التسجيل مكتبي الرسائل الخاصة الرئيسية البحث الخروج  
صفحة 1 من 16 1234511 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 307

الموضوع: صور جمالية ... تأمل

  1. #1
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي صور جمالية ... تأمل

    موضوع رائع


    للتأمل وزيادة الايمان



    صور جمالية ... تأمل




    أرجو تثبيت الموضوع لأهميته

  2. #2
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل

    {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} سورة آل عمران


    {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)} سورة الرعد


    يحثنا مطلع هذه الآيات الكريمات على التفكر في خلق الله ... الأنهار ... الجبال ... الثمار التي تأكلها والناتجة عن تلقيح الزهرة المذكرة للمؤنثة في الحالات الطبيعية .... وسواد الليل على النهار وتلبيس إياه ثوب الظلمة ....

    هل تأملت أن في الأرض الواحدة منها الصالح للإنبات ومنها غير الصالح ؟ وقد يكن متجاورات برغم ذلك !

    والجنات البديعة التي خلقها الله تعالى من الأعناب والنخيل والزروع المختلفة فقد ترى نخلة وحيدة منفردة وقد ترى عدة نخلات مجتمعات من أصل واحد ..... وسبحان الله العظيم فبرغم تعدد الأنواع والألوان والأجناس والمذاق .... إلا أنه ماء واحد الذي يسقى به .... ولم يتحدث هنا الخلاق العليم أنه غذاء واحد يتغذى به النبات إذ أن الإحتياجات الغذائية تختلف من نبات لآخر .... فسبحان الله البديع ... ما أن تقرأ كلماته حتى تُستحضَر الصورة الحية أمامك لما ذكر .... سبحانه خلق الكون من حولنا لنتأمل ونتفكر فيه .... فسبحانه بديع السماوات والأرض .. خالق كل شئ ومليكه ...!


    يتبع بإذن الله تعالى .

  3. #3
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل

    إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ سورة الإنسان - الآية 3 ]

    وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولا ولصفات الجنين العائلية أخيرا وإليها يعزى سير النطفة الإنسانية في رحلتها لتكوين جنين إنسان لا جنين أي حيوان آخر كما تعزى إليها وراثة الصفات الخاصة في الأسرة ولعلها هي هذه الأمشاج المختلطة من وراثات شتى خلقته يد القدرة هكذا من نطفة أمشاج لا عبثا ولا جزافا ولا تسلية ولكنه خلق ليبتلي ويمتحن ويختبر والله سبحانه يعلم ما هو وما اختباره وما ثمرة اختباره ولكن المراد أن يظهر ذلك على مسرح الوجود وأن تترتب عليه آثاره المقدرة في كيان الوجود وأن تتبعه آثاره المقدرة ويجزى وفق ما يظهر من نتائج ابتلائه ومن ثم جعله سميعا بصيرا أي زوده بوسائل الإدراك ليستطيع التلقي والاستجابة وليدرك الأشياء والقيم ويحكم عليها ويختار ويجتاز الابتلاء وفق ما يختار وإذن فإن إرادة الله في امتداد هذا الجنس وتكرر أفراده بالوسيلة التي قدرها وهي خلقته من نطفة أمشاج كانت وراءها حكمة وكان وراءها قصد ولم تكن فلتة كان وراءها ابتلاء هذا الكائن واختباره ومن ثم وهب الاستعداد للتلقي والاستجابة والمعرفة والاختبار وكان كل شيء في خلقه وتزويده بالمدارك وابتلائه في الحياة بمقدار ثم زوده إلى جانب المعرفة بالقدرة على اختيار الطريق وبين له الطريق الواصل ثم تركه ليختاره أو ليضل ويشرد فيما وراءه من طرق لا تؤدي إلى الله إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا وعبر عن الهدى بالشكر لأن الشكر أقرب خاطر يرد على قلب المهتدي بعد إذ يعلم أنه لم يكن شيئا مذكورا فأراد ربه له أن يكون شيئا مذكورا ووهب له السمع والبصر وزوده بالقدرة على المعرفة ثم هداه السبيل وتركه يختار الشكر هو الخاطر الأول الذي يرد على القلب المؤمن في هذه المناسبة فإذا لم يشكر فهو الكفور بهذه الصيغة الموغلة في الدلالة على الكفران ويشعر الإنسان بجدية الأمر ودقته بعد هذه اللمسات الثلاث ويدرك أنه مخلوق لغاية وانه مشدود إلى محور وأنه مزود بالمعرفة فمحاسب عليها وأنه هنا ليبتلى ويجتاز الابتلاء فهو في فترة امتحان يقضيها على الأرض لا في فترة لعب ولهو وإهمال ويخرج من هذه الآيات الثلاث القصار بذلك الرصيد من التأملات الرفيقة العميقة كما يخرج منها مثقل الظهر بالتبعة والجد والوقار في تصور هذه الحياة وفي الشعور بما وراءها من نتائج الابتلاء وتغير هذه الآيات الثلاث القصار من نظرته إلى غاية وجوده ومن شعوره بحقيقة وجوده ومن أخذه للحياة وقيمها بوجه عام الدرس الثاني من صفات الأبرار وصور من نعيم الجنة لهم ومن ثم يأخذ في عرض ما ينتظر الإنسان بعد الابتلاء واختياره طريق الشكر أو طريق الكفران فأما ما ينتظر الكافرين فيجمله إجمالا لأن ظل السورة هو ظل الرخاء الظاهر في الصورة والإيقاع وظل الهتاف المغري بالنعيم المريح فأما العذاب فيشير إليه في إجمال إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا سلاسل للأقدام وأغلالا للأيدي ونارا تتسعر يلقى فيها بالمسلسلين المغلولين ثم يسارع السياق إلى رخاء النعيم


