة في قوله تعالى: {..وإن تُبْدوا ما في أنفسِكُم أو تُخفوهُ يُحاسِبْكم به الله..} فلئن سأل الله تعالى وحاسب فإنه لا يعذِّب إلا بما يملك الإنسان دفعه، أمَّا ما لا يملك دفعه من وساوس النفس وحديثها فهو لا يعاقب عليه. وكلُّ نفس تحاسَبُ وتُجزى بما فعلت، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
    ومن كمال عدله وإحسانه تعالى أنه يجازي المسيء بقدر إساءته، فلا يضاعف له العقاب، ولا يحاسبه على نيَّة السوء ما لم تقترن بالعمل، بل إنه يكافئه إذا عدل عنها فلم ينفِّذها. ومن فضله وكرمه أيضاً أنه يجزي المحسن على نيَّته إذا عزم على عمل حسنة؛ وإن لم يتيسَّر له تنفيذها، ويضاعف له ثواب حسنةٍ عمل بها عشرات الأمثال ويزيد، قال صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الله كتب الحسنات والسيئات ثمَّ بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» (رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنه ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لي عن أمَّتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تَكلَّم أو تعمل» (رواه الستة).
    بعد هذا يرشدنا الله إلى كيفية سؤاله والتضرع إليه: {ربَّنالا تُؤاخِذْنا..} ويقدِّم لنا صورة رائعة البيان للدعاء الَّذي يُظهر حال المؤمنين مع ربِّهم وإحساسهم بضعفهم وافتقارهم إليه سبحانه، وحاجتهم إلى مدده وعونه. فدائرة الخطأ والنسيان تُحْكِمُ حصارها حول الإنسان، وحينها يتوجَّه إلى ربِّه يطلب منه العفو والسماح إذا وقع فيهما بعد بذل الجُهد والتفكر. إن هذا الدعاء يقوِّي في النفس خشية الله ورجاء مغفرته، فيتحوَّل إقبال المؤمن على ربِّه إلى نور تنقشع به ظلمة النسيان والخطأ والتقصير، فيستحقُّ العفو والمغفرة من الله الرَّحمن الرَّحيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله وضع عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه» (رواه ابن ماجه والبيهقي). ومن خلال هذا الدعاء يتصل الخطاب بين الأرض والسماء، وتتَّجه القلوب المؤمنة الوَجِلة إلى خالقها، تطلب الإعفاء من التكاليف الشاقَّة، الَّتي تعجز عن القيام بها، والَّتي كُلِّفت بها أمم سابقة. ولا يخفى ما يمثِّله هذا الدعاء من الشعور بنعمة الانطلاق والتحرُّر من أسر العبودية لغير الله، وتَلَقِّي الشرائع والقوانين منه وحده، مع الاستعداد التام للتقيُّد بها والالتزام. ويتابع المؤمنون تضرُّعهم إلى الله راجين أن يرحم ضعفهم، فلا يكلِّفهم فوق طاقتهم كي لا يقصِّروا في أداء ما فرضه عليهم، وأن يمحو ذنوبهم، ويستر عيوبهم، ويرحمهم برحمته الواسعة الَّتي وسعت كلَّ شيء.
    وهكذا فالإسلام دين كامل متكامل لا تعارُضَ بين أهدافه وغاياته، ولا بين طرق وأساليب تطبيقه المنسجمة مع الطاقات البشرية، إنه يصنع القلوب الَّتي يشرِّع لها، والمجتمع الَّذي يدعو إليه، صنعة إلهية متكاملة تسمو به إلى أُفُق الالتزام العقائدي، فلا رقابة سوى رقابة الضمير الإيماني، ولا هدف إلا رضا الله.
    إن أي قانون في العالم يمكن التحايل عليه، وكشف ثغراته ومنافذه، بسبب عدم كمال واضعه ومحدوديَّة إمكاناته، ولأنَّه يتعامل مع ظاهر أفعال الإنسان وتحرُّكاته؛ أمَّا التشريع الإسلامي الإلهي فإنه يُوَجَّهُ إلى كلِّ مُعتقِدٍ ملتزمٍ يُحِسُّ برقابة الله، الَّذي لا يخفى عليه شيء في ملكوته، فيستقيم المؤمنون عليه ويلتزمون بأحكامه، مع علمهم اليقيني المحسوس بأن الله تعالى لا يشاء لعباده إلا ما فيه الرحمة والعدل. ومن ثمَّ يتجرَّد المؤمنون تجرُّداً مطلقاً، ويطلبون من الله تعالى العون والنصر والسداد في سائر أمورهم الَّتي تتعلَّق بدينهم ودنياهم، فيا سعادة مثل هؤلاء القوم ويا هنيئاً لهم دنياهم العاجلة وأخراهم الآجلة.
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ الله باللَّغوِ في أَيمَانِكُم ولكن يُؤَاخِذُكُم بما كَسَبَت قُلُوبُكُم والله غفورٌ حليمٌ(225)}.
    سورة المائدة(5)
    وقال أيضاً: {لا يُؤَاخِذُكُمُ الله باللَّغو في أَيمَانِكُم ولكن يُؤَاخِذُكُم بما عَقَّدْتُمُ الأَيمانَ فَكفَّارَتُهُ إطعامُ عَشَرَةِ مساكينَ من أوسَطِ ما تُطعِمونَ أَهلِيكُم أو كِسوَتُهُم أو تحريرُ رَقَبَةٍ فمن لم يَجِد فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ ذلكَ كَفَّارَةُ أيمانِكُم إذا حَلَفتُم واحفَظُوا أيمانَكُم كذلك يُبَيِّنُ الله لكم آياتهِ لعلَّكُم تَشْكرون(89)}
    ومضات:
    ـ تُقَيَّم الأعمال عند الله تعالى بالنيَّات، ومن هنا كانت محاسبته على اليمين مرهونة بالنيَّة المعقودة عليها، ولهذا كانت الكفَّارة واجبة على اليمين المؤكَّدَة وبعد الحِنْث بها، لا على اليمين الَّتي ينزلق بها اللسان لغواً ودون قصد اليمين؛ وفي كلِّ الأحوال فإن لليمين حُرمة وقدسية لا يجوز أن تُنتَهك.
    ـ إن الله واسع المغفرة، يغفر الزلاَّت ويتجاوز عن ضعف العبد، طالما أنه لا يقصد بخطئه الإساءة إلى العباد، ولا مخالفة أمر الله سبحانه.
    ـ الإسلام دين المجتمع، لهذا فقد شرَّع أغلب الكفارات بشكل يجعل فائدتها تعود على المجتمع بشكل عام، فهو يُلزم مَنْ أقسَمَ يميناً ثمَّ حَنِث بها بإطعام عشرة مساكين، على ألا يرهق نفسه بل يكون إطعامهم مماثلاً لما يأكل، أو كسوتهم ممَّا يرتديه وأُسرَتُهُ، أو تحرير عبد من عبوديَّة الإنسان. وبعد أن أعطى الأولوية لهذه الخدمات الاجتماعية تحت شعار الكفَّارة وأعطى الفرد الحرِّية في اختيار إحداها، شرع الكفَّارة الفردية، لمن لا يقدر على واحدة ممَّا سبق بأن يصوم ثلاثة أيام، وهي كفَّارة تعود منفعتها المباشرة على المرء شخصياً، وتنعكس منافعها بشكل غير مباشر على المجتمع، بتقويم أفراده وتهذيبهم.
    ـ الله تعالى يفصِّل الأحكام بما يتلاءم ومصلحة الخلق، وعليهم في مقابل ذلك أن يشكروه ويقدِّروا نعمه عليهم.
    في رحاب الآيات:
    اليمين في الشرع هو قَسَمٌ يعقده الحالف على نفسه ليؤكِّد به ثبوت أمرٍ أو نفيه، أو عزمه على فعل أمر أو تركه، بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته، ويترتَّب عليه التزامه بصحَّة ما أقسم عليه، وتنفيذه حفظاً لحرمة اليمين وقدسيته. ومن بعض آثاره الهامَّة إيجاب حقٍّ للحالف أو حجب ذاك الحقِّ عمن امتنع عن القسم، ومن هنا كان لليمين دورٌ فاعلٌ في العلاقات بين النَّاس لاسيَّما القضائية منها. ولا يجوز شرعاً الحلف إلا بالله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم : «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد (أي الأصنام) ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون» (رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه ).
    ويُشترط فيمن يعقد اليمين: العقل والبلوغ وإمكان التنفيذ والاختيار (الحرِّية) فمن حلف مُكْرَهاً لم تنعقد يمينه.
    واليمين أنواع: 1 ـ اللغو 2 ـ المنعقدة 3 ـ الغموس
    1 ـ اللغو في اليمين: هو ما يجري على اللسان من غير قصد الحلف بمقتضى العرف والعادة، أو أن يحلف المرء على شيء يظنُّ صدقه فيظهر خلافه، فهو من باب الخطأ، وهذا اليمين لا كفَّارة فيه ولا مؤاخذة عليه.
    2 ـ اليمين المنعقدة: هي اليمين الَّتي يقصدها الحالف ويصمِّم عليها، فهي يمين متعمَّدة ومقصودة، وحكمها وجوب الكفَّارة عند الحِنْث بها، والحِنْث في اليمين يكون بفعل ما حُلف على تركه أو ترك ما حُلف على فعله.
    3 ـ اليمين الغموس: هي اليمين الكاذبة الَّتي يُقصد بها الغشُّ والخيانة، وهي من الكبائر، لأنه يقصد بها اغتصاب الحقِّ من صاحبه وإلحاقه بمعتدٍ كاذب. ولا كفَّارة فيها ويجب التوبة منها، وردُّ الحقوق المتعلِّقة بها إلى أصحابها؛ إذا ترتَّب عليها ضياع هذه الحقوق، قال صلى الله عليه وسلم : «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» (رواه البخاري).
    والمقصود بالكفارات: الأعمال الَّتي تكفِّر بعض الذنوب وتسترها، حتَّى لا يكون لها أثر يؤاخذ به صاحبها في الدنيا أو في الآخرة.
    وكفَّارة اليمين المنعقدة إذا حنث فيها الحالف هي، الإطعام أو الكسوة أو العتق، فمن لم يستطع أي أمر منها فليصم ثلاثة أيام. أمَّا الإطعام فإنه لم يرد نصٌّ شرعي في بيان مقداره، إنما يرجع في تقديره إلى العُرْف فيكون الطعام مقدَّراً بقدر ما يُطعم منه الإنسان أهل بيته من الطعام المتوسط، وقد حدَّدت الآية الإطعام إمَّا لعشرة مساكين يوماً واحداً، أو مسكيناً واحداً لعشرة أيام، كلَّ يوم أكلتين مشبعتين.
    وأمَّا الكسوة فهي إكساء عشرة مساكين ثوباً سابغاً لكلِّ واحد منهم، وأَقَلُّ ذلك ما يلبسه المساكين عادة، قال مالك وأحمد رضي الله عنهما: (يُدفع لكلِّ مسكين ما يصحُّ أن يصلِّي فيه إن كان رجلاً أو امرأة كلٌّ بحسبه).
    وأمَّا تحرير الرقبة فهو عَتْقُ رقيق وتحريره من العبودية. فإذا تعذَّرت الوسائل الثلاث كان عليه أن يصوم ثلاثة أيام، فإن لم يستطع لمرض أو نحوه، ينوي الصِّيام عند الاستطاعة.
    ويجوز للحالف أن يحنث بيمينه عمداً ويُكفِّر عنها إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ شريطة أن لا يترتَّب على الحِنْث المتعمَّد إيذاءٌ لأحد أو ضياعٌ للحقوق، قال صلى الله عليه وسلم : «إذا حلفْتَ على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فَأْتِ الَّذي هو خير وكفِّر عن يمينك» (رواه أحمد والبخاري ومسلم).