    في ظلال القرآن_الإمام سيد قطب

  4. #4
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل

    {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)} سورة النحل




    عند التمعن فى هاتين الآيتين الكريمتين يتضح تطابق كل كلمة فيهما، بل كل حرف، مع المعلومات التى لم تعرف عن النحل إلا حديثا.


    ( وأوحى ربك إلى النحل ) :
    لم يذكر فى القرآن الكريم وحى الله منسوبا إلى ربك إلا مـرتين فقط :
    (1) إلى الأرض يوم القيامة (بأن ربك أوحى لها)
    (2) إلى النحل فى هذه الآية التى يفهم منها أن فيها مقارنة معنوية دقيقة بين العقل الذى خلقه الله للإنسان وبين الفطرة التى خلق النحل عليها لتأدية الأعمال التى كلفة بها،
    إذ أن النحل هو الكائن الوحيد (بعد الإنسان) الذى يمكنه أن يحيط مجتمعه علما بالأماكن البعيدة مثل مواقع السكن الذى يبحث عنه، أو الغذاء الذى يجمعه بدون أن يصحب آيا من أفراد أسرته ( كما تفعل سائر الحيوانات الأخرى)، وليس عن طريق الكلام كما يفعل الإنسان، ولكن بلغة حركية ذات قدرة فائقة على تحديد المسافات والاتجاهات يؤديها بطريقة تلقائية روتينية فطرية موروثة (أى بناء على وحى الله له) بدقة لا تقارن إلا بتقنيات أحدث الأجهزة التى اخترعها الإنسان، مثل الأجهزة الإلكترونية والحاسبات الآلية والرادار والأجهزة الموجهة للقذائف والأجهزة الفلكية وأجهزة الموجات فوق الصوتية... وربما غيرها مما سيخترع فى المستقبل القريب أو البعيد.



    ( أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ) :
    جاء وحى الله للنحل أن يبنى بيوته فى مواقع لا تصلح لسكنى أى كائن آخر، فهو إما أن يبنى أقراصه الشمعية فى العراء معلقة تحت صخور الجبال أو فروع الأشجار... أو فى جحور واسعة ناتجة عن العوامل الطبيعية ومداخلها صغيرة ضيقة لا يمكن أن يراها بعيونه ولكنه يتمكن من تمييزها بواسطة الموجات فوق الصوتية التى تصدر منها، وهى قدرة لا تتوفر للإنسان إلا باستخدام أجهزة خاصة.
    وجاء عند اختيار المسكن حرف "من" التى تعنى التبعيض أوالتحديد، إذ أن من النحل نوعين يتخذان البيوت داخل الجحور ذات المواصفات المذكورة ونوعين آخرين تكون بيوتها معلقة فى أماكن خاصة مناسبة لحياتها فى العراء.
    وجاء تسلسل الاختيار بدءا بالجبال التى هى الأكبر حجما والأسبق فى الوجود وتليها الأشجار التى ظهرت بعد ذلك ثم ما يعرش الإنسان سواء كان مصنوعا من أحجار وطمى الجبال أو من أخشاب الأشجار.
    وقد جاء الكلام عن النحل مؤنثا فى هذه الجملة وما بعدها لأن ما يقوم بجميع هذه الأعمال فى طائفة النحل هى الشغالات (وهى إناث عقيمة)، فهى التى تختار المسكن عند التطريد، وهى التى تجمع الغذاء وهى التى تخرج من بطونها المواد الشافية للناس، بل هى التى تقوم بجميع الأعمال داخل الخلية وخارجها، وهذه الحقيقة لم تعرف إلا حديثا، أما الذكور والملكات فلا تقوم إلا بالتكاثر.




    ( ثم كلى من كل الثمرات ) :
    إن بدء هذه الجملة بحرف العطف (ثم) يعنى الترتيب مع التراخى، أى الترتيب مع التأجيل وهذا ينطبق تماما مع ما يحدث فعلا وما لم يعرف إلا منذ زمن قصير، إذ أن النحل حين يخرج من مسكنه قاصدا عشا جديدا (فيما يسعى بظاهرة التطريد) يكون مالئا بطنه بكمية كبيرة من العسل، قد تفوق وزن جسمه استعدادا للرحلة المجهولة، وبعد عثوره على المسكن لايمكنه أن يأكل و أن يبحث عن الغذاء إذ يكون متخما بالعسل، ولا يستطيع التخلص من هذا العسل إلا بعد أن يحول جزءا منه إلى شمع يبنى به أقراصه ذات العيون السداسية، فيفرغ فيها ما يبقى فى جوفه من عسل وبعد ذلك يبدأ فى البحث عن الغذاء، ولذلك لم يعبر عنها بأى من حر فى العطف الآخرين "الواو" أو " الفاء"، فسبحان الله القادر العليم.
    وعند التعمق فى جملة "ثم كلى من كل الثمرات، يتضح أنها تتضمن مصدر المادة العلاجية الفعالة فيما يخرج من بطون النحل، إذ أن النحل، لا يأكل من كل الثمرات حلوها ومرها لتتحول فى أجوافه إلى عسل حلو كما كان الاعتقاد سائدا فى التفسيرات المعروفة، فالنحل لا يقترب من الثمار المرة أو الصلدة، بل لا يتمكن من أن يأكل من الثمار الحلوة إذا كانت سليمة صحيحة لأنه لا يستطيع أن يصيبها مهما كانت سليمة صحيحة لأنه لا يستطيع أن يصيبها مهما كانت ضعيفة أو قشورها رقيقة ولكنه قد يتناول عصارة الثمار الحلوة إذا كانت مجروحة بفعل إحدى الحشرات الضارة أو مفتوحة بسبب زيادة نضجها، وفى هذه الحالة ينتج عسلا غير مستساغ الطعم.
    أما الغذاء الطبيعى للنحل فيتكون من رحيق الأزهار وحبوب لقاحها، فالرحيق يتحول إلى عسل وهو مصدر الطاقة لما يحتويه من مواد سكرية، أما حبوب اللقاح فهى مصدر المكونات الحيوية الأخرى من بروتينات وأحماض أمينية وفيتامينات وعناصر معدنية.
    ويبدو أن الرحيق وحده غير مقصود بهذه الجملة لأنه لا يوجد فى كل النباتات، إذ تخلو منه معظم الأزهار التى تلقح بفعل الرياح، وكذ لك بعض الأزهار التى تلقح بواسطة الحشرات أما حبوب اللقاح فيبحث النحل عنها ويجمعها سواء من الازهار التى تلقح بواسطة الحشرات أو بواسطة الرياح، وحيث أن ثمرات جميع أنواع النباتات تتكون نتيجة اندماج حبات اللقاح فى مبايض الازهار، فإن حبوب اللقاح تدخل فى تركيب جميع أنواع الثمرات وعلى ذلك فيبدو أن حبوب اللقاح هى المقصودة فى هذه الآية بالتعبير الوارد فيها ( ثم كلى من كل الثمرات) لأنها من مكونات كل أنواع الثمرات، حيث يأكل النحل منها ولا يسبب أى نقص فيها بل يساعد على إثمارها وزيادة إنتاجها.
    والآية رقم من سورة الرعد تؤكد نفس التفسير بأن حبوب اللقاح هى المقصودة بتعبير " كل الثمرات " بقوله سبحانه وتعالى: (..... ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين…) (الرعد: 3)
    أى أن الثمرات التى تنتجها جميع أنواع النباتات يدخل فى تكوينها خلايا ذكرية وأخرى أنثوية، فالخلية الذكرية هى حبة اللقاح والخلية الأنثوية هى بويضة الزهرة... ومن دقة التعبير القرآنى المحكم فى آية النحل وفى هذه الآية كذلك- حتى لا تدعا مجالا للشك من أنهما من عند الله العليم الخبير- إن سبق (كل الثمرات) فيهما حرف "من " الذى يعنى الاستثناء لأن بعض أصناف الثمار لا تحتوى على خلايا ذكرية مثل الموز والبرتقال بسره والعنب البناتى وغيرها من الثمار عديمة البذور، وهى أصناف ظهرت كطفرات من الأنواع النباتية البذرية، تتكون ثمارها بكريا بنمو مبيض الزهرة وحده، وهذه المعلومات لم تعرف إلا فى العصر الحديث، ومع ذلك فقد وردت فى القرآن الكريم بأسلوب فيه إعجاز وإيجار ..
    وقد تأكد أن حبوب اللقاح التى تبقى بكميات ضئيلة فى العسل بعد تصفيته هى المصدر الرئيسى للمواد الفعالة فيه، علاوة على أن الغذاء الملكى وسم النحل بما لهما من قيمة علاجية عالية لا يستطيع النحل إفرازهما بدون التغذية على حبوب اللقاح، والغدد التى تحول المواد السكرية إلى شمع لا تستطيع أن تفرزه إلا بعد أكل حبوب اللقاح، علاوة على أن الأنزيمات اللازمة لتكوين كل المنتجات الشافية فى النحل نابعة من حبوب اللقاح.