  4. #64

    افتراضي رد: القرآن منهاج الحياة

    القسم: الباب التاسع صور من تنظيم بعض المعاملات المالية في الإسلام
    الفصل الأوَّل:
    الإنفاق والقرض الحسن والصدقات
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {وأنفِقُوا في سبيلِ الله ولا تُلقُوا بأَيدِيكُم إلى التَّهلُكةِ وأحسنُوا إنَّ الله يُحبُّ المحسنين(195)}
    ومضات:
    ـ الإنفاق المثمر في سبيل الله هو ما كان خالصاً لوجه الله تعالى، ويشمل سائر وجوه الخير الَّتي أمر الله بها، وهو أساس التضامن العائلي والاجتماعي البنَّاء، ومن ثماره الطيِّبة تطوير الإمكانات العلمية والاقتصادية والدفاعية للأمَّة، فإذا بخل الأفراد في الإنفاق أصاب الأمَّة الهلاك وطمع بها الأعداء.
    ـ ليس الإنفاق مقتصراً على بذل المال، بل يشمل بذل كلِّ ما ينفع المجتمع ويعود عليه بالخير، فهناك من هو بحاجة إلى المال، وهناك من هو بحاجة إلى الهداية والتوجيه الرشيد، وهناك من يفتقر إلى العلم والمعرفة والخبرة، وهناك من يفتقر إلى المساعدة بالجهد العضلي وغير ذلك من مصالح الضعفاء والفقراء والعاجزين.
    ـ إن الله تعالى يحبُّ من المؤمن إذا قام بعمل صالح أن يؤدِّيه على أكمل وجه، دون أن يخالطه أيُّ شعور بالتعالي على مخلوقات الله، وهذا وجه من وجوه الإحسان الَّذي يثمر الحبَّ والمودَّة بين النَّاس، ويقوِّي الروابط الَّتي تؤلِّف بين قلوبهم، وتزرع في حناياها المحبَّة والرحمة والتآلف، ومن ثمارها القوَّة والمنعة والرقي.
    في رحاب الآيات:
    إن الإنفاق في سبيل الله يزكِّي النفس ويطهِّرها من الأثرة وحبِّ الذات، وبالمقابل فالشحُّ من الأسباب المؤدِّية إلى ظهور الأنا وإيثار الذَّات، وتقديم المصالح الخاصَّة على المصالح العامَّة، ولهذا صُنِّف السخاء في الأخلاق الحميدة الَّتي يحبُّها الله ويرضى عنها، وصُنِّف الشحُّ والبخل في الأخلاق الذميمة الَّتي يبغضها الله، فقد ورد فيما أخرجه البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «خُلُقانِ يحبُّهما الله، وخُلُقان يبغضهما الله، فأمَّا اللذان يحبُّهما الله، فالسَّخاء والسَّماحة، وأمَّا اللذان يبغضهما الله، فسوء الخلق والبخل، فإذا أراد الله بعبد خيراً استعمله على قضاء حوائج النَّاس».
    فالشحُّ والبخل والإمساك كلُّها أدوات بيد الشيطان، يحرِّكها في نفس الشحيح متى أراد وكيف يشاء، كي يزعزع ثقته بالله، ويزرع لديه الخوف غير المبرر من الفقر، ممَّا يؤدِّي إلى نتائج اجتماعية سيِّئة؛ لأن الأغنياء إذا انصرفوا إلى إيثار مصالحهم الخاصَّة من تجميع للثروات وتوسيع للعقارات والممتلكات، وتخلَّوا عن رعاية مصالح الأمَّة من الدفاع عن الأرض، وصيانة العرض، ورعاية البائس والمحروم، وإطعام الجائع، فقد ألقوا بأُمَّتهم إلى التهلُكة، ونعق فيهم ناعق الخراب، وغدت الأنانية والأثرة وحبُّ الذات طبيعة لهم، فيصبحون مطمعاً للأعداء لتفكُّك قوى الأمَّة وضعف عزيمتها، ويصير فقراؤها سخَطةً متمرِّدين، لا يهمُّهم عمران الأرض أو خرابها؛ وهم يرون جيوب الأغنياء عامرة بما يجب أن يُطعِمَ أفواههم ويشبع بطونهم الخاوية.
    وكما يكون الإمساك عن الإنفاق في سبيل الله إهلاكاً للنفس، فكذلك يكون الإنفاق فيما لا يُرضي الله مُهلكاً لصاحبه؛ لأنه يتلف ماله في المحرَّمات، والتهالك على ملذَّات الحياة، أو يسرف في المباحات كالطعام والشراب والتحلِّي بفاخر الثياب، ويحرم الفقراء من حقِّهم في هذا المال. لذلك أمرنا الله تعالى أن نتصرَّف بحكمة واتزان، بعيداً عن العشوائية الَّتي تعود علينا بأسوأ النتائج وتقودنا إلى الهلاك.
    إن الإنفاق في سبيل الله يعبِّر عن عروج المؤمن في مراقي العلم والسير للأفضل في كلِّ مناهج الحياة، سواء في سبيل الدعوة إلى الله، والتطوُّر الفكري والسلوكي للإنسان، أو إعداد العدَّة وحشد الإمكانات في معركة التهذيب والترقية الخُلقية. ويشمل الإنفاق أيضاً بذل الإنسان ممَّا يملك؛ دعماً لمن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهر بالحقِّ بالحكمة والموعظة الحسنة. ويشمل أيضاً تسخير معظم الأوقات في سبيل الله، وتوظيفها لنشر دين الله وتطبيقه، وكذلك توظيف الفكر والمشاعر والتأمُّلات من أجل فتح مجالات متنوِّعة، يتمُّ من خلالها تقديم الدِّين الحقِّ وعرضه، الدِّين الخالي من الرواسب الطائفية والأفكار الدخيلة كافَّة، وتوجيه الأهداف والآمال لتحقيق ذلك الغرض. ولكي يؤتي الإنفاق ثماره، ويحظى بالقبول عند الله عزَّ وجل، يجب أن يتوافر في المُنفق الإخلاص وصدق النيَّة، في ابتغاء مرضاة الله في كلِّ ما ينفق؛ من مال أو جهد أو وقت أو فكر أو أي طاقة يملكها من نعم الله وفضله.
    ولقد حثَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على الإنفاق وبذل المال في وجوه البرِّ مرَّات ومرَّات، مبيِّناً أجر المنفق وجزاء الممسك فقال: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهمَّ أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهمَّ أعطِ ممسكاً تلفاً» (رواه مسلم) وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: «السخاء شجرة في الجنَّة فمن كان سخيّاً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتَّى يدخله الجنَّة، والشحُّ شجرة في النار فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتَّى يدخل النار» (أخرجه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه ).
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمَنُوا أنفقوا ممَّا رزقناكُم من قبلِ أن يأتيَ يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلَّةٌ ولا شفاعةٌ والكافرُونَ هُمُ الظَّالمون(254)}
    ومضات:
    ـ يُحسن الله تعالى إلى خلقه بالعطاء والرزق، والمؤمنون يقابلون هذا الإحسان بالإحسان إلى النَّاس؛ فينفقون من أموالهم في وجوه الخير والبِرِّ الَّتي تُرضي الخالق سبحانه.
    ـ الدار الدنيا دار العمل والآخرة دار الجزاء، ومن لم ينفق اليوم في سبيل تحقيق ما يحبُّه الله تعالى، فسيواجه يوماً تتوقَّف فيه آلة العمل عن الدوران، فلا يعود بقدرته أن يفتدي نفسه بحسنة أو عمل صالح، فقد جفَّت الأقلام وطُويت الصحف، فلا حسنة تسجَّل ولا سيئة تمحى، ولن يجد المرء في ذلك اليوم من يدفع عنه العذاب، أو يشفع له لينجو من عاقبة ذنوبه، وعليه منذ الآن أن يختار الطريق الآمن المنجي من الشقاوة الأبدية والموصل إلى السعادة السرمدية.
    ـ الكافر ظالم لنفسه قبل أن يكون ظالماً لغيره، لأنه انحرف عن مسبِّبات السعادة السرمدية، واتخذ خطوات عدوِّه الشيطان مرشداً له وسبيلاً.
    في رحاب الآيات:
    إذا نشأ حبُّ الله في القلب وترعرع، ارتقى بالإنسان إلى مصافِّ الأتقياء ومراتب الأبرار، حتَّى يصبح كلُّ ما يملكه أداة طيِّعة يسخِّرها في سبيل هذا الحبِّ الإلهي. ولا غرابة في ذلك فإن نفس المؤمن الزكية تجود في سبيل محبوبها بالنفيس من مالها قبل الرخيص. ومن رحمة الله وسعة عطائه، أنه يرزق العبد ويهديه لينفق في وجوه الخير والبِرِّ فيُجزل له الثواب على ذلك، فهو المعطي للمال وهو المثيب على إنفاقه.
    أمَّا نفس البخيل والَّتي لم يتغلغل في حناياها حبُّ الله، ولم يهذِّبها حبُّ السخاء في سبيله، فهي أسيرةُ نوازعِ الطمع والتقتير، مكبَّلَة بأغلال المخاوف والوساوس، حتَّى يغدو صاحبها عبداً لماله بدلاً من أن يكون المال خادماً له. بينما تتحرَّر نفس المؤمن السخي من هذه القيود، فينطلق إلى ما فيه إعمار مجتمعه وازدهاره. والله تعالى لم يجعل في الصدقات إرهاقاً ولا حرجاً على الغني، فقد فرض في ماله حقاً يسيراً للفقير يكفل له الحصول على مصدر للكسب والإنتاج، فيحقِّق له عيشاً كريماً ويحوِّله إلى متصدِّق بدلاً من أن يكون آخذاً للصدقات. جاء في الحديث الشريف: «إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الَّذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً» (رواه الطبراني).
    وبهذا نجد أن أمام المؤمن فرصاً كثيرة مبثوثة في ساعات عمره كلِّها، وعليه أن يغتنمها ليجني منها ما استطاع من ثمرات الخير والبِرِّ الَّتي تعود عليه في الدارين حُسناً، مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابَك قبل هرمك، وصحَّتَك قبل سُقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتَك قبل موتك» (رواه البخاري ومسلم) وإلا فاته قطار العمر، وندم حيث لا ينفع الندم، في يوم لا يجد فيه مالاً يفتدي نفسه به، وتنقطع فيه الصلة بين الأخِلاَّء إلا المتَّقين منهم، قال تعالى: {الأخِلاَّءُ يومئذٍ بعضُهُم لبعضٍ عدوٌّ إلاَّ المتَّقين} (43 الزخرف آية 67)، ولا تُقبل فيه شفاعة إلا لمن أذن له الله من الرسل والأبرار، ولا يجد إلا ما قدَّمته يداه وسيُجزى عليه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
    ولا ريب في أن من الحكمة بمكان أن يضع المرء الأشياء في مواضعها الصحيحة ومن جملتها المال، فمن الظلم للنفس والمجتمع أن يضعه الإنسان في غير موضعه، وأن يصرفه في غير وجوهه الَّتي أمر الله بها، ويمنعه عن الملهوف فلا يغيثه، وعن المضطر فلا يكشف الضُرَّ عنه ولا يواسيه به، ولا يبذله في سبيل المصالح العامَّة الَّتي تفيد الأمَّة وترفع من قدرها.
    سورة آل عمران(3)
    قال الله تعالى: {لن تَنالوا البِرَّ حتَّى تُنفقُوا ممَّا تُحِبُّونَ وما تُنفِقُوا من شيءٍ فإنَّ الله به عليم(92)}
    ومضات:
    ـ أعظم الصدقات أجراً تلك الَّتي يبذلها المؤمن من خير ماله وأحبِّه إلى نفسه، فهي مفتاح البِرِّ وصندوقه ومحتواه.
    في رحاب الآيات:
    آية الصدق في العطاء وميزانه الصحيح؛ هو الإنفاق في سبيل الله تعالى من نفائس الأموال وأكرمها، وأطيبها كسباً، وذلك حباً في الله وإخلاصاً له وشكراً على نعمه.
    وبما أن الصَّدقة تُبذل لتحقيق مرضاة الله، فيجدر بنا أن نجود من أفضل الموجود، وألا يكون من الرديء الخبيث الَّذي تعافه نفس صاحبه ويهون عليها تركه، والله تعالى لا يقبل إلا الطيب ويجزي عليه جزاء الراضي الشاكر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من تصدَّق بعدل تمرة من كَسبٍ طيِّبٍ، ـ ولا يقبل الله إلا الطيِّب ـ فإن الله يقبلها بيمينه، ثمَّ يُربِّيها لصاحبها كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّهُ ـ مهره ـ حتَّى تكون مثل الجبل» (متفق عليه).
    وممَّا أُثر عن السلف الصالح أنهم كانوا إذا أحبُّوا شيئاً جعلوه لله تعالى، فعن ابن عمر رضي الله عنه أنه اشتهى في مرضٍ له حوتاً، فأخذته امرأته، فصنعته ثمَّ قربته إليه، فأتى مسكين، فقال ابن عمر: خُذْهُ، فقال له أهله: سبحان الله، قد عنَّيتنا، ومعنا زادٌ نعطيه منه، فقال: إن عبد الله يحبُّه. ورُوي أن سائلاً وقف بباب الربيع بن خيثم رحمه الله، فقال لأهله: أطعموه حلوى، فقالوا: نُطعمه خُبزاً أنفع له، فقال: ويحكم أطعموه حلوى، فإن الربيع يحبُّ الحلوى. وقد كان عليه السَّلام يُحسن توجيه صحابته إلى محلِّ الإنفاق ويحثُّ على إعطاء الأقارب والاهتمام بهم، لأن الإنفاق العشوائي لا يحقِّق الغاية المرجوَّة منه، أمَّا الإنفاق الموجَّه فإنه يصل بصاحبه إلى البِرِّ الَّذي هو جوهر محبَّة الله لعباده المصطفين الأخيار. وتدخل الصدقات في دائرة الإنفاق، وكلُّ ما ينفقه المرء فالله به عليم، ويجازيه عليه بحسب ما يعلم من نيَّته ومن موقع ذلك في قلبه.
    سورة التغابن(64)
    قال الله تعالى: {فاتَّقوا الله ما استطعتم واسْمَعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسِكم ومنْ يُوقَ شُحَّ نفسِهِ فأولئك همُ المفْلِحون(16) إن تُقْرِضوا الله قرْضاً حسناً يُضاعِفْهُ لكم ويغْفِرْ لكم والله شَكورٌ حليم(17) عالمُ الغيبِ والشَّهادةِ العزيزُ الحكيم(18)}
    ومضات:
    ـ يبيِّن الله تعالى مبادئ أساسيَّة ليلتزم المؤمنون بها، تبدأ باتِّقاء محارمه كلِّها وامتثال أوامره ضمن الطاقة البشرية، فلا يُكلِّف الله أحداً بأكثر من طاقته، ومن ثمَّ فقد أوجب علينا سبحانه السمع والطاعة لأمر الله عزَّ وجل وأولي الأمر منَّا، والإنفاق السخي ونبذ الأثرة والأنانية. وبالمقابل فقد منح الطائعين المهديين وعداً بالفلاح والنصر ما داموا ملتزمين بذلك.
    ـ إن تقديم القرض لله تعالى يعني الإنفاق على المحتاجين زيادة عن حدود التكليف، والله تعالى يبارك في هذه الأموال المنفَقَة وينمِّيها ويردُّها مضاعفة لمقدِّميها، مقرونة بالمغفرة والشكر وحسن الثواب.
    ـ الله تعالى رؤوف بعباده حليم عليهم، أعطاهم من نعمه ورزقهم من فضله، ثمَّ طلب إليهم أن يتصدَّقوا بشيء من هذا العطاء، وهو العالم بما يجهلونه، الشَّاهد على ما يقدِّمونه، وهو العزيز في سلطانه الغني في ملكه، الحكيم في تقديره ولا يشرِّع إلا ما فيه خير النَّاس جميعاً.
    في رحاب الآيات:
    إن طموحات الإنسان المؤمن إلى المزيد من الكمال وفضائل الأعمال لا حدود لها، لكنَّه لن يستطيع أن يدركها كلَّها بجهده البشري المتواضع، وطاقاته المحدودة، لذا أحاطت به عناية الله وتوفيقه فعامله بفضله، فكان له ثواب ما عمل من الطاعات والقربات، وثواب النيَّة على ما لم يتمكَّن من عمله. فالله جلَّ وعلا يدعو الَّذين آمنوا ليتَّقوه في حدود الطاقة والاستطاعة، {فاتَّقوا الله ما استَطَعْتُم} وفي هذا الحنوِّ {ما استطعتم} يتجلَّى لُطف الله بعباده، وعلمه بحدود طاقتهم في طاعته وتقواه. ومع ذلك فلابدَّ للمرء من أن يقوم بالجهد الممكن المقرون بالبذل والإنفاق، لأنه لا يمكن لأي عمل فاضل أن يستمرَّ ما لم يُدعم مادياً ومعنوياً وعملياً.
    إن الإنفاق في سبيل الله أوَّل ما يعود بالنفع على المنفق نفسه، وهذا ما أكَّده قوله تعالى في هذه الآية: {وأنفقوا خيراً لأنفسِكُم} فجعل ما ينفقونه وكأنه نفقة مباشرة لذواتهم، ويعدُّها خيراً لهم حين يفعلون، ويريهم شُحَّ النفس بلاءً خطيراً، والسعيد السعيد من يقي منه نفسه فينجو من شرِّه. ولا يخفى أن التكافل الاجتماعي قد يحتاج إلى مزيد من البذل والإنفاق، ممَّا يستلزم المزيد من التضحية، ولهذا دعانا الله تعالى إلى الإقراض وعَدَّ نفسه هو المستقرض، حيث يردُّ للمقرض الجواد ما أنفقه أضعافاً مضاعفة، مقروناً بالمغفرة والعفو الإلهي، ولولا حلمه تعالى وفضله على عباده ما أثابهم على إنفاقهم لشيء هو مالكه الحقيقي، وهو الَّذي وضعه تحت تصرُّفهم ليحسنوا التصرف فيه فيضعوه في الجهة الَّتي يرضاها.
    إن إنفاق المسلم على أخيه المسلم تفريجاً لكربه، وإزالةً لهمِّه ومواساةً له في ضائقة أَلمَّت به؛ هو عمل لله يراد به وجهه، وكأن العبد يقدم قرضاً لله عزَّ وجل، وهو خير من يكافئ على هذا التقديم. فتبارك الله ما أكرمه وما أعظمه! فهو ينشئ العبد ثمَّ يرزقه، ثمَّ يسأله فضل ما أعطاه، قرضاً يضاعفه، ثمَّ يشكر لعبده الَّذي أنشأه وأعطاه، كما أنه يعامله بالحلم في حال تقصيره عن شكر مولاه. إن الله يعلِّمنا بصفاته كيف نتسامى عن الضعف والنقائص، ونتطلَّع دائماً إلى الخير والإحسان، لنشهد فضله سبحانه، ونحسن إلى خلقه كما أحسن إلينا في حدود طاقتنا الصغيرة المحدودة. والله عالم بكلِّ شيء، بما غاب وما حضر ولا تخفى عليه خافية، كلُّ شيء خاضع لسلطانه، مدبَّر بحكمته، كي يعيش النَّاس وهم يشعرون بأن عين الله ترعاهم، وسلطانه مهيمن عليهم، وحكمته تدبِّر الأمر كلَّه حاضره وغائبه، ويكفي أن يستقرَّ هذا التصوُّر في القلوب لتتَّقي الله، وتخلص له، وتستجيب لأوامره.
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {من ذا الَّذي يُقرِضُ الله قَرضاً حسناً فيُضاعفَهُ لهُ أضعَافاً كثيرَةً والله يَقبِضُ وَيَبْسُطُ وإليه تُرجَعُونَ(245)}
    ومضات:
    ـ المؤمن مدعوٌّ لبذل المزيد من ماله في طرق الخير، ابتغاءً لمرضاة الله تعالى وإعلاءً لكلمته، والله تعالى يلقي على هذا البذل صفة القرض لأن القرض لا إلزام فيه، وردُّه مضمون من قِبَلِهِ تعالى مضاعفاً في الحياة الدنيا والآخرة.
    ـ الله تعالى يضيِّق الرزق على من يشاء ويوسِّعه على من يشاء، ابتلاءً وامتحاناً، فليس كلُّ تقتير في الرزق نقمة، ولا كلُّ سعة فيه نعمة، بل هو وسيلة لاختبار مدى صبر المؤمن على القليل، وحسن تدبيره وشكره على الكثير.
    في رحاب الآيات:
    يحثُّ الله تعالى عباده على التصدُّق والإنفاق، لما في ذلك من تهذيبٍ لنفوسهم التوَّاقة بطبعها إلى جمع المال واكتنازه، باعتبار أنه الوسيلة الَّتي تحقِّق بها لذائذها الدنيوية، فتأنس به في هذا العالم الزائل، وتنفر من أجله من الموت، وتنشغل به عن الاستعداد للقاء الله عزَّ وجل.
    وقد قضى الله تعالى بامتحان النفس البشرية لبيان صدقها في محبَّته من كذبها، وذلك بدعوتها إلى التصدُّق بأجزاء من بعض محبوباتها الدنيوية ومنها المال ابتغاءً لمرضاته، وما سُمِّيت الصَّدقة صدقةً إلا لأنها تدلُّ على صدق العبد في محبَّة ربِّه.
    إن الحضَّ على الإنفاق يأتي هنا في صورة عقد القرض بين الله والعبد، وقد سمَّى الله تعالى المال المُنْفَق، والزائد عن حدود الزَّكاة، قرضاً له ليشير إلى أن نماءه سيأتي مضاعفاً في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وإلا لسمَّاه تبرُّعاً أو هبة لا يتوجَّب سدادها في المستقبل المنظور. أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ملكاً بباب من أبواب السَّماء يقول: من يقرض الله اليوم يُجْزَ غداً، وملك بباب آخر ينادي اللَّهم أَعطِ منفقاً خَلَفاً وأعطِ ممسكاً تَلَفاً، وملك بباب ثالث ينادي يا أيُّها النَّاس هلمُّوا إلى ربِّكم، ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى».
    ثمَّ إن لله تعالى طريقاً آخر يمتحن به عبده فهو يقلِّل المال بين يديه ليختبر صبره وثباته، وليُبقي قلب المؤمن متعلِّقاً به سبحانه لا يشغله عنه شاغل. وربَّما عاقب الله العاصي من عباده بتقتير الرزق عليه ليدفع به إلى لحظة الصحو والتنبُّه من غفلته، والتضرُّع إليه جلَّ وعلا ليعيده إلى جادَّة الصواب وينتشله من ضيقه. ولربَّما منع الرزق أيضاً عمَّن هو جاهلٌ بسنن الحياة، متوانٍ عن الأخذ بالأسباب، قاعدٌ عن السعي في مناكب الأرض ليعلِّمه أن الرزق لمن يعمل ويتعب، لا لمن يتقاعس ويتواكل. فالله تعالى يبسط المال إنعاماً وانتقاماً، ينعم به على من أناب وعمل صالحاً، وأنفقه حيث أمره أن ينفقه، ويفتن به من جحد واستكبر. وهكذا يكون المال وسيلة ابتلاء للأغنياء والفقراء على السواء، المؤمنين منهم والضالِّين، والفائز هو من تعمل يده في الدنيا، بينما قلبه معلَّقٌ بالله وعينه متطلِّعة إلى يوم الحساب.
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {مثَلُ الَّذين يُنفِقُونَ أموالَهُم في سبيلِ الله كمثَلِ حَبَّةٍ أَنبتَت سَبعَ سنابِلَ في كلِّ سُنبُلَةٍ مائةُ حَبَّةٍ والله يُضاعِفُ لمن يشاءُ والله واسِعٌ عليمٌ(261)}
    ومضات:
    ـ من يبذل المال ابتغاءَ مرضاة الله تعالى لا يخشَ الفقر أو الحاجة، لأنه بذلك يدير تجارة ناجحة مضمونة الأرباح، تصل عائداتها إلى سبعمائة ضعف لرأسمالها وربَّما أكثر إذ أن فضل الله غير محدود.
    ـ ذكر الله تعالى أن المال يجب أن ينفق في سبيله على وجه العموم ولم يقيِّده بكيفية أو صيغة محدَّدة، إشعاراً بأن أوجه البِرِّ كثيرة وجميعها توصل إلى طاعته ورضوانه.
    ـ بعد أن ذكر الله تعالى أن ثواب الإنفاق في سبيل الله يصل إلى سبعمائة ضعف قال: {والله يُضاعِفُ لمن يَشاءُ} إيذاناً بأن هذا هو الحدُّ الأدنى للثواب، بينما الحدُّ الأقصى لا نهاية له، وهو متاح ومبذول لكلِّ من ضحَّى وصدق النيَّة والعزيمة من أجل طاعة الله الَّذي وَسِعَ علمه وفضله كلَّ شيء.
    في رحاب الآيات:
    من خلال سعي الإسلام إلى بناء مجتمع متعاضد متلاحم، يرغِّب بإنفاق المال في أوجه الخير كوسيلة لتهذيب نفس معطيه وتفريج كرب آخذه، ليتحوَّل المجتمع بذلك إلى أسرة يسودها التعاون والتراحم. وقد دعا الشارع الحكيم إلى البذل وحثَّ عليه بأسلوب يستهوي الأفئدة، ويثير في النفس كوامن الخير والبِرِّ والإحسان، حيث بدأ بالحضِّ والتأليف، ولم يبدأ بالفرض والتكليف. وهو في هذه الآية يحفز المشاعر والانفعالات الخيِّرة في الكيان الإنساني، من خلال صورة من صور الحياة الفَيَّاضة المعطاء، صورة الزرع، هبة الأرض الَّتي هي هبة الله، الأرض الَّتي تعطي من الزرع أضعاف ما تأخذ من البذار.
    وتَجسَّد مشهد الحياة النابضة، والطبيعة المتجدِّدة، في صورة العُودِ الَّذي يحمل سبع سنابل، في كلِّ سنبلة منها مائة حبَّة، فتكون الحبَّة قد تضاعفت سبعمائة ضعف، تمثيلاً لمضاعفة أجر من أخلص في صدقاته وأعماله الصالحة، فالله تعالى يربِّيها كما تربِّي الأرض الطيِّبة الزرع. وقُيِّد الإنفاق بأن يكون خالص النيَّة في سبيل الله، وسبيل الله مدخل واسع يتَّسع لكلِّ حاجات المجتمع، فيشمل الإنفاق على الفقراء والمساكين والأقارب وطلبة العلم، وكذلك وجوه البِرِّ كالمستشفيات والمدارس، كما تدخل فيه أي نفقة تعود بالرقي الفكري والنُّمُوِّ الاقتصادي على المجتمع، وإزالة أسباب التخلُّف والجهل ورفع المستوى الحضاري للناس جميعاً.
    والله سبحانه يضاعف العطاء لمن يشاء من عباده، وهو عطاء لا يعلم حدوده إلا هو، ويضاعف من رحمته الَّتي لا يعرف أحد مداها، ويجعل من فضله للناس بذاراً في مزرعة الدنيا تنضج فيها ثمَّ تُحصد في الدار الآخرة.
    سورة آل عمران(3)
    قال الله تعالى: {ولا يحسبَنَّ الَّذين يَبخَلُونَ بما آتاهُمُ الله من فضلِهِ هو خيراً لهم بل هو شرٌّ لهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلوا به يومَ القيامة ولله ميراثُ السَّمواتِ والأرضِ والله بما تعملونَ خبير(180)}
    سورة الحديد(57)
    وقال أيضاً: {وما لكم ألاَّ تُنفِقوا في سبيلِ الله ولله ميراثُ السَّمواتِ والأرضِ لا يستوي منكم من أنفقَ من قبْلِ الفتْحِ وقاتلَ أولئك أعظمُ درجةً مِنَ الَّذين أنفَقوا من بعدُ وقاتَلوا وكُلاًّ وَعَدَ الله الحُسنى والله بما تعملونَ خبير(10) من ذا الَّذي يُقرِضُ الله قرْضاً حسناً فيُضاعِفَهُ له وله أجرٌ كريم(11)}
    سورة محمَّد(47)
    وقال أيضاً: {هاأنتم هؤلاء تُدْعَونَ لِتُنفقوا في سبيلِ الله فَمِنكُم من يَبْخَلُ ومن يَبْخَلْ فإنَّما يَبْخَلُ عن نفسه والله الغنيُّ وأنتم الفقراءُ وإن تَتَولَّوا يستبدِلْ قوماً غيرَكُم ثمَّ لا يكونوا أمثالَكُم(38)}
    ومضات:
    ـ يخطئ البخيل التقدير إذا ظنَّ أن كنزه للمال وإمساكه عن الإنفاق في سبيل الله يحفظ عليه ماله ويحقِّق له الخير والربح، لأن بخله سينقلب في النهاية وبالاً عليه، حين يتحوَّل ماله إلى قيد يحكم وثاقه ويزيد من عذابه في الآخرة.
    ـ إن إعراض كثير من النَّاس عن البذل والإنفاق في أوجه الخير يثير الاستغراب والاستنكار، لأنهم يدركون تماماً أن الله تعالى خالق السموات والأرض، قد أعطى خلائقه ما أعطاهم على سبيل الوديعة، فهو يقلِّبها ويداولها بين أيديهم كيفما يشاء، وفي النهاية سيعود كلُّ شيء إليه، لأنه هو المالك الحقيقي لكلِّ شيء، ولن يتملَّك أيُّ فرد، كائناً من كان، مُلْكاً خالداً في هذه الأرض، ففيمَ يتشبَّثون وعلامَ يحرصون؟.
    ـ الإنفاق الأكمل هو ما كان في وقت الحاجة الماسَّة إليه، وهو أهم بكثير من الإنفاق حين الرخاء والبحبوحة، ولكلٍّ أجره مع التفاوت؛ فالمؤمن الحقيقي ينفق في الحالين، فلا الضرَّاء تُنسيه حقَّ الفقير، ولا السرَّاء تُطغيه.
    ـ الدعوة إلى إقراض الله تعالى، هي دعوة المؤمن إلى البذل طوعاً أكثر ممَّا هو مفروض عليه، بلا حدود أو قيود، وهذا القرض يردُّه الله تعالى للمنفق في الحياة الدنيا أضعافاً مضاعفة، ثمَّ يُجزِلُ له الثواب في الدار الآخرة.
    ـ الله تعالى قادر على إنفاذ أمره، وإتمام نور شريعته، ومن تقاعس عن حمل الرسالة وتولّى عن شرف خدمة دينه، يستبدله بمن هو أشدُّ حرصاً على إعلاء كلمته ونُصرة دينه.
    في رحاب الآيات:
    الإنسان يحبُّ المال بطبعه، وقد يتطوَّر هذا الحبُّ ليصبح شغفاً ونهماً، وهذا التعلُّق يدفع صاحبه إلى البخل والجشع وحبِّ الأثرة وغير ذلك من المساوئ الخُلُقية، ولا يمكن للمرء أن يتخلَّص من ذلك إلا بتربية النفس وتزكيتها وتمرينها على البذل، وتدريبها على العطاء، وبقدر ما يملك المرء من قوَّة الإيمان وعمق اليقين، يستطيع مغالبة نفسه والانتصار عليها بإخراج المال المحبوب من دائرة تعلُّقاته القلبية.
    إن البُخل مرض نفسي واجتماعي خطير، من آثاره الضارَّة نشوء فئتين من النَّاس، فئة غنية مترفة تتكدَّس الأموال في خزائنها وبين أيديها، وتبذل كلَّ وقتها من أجل تنميتها والحفاظ عليها، ولا تحتاج منها إلا القليل، وفئة أخرى فقيرة مُعوِزة بحاجة ماسَّة إلى المال لتأمين ضروريَّات العيش، تنفق جُلَّ وقتها في طلبه ولا تحصل عليه. ولو بسط البخيل يده وأنفق قسماً من ماله لوجد الفقير حاجته فالتقت بذلك مصلحة الطرفين، ولَعَمَّ الجميعَ حبٌّ وتفاهم وتعاون ولعاش النَّاس جنَّة الأرض قبل جنَّة السماء. ولا يخفى على كلِّ ذي نظر مُنصف أن ما يمكن تصوُّره بذلك، من سعادة وأمن ورفاهية على مستوى الأشخاص؛ ينطبق تماماً على مستوى الأمم والدول، ولو تحقَّق ذلك عملياً لامتنعت الحروب ولعمَّ السَّلام، ولعاش النَّاس كلُّ النَّاس متآخين متعاونين متواسين.
    ومن ناحية أخرى فإن الَّذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله يبخلون بما لا يملكونه فعلاً؛ لأنهم جاؤوا إلى هذه الحياة لا يملكون شيئاً، فمنَّ الله عليهم وأغناهم، حتَّى إذا طلب إليهم أن ينفقوا بعضاً ممَّا أعطاهم بخِلوا ونَسُوا فضله عليهم، وحسِبوا أن في كنزه خيراً لهم، وهو شرٌّ كبير لهم، ينعكس على حياتهم الخاصَّة وترابطهم العائلي والاجتماعي. إن حبس المال عن المحتاجين يؤدِّي إلى فساد بُنية المجتمع وظهور تيَّارات يتبنَّاها أناس آذاهم الفقر وأَقَضَّ مضجعهم الجوع، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الشحَّ فإن الشحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلُّوا محارمهم» (رواه مسلم) وهم بعد ذلك كلِّه ذاهبون وقد خلَّفوه وراءهم، والله وحده هو الوارث الحقيقي للكون كلِّه {ولله ميراث السموات والأرض}.
    ولعلَّ وِقفة تأمُّلٍ لمصير ما نملك ومآله إلى غيرنا من بعدنا، ومن ثمَّ ميراث الله تعالى للأرض وما عليها، يعطينا الباعث لأن نعيد حساباتنا ونفكر بمدَّخراتنا للرحلة الأبدية، فكلُّ ما ننفقه اليوم في سبيل الله يُدَّخر لنا مضاعفاً لدى المصارف الإلهية، وأمَّا ما ننفقه في سبيل ملذَّاتنا الدنيوية فهو ذاهب إلى العدم، وكلُّ ما نكنزه ونحجبه عن مساعدة النَّاس وإسعاد المؤمنين، سينقلب إلى طوق يُشدُّ حول أعناقنا ويضيِّق عليها الخناق، ويذيقنا العذاب الَّذي لا يطاق. فما حَرِصنا عليه في الحياة الدنيا وبخلنا به وعشنا في همِّ الاستزادة منه وقلقنا في سبيل المحافظة عليه، يتحوَّل إلى أثقال تَرزحُ كواهلُنا تحتها في الدار الآخرة، ليصبح كلُّ مكسب حصلنا عليه في رحلة الحياة القصيرة هذه همّاً في الحياة وهمّاً بعد الممات.
    إن الله تعالى الرحيم بعباده لم يرتضِ لهم هذا المآل فأرشدهم إلى طريق الخلاص من الشُّحِّ وآثاره، ولهذا نجد أن الآيات الَّتي تحثُّ على الإنفاق في كتاب الله العزيز كثيرة جداً. فالمال مال الله، والإنسان مُستخلَفٌ فيه، لا يجوز له أن ينفقه إلا فيما أباح الله، ولله ميراث السموات والأرض، والمال سيؤول إليه في النهاية ضمن هذا الميراث، فما الَّذي يعيق النَّاس عن الإنفاق في سبيله حين يدعوهم إلى ذلك؟. إن الآيات الكريمة الَّتي نحن بصددها توضح أفضلية الإنفاق وأولويته، وترشد المؤمن متى ينفق، وأين ينفق، وكيف يحسب جدوى الإنفاق، والعائد من هذا الإنفاق. وتُبَيِّن كذلك أنَّ مَنْ يُنفِقُ وهو في ضيق وفي وقت الحاجة الماسَّة أفضل ممَّن ينفق عن سعة أو في وقت الرخاء، وفي كلٍّ خير. وقد بذلت النُّخبة المصطفاة من المهاجرين والأنصار وُسعها من النفس والمال في ساعة العسرة ـ قبل فتح مكة ـ حين كان الإسلام غريباً مُحاصَراً من كلِّ جانب، فكان هذا البذل خالصاً لا تشوبه شائبة من طمع أو رياء، وعلى الرغم من أن ما بذلوه من ناحية الكمِّ كان قليلاً بالقياس إلى مَنْ أنفق من بعد الفتح، فإن القرآن الكريم الَّذي يَزِنُ الأمور بميزان الحقِّ، يقرِّر أن الكمَّ ليس هو الراجح في ميزان الله، بل الراجح هو الباعث على الانفاق وما يمثِّله من حقيقة الإيمان؛ فالَّذين آمنوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم وأنفقوا في سبيل نشر دعوته، وهو لم يزل بعد في بداية أمره ـ ودَعوَتُه ما زالت في مهدها ضعيفة الوسائل ـ خيرٌ من أولئك الَّذين آمنوا به وأنفقوا في سبيل دعوته بعد أن أصبحت ذات سطوة ومنعة. فبينما حمل الأوَّلون الدعوة على كواهلهم، حتَّى وصلت إلى ما وصلت إليه، دون أن يعلموا ما الَّذي كانت تخبِّئه لهم الأقدار، دخل المتأخرون في الإسلام منتفعين به بعد أن عرفوا وأدركوا النصر الَّذي حقَّقه بالفتح. فالَّذي ينفق والعقيدة مطاردة، والأنصار قلَّة، وليس في
    الأفق بشائر أمل منظورة، غير الَّذي ينفق والعقيدة آمنة، والأنصار كثيرون، والنصر قريب المنال، لأن إنفاق الأوَّل متعلِّق مباشرة بالله، متجرِّداً تجرُّداً كاملاً لا شُبْهة فيه. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خلَّلها في صدره بخِلالٍ، فنزل عليه جبريل عليه السَّلام فقال: يانبي الله! ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلَّلها في صدره بخلال؟ فقال: قد أنفق عليَّ ماله قبل الفتح، قال: فإن الله يقول لك: اقرأ على أبي بكر السَّلام، وقل له: أَرَاضٍ أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر إن الله عزَّ وجل يقرأ عليك السَّلام ويقول: أراضٍ أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربِّي؟؟ إني عن ربِّي لراضٍ، إني عن ربِّي لراضٍ، إني عن ربِّي لراضٍ!! قال: فإن الله يقول لك قد رضيتُ عنك كما أنت عني راض، فبكى أبو بكر، فقال جبريل عليه السَّلام: والَّذي بعثك يامحمَّد بالحق، لقد تخلَّلت حَملةُ العرش بالعُبيِّ منذ تخلَّل صاحبُك هذا بالعباءة» (أخرجه ابن عبد البر في التمهيد، والقرطبي).
    ومن ينفق عندما تدعو الحاجة للإنفاق خير ممن ينفق في وقت يَعُمُّ فيه الرخاء والخير بين النَّاس. ومن ينفق لإغناء عائلة ونشلها من دائرة الفقر خير ممن يوزِّع إنفاقه بين عدد كبير من النَّاس، بحيث يبقى الجميع محتاجين، ولو أننا أمسكنا عليهم الرمق لوقت قصير. والخير فيمن ينفق لشراء أدوات الإنتاج ليضعها بين يدي الفقراء المحتاجين ويحوِّلهم إلى عناصر منتجة، يعملون ويسدِّدون قيمة هذه الأدوات من حاصل إنتاجهم. والإنفاق على عالِمٍ ليتفرَّغ للعلم والتعليم وهداية الخلق إلى الحقِّ خير من الإنفاق على جاهل فقير مُعْرِضٍ عن العلم والتعلُّم.
    وأفضل أنواع الإنفاق وقمَّة العطاء، حين يعطي المرء حسب الحاجة بلا حساب، ولا قيود، ويقدِّم بعطائه هذا قرضاً كريماً لحضرة الله، ولوجهه تعالى، ومن أوفى منه جلَّ وعلا بتسديد القروض، وإعادتها لأصحابها مضاعفة مع حسن الثواب؟، فإذا كانت الفوائد محرَّمة حين يقرض الإنسان أخاه الإنسان فهي مباحة ودون حدود بين العبد وخالقه. وفي كلِّ الأحوال، فإن هناك دائماً من هو بحاجة إلى المساعدة، سواء بسبب مصيبة أَلَمَّت به أو نازلة حلَّت بساحته، أو ضيق ألقاه بين براثن الجوع والحاجة، أو مرض أقعده عن السعي وطلب الرزق، وهناك أناس طيِّبون يبذلون ويقدمون لهؤلاء المحتاجين ما يحتاجونه من مال أو جهد، وهناك أيضاً من يبخل ويتقاعس. ولكن ـ ولحاجة ماسَّة ولظروف طارئة ـ قد يُدعى النَّاس جميعاً إلى البذل الكثير والعطاء الوفير، لضرورات أَمنيَّةٍ أو اجتماعية تستلزم حشد الطاقات جميعها، المادية والفكرية والعلمية، وذلك للنهوض بالمجتمع من كبوته ورفع راية الإيمان والتوحيد، وحينها ينبغي على الجميع أن يُلَبُّوا داعي الحقِّ، وأن يقدِّموا الغالي والنفيس، سواء من أموالهم أم من وقتهم أم من جهدهم وعرقهم. وإذا ما تقاعس بعض الأغنياء والعلماء والقادرين عن دعم مجتمعهم، أو قصَّروا في بناء كيانه الروحي والأخلاقي والعلمي والمادي، فإن الله تعالى بحكمته وقدرته العليَّة سيستبدلهم بأناس مُتحمِّسين ومندفعين لمتابعة المسيرة، وحمل شُعلة الإيمان بعزم وتصميم يسبقون به من جاء قبلهم، ويكونون خيراً منهم في حُسن العمل وجودة البناء. وخير مثل على موقف المجتمع المؤمن عند الحاجة العامَّة ما فعله صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما دعا داعي الجهاد والبذل والتضحية بالمصالح وبالمال والأنفس، حيث هبَّ المجتمع كلُّه ودون استثناء ليدافع عن وجوده وكيانه ودينه، واسترخص في سبيل هذه الغاية العظمى كلَّ تضحية فلم يمسك تجاهها شيئاً، بل جاد المجتمع كلُّ المجتمع