    ( فاسلكى سبل ربك ذللا ) :
    وجود هذه الجملة فاصلة بين تغذية النحل على الثمرات وبين اخراجه للسوائل التى تشفى الناس، جعلت معناها بعيدا عن التفسير الدارج بأن تسلك سبل الله بالطيران فى جو السماء ولكنها أقرب إلى كونها سبلا ممهدة لإخراج السوائل الشافية من بين النحل لاسيما وأنها تضمنت تعبير (سبل ربك) أى سبيل الذى خلق النحل، وذلك فيه تحديد بأن هذا السبل مخصصة للنحل فقط ،لا يوجد مثلها فى كائن سواه وهذا السبل يمكن أن تفسر بأحد معنيين المعنى الأول هو الطرق أى الممرات التى تصل بين معدة النحل وبين الغدد المختلفة التى تقوم بتحويل الغذاء إلى السوائل الشافية المتعددة والمعنى الثانى هو الطرق (جمع طريقة) أى التقنينات التى علمها الله للنحل وذللها له وغرسها في فطرته، وأدخلها فى غريزته لكى يحول غذاءه إلى أى من السوائل المختلفة الشافية للناس.
    ومما يؤكد صحة هذا التفسير أن الجملة التالية جاء ت بدون حرف عطف مما يعنى أن الحدث الذى يتم فيها يكون ناتجا عن الفعل فى الجملة السابقة، أى أن الشراب الخارج من بطون النحل يكون ناتجا عن سلوك سبل ربه.


    ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ) :
    لم يذكر صراحة أن العسل- هو الذى يخرج من بطون النحل أو أنه هو الذى فيه شفاء للناس ، لأن الله يخرج من بطون النحل سوائل أخرى مختلفة الألوان وفيها شفاء للناس ولكنها لم تكن معروفة حين نزل القرآن علي سيد المرسلين فكأن هذه الجملة الموجزة تتضمن المعنى الذى كان معروفا فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عن القيمة العلاجية للعسل والمعنى الذى لم يعرف إلا فى القرن العشرين عن القيم العلاجية لكل من سم النحل والغذاء الملكى والشمع وحبوب اللقاح والبروبوليس، وازدياد معرفة القيم الطبية للعسل يوما بعد يوم .
    والمادتان الأخيرتان (حبوب اللقاح والبروبوليس) لا تخرجان طبعا من بطون