    المؤمن المربَّى بكلِّ ما يملك، فكان أهلاً للنصر والعزَّة والكرامة وقد فاز بها في الدنيا، وله في الآخرة ما هو أَعزُّ وأكرم وأبقى.
    سورة الإسراء(17)
    قال الله تعالى: {وآتِ ذا القُرْبى حقَّهُ والمسكينَ وابنَ السَّبيلِ ولا تبذِّر تبذيراً(26) إنَّ المبذِّرين كانوا إخوانَ الشَّياطينِ وكان الشَّيطانُ لربِّهِ كفوراً(27) وإمَّا تُعرِضَنَّ عنهم ابتغاءَ رحمةٍ من ربِّكَ تَرجوها فقلْ لهم قولاً ميسوراً(28) ولا تجعلْ يدَكَ مغلولةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كلَّ البَسْطِ فتقعدَ مَلَوماً مَحسوراً(29) إنَّ ربَّكَ يَبْسُطُ الرِّزقَ لمن يشاءُ ويقدِرُ إنَّه كان بعبادِهِ خبيراً بصيراً(30) ولا تقتلوا أولادَكُم خشيَةَ إمْلاقٍ نحن نَرزُقُهم وإيَّاكم إنَّ قَتْلَهم كان خِطْأً كبيراً(31)}
    ومضات:
    ـ يجعل القرآن الكريم للقريب والمسكين وابن السبيل حقاً في الأعناق يُوفَّى بالإنفاق، وينهى عن التبذير في الإنفاق الَّذي يجعل من المنفق فقيراً معدماً. فالإنفاق الَّذي دعا إليه هو يد محسنة تمتدُّ إلى بائس فتنقذه من بؤسه، وليس ضربة قاضية تحوِّل الباذل المعطي إلى فقير معدم يحتاج إلى من يساعده.
    ـ عدَّ الله تعالى المبذِّرين الَّذين ينفقون أموالهم فيما يسخط الله إخواناً للشياطين، لأنهم يندفعون وراء أهوائهم ويلقون بأنفسهم في التهلُكة، من غير توازن ولا شعور بالمسؤولية.
    ـ عند تعذُّر أداء المال لذوي القربى والمساكين وابن السبيل، يمكن للمرء أن يكرمهم بالقول الليِّن والكلمة الطيِّبة بما يطيِّب خاطرهم ويشرح صدورهم.
    ـ التوازن هو القاعدة الأساسية في النهج الإسلامي فخير الأمور بنظره أوسطها، والإفراط كالتفريط يُخِلُّ بسنن الحياة، فالبخل بمثابة اليد المغلولة إلى العنق، والإسراف يدٌ مبسوطة كلَّ البسط، ونهاية الاثنين على السواء الحسرة والندامة.
    ـ إن الله عزَّ وجل يبسط الرزق لمن يشاء، ويَقْدِر الرزق على من يشاء فهو الخبير البصير بعباده، العالم بما فيه خيرُهم أو شرُّهم، ولو اطَّلع الإنسان على الغيب لاختار الواقع الَّذي يَنْفُذُ قَدَرُه.
    ـ ما دام الرزق بيد الله فينبغي على الإنسان ألا يخاف من فقدان لقمة العيش، وأن لا يجزع من تبعة إعالة أولاده، وألا يفكر مُجرَّد تفكير بالتخلُّص منهم خوفاً من الفقر. وما عليه إلا أن يسعى في طلب الرزق امتثالاً لأمر الله: {هو الَّذي جعل لكم الأرضَ ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رِزقه وإليه النُّشور} (67 سورة الملك آية 15) لِيَجِدَ الرزق الَّذي يُصْلِحُ حاله قد سعى إليه مصداق قوله تعالى: {نحن نرزقهم وإيَّاكم}. ولا يخفى ما تصرِّح به الآية الكريمة من أنَّ ما يُرزَق به الآباء إِنْ هو إلا رزق الأبناء أصلاً، والآباء تبعاً، فلولا هؤلاء الأولاد الضعاف لما رُزق الآباء الأقوياء هذا الرزق الواسع.
    في رحاب الآيات:
    تزداد قوَّة الفرد بمقدار شدَّة ارتباطه بمجتمعه والرعاية المتبادلة بينهما. وتأكيد الشريعة الإسلامية على رعاية ذوي القربى من حيث الأولويَّة تمتين لهذا الارتباط، وضمان لرعاية الأفراد في الأسرة الواحدة، ثمَّ لرعاية الأفراد في المؤسسات الاجتماعية الأوسع والَّتي تكون بحاجة للعناية والمساعدة. وقد أولى الإسلام اهتمامه لذوي القربى قبل غيرهم لأنهم أقرب النَّاس للمكلَّف، وأحقُّهم بمعروفه وإحسانه، والإحسان إليهم هو من صلة الرحم الَّتي حثَّ الله عليها، وحذَّر من مَغبَّة الإخلال بها أو الإساءة إليها، أخرج البيهقي أن أعرابياً قال: «يارسول الله! إني رجل موسر، وإن لي أُمّاً وأباً وأختاً وأخاً وعمّاً وعمَّة وخالاً وخالة، فأيُّهم أولى بِصِلتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمُّك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك». وأخرج البيهقي وابن عدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل البيت إذا تواصلوا أجرى الله عليهم الرزق، وكانوا في كَنَفِ الرحمن عزَّ وجل».
    وبعد ذوي القربى يأتي دور المسكين، وهو من عفَّت نفسه عن سؤال النَّاس، بعد أن أَلزمَته دارَهُ قوَّةٌ قاهرة، ومنعته من إمكانية العمل والسعي في طلب الرزق الحلال. ويليه ابن السبيل وهو المنقطع في دار الغُربة، والَّذي تجب نجدته ومساعدته ليصل سليماً معافى إلى أهله ووطنه. هؤلاء جميعاً لهم حقوق على الأغنياء، وإن أداء هذا الحقِّ واجب عليهم وليس تفضُّلاً منهم، وقد فرضه الله وقرَنه بعبادته وتوحيده، وهو واجب على المكلَّف يؤدِّيه فيبرئ ذِمَّته، ويصل حبل المودَّة بينه وبين من يعطيه. ومع ذلك فإنَّ الإسلام لا يدعو إلى ذلك بشكل عشوائي بل إنه يحضُّ على الإنفاق الموجَّه وبحسب الضرورة، وعلى أسس عقلية حكيمة، فلا يجوز العبث بالثروة وتبديدها حتَّى لا تفقد قوَّتها في الإنتاج والعطاء.
    وكذلك فإن إنفاقك جميع مالك أو معظمه ولو في سبيل الخير وتركك عائلتك في حالة من الحاجة هو من الإسراف المرفوض، فقد ورد في الصحيحين عن سعد رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : «لئن تترك أهلك أغنياء خير من أن تتركهم فقراء يسألون النَّاس». ومن أشكال التبذير أيضاً إنفاق المال في غير وجهه الصحيح، كالَّذين ينفقون أموالهم في معاصي الله فهم إخوان الشياطين، أي في حكمهم، لأنهم يسعون في الفساد كالشياطين، ويتَّبِعون الباطل الَّذي تُسَوِّل لهم أنفسهم.
    أمَّا إذا لم يجد الإنسان ما يؤدِّي به حقَّ ذوي القربى والمساكين وابن السبيل، واستحيا أن يواجههم، وتوجَّه إلى الله يرجوه أن يرزقه ليعطيهم ويؤدِّي حقوقهم، فليَعِدهم خيراً وليقل لهم قولاً ليِّناً، ولا يضق بهم ذرعاً، ففي القول الميسور عوض وأمل وتجمُّل.
    إن التوازن هو القاعدة الأساسية في النهج الإسلامي، والغُلُو في الشيء كالتفريط فيه، يُخلُّ بالتوازن المطلوب، لذلك ينهى الله عن البخل كما ينهى عن الإسراف، ويكنِّي عن البخل باليد المغلولة إلى العنق فهي لا تنفق شيئاً، وعن الإسراف باليد المبسوطة كلَّ البسط فهي لا تمسك شيئاً، ويؤكِّد أن نهاية البخل ونهاية الإسراف على السواء عجز وضعف. إذن ينبغي على المرء أن يقتصد في عيشه، ويتوسَّط في الإنفاق دون بخل ولا إسراف، روى أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما عال من اقتصد»، وأخرج البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة».
    والله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده عن تبصُّر وحكمة، ويقلِّل الرزق على من يشاء عن خبرة وتبصُّر أيضاً، وهو يعلم من الَّذي تصلحه السعة في الرزق ومن الَّذي تفسده، ومن الَّذي يصلحه الإقتار ومن الَّذي يفسده. وقد ورد في الأثر: يقول تعالى: [إن من عبادي المؤمنين من لا يُصلِحُ إيمانه إلا الغِنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يُصلِحُ إيمانه إلا الصحَّة ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا السُّقم، ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أُدبِّر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم، إني عليم خبير].
    وبعد هذا البيان من الله تعالى بأنه كفيل بأرزاق العباد، وأنه هو الَّذي يبسط ويَقْدِر، نهى عن قتل الأولاد ـ وخاصَّة البنات ـ خشية الفقر، فالأرزاق بيده وحده، وخزائن السموات والأرض بيده يفتحها للبنين والبنات. وإنَّ قتلهم خوف الفقر هو من سوء الظنِّ بالله، ويُعدُّ جريمة كبرى لما فيه من انقطاع النسل واعتداء على حقِّ الحياة الَّذي منحه الله لمخلوقاته جميعاً. أخرج أحمد والترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يكون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فيتَّقي الله فيهن ويحسن إليهن إلا دخل الجنَّة»، وهذا ردٌّ على التشاؤم من الأنثى والاستبشار بالذكر. إنها مسؤولية جسيمة، مسؤولية الإنسان نحو ماله وأولاده وأقربائه وبني جنسه، ولا يوفَّق في حملها إلا من كان ذا حظ عظيم.
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {الَّذين يُنفقونَ أموالَهُم في سبيلِ الله ثمَّ لا يُتبِعونَ ما أنفَقوا مَنّاً ولا أذىً? لهم أجرُهُم عند ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون(262) قولٌ معروفٌ ومغفِرةٌ خيرٌ من صَدَقَةٍ يَتبَعُها أذىً والله غنيٌّ حليمٌ(263) ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تُبطِلوا صَدقاتِكُم بالمَنِّ والأذى كالَّذي يُنفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاس ولا يؤمِنُ بالله واليومِ الآخرِ فمَثَلُهُ كمَثَلِ صَفوانٍ عليه ترابٌ فأصابهُ وابِلٌ فتركَهُ صَلداً لا يَقدِرونَ على شيءٍ ممَّا كسَبُوا والله لا يهدي القومَ الكافرينَ(264) ومثَلُ الَّذين يُنْفِقونَ أموالَهُمُ ابتغاءَ مرضاتِ الله وتَثبيتاً من أنفُسِهِم كمَثَلِ جنَّة برَبوةٍ أصابها وابِلٌ فآتَت أُكُلَها ضعفَينِ فإن لم يُصِبها وابِلٌ فَطَلٌّ والله بما تعمَلُون بصيرٌ(265)}
    ومضات:
    ـ إن مَن ينفق المال بِنِيَّة خالصة لله، ثمَّ لا يُعْقِبُ إنفاقه بالمنِّ على من أحسن إليه أو بالإيذاء والتشهير، سيجد ثواب ما قدَّم عند الله، وسيكون من الآمنين في ظلِّه؛ لا يعتريه الخوف في الدنيا ولا في يوم القيامة، ولن يفوته شيء من مسرَّات الدنيا ومباهجها، بل يكون من سعداء الدَّارين.
    ـ إن ردَّ السائل بالكلمة الطيِّبة ومعاملته المعاملة اللائقة والدعاء له، هو عند الله تعالى أحسن وأعظم أجراً من إعطائه المال مع الإساءة إلى كرامته؛ بإغلاظ القول والتحقير والإهانة. فالإسلام دين التوادد والتراحم لذلك حمى كرامة الفقير، ومنع إهانته من قبل ضعاف النفوس ومرضى الإيمان، تحت طائلة إحباط عملهم وعدم قبوله.
    ـ خزائن الله ملأى وعطاؤه لا ينضب، فهو الغني والمغني، وهو الحليم الَّذي يُمهل المسيء إلى أن يرجع عن إساءته، ويصحِّح مسيرته وأسلوب تعامله مع خلق الله.
    ـ المنافق الَّذي يبذل ماله أمام النَّاس كسباً لمدحهم وثنائهم، دون أن يؤمن بالله ويرجو ثوابه، سينظر يوم القيامة إلى ما أنفقه فيجده هباءً منثوراً. فمهما كان ظاهر عمله صالحاً فإنه لا يعدو كونه رياءً ونفاقاً، فإذا ما تعرَّض للامتحان، تنكشف حقيقته وتتهاوى الأقنعة الَّتي يختبئ وراءها، لتظهر حقيقة أعماله الَّتي لا جذور لها في أرض الإيمان ولا ثمر لها من الخير، بل هي أعمال عقيمة بتراء.
    ـ الإنفاق المُجدي هو الإنفاق المقترن بالرغبة الصادقة بالتقرُّب إلى الله، وتثبيت ركائز الإيمان والسعادة للمجتمع، وهو عمل خصب منتج، وثوابه مضمون بإذن الله سواء قلَّ أم كثر، لأنه محاط برعاية الله تعالى وعنايته.
    في رحاب الآيات:
    الإنفاق الحقُّ في الإسلام هو التبرُّع المَحْضُ الَّذي يفي بالحاجات ويهذِّب المشاعر دون أن يؤذي كرامة، أو يخدش شعوراً، وهو الَّذي يصدر عن أريحية ونقاء، ويُقصَد به مرضاة الله وحده. وكلُّ تصرُّف يحوِّل هذا التبرُّع عن هذه الغاية السامية فهو محُبِطٌ للعمل، مُبْطِلٌ للأجر. فثواب الإنفاق عند الله تعالى ومنه وحده، والإسلام يدعو المرء إلى الإنفاق من غير أن ينتظر جزاءً من النَّاس ولا شكوراً، ويُعلِّق ثواب الإنفاق على ترك المنِّ والأذى ليكون خالصاً نقيّاً ممَّا يشوبه أو يفسده، وليحفظ على الفقير كرامته ومشاعره.
    فالزَّكاة أو الصَّدقة ليست مِنَّةً يهبها الغني للفقير، يستذِلُّه بها وينتظر منه مقابَلَتها على حساب كرامته ومشاعره، وإنما هي حقٌّ استودعه الله لدى الغني ليؤدِّيَه إلى أهله، وليوزِّعه على مستحقِّيه. وبذلك تتقرَّر حقيقة هامَّة هي أن المال ليس وقفاً على الأغنياء دون غيرهم، وإنما هو للجميع؛ الأغنياء والفقراء على حدٍّ سواء، يتداولونه فيما بينهم وتستقيم به حياتهم. وحين يُصْرَفُ المال في وجوهه الصحيحة، يتحوَّل المجتمع إلى أسرة واحدة، يسودها التعاون والتكافل والتوادد والتراحم، وترتفع البشرية إلى المستوى الكريم الَّذي يليق بها حيث المعطي والآخذ سواء. وهذا السلوك غير مقيَّد بزمن معين ولا بشروط محدَّدة، بل إنه يأتي تلبية لاحتياجات واقعية في المجتمع الإنساني تتكرَّر في كلِّ الأزمنة والظروف.
    وبما أن الغاية الأولى للصَّدقة هي تهذيب النفوس، وتأليف القلوب، فإنه لا حاجة بالمجتمع إلى الصَّدقة الَّتي يتبعها أذى، وأولى منها كلمة طيِّبة، وشعور سَمْح، لأن الكلمة الطيِّبة تضمِّد جراح القلوب، وتُشعرها بالرضا والبشاشة، وأحسن منها أيضاً دعاء من الأعماق يغسل أحقاد النفوس ويزرع فيها الإخاء والمحبَّة.
    لقد جعل الإسلام كرامة الإنسان أغلى بكثير من راحته المادية، ونهى الأغنياء عن جَرْحِ مشاعر الفقراء أو إيذائهم بعد إنفاقهم عليهم، لأن الصَّدقة الَّتي يتبعها التجريح أكثر ضرراً بالمرء من منفعتها، وهذا يقرِّر القاعدة العامَّة في الفقه الإسلامي: (درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح). وقد حذَّر الله المؤمنين من مداخل الشيطان ومخارجه في الرِّياء وحبِّ الظهور والمفاخرة، ورغَّبهم بالإنفاق سرّاً حتَّى لا تعلم شمالُ أحدهم ما تُنفق يمينه، وجعل حافزهم إلى ذلك يقينهم بأنهم سيَلقَون الأجر والعوض من الله. وهذا اليقين هو الحلقة المفقودة عند أهل الرياء والمفاخرة، الَّذين يَرَوْنَ المجد مجد الدُّنيا، والثواب ثواب الدُّنيا فقط، فيفقدون بذلك نصيبهم في الآخرة. عن الإمام علي كرَّم الله وجهه قال: (ما أنفقتَ على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدقتَ فلك، وما أنفقت رياءً وسُمعة فذلك حظُّ الشيطان).
    والرِّياء معناه طلب الجاه والمنزلة لدى النَّاس بالتظاهر بالطاعات، وقد نهى الله عنه وحذَّر منه؛ لما له من آثار سيئة في النفس والمجتمع، ولأنه نوع من الشرك المحبط للعمل. ومن يتتبَّع الآثار السيئة للرِّياء في المجتمع البشري، وفي الحياة الإنسانية جمعاء، ومدى ما يحدثه من فساد في الخُلُق، واضطراب في النُّظُم، وانحراف للعُرف، وإعاقة عن النهوض والارتقاء، يُدرك على الفور الحكمة من تحريم الرِّياء والنهي عنه. ذلك أنه قناع زائف بصورة الفضيلة، سُرعان ما يَسقطُ ليكشف عن قبح النفس الَّتي كان يسترها، فيصيب مَنْ حولها بخيبة الأمل وضياع الرجاء، ويجعلهم يشكُّون بقيم الفضيلة ذاتها.
    لقد كان التوجيه القرآني من خلال الآيات الكريمة حريصاً على تسديد سلوك المؤمنين في الإنفاق بأسلوب رمزي غير مباشر؛ فضرب الله لنا فيها المثل بنموذجين متغايرين من المتصدِّقين والمنفقين، يشتركان معاً في صفة الإنفاق من حيث الصورة، إلا أنهما يختلفان من حيث المقدِّمة والنتيجة؛ فالمقدِّمة هي النيَّة الَّتي تكون خالصة لله عند أحد الطرفين، ومشوبةً عند الطرف الآخر، وحسب هذا الاختلاف بين المقدِّمتين تختلف النتيجة عند الله، فمن صحَّت نيَّته كانت نتيجة إنفاقه إيجابية فيُقْبَلُ عمله ويُثاب عليه، أمَّا من فسدت نيَّته فستكون نتيجة إنفاقه سلبية فيُحْبَطُ عمله، ويُحْرَمُ الأجر والثواب.
    فمثل الَّذين يبطلون صدقاتهم بالمنِّ والأذى كمَثَل المرائي الَّذي يُظهر أنه يريد وجه الله فيما يفعل، وإنما قصدُه مدح النَّاس له، وذكرهم له بالخير مع غفلته عن معاملة الله تعالى، وابتغاء رضوانه، وجزيل ثوابه، ولهذا وَصَفتهُ الآية بأنه لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر. ومثل هذا المرائي كمثل الحجر الأملس المغطَّى بشيء من التراب، يظنُّه المرء أرضاً طيِّبة منبتة، فإذا أصابه مطر شديد ذهب عنه التراب فإذا به صَلْدٌ عقيم ليس عليه شيء حتَّى الغبار، كذلك هو حال المنافق يظنُّ النَّاس أن له أعمالاً صالحة، فإذا كان يوم القيامة، انكشفت حقيقة أعماله واضمحلَّت واندثرت فلا يجد لها ثواباً. قال عليه الصلاة والسَّلام: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا يارسول الله وما الشرك الأصغر قال: الرياء، يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الَّذين كنتم تراؤون لهم فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً» (رواه الإمام أحمد بإسناد جيد وابن أبي الدنيا والبيهقي مرفوعاً).
    والإنفاق الَّذي يَتْبَعه مَنٌّ يتحوَّل إلى أذىً للواهب والآخذ على السواء، فهو أذىً للواهب لما يزرع في نفسه من كِبْر وخُيَلاء ورغبة في رؤية أخيه متذلِّلاً له، كسيراً أمامه، وما ينتج عن هذا التصرُّف من نتائج سلبية حيث يُدخله في زمرة المنافقين المرائين، ويُحبط عمله ويجعله من الأخسرين. وهو أذىً للآخذ لما يثير في نفسه من الشعور بالانكسار والذلِّ والإهانة، وهذه تعدُّ دوافع للحقد والرغبة بالانتقام والثأر للكرامة المهدورة والشرف المُهان، وهذا كلُّه يناقض ما أراده الإسلام من الإنفاق، ألا وهو التهذيب، وتطهير نفس المعطي، واستثارة مشاعره الإنسانية، وتذكيره بنعمة الله عليه، وإرضاء نفس الآخذ وتلبية حاجاته، وتوثيق صلته بأخيه في الله وفي الإنسانية.
    وهكذا فإن الصَّدقات تفقد ثوابها ومصداقيتها ما لم نسلك بها طريق الكرامة والفضيلة، والله ذو الغنى المطلق غنيٌّ عن عباده، فهو لا يأمرهم ببذل المال لحاجته إليه بل ليطهِّرهم ويزكِّيهم ويؤلِّف بين قلوبهم، ويصلح شؤونهم، ليكونوا أَعِزَّة؛ بعضهم لبعض ناصر ومعين.
    فالصَّدقة ليست تفضُّلاً من المانح على الآخذ، بل هي تفضُّل من الله تعالى على المانح والآخذ على السواء، لأنها تفتح للأوَّل الأبواب إلى الجنَّة وتيسِّر للآخر شؤون دنياه، ويجدر بالعباد أن يتعلَّموا من خالقهم كيفية البذل والإحسان، فهو يعطي عباده عطاء كريماً بلا حساب، منزَّهاً عن المنِّ والأذى؛ فإن اقتدى المؤمنون بذلك أصبحوا يمثِّلون الوجه المشرق للمنفقين، والصورة البيضاء الناصعة للمحسنين؛ لأنهم تَبنَّوا القِيم العليا عن عقيدة إيمانية ثابتة، ثمَّ ترجموها إلى عمل مبرمج وموجَّه في أوجه البرِّ والإحسان، سمت منهم المشاعر، وتطهَّرت القلوب، فأنفقوا أموالهم في سبيل الله، تزكية لأنفسهم وتمكيناً لها في مراتب الإيمان والإحسان، فغدا البذل طبعاً فيهم، يُنقِّيهم من الشوائب الَّتي تعوقهم عن الكمال. ومَثلُ أحدهم في الكرم والعطاء الخالص لوجه الله؛ كمَثلِ الجنَّة الخصبة، العميقة التربة، تقوم على مكان مرتفع، فإذا نزل عليها المطر الغزير أحياها وأخصبها ونَمَّى زرعها. وكذلك هي الصَّدقة تُحيي قلب المؤمن فيزكو ويزداد صلة بالله، كما يزكو ماله ويُضاعف بقدر ما يشاء الله له. وإذا أصاب هذه الجنَّة مطر خفيف فإنه يكفيها لأن التربة جيدة، خصبة، كريمة العطاء، حسنة الموقع، وهكذا هو الإنسان الجواد، إن أصابه خيرٌ كثيرٌ أغدق ووسَّع في الإنفاق، وإن أصابه خيرٌ قليلٌ أنفق بقدر ما أصابه، فخيره دائم وبِرُّه ـ وإن قلَّ ـ لا ينقطع. ورد عن الإمام علي بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه ـ أنَّه قال: (إنَّ الصَّدقة إذا خرجت من يد صاحبها وقبل أن تدخل في يد السائل تتكلَّم بخمس كلمات أولاها تقول كنت قليلة فكثَّرتَني، وكنت صغيرة فكبَّرتني، وكنت عدواً فأحببتني، وكنت فانية فأبقيتني، وكنت محروسة والآن صرت حارسك).
    ولعلَّ أفضل أوجه الإنفاق هو الَّذي يؤهِّل الفقير لكي يكون مصدراً للعطاء في يوم من الأيام، وصورَتُه أن ينفق الغني قسماً من الزَّكاة في تأسيس نواة عمل تُوظَّف فيه الأيدي العاملة الفقيرة، ويُملَّك فيها العاملون بعض الأسهم علاوة على مرتَّباتهم، ويمكن لهذا العمل أن يحقِّق أرباحاً، وإذا ما أضيفت إلى زكاة السنوات المتتالية ساعدت في إنشاء أعمال أخرى؛ تستقطب أكبر عدد من العاطلين عن العمل، ليصبحوا منتجين ومشاركين في إنعاش الحركة الاقتصادية، ممَّا يعود بالخير على البلاد والعباد. وهذا المشروع يمكن أن يُدعم بإقامة مؤسَّسة عامَّة للزَّكاة يدفع لها المسلمون زكاة أموالهم وصدقاتهم، بحيث يتمُّ توظيف قسم من الزَّكاة والصَّدقات في مشاريع مُجدية ثابتة، ويُنفَقُ القسم الباقي لتأمين الحاجات الآنيَّة والضرورية للفقراء والمعوزين. ويمكن لهذه المؤسسة أن تتطوَّر لِتصلَ إلى الحلول المناسبة للمشاكل الاقتصادية الَّتي يعاني منها المجتمع الإسلامي، مثل تقديم القروض للمعوزين لشراء منازل تؤويهم، أو أمكنة عمل ينطلقون منها إلى العمل والبناء، وغير ذلك ممَّا يعود بالنفع على كامل الأمَّة.
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {إنْ تُبدوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هي وإن تُخفوها وتُؤتوها الفقراءَ فهو خيرٌ لكم ويُكَفِّرُ عنكم من سيِّئاتِكُم والله بما تعملونَ خبيرٌ(271)}
    ومضات:
    ـ لا بأس في إعلان الصَّدقة المفروضة، إن كان يُرجى من إعلانها خيرٌ، وحضٌّ على الاقتداء بالصالح من الأعمال.
    ـ الصَّدقة كلُّها خير، ما أُعْلن منها وما أُخْفي، إلا أن صدقة السرِّ تَفْضُلُ مثيلتها العلنية لأنها تحقِّق الهدف المرجو منها بشكل كامل، وهو قضاء حاجة من حاجات الفقير وحفظ كرامته في آن واحد، كما أن كتمانها يجعلها خالصة مخلَّصةً من شبهة الرِّياء.
    ـ الصَّدقة مدعاة لمغفرة الله تعالى ورضوانه، ووسيلة للتكفير عن الذنوب.
    ـ ينبغي على المؤمن حين يقوم بالعمل الصالح أن لا يغيب عن باله أن الله تعالى مُطَّلع على السرائر، وأن عمله لا يرقى إلى مرتبة البِرِّ إلا إذا حَسُنت سريرته كما حسن ظاهره.
    في رحاب الآيات:
    الإسلام دين الكمال والاعتدال، فهو يجمع بين الواقعية والمثالية بشكل يحقِّق السعادة لمعتنقيه، ويشيع بينهم الحبَّ والتضامن، وينزع من قلوبهم العداوة والبغضاء المؤدِّية إلى الفشل والتنازع. وينطلق الإسلام إلى تحقيق أهدافه من قاعدة أساسية هي بناء الإنسان من داخله بناءً متوازناً سليماً، يكون فيه سِرُّه كعلانيته، فإذا تناقض الظاهر مع الباطن، وتعارض القول مع العمل، حلَّ النفاق والرِّياء اللذان يُفقدان المرء شخصيته، ويُحبطان عمله.
    وقد رغَّب الإسلام بالإنفاق الطوعي في السرِّ، لتحقيق التعاون الاجتماعي؛ مع حفظ الكرامة الإنسانية في آن واحد. ولكنَّه في حثِّه هذا لا يُغفِل طبيعة النفس البشرية الَّتي تهتزُّ عند المدح والثناء، بل ربَّما يكون عند بعض النَّاس مشجِّعاً ودافعاً يحفزهم لمزيد من العطاء. وممَّا لا يخفى أنَّ من سِمات الأصالة العربية السخاء والكرم، إلا أن ذلك قد لا يخلو أحيانا من أن يكون بقصد الذِّكر الحسن أو إثارة إعجاب الآخرين، فكان الأمر بحاجة إلى التربية الطويلة والجُهد الكثير مع التجرُّد والإخلاص، لذلك كان من الحكمة التعامل معها ضمن دائرة الممكن والعرف؛ كي لا يضيعَ شيء من مصالح الخير، ولا يفوتَ الفقراءَ شيءٌ من البِرِّ. وهكذا وضع التشريع الإسلامي الإنفاق الخفي والعلني في كفَّتي ميزان دقيق تَرجُحُ فيه كفَّة الإنفاق الخفي على العلني في حال التطوُّع، وتتساوى فيه كفَّة الإنفاق العلني مع الخفي في حال الفريضة، وحين يكون الهدف من الإعلان تشجيع الآخرين على القيام بها يحصل المنفق على أَجْرَي السرِّ والعلانية.
    وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الَّذي رواه البخاري عن السبعة الَّذين يُظِلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه أنَّ منهم: «..ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً: «صدقة السرِّ تطفئ غضب الربِّ، وصلة الرحم تزيد في العمر، وفعل المعروف يقي مصارع السوء» (أخرجه البيهقي في الشعب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ).
    ولا يخفى ما للصدقة من دور في حطِّ الخطايا وتكفير الذنوب، فهي تطهِّر النفس ممَّا علق بها من الأدران وتزكِّيها من الآثام، قال تعالى: {خُذْ من أموالِهِم صَدَقَةً تُطهِّرُهُم وتُزَكِّيهِم بها..} (9 التوبة آية 103) وهي باب من أبواب مغفرة الله تعالى وسبيل لنيل رضاه، وأفضل الأعمال وأحبُّها إليه تعالى، لما فيها من إدخال السرور على قلوب عباده، وتفريج لكُرَبِهم، وقضاء لديونهم وحوائجهم.
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {للفقراءِ الَّذين أُحصِرُوا في سبيل الله لا يستطيعونَ ضَرْباً في الأرضِ يحسَبُهُمُ الجاهلُ أغنياءَ من التَّعفُّفِ تَعرِفُهُم بسيماهُم لا يسئَلُون النَّاس إلْحافاً وما تُنفِقُوا من خيرٍ فإنَّ الله به عليمٌ(273) الَّذين ينفقونَ أموالَهُم باللَّيلِ والنَّهارِ سِرّاً وعلانيَةً فلهم أجرُهُم عندَ ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنُون(274)}
    ومضات:
    ـ لقد أولى الإسلام عنايته لجميع طبقات المجتمع، ومنهم الفقراء والمعوزون، لاسيَّما أولئك الَّذين غادروا بلادهم وديارهم جهاداً في سبيله وابتغاء مرضاته، ولم تعد لديهم المقدرة على كسب أرزاقهم انشغالاً بمتابعة مسيرتهم الإيمانية، وأبت عليهم كرامتهم أن يسألوا النَّاس المعونة المادية حتَّى في أشدِّ حالات الضيق؛ فهؤلاء يقع على عاتق المجتمع الإسلامي تأمين كفايتهم.
    ـ يجب على المؤمن أن يُعمِل عقله ليتبيَّن حال أخيه وألا يكتفي بمعاينة ظاهره، وأن يطمئن إلى أنه بخير، لأن بعض النَّاس تمنعهم كرامتهم من الطلب على الرغم من شدَّة حاجتهم، فيحسبهم المرء أغنياء من التعفُّف لأنهم لا يتذلَّلون ولا يشتكون، بينما تنبِئ ملامحهم عن الجوع والفقر الَّذي يعانون منه.
    ـ إنَّ المؤمن الَّذي ينفق في ليله ونهاره سرّاً وعلانية، من أجل المصلحة الإسلامية، تظلِّله الرحمة والطمأنينة، فلا يخشى الفقر في الدنيا، ويأمن العذاب ـ بمشيئة الله ـ في الآخرة.
    في رحاب الآيات:
    لقد قابل الجاهلون دعوة الإسلام بالصدِّ والإعراض، ثمَّ تجاوزوا ذلك إلى مرحلة إعلان الحرب والقتال، ممَّا حمل المسلمين الصادقين على الهجرة والفرار بدينهم من جهة، ومتابعة دعوتهم لنشر كلمة التَّوحيد والتَّعريف بالإسلام من جهة ثانية. وكان من نتائج ذلك حرمان هؤلاء من ممتلكاتهم فأصبحوا فقراء، إنهم فقراء، ولكن ليس عن خمول أو كسل، أو قعود وتواكل، وإنما أفقرهم السعي في خدمة دينهم والهجرة في سبيل إعلاء كلمة الله، والعمل على بناء المجتمع الفاضل وتبليغ رسالة الإسلام. فهم جماعة من المسلمين المهاجرين، تركوا وراءهم أموالهم وأهليهم في مكَّة، ووقفوا أنفسهم على العمل في سبيل نشر العلم والخير والفضيلة، فلم يستطيعوا متابعة السفر من أجل الكسب، وهم مع هذا لا يسألون النَّاس شيئاً، ويحسبهم من يجهل حالهم أنهم أغنياء لامتناعهم عن إظهار حاجتهم، وهذا خلق كريم أولاه الإسلام ما يستحقُّه من رعاية وتقدير. فالغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب، وما للمال من سلطان في رفع منزلة أحد أو وضعها. وبهذا نعلم أن التسوُّل ليس من خلُق المسلم المحتاج، ومع ذلك فقد نُهينا عن ردِّ السائل والمحروم مهما كانت عقيدته وانتماؤه، قال تعالى: {والَّذين في أموالِهِم حقٌّ معلوم * للسَّائلِ والمحروم} (70 المعارج آية 24ـ25).
    والنصُّ عام لا يقتصر على مهاجري مكَّة إلى المدينة فحسب، بل ينطبق على غيرهم في جميع الأزمان، من الكرام المُعْوَزين الَّذين تكتنفهم ظروف تمنعهم من الكسب، كالمرض أو العجز أو الاشتغال بما فيه خير الأمَّة من التعليم والتربية وما إلى ذلك، ثمَّ تأبى عليهم كرامتهم أن يسألوا النَّاس المساعدة والعون، ولكنَّ ذا الحسِّ المُرهف والبصيرة النافذة يدرك ما يستتر وراء تجمُّلهم وتصبُّرهم. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «ليس المسكين الَّذي يطوف على النَّاس تردُّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكنَّ المسكين الَّذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يُفطن له فيُتَصَدَّقُ عليه ولا يقوم فيسأل النَّاس» (رواه البخاري ومسلم). لذلك ينبغي على بيت مال المسلمين أن يكفل لهؤلاء ما يكفيهم ويجنِّبهم الحاجة، وفي الحاجة يقول أحد المؤرخين في تصوُّره للدولة المثالية: [كلُّ مَنْ حَبَسَ نفسه لخدمة المسلمين فكفايته وحاجاته مضمونة في بيت مال المسلمين على الأمَّة].
    ثمَّ يُطَمئن الله تعالى أهل الإنفاق بأن أجرهم محفوظ، وأنه ـ جلَّ شأنه ـ مطَّلع على إنفاقهم سرّاً وعلانية، ليلاً ونهاراً. وقد قدَّم الليل على النهار، والسرَّ على العلانية للإشارة إلى فضل صدقة السرِّ على صدقة العلانية، لأن فيها ضمانتين أساسيتين: الأولى أنه لا يلحق بمنفقها غرور، والثانية أنه لا يلحق بآخذها مَنٌّ أو ضررٌ أو أذى، وهؤلاء المنفقون لهم مكافأتهم عند ربِّهم في خزائن فضله لما للصَّدقة من عظيم الثواب. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين، رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» (متفق عليه).
    هؤلاء المنفقون يغبطهم الأنام يوم القيامة على ما يَنعُمون به من الأمن والسكينة، حين يُصدِّع الخوف قلوب أولئك الَّذين بخِلوا بأموالهم وحبسوها حين الحاجة إلى بذلها في سبيل الله، وكذلك ينالون خير الثواب لأن نفوسهم سمت وبلغت حدّاً من الكمال لم يبق فيه لسلطان المال موضع في قلوبهم
    هذه بعض خصائص الإسلام الَّتي لا تستطيع تشريعات الأرض أن ترقى إليها، لافتقارها للمحتوى الإيماني والأخلاقي، الَّذي يملأ وجود المؤمنين الصادقين، فالفقير في المجتمع الإسلامي غني بتعفُّفه والمنفق مُؤْثِرٌ على نفسه حتَّى ولو كانت به خصاصة.
    سورة الحشر(59)
    قال الله تعالى: {ما أفاءَ الله على رسولِهِ من أهلِ القُرى فلله وللرَّسولِ ولذي القُربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السَّبيلِ كي لا يكونَ دُولَةً بين الأغنياءِ منكم وما آتاكم الرَّسولُ فخذوهُ وما نهاكم عنه فانتهوا واتَّقوا الله إنَّ الله شديدُ العقاب(7)}
    ومضات:
    ـ توزيع المال في الإسلام له أهمِّية بارزة تكمن في الحفاظ على التوازن الاقتصادي في المجتمع، واجتناب تكتُّل الأموال في يد فئة قليلة تتحوَّل إلى قوَّة طاغية متحكِّمة في مصيره، وتحجزها عن الأكثرية فينعدم النفع العامُّ منها.
    ـ إن في تعاليم السماء توضيحاً لمسار الإنفاق وتوزيعه، لذا وجب علينا الالتزام بما أتى به هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من عند الله عزَّ وجل ومحاذرة ما نهانا عنه، كيلا نقع في سخط الله الشديد العقاب.
    في رحاب الآيات:
    في الآية الكريمة إرساء لقواعد أساسية من قواعد التنظيم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك التشريع الدستوري للمجتمع الإسلامي. أمَّا القاعدة الأولى، فتمثِّل جانباً هامّاً من أسس النظام الاقتصادي في الإسلام، فالملكية الفردية معترف بها، ولكنَّها محدَّدة بألا يكون المال متداولاً بين الأغنياء وحدهم، محجوباً عن الفقراء. فكلُّ وضع ينتهي إلى أن يكون المال في متناول الأغنياء وحدهم، هو وضع شاذٌّ يخالف هذا النظام، كما يخالف هدفاً من أهدافه الاجتماعية، لأن الإسلام ينظِّم جميع الارتباطات والمعاملات في المجتمع بحيث لا تخلق مثل هذا الوضع أو تبقي عليه إن وجد.
    ولقد أقام الإسلام نظامه بالفعل على أساس هذه القاعدة، ففرض الزَّكاة، وحرَّم الاحتكار، وحظَر الربا، وهما الوسيلتان الرئيستان لجعل المال دُولَةً بين الأغنياء. على أن النظام الإسلامي يبيح الملكية الفردية، ولكنَّه ليس نظاماً رأسمالياً، كما أن النظام الرأسمالي ليس منقولاً عنه، لأنه لا يقوم دون ربا واحتكار، بينما النظام الإسلامي نظام خاص من لدن حكيم خبير، نظام فريد متوازن الجوانب، متعادل الحقوق والواجبات. والفرق بين الإسلام وسائر الأنظمة الاجتماعية الهادفة إلى حسن توزيع الثروات بين أفراد المجتمع، هو أن الإسلام قد قام أوَّلاً بتربية النفوس وتزكيتها، وزرع حبِّ الخير فيها، وبعد ذلك طلب منها البذل والإنفاق فلم تتراجع، بل أقدمت باندفاع وحبٍّ، وقدَّمت الغالي والنفيس في سبيل مرضاة الله. أمَّا الأنظمة والنظريات الاقتصادية الأخرى فإنها تقدِّم للناس قوانين وقواعد جافَّة، ليس لها في الواقع أرضيَّة معطاء، فهي تُفرض قسراً ولا تنبع من نفوس من يعيشون تحت ظلالها. ولذلك فقد ظهر كثير من الأنظمة البرَّاقة، وعاشت حيناً من الزمن ثمَّ اندثرت بسبب عدم توافر الرجال الشرفاء الأمناء الَّذين يطبِّقون ما ينادون به على أنفسهم أوَّلاً ثمَّ على الآخرين. فكيف لا يرضى الصحابة بذل أموالهم وكلَّ ما يملكون، ونبيُّهم يعيش بينهم كأفقر رجل فيهم؟! وكيف يرضى النَّاس تطبيق النظريات المثاليَّة، بينما زعماء هذه النظريات يترفَّهون وكأنَّهم أباطرة؟! إن ميزان العقل والفطرة السليمة يدفعنا إلى الأخذ بما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه طبَّقه على نفسه قبل أن يُلزِمَ به غيره، وهذه هي القدوة الصالحة، وهذا ما فعله صحابته الكرام في حياته وبعد وفاته، لذلك استمرَّ الدفق الروحي للإسلام، وسيستمرُّ إلى قيام الساعة بإذن الله تعالى.

    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ

    رحمة الله عليك ياأبي*

    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،

    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  5. #65

    افتراضي رد: القرآن منهاج الحياة

    القسم: الفصل الثاني: الوصيَّة
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {كُتِبَ عليكُم إذا حَضَرَ أحدَكُمُ الموتُ إن تركَ خيراً الوصيَّة للوالِدَينِ والأقربينَ بالمعروفِ حقّاً على المتَّقينَ(180) فمن بَدَّلَهُ بعد ما سمِعَهُ فإنَّما إثْمُهُ على الَّذين يُبَدِّلُونَهُ إنَّ الله سميعٌ عليمٌ(181)}
    ومضات:
    ـ الآيات الكريمة تُرسي قاعدة من قواعد الترابط والتكافل الاجتماعي بين الناس، فهي تحضُّ على من أشرف على الموت وله مال أن يوصي ببعضه لمن يستحقُّه، تكفيراً عن سيئاته وزيادة في حسناته، على أن تستوفي الوصيَّة شروطها ولا تحمل ظلماً للورثة الشرعيين. وفي هذا توازن واعتدال دعا الله تعالى إليهما، من أجل إقامة المحبَّة والمودَّة بين الناس من جهة، وحفظ حقوقهم وكرامتهم من جهة أخرى.
    ـ من يبدِّل الوصيَّة سواء كان من الشهود عليها أو من منفِّذيها بعدما عَلِمَها فهو آثم، لأنه يعطِّل الغاية الَّتي أرادها الله تعالى من تشريعها، ويعتدي على حقوق غيره.
    ـ ليس للمؤمن أن يُحجم عن كتابة الوصيَّة مخافة أن يُبدِّلها بعض المستفيدين، لأنهم إن فعلوا فإنما وزرهم على أنفسهم، أمَّا هو فقد قام بواجبه وسينال الثواب عليه؛ فالله يعلم ويرى ويشهد ولن يضيع لعامل عمله ولو كان مثقال ذرَّة من خير.
    في رحاب الآيات:
    المال عصب الحياة الدنيا، لذلك اهتمَّ الإسلام به، وشجَّع على كسبه بوجه حلال، وأقام له نظاماً مرتَّباً منسجماً، وهذا مظهر من المظاهر العملية للإسلام. وما التشجيع على العمل والكسب الحلال، وفرض الزَّكاة في مال الأغنياء، وإباحة البيع، وتحريم الربا، والنهي عن كنز المال، إلا صور عن واقعيَّة الإسلام، وتعامله مع الإنسان على أساس فطرته ونوازعه واحتياجاته في كلِّ زمان ومكان. واستكمالاً لدور المال في بناء المجتمع، فقد أنزل الله تعالى أحكام الميراث الَّتي جعلت للوارثين حقوقاً شرعية يرثونها، ووجَّه الإنسان إلى أن يترك وصيَّة للأقربين الَّذين لا يرثون بسبب وجود ورثة أَوْلى منهم، صدقة وقربى؛ بل إن في الوصيَّة تعويضاً للفقراء عمَّا تقاعس المسلم عن دفعه من زكاة ماله. والوصيَّة هي أن يمنح الإنسان لغيره عيناً أو منفعة، على أن يملك المُوصَى له هذه المنحة بعد موت الموصي، وهذه الوصيَّة تؤخذ من التركة على أن لا تتجاوز الثلث؛ والتركة هي ما يتركه الميت من الأموال مطلقاً والَّتي لها قيمة في نظر الشرع.
    وقد حضَّ الإسلام على الوصيَّة فيما يخلِّفه الإنسان بعد موته من مال كصورة من صور التكافل العائلي والاجتماعي العام في خارج حدود الوراثة، وكنوع من أنواع المعروف والإحسان إلى الناس وجعلها من جملة الحقوق الأساسية المتعلقة بالتركة وهي:
    1 ـ تكفين الميت وتجهيزه.
    2 ـ قضاء ديونه.
    3 ـ تنفيذ وصيَّته.
    4 ـ تقسيم ما بقي من مال بين الورثة وهم: كل من ينتمي إلى الميت برابطة نسب أو زوجيَّة.
    أمَّا رابطة الزوجيَّة فتشمل كلاً من الزوج والزوجة وأمَّا رابطة النسب فتشمل الأقرباء كافَّة والَّذين يمكن تصنيفهم فيما يلي:
    كلُّ من كان من فروع الميت وهم أبناؤه وبناته وأولادهم مهما تفرَّعوا، وكلُّ من كان من أصول الميت وهم أمُّه وأبوه وأجداده وجدَّاته مهما علوا، وكلُّ من كان من فروع أبويه وهم الإخوة والأخوات مهما تفرَّعوا، وكلُّ من كان من فروع أجداده وجدَّاته وهم الأعمام والعمَّات والأخوال والخالات مهما تفرَّعوا، على ترتيب وتفصيل في توريث بعضهم من بعض أو حجب بعضهم ببعض ممَّا هو من اختصاص علم الفرائض والمواريث.
    وكما نصَّ الكتاب على الوصيَّة فقد نصَّت السنَّة عليها أيضاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من مات على وصيَّة مات على سبيل وسُنَّة، ومات على تقىً وشهادة ومات مغفوراً له» (رواه ابن ماجه).
    وفي حديث آخر يحثُّ النبي صلى الله عليه وسلم على الوصيَّة ويحرِّض عليها فعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيَّته مكتوبة عنده» (متفق عليه).
    وللوصيَّة حكمة بالغة، فهي قُربة يتقرَّب بها الإنسان إلى الله عزَّ وجل في آخر حياته، كي تزداد حسناته أو يتدارك بها ما فاته، لما فيها من البرِّ بالناس والمواساة لهم. ويجب أن لا تزيد الوصيَّة على ثلث المال فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «..الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفَّفون الناس في أيديهم» (رواه البخاري ومسلم).
    ويختلف حكم الوصيَّة بحسب الظروف المحيطة بها فهي:
    1 ـ واجبة إذا كان على الإنسان حقٌّ شرعي يخشى أن يضيع كالزَّكاة والحج.
    2 ـ مستحبَّة للأقرباء والفقراء والصَّالحين من الناس.
    3 ـ مباحة للغني سواء أكان قريباً أم بعيداً.
    4 ـ مكروهة إذا كان الموصي قليل المال وله ورثة يحتاجون إليه.
    5 ـ مُحرَّمة إذا كان فيها إضرار بالورثة ولو كانت دون الثلث؛ روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه قوله: (الإضرار في الوصيَّة من الكبائر).
    أمَّا ثبوت الوصيَّة فيتمُّ بالمشافهة وبالإشارة المُفْهمة إذا كان الموصي عاجزاً عن النطق، وكذلك بالكتابة، وهي من العقود الجائزة الَّتي يجوز فيها للموصي أن يغيِّرها أو يبدِّل فيها أو يرجع عما أوصى به، وهي لا تستحقُّ للموصَى لهم إلا بعد سداد دين الموصي، وكونها في حدود ثلث المال الباقي بعد تسديد الدَّين.
    وللوصيَّة شروط أربعة:
    1 ـ أن يكون الموصي كامل الأهلية لعقد الوصيَّة، متمتِّعاً بالعقل والبلوغ والحرِّية والاختيار، وعدم الحجر عليه لسفاهته أو غفلته.
    2 ـ ألا يكون الموصَى له وارثاً إذ أنه «لا وصية لوارث» (رواه أحمد وأبو داود والترمذي).
    3 ـ أن يكون الموصَى له على قيد الحياة حين كتابة الوصيَّة، وألا يكون الموصى له سبباً في مقتل الموصي.
    4 ـ أن يكون الموصى به قابلاً للتمليك كالمال والعقار وما يثمره الشجر.
    ثمَّ يأتي التحذير الإلهي للقائمين على الوصيَّة من أقرباء وأوصياء من أن يحرِّفوها أو يزيدوا فيها أو ينقصوا منها، أو يكتموها لتحقيق مغنم شخصي لهم. والقرآن الكريم يحمِّل هؤلاء إثم ما بدَّلوه، ونكال ما غيَّروه، ويذكِّرهم بأنه إذا لم يكن هناك من شهد معهم الوصيَّة فاجترؤوا على تغييرها، فإن الله معهم يسمع ويعلم، وإذا أُفلِتُوا من عقاب الناس فإنهم لن يُفْلتوا من عقابه عزَّ وجل.
    إن الوصيَّة تعدُّ إحدى شعائر ديننا الخالد، وهي لا تقتصر على التبرع بمبلغ من المال ينفَّذ بعد الموت، ولكنها يمكن أن تتناول كلَّ التزام أو حقوق للذَّات أو للآخرين. فكم من إنسان يموت فجأة فتضيع حقوق كثيرة على ورثته أو التزامات عليه تجاه غيره، ولو أن هذا الإنسان اتَّبع سُنَّة الإسلام في هذا الشأن، لبيَّن ما له وما عليه، وكتب ذلك ضمن وصيَّة مخطوطة محفوظة في داره، وبذلك يوفِّر على من بعده متاعب كثيرة ويتلافى حدوث ظلم لأسرته أو لغيرهم، فما أحوج الناس أن يصيخوا السمع لتعاليم الشرع كلِّها، سواءً منها ما كان فرضاً لازماً أو نفلاً مستحباً.

  6. #66

    افتراضي رد: القرآن منهاج الحياة

    القسم: الفصل الثالث: تحريم الرِّبا
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {الَّذين يأكلونَ الرِّبا لا يقومونَ إلاَّ كما يقومُ الَّذي يتَخبَّطُهُ الشَّيطانُ من المَسِّ ذلك بأنَّهم قالوا إنَّما البيعُ مثلُ الرِّبا وأحلَّ الله البيعَ وحرَّمَ الرِّبا فمن جاءهُ مَوعظةٌ من ربِّهِ فانتهى فلهُ ما سَلَفَ وأمرُهُ إلى الله ومن عادَ فأولئكَ أصحابُ النَّارِ هم فيها خالدونَ(275) يَمحَقُ الله الرِّبا ويُربي الصَّدقاتِ والله لا يُحبُّ كلَّ كَفَّارٍ أثيم(276)}
    ومضات:
    ـ يصبح المرابي بسبب نهمه الشديد، للمال الحرام والأرباح الفاحشة، كمن أصابه مسٌّ من الجنون والصَّرع، فيفقد توازنه العقلي والروحي، ويفقد صوابه أمام بريق المال، فلا يشعر بمعاناة الفقراء وبؤس المعوَزين المسحوقين تحت وطأة الفوائد المفروضة عليهم؛ ويُبعَثُ يوم القيامة أشدَّ تخبُّطاً واضطراباً.
    ـ يبحث المرابي عن أعذار وتبريرات لعمله، فيدَّعي أن الرِّبا عمل شريف كالتجارة، إلا أن الفرق بينهما بيِّنٌ وشاسع، فالرِّبا استغلال وجشع وكسل، والتجارة الشريفة استقامة في التعامل وكدٌّ وتعب.
    ـ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فمن عجز عن ردِّ ما اكتسبه من الرِّبا قبل نزول آيات التحريم فلا إثم عليه، أمَّا من أراد تطهير ماله وتزكيته وكان ذلك بمقدوره، فإن ردَّه أَوْلَى لقوله تعالى: {وأمرُهُ إلى الله}.
    ـ آكل الرِّبا آثم ومصيره إلى جهنَّم، ومال الرِّبا محكوم عليه بذهاب البركة والتلف والزوال، بينما يربو مال الصَّدقات وينمو بفضل الله.
    في رحاب الآيات:
    لما كانت الثروات مِلْكاً لله تعالى وضعها بين أيدي العباد، ليتصرَّفوا فيها وفق منهجه وحسب شريعته، فقد نهى عزَّ وجل عن إساءة استعمال هذه الأرزاق، وانحراف الإنسان عن منهج الربح الشريف، إلى الجشع والسيطرة المادِّية؛ باللجوء إلى الوسائل غير المشروعة كالرِّبا، الَّذي يعدُّ من أشدِّها فحشاً، وأبشعها صوراً.
    والرِّبا لغةً: هو الزيادة، وفي الشرع الرِّبا نوعان:
    1 ـ ربا النَّسيئة: وهو الزيادة المشروطة الَّتي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل؛ وهو من أبشع أنواع الاستغلال والإيذاء، لما فيه من استغلال حاجة الناس إلى المال، وهو كسب لا يقابله جهد ولا عمل، ممَّا تختلُّ معه قاعدة الكسب الحلال؛ وهو ما كان فيه توازن بين الجُهد والثمرة الناتجة عنه، وهذه معدومة في الرِّبا فالجُهد والتعب على جهة واحدة؛ والثمرة والنفع لجهة أخرى، وهو حرام أيضاً لما يصحبه من تحكُّم المرابي بالمدين وإهانته.
    2 ـ ربا الفضل: وهو بيع النقود بالنقود، أو الطعام بالطعام مع الزيادة. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم : «الذهب بالذهب والفضَّة بالفضَّة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثْلاً بِمِثْل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمُعطي فيه سواء» (رواه الخمسة)؛ وقد نُهِيَ عن هذا النوع من الرِّبا لئلا يكون ذريعة إلى ربا النسيئة.
    والرِّبا محرَّمٌ في جميع الشرائع السماوية، فقد جاء في العهد القديم (التوراة): (إن أقرضت فضَّةً لشعبي الفقير الَّذي عندك فلا تكن له كالمرابي، لا تضعوا عليه رِباً). (الإصحاح 2225 من سفر الخروج) وجاء أيضاً: (إذا افتقر أخوك وقَصُرَت يده عندك فاعضده غريبا أو مستوطنا فيعيش معك، لا تأخذ من رِباً، ولا مرابحة بل اخشَ إلهك فيعيش أخوك معك) (إصحاح 2535 من سفر اللاويين) إلا أن اليهود لا يرون مانعاً من أخذ الرِّبا من غير اليهودي، كما جاء في الإصحاح (2320) من سفر التثنية: (للأجنبي تُقرض برِباً ولكن لأخيك لا تُقرض برِباً...).
    وجاء في العهد الجديد (الإنجيل): (وإن أقرضتم الَّذين ترجون أن تستردُّوا منهم فأيُّ فضلٍ لكم، فإن الخطاة أيضاً يقرضون الخطاةَ لكي يستردُّوا منهم المثل... وأقرضوا وأنتم لا ترجون شيئاً فيكون أجركم عظيما وتكونوا بني العليِّ فإنه منعم على غير الشاكرين والأشرار..) (لوقا 63536). وقد اتفقت كلمة رجال الكنيسة على تحريم الرِّبا تحريماً قاطعاً؛ قال سكوبار: (إن من يقول إن الرِّبا ليس معصية يُعَدُّ ملحداً خارجاً عن الدِّين)، وقال الأب بوني: (إن المرابين يفقدون شرفهم في الحياة الدنيا وليسوا أهلاً للتكفين بعد موتهم).
    وقد مرَّ تحريم الرِّبا في الإسلام بمراحل، وهذه حكمة التشريع الإسلامي في معالجة الأمراض الاجتماعية والاقتصادية، فمن المعلوم أنه سار بسُنَّة التدرُّج في تقرير كثير من الأحكام، لأنها تتعلَّق بعادات تمكَّنت من نفوسهم، وإنَّ تَرْكَها دفعة واحدة يوقع الناس في الحرج، فاقتضت حكمة العليم بخلقه، الحكيم في أفعاله وقضائه وقدره، أن يأخذ الناس بالتدرُّج فَيُسَهِّلَ عليهم بذلك كل عسير.
    ففي المرحلة الأولى: نزل قوله تعالى: {وما آتيْتُم من رِباً ليَرْبُوَا في أموالِ النَّاسِ فلا يَرْبوا عندَ الله وما آتَيْتُم من زكاةٍ تُريدون وجهَ الله فأولئك همُ المُضْعِفُون} (30 الروم آية 39) وقد نزلت هذه الآية بمكَّة، وليس فيها ما يشير إلى تحريم الرِّبا، وإنما فيها إشارة إلى بغض الله للرِّبا، وأنه لا ثواب عليه عند الله. وفي المقابل ذكر الزَّكاة الهادفة لرضا الله تعالى، ووعد أهلها بالثواب المضاعف أضعافاً كثيرة، ولاشكَّ أن هذا الأسلوب فيه تعريض بالرِّبا وثناءٌ على الزَّكاة، وهذا يعني أن اتركوا الرِّبا وافعلوا الزَّكاة تعريضاً لا تصريحاً.
    وفي المرحلة الثانية: نزل قوله تعالى: {فبظُلْمٍ منَ الَّذين هادُوْا حرَّمنا عليهِم طيِّباتٍ أُحِلَّت لهم وبِصدِّهم عن سبيلِ الله كثيراً * وأخذِهِمُ الرِّبا وقد نُهُوا عنه..} (4 النساء آية 160ـ161) وفي هذه الآية تحريم بالتلميح لا بالتصريح، لأنها وردت بشأن اليهود، وليس فيها ما يدلُّ دلالة قطعية على أن الرِّبا محرَّم عند المسلمين. لكنَّها تُعِدُّهم نفسيّاً لقبول مثل هذا الحكم إذا فُرِضَ عليهم لئلا يصيبهم ما أصاب الَّذين حُرِّم عليهم ففعلوه، فحرَّم الله عليهم طيِّبات كانت حلالاً لهم قبل المخالفة.
    وفي المرحلة الثالثة: نزل قوله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا لا تأكلوا الرِّبا أضعافاً مُضاعفة..} (3 آل عمران آية 130) وهذه الآية مدنية وفيها تحريم صريح للرِّبا، لكنَّه تحريمٌ جزئي وليس كليّاً، لأنه تحريم لنوع من الرِّبا هو الرِّبا الفاحش؛ حيث كان الدائن يأتي المدين عند حلول أجل الدَّين ويقول له، إمَّا أن تؤدِّي وإمَّا أن أُرْبي، فإن لم يؤدِّ إليه دينه، ضاعف عليه مبلغ الدَّين.
    وفي المرحلة الرابعة: نزل التحريم الكلِّي القاطع بقوله تعالى: {ياأيُّها الَّذين آمنوا اتَّقوا الله وذَرُوا ما بَقيَ منَ الرِّبا إن كنتم مؤمنين} (2 البقرة آية 278) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لعن الله آكل الرِّبا وموكله وشاهديه وكاتبه» (رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي)، وهي المرحلة النهائية في تحريم الرِّبا.
    وقد تركَّز تحريم الرِّبا في ستَّة أعيان هي: الذهب والفضَّة والقمح والشعير والتمر والملح، وهي الحاجات الأساسية الَّتي لا غنى للناس عنها. فالذهب والفضَّة هما العنصران الأساسيان للنقود، تنضبط بهما المعاملات والمبادلات التجارية، لأنهما معيار الأثمان الَّذي يُرْجَع إليه في تقويم السلع، فإذا وُجِدت العلَّة في نقد آخر أخذ حكمهما؛ فلا يباع إلا مِثْلاً بمِثل. وأمَّا القمح والشعير والتمر والملح فهي عناصر الأغذية الَّتي تقوم عليها الحياة، لذلك فهي من الضروريات الأساسية في كلِّ مجتمع، فإذا وُجدت العلَّة في شيء آخر فإنه لا يباع إلا مِثلاً بمِثل، وكل ما يقوم مقام هذه الأجناس الستَّة يقاس عليها ويأخذ حكمها.
    وقد حرَّم الله الرِّبا رحمة بعباده، وإنقاذاً لهم من الاستغلال والفساد في المعاملة، لما يترتَّب عليه من أضرار عامَّة شاملة، حيث ينشئ نظاماً يسحق البشرية ويشقيها لمصلحة حفنة من المرابين. ومن الناحية النفسية يولِّد في نفس المرابي حبَّ الأَثرة والأنانية، فلا يخدم إلا نفسه، ولا تهمُّه إلا مصلحته ونفعه، وبذلك تنعدم لديه روح التضحية والإيثار ويصبح عبداً للمادَّة، وتتردَّى روحه في مهاوي السفاسف من الأمور، كما أنه يخلق لدى المدين نوعاً من العجز والقهر، ويقيِّده بأغلال من الاستعباد والذُّل، فتنعدم بذلك قِيَم الخير بين الأفراد والجماعات.
    أمَّا من الناحية الاجتماعية فهو يولِّد العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع، ويدعو إلى تفكيك الروابط الإنسانية والاجتماعية بين طبقات الناس، ويقضي على مظاهر الشفقة والتعاون والإحسان، فيتحوَّل المجتمع البشري إلى غابةٍ، البقاء فيها للأقوى، ويخرج عن السِّمات الإنسانية النبيلة.
    وأمَّا من الناحية الاقتصادية فهو يقسم المجتمع إلى طبقتين الفرق بينهما حادٌّ وشاسع؛ طبقة مُتْرَفة تعيش في نعيم ورفاهية، وأخرى مُعدَمة تعيش على الفاقة والحاجة والبؤس والحرمان، وبذلك ينشأ الصراع بينهما، ويحدث الخلل في دورة المال ونموِّ الاقتصاد نمواً سويّاً. فقد ثبت أن الرِّبا يؤدِّي إلى تكديس الثروات في أيدي فئة قليلة من الناس، ممَّا يُحِلُّ البلاء بالأمم؛ فتكثر المِحَن والفتن، ذلك أن مكر الَّذين تخصَّصوا في التعامل بالرِّبا وجشعهم، يوصلانهم إلى استنباط شروط من الإجحاف والاستغلال، لا تخطر إلا في بال المرابي، قد تصل إلى حدِّ استرقاق المستقرض إذا عجز عن أداء دينه، فهو يقضي حياته يردُّ فوائد الدَّين، دون أن يتمكَّن من وفاء أصل الدَّين، بسبب ارتفاع معدل الفائدة المستقرض به؛ ناهيك عن الاستعمار الاقتصادي الَّذي تفرضه الدول الغنية المقرضة، على الدول الفقيرة المستقرضة حين تعجز عن سداد فوائد القرض، فما بالك بالقرض نفسه.
    لذلك صوَّرت الآية الكريمة آكل الرِّبا بصورة إنسان أصابه مسٌّ من الشيطان، فهو يتخبَّط على غير هدى، ولا يعرف استقراراً ولا طمأنينة أو راحة. فهو مفتون بحبِّ المال، استعبدته بهارجه حتَّى جعله مقصوداً لذاته، وركن إلى الرِّبا وترك جميع موارد الكسب المشروعة الأخرى، وهذا لا يقوم من قبره يوم القيامة، إلا كمن أصيب بالصرع أو الجنون، يتعثَّر ويقع لثقل المال الحرام الَّذي أكله، ويحصد الأشواك الَّتي زرع، قال ابن عباس y فيما رواه ابن أبي حاتم: (آكل الرِّبا يُبْعَثُ يوم القيامة مجنوناً يُخنق).
    وفي غمرة تخبُّطه وفقده لتوازنه يبحث المرابي عن أعذار وتبريرات لعمله، فيدَّعي أن الرِّبا عمل شريف كالتجارة، والفرق شاسع بين هذا وتلك، فالرِّبا حرام لأن فيه ضرراً وغُبناً يلحق بالمدين، ومنافعه تنحصر بالدائن وحده، بينما تكمن في البيع السليم منافع للناس وقضاء لحوائجهم، وتعود خيراته أو أضراره وخسائره على جميع الأطراف، فالخير إذا وُزِّع، عمَّ نعيمه الجميع، والضرر إذا وُزِّع، خفَّ حمله على الجميع، لذلك كان حلالاً صرفاً.
    فما البيع إذن إلا تبادل منافع، والعمليات التجارية قابلة للربح والخسارة، وتخضع للمهارات الشخصية، والجُهد الفردي، والظروف الطبيعية الَّتي تدور هذه التجارة في فلكها. أمَّا الرِّبا فهو زيادة مشروطة مقتطعة من جهد المدين إن هو ربح، وعملياته محدَّدة الربح للمقرض سلفاً، مهما كانت ظروف المستقرض، سواء منها الربح والخسارة. إلا أن الكارثة أشدُّ والطامَّة أشمل عندما تحصل الخسارة، حيث تجتمع الأعباء على المدين، فيعجز عن سداد الرِّبا فضلاً عن أصل المال، الَّذي يزيد حيناً بعد حين، وهذا إجحاف في حقِّه ونهبٌ لجهده، وهذا هو الفارق الأساسي الَّذي ترتكز عليه علَّة التحريم. ثم إن الرِّبا يتحوَّل مع الوقت إلى إدمان ولا يزيد آكله إلا طمعاً ونهماً، ولا يمكن القضاء على هذه الآفة بمجرد الكشف عن أضرارها وسلبياتها، بل لابدَّ إلى جانب ذلك من إيجاد دافع إيماني، يطال النفس ويحاسبها ويؤنِّبها، إلى جانب الوازع القانوني والتوجيهي.
    وقد أقام الإسلام سائر أنظمته الاقتصادية على أسس واقعية إيمانية دون أن يُحدث هِزَّة اجتماعية أو اقتصادية في المجتمع العربي آنذاك. فهو دين يرعى مصالح الجميع، ويتعامل مع الأمور بمنطقية وحكمة، لذلك لم يطالب المسلم بعد تحريم الرِّبا بردِّ جميع ما كان قد كسبه منه في حياته السابقة، لأن في ذلك إرهاقاً له قد يعجز عن تحمُّله، والإسلام يَجُبُّ ما قبله ويفتح صفحة جديدة للتعامل بين الناس. أمَّا من أحبَّ أن يطهِّر ماله ويزكِّيه، وكان ذلك في وُسْعه، فإنَّ ردَّه أَوْلى وأجدر وأكثر زُلفى إلى الله. وأمَّا من عاد إلى ما كان عليه من أكل الرِّبا والتعامل به، فأولئك لم يغمر الإيمان قلوبهم بعد، ولهم جزاؤهم عند ربِّهم؛ إذ أنه لا يمكن للإثم أن يجتمع مع الإيمان الَّذي يملأ النفس خوفاً ورهبة من عقاب الله تعالى.
    وتُمْعِنُ الآية الكريمة في التحذير من الرِّبا والتنفير منه، فتشير إلى أن الله يُذْهِبُ بركة المال المأخوذ عن طريقه، ويُهلك المال الَّذي يدخل فيه. فالرِّبا يمحق المتعة وبسطة العيش والجاه والمنزلة الَّتي يطلبها الناس بزيادة المال، بل يصل بصاحبه إلى نقيض ذلك من الهموم والأحزان والحبِّ الشديد للمال، ومقت الناس واحتقارهم، وبذلك لا يتسنَّى له أن يقطف ثمرة المال المقصودة في الحياة، وهي أن يكون ناعم البال، عزيزاً شريفاً بين الناس، لكونه مصدر الشرِّ لهم، كما يكون محروماً في الآخرة من ثواب الله متعرِّضاً لعقابه.
    أمَّا الصَّدقة فالله يزيدها وينمِّيها أضعافاً مضاعفة، ويورث صاحبها البهجة حينما يرى سرور البائسين وفرحهم بصنائعه، فيكثر أحبابه والداعون له بالليل والنهار، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «ما من عبد مسلم يتصدَّق بصدقة من كسبٍ طيِّب ـ ولا يقبل الله إلا طيِّباً ـ إلا كان الله آخِذَهَا بيمينه فيربيها كما يربِّي أحدكم فصيله حتى تبلغ التمرة مثل أحُد» (رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه).
    وفي الختام، وبعد أن تطوَّرت سُبُل بيع وشراء البضائع والعقارات وغيرها، وطرائق تسديد قيمتها، وظهور المصارف التجارية كوسيط لا غنى عنه في هذا التبادل التجاري، لابدَّ من وقفة شجاعة للبحث في التسهيلات المصرفية، والرسوم المستوفاة، والأرباح الحاصلة، والتفريق بينها وبين الاستغلال والجشع، وإهدار كرامة الإنسان، وهذا مانرجو أن تحققه المصارف الإسلامية، قولاً وفعلاً، دون كسب عواطف المسلمين بشعارات برّاقة؛ تضيع معها رغبة الشارع الحكيم في تحقيق الأمن الاقتصادي للجميع ودون الخروج عن دائرة الحلال إلى الحرام.

    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ

    رحمة الله عليك ياأبي*

    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،

    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  7. #67

    افتراضي رد: القرآن منهاج الحياة

    القسم: الفصل الرابع: تحريم أكل المال بالباطل
    سورة البقرة(2)
    قال الله تعالى: {ولا تأكُلُوا أموالَكُم بينَكُم بالباطِلِ وتُدلوا بها إلى الحُكَّامِ لِتَأكُلُوا فريقاً من أموالِ النَّاسِ بالإثمِ وأنتُم تعلمون(188)}
    ومضات:
    ـ العدالة هي الميزان الَّذي يضبط سائر المعاملات والعلاقات بين البشر، والجنوحُ إلى الظلم، إخلال بهذا الميزان، من شأنه أن يُشيع الفوضى والاضطراب بينهم، وينزع الثقة من صدورهم تجاه بعضهم بعضاً.
    ـ الحاكم أو القاضي يحتلُّ دوراً شديد الأهمِّية والخطورة، إذ أن مهمَّة إقامة العدالة ملقاة على كاهله بالدرجة الأولى، ممَّا يُخضِع مسألة اختيار القاضي من قِبَلِ المجتمع لشروط ومعايير دقيقة. وعلى القاضي أن يعي حقيقة مسؤولياته، ويعمل على أن يكون جديراً للاضطلاع بها، قادراً على قهر أيِّ محاولة لإغرائه أو الضغط عليه، بل ومجاهداً من أجل نُصرة الحقِّ والعدالة.
    في رحاب الآيات:
    إن طبيعة المعاملات الفردية تنعكس على المجتمع ككل، فإذا حُفظت الحقوق بين الأفراد ظهر المجتمع سليماً معافى ممَّا يشجِّع المجتمعات الأخرى المجاورة له على احترامه والتعامل معه، وإذا هُدرت هذه الحقوق، ظهر المجتمع مريضاً متفكِّكاً، وحَمَل المجتمعات الأخرى على الاستهانة به والتطاول عليه.
    ولا يمكن للإنسان بصفته فرداً في المجتمع أن يحقِّق أهدافه، ويبلغ غاياته إلا إذا توافرت له جميع عناصر النُّمو، في مناخ تتساوى فيه الحقوق والواجبات، وفي طليعتها حقُّ التملك، وهو حقٌّ واجب له بصفته إنسان، بغضِّ النظر عن لونه أو دينه أو جنسه أو وطنه. وقد احترم الإسلام هذا الحقَّ وعدَّه مقدَّساً، لا يحلُّ لأحد أن يعتدي عليه؛ فقد خطب رسول الله r الناس في حجَّة الوداع، وبعد أن وجَّهَ انتباههم إلى حرمة اليوم الَّذي هم فيه، وحرمة الشهر الَّذي هم فيه، وحرمة البلد الَّذي هم فيه، قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم» (متفق عليه). وبناءً على ذلك فقد عُدَّ كلُّ مال أُخذ بغير سبب مشروع تعدِّياً على حقوق الإنسان وكرامته؛ كالسرقة والغصب والاختلاس والربا والغش وتطفيف الكيل والوزن والرشوة.
    وجعل إقامة العدل قيمة عليا من قيمه، وهي تعني إشاعة الطمأنينة في المجتمع ونشر ظلال الأمن فيه، بما يوثِّق علاقات الأفراد فيما بينهم، ويعمِّق الثقة بين الناس. والعدلُ هو الحُكم بمقتضى ما شرَّع الله من أحكام، وإقامة النظام القضائي الَّذي جاء به الإسلام، وجعله جزءاً من تعاليمه وركيزة من ركائزه الأساسية.
    وقد نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل، والتقاضي بخصوصها أمام ذوي النفوذ والسلطة، اعتماداً على المغالطة والبراعة في القول، أو من خلال التلاعب بالألفاظ واستغلال العواطف، أو اللجوء إلى الرشوة، أو التستُّر على الحقائق، ودفع القاضي ليقضي بما يظهر له ممَّا هو بعيد عن الحق.
    على أنَّ حُكْمَ القاضي بما يظهر له لا يرفع إثماً عن منتهك حرمة ما حرَّم الله، ولا يخلِّص من عقاب الآخرة، لأن حكمه لا يُحِلُّ حراماً ولا يحرِّم حلالاً. قال صلى الله عليه وسلم : «إنما أنا بشرٌ وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجَّته من بعض فأقضي له بنحو ما أسمع فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئاً فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النَّار» (رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أم سلمة رضي الله عنها) فإذا ادَّعى إنسان على آخر ادِّعاءً، وأقام الشهادة والحجَّة على دعواه فحكمَ القاضي له، فإنه يُتاح له أن يأخذ ما حكم به القاضي طالما أنه جاء بالبيِّنة، فإذا كانت هذه البيِّنة كاذبة، كاستشهاده بشهداء زور، فإن الحكم الَّذي حصل عليه لا يُحلُّه من الإثم، ولا يُنجيه من العقاب، ولا يُبيح له أن يأخذ حقَّ غيره لأن هذا اعتداء وبغي، فالقاضي يأخذ بالظاهر والله يتولَّى السرائر.
    إنَّ كُلاً من الراشي والمرتشي لا حظَّ لهما من رحمة الله، لأن الرشوة تُفسد أداة الحكم، وتدفع المنحرفين من القضاة للتلاعب بالأحكام والانقياد للهوى فيضلُّون عن الحقِّ، وإذا وصلوا إلى هذا الدَّرْك ولم يجدوا من يقوِّم انحرافهم، ألقَوْا بالأمَّة إلى التهلُكة، قال صلى الله عليه وسلم : «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم» (رواه أحمد وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان). ولقد نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل، وتقديمها إلى القضاة للاستعانة بهم بغير حقٍّ، فقد روى مسلم عن أبي أمُامة y أن رسول الله r قال: «من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النَّار وحرَّم عليه الجنَّة. فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يارسول الله؟ فقال: وإن كان قضيباً من أراك». وغنيٌّ عن القول أن هذا الحديث وإن خصَّ المسلم، إلا أنه يمكن تعميمه لحفظ حقوق جميع الناس، مهما كانت جنسياتهم ودياناتهم، بدليل الأحاديث الشريفة الأخرى في هذا المجال، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : «من ظلم معاهَداً، أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا حجيجه ـ خصمه ـ يوم القيامة» (رواه أبو داود) علماً بأن أيَّ عمل مجيد، ولو بلغ الاستشهاد في ميدان الجهاد، لا يكفِّر خطيئة أخذ المال بغير حق.
    والآية تلقي بالمسؤولية العظمى على كاهل القاضي كي يكون أميناً في حُكمه، عادلاً في قضائه، متقصِّياً للحقيقة، ومبتعداً عن التحيُّز. وتُهيب به ألا يقبل هدية أو رشوة في قضية ما، لأنها لا تتعدَّى كونها متاعاً زائلاً ومالاً حراماً يعقبه العقاب الشديد، قال صلى الله عليه وسلم : «إن الله مع القاضي ما لم يجُر، فإذا جار تخلَّى الله عنه ولزمه الشيطان» (رواه ابن ماجه والترمذي)، وهذا ينطبق على سائر العاملين بالقضاء، ممَّن يمكن لهم أن يُدلوا بدلوهم في توجيه الحكم في حقوق الناس نحو هذا الطرف أو ذاك، سواء كانوا محامين أم شهوداً أم محكَّمين أم مستشارين.
    ولم يترك الإسلام القضاة لأهوائهم، بل حذَّرهم وهدَّدهم أفظع تهديد إن هم انساقوا وراء أهوائهم وشهواتهم فظلموا عباد الله، قال تعالى: {يا أيُّها الَّذين آمنوا كونوا قوَّامينَ لله شهداءَ بالقِسْطِ ولا يجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قومٍ على ألاَّ تعْدِلوا اعدِلوا هوَ أقربُ للتَّقوى واتَّقوا الله إنَّ الله خبيرٌ بما تعملون} (5 المائدة آية 8).
    وقال النبي r محذِّراً من القضاء بغير علم ومن الجور والمحاباة: «القضاة ثلاثة واحد في الجنَّة واثنان في النَّار، فأمَّا الَّذي في الجنَّة فرجل عرف الحقَّ وقضى به، وأمَّا الَّذي في النَّار فرجل عرف الحقَّ فجار في الحكم فهو في النَّار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النَّار» (أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن بريدة عن أبيه).

    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ

    رحمة الله عليك ياأبي*

    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،

    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  8. #68

    افتراضي رد: القرآن منهاج الحياة

    القسم: الفصل الخامس: تحريم التطفيف
    سورة المطففين(83)
    قال الله تعالى: {ويلٌ للمُطَفِّفين(1) الَّذين إذا اكْتالوا على النَّاسِ يَستَوفون(2) وإذا كالوهُم أو وزنوهُم يُخْسِرون(3) ألا يَظنُّ أولئك أنَّهم مبْعوثون(4) ليومٍ عظيم(5) يومَ يَقومُ النَّاسُ لربِّ العالَمين(6)}
    ومضات:
    ـ إن الأمانة في التعامل التجاري مبدأ هامٌّ وحيوي، وقد أعدَّ الله تعالى عذاباً أليماً لمن يتلاعب بحقوق الناس، فيبخسهم أشياءهم بينما يستوفي حقَّه منهم كاملاً. ذلك لأنه غفل عن رقابة الله عليه وتناسى يوم الحساب، الَّذي تستسلم فيه الخلائق جميعاً لربِّ العالمين، وهي على غاية من الخشوع والذُّل والانكسار، تخشى حسابه وترتجي جنَّته.
    في رحاب الآيات:
    إذا ركب الطمع النفس البشرية، وأفقدها النَّهمُ إحساسها بحقوق الآخرين، أصبح همُّها الأوحد أن تكون السبَّاقة إلى الظفر بكلِّ شيء سواء أكان بحقٍّ أم بباطل، فيسيطر عليها حبُّ الذَّات فيعميها عن الحقِّ، فلا ترى إلا ذاتها. إن صاحب هذه النفس إذا باع شيئاً أكل من حقِّ المشتري فأنقص له الوزن أو الكيل، وإذا اشترى من أحد شيئاً زاد فيه، يتلاعب بالموازين، ويتغافل عن المعايير الأخلاقية والقِيَم الإنسانية الفاضلة، ولكن الله ليس غافلاً عنه بل لقد أعدَّ له عذاباً وخِزياً يوم القيامة، وقد يُعَجِّلُ له جزءاً من العذاب فيفضحه في دار الدُّنيا.
    وعندما نزلت هذه الآية، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها على الصحابة وقال: «خمس بخمس، قيل: يارسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلا سلَّط الله عليهم عدوَّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت الفاحشة فيهم إلا فشا فيهم الموت، ولا طفَّفوا الكيل إلا مُنِعوا النبات وأُخِذوا بالسنين، ولا منعوا الزَّكاة إلا حُبس عنهم المطر» (رواه أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه ).
    والملفت للنظر بأن هذه الآيات سواء كانت مكيَّة أم مدنيَّة، فالتصدِّي لشأن المطفِّفين كان بمثابة إعلان الحرب عليهم، وهم حينها من طبقة السادة وذوي النفوذ؛ حيث كانوا يمارسون التطفيف معتمدين على مركزهم ونفوذهم. فهم يكتالون {على الناس} لا من الناس، فكأنَّ لهم سلطاناً يجعلهم يستوفون بالمكيال والميزان بالقسر على أكثر من حقِّهم، دون أن يستطيع هؤلاء الناس منعهم أو الوقوف في وجههم.
    فكان الإسلام بهذه الصيحة المبكرة موقظاً للجماهير المستَغَلّة، معرِّياً سادة مكَّة أو المدينة المهيمنين على اقتصادياتهم وشؤون معاشهم. لذلك عارض هؤلاء السادة ـ مشركين أو منافقين ـ الإسلام دفاعاً عن مراكزهم ومصالحهم، وشنُّوا حرباً عليه لاهوادة فيها، لأنه يهدِّد كيانهم الزائف وسلوكهم المنحرف. هذه الحرب مازالت قائمة إلى يومنا هذا، في كل جيل وفي كلِّ أرض، والطغاة المطففون ـ في أيِّ صورة من صور التطفيف في المال أو في سائر الحقوق والواجبات، وسواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو بين الدول القوية والدول الضعيفة ـ هم الَّذين يخافون أكثر من غيرهم ظهور ذلك المنهج النظيف العادل، الَّذي لايقبل المساومة ولا المداهنة، بل العدل المطلق لجميع الأفراد وجميع الشعوب، على اختلاف عروقها وأديانها.
    تلك النفوس الجائرة، الجشعة الماكرة، لو أنها خفَّفت من غلوائها وتحرَّرت من أَسْر شهواتها، وفكَّرت مليّاً، لتذكَّرت بأن أمامها محكمة، قاضيها ربُّ العالمين، والقانون المعتمد فيها هو قانون العدل الَّذي قامت عليه السموات والأرض، حيث يُنصِف الله جلَّ وعلا عباده من جور بعضهم على بعض، ويُكافِئ المحسن، ويعاقب المسيء. إن هذه النتيجة الحتمية الَّتي لا مِراء فيها لجديرة بأن يقف المرء أمامها وقفة تأمُّل واعتبار، ومن ثَمَّ المسارعة إلى نبذ كلِّ ما نهى الله عنه، والتمسُّك بكلِّ ما دعا إليه سبحانه.

    رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ

    رحمة الله عليك ياأبي*

    نتوآصَلُ بـ " القلوبِ " وإن أبعدَتنآ الدروب ،ونحيآ بـ " الدعآءِ " وإن صَعُبَ اللقآء ،

    اللهم اجعلنا من الذين "إذا أحسنوا استبشروا ، و إذا اساءوا استغفروا"...
    اللهّم سُرَّ خواطِرنا بخبر جَميل ،
    و عافِي كل مريضّ ،
    و ارحْم كل مَيت ،
    و اشّرح صدوُرنا ،
    إنك عَلى كل شَيء قدِير

  9. #69

    افتراضي رد: القرآن منهاج الحياة

    القسم: الفصل السادس: الحَجْر على مال السفيه
    سورة النساء(4)
    قال الله تعالى: {ولا تُؤْتوا السُّفهاءَ أموالَكُم الَّتي جعَلَ الله لكم قِياماً وارزُقُوهُمْ فيها واكسُوهُمْ وقولوا لهم قَولاً معروفاً(5)}
    ومضات:
    ـ بما أن المال وسيلة للإعمار والبناء، فإن الإسلام حريص على ألا تتعطَّل هذه الوسيلة، لأن غايته النماء والازدهار لجميع الموارد، والرفع من سويَّة القوى المنتجة المعطاء، ليَسْعد الناس جميعاً في ظلال نِعم الله الوافرة وأرزاقه المستمرَّة.
    ـ السفيه هو كلُّ من لم يستطع أن يجيد الرقابة على نفسه، أو المحافظة على المال بين يديه، أو الإنفاق بشكل إيجابي مثمر.
    ـ الحَجْر على مال السفيه لا يعني إهانته أو إيذاءه، بل إن من شروطه توفير كرامته الإنسانية، وتلبية جميع متطلَّباته الَّتي شرعها الله تعالى.
    في رحاب الآيات:
    خير المال ما كان يؤدِّي عملاً نافعاً مثمراً يساهم مساهمة فعَّالة في إنعاش اقتصاد الأمَّة وازدهارها. فالمال أمانة استودعها الله في أيدي عباده، فمن أساء استعماله فصرفه في غير موضعه، يعدُّ هادماً لأركان هذا الاقتصاد وبالتالي فهو سفيه يجب الحجر عليه. والسفيه في نظر الإسلام هو كلُّ من لا يُحسن التصرُّف في ماله؛ سواء كان السفه بسبب ضعف الملَكَات العقلية، أو كان بسبب ضعف الإيمان، وتبديد المال في المآثم.
    والحَجْر: منع الإنسان من التصرُّف بماله، حفظاً لمصلحته وصيانةً لهذا المال، كالحجر على الصغير كيلا يُتلفه، والمبذِّر كيلا يبدِّده، والمجنون كيلا يضيِّعَه أو يُسرَق منه؛ لأنهم عاجزون عن إدراك القيمة الحقيقية للمال الَّذي بين أيديهم. والحجر معناه ألا ينعقد للمحجور عليه بيع ولا شراء، وألا يَصِحَّ له إقرار، فيُسلب بذلك حقَّ التصرُّف بالمال، دون حقوقه الإنسانية الأخرى في الكرامة والحياة، ويُستحبُّ إظهار الحجر على السفيه، حتَّى يتبيَّن الناس الأسس المالية الَّتي يتعاملون معه من خلالها.
    والولاية على اليتيم، أو الصغير، أو المجنون تكون للأب فإن لم يكن موجوداً انتقلت إلى الوصي، فإن لم يكن هناك وصي انتقلت إلى القاضي الشرعي. وبالمقابل فإن انتقال المال إلى الولي يُرَتِّبُ عليه مسؤوليات هامَّة، إذ أن عليه أن يحفظ المال ويستثمره ويزيده كأنَّه ماله، وأن يؤمِّن للمحجور عليه كفايته من تكاليف الطعام والمأوى والزواج والكسوة. وعليه أن يحسن له القول كأن يقول له: إن المال مالك وما أنا إلا خازن له إن كان صغيراً، وإذا كان سفيهاً وَعَظَه ونصحه ورغَّبه في ترك الإسراف، وعرَّفه أن عاقبة ذلك الفقر، على أن يحاول الارتقاء بتفكيره ليعود سويّاً قادراً على التصرُّف في ماله بنفسه.
    واستطراداً نقول: بما أن الإسلام يهدف إلى بناء المجتمع السليم المترابط، ويحجر على السفيه؛ فهو بالتالي لا يتغاضى عن مقامر يبدِّد أمواله على موائد القمار، أو عن مفتون بموائد الخمرة والنساء، أو عن مدمن للمخدِّرات، حيث أن تصرُّفات هؤلاء وأمثالهم تبدِّد القوى المنتجة المعطاء، وتضعهم في قائمة السفهاء الَّذين يتوجَّب الحجر عليهم ومراقبتهم، ففي الإسلام لا حرِّية بلا حدود، وإنما حرِّية موجَّهة في حدود عدم إيذاء صاحبها أو من حوله في المجتمع.

صفحة 4 من 4 الأولىالأولى 1234

المواضيع المتشابهه

  1. منهاج الأسرة والشيخ راتب النابلسي
    بواسطة لانا في المنتدى منتدى جلستنا العائلية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 02-09-2013, 01:22 AM
  2. حملة تصحيح الحجاب و فيديو الدعوة الى ارتداء الحجاب
    بواسطة مجدى بدوى في المنتدى منتدى ثقافة المرأة المسلمة
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 09-21-2012, 12:22 PM
  3. من القرآن » .أدعية من القرآن الكريم.
    بواسطة لؤلؤة الجنه في المنتدى منتدى الأدعية ومناجاة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 06-06-2011, 02:19 PM
  4. الحجاب الشرعى وشروطه ومواصفاته; خطبتين عن الحجاب
    بواسطة مجدى بدوى في المنتدى منتدى ثقافة المرأة المسلمة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 06-13-2010, 08:00 AM
  5. الحياة مع القرآن
    بواسطة احمد الجزائري في المنتدى منتدى الصحوة القرآنية القسم العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 08-28-2009, 11:13 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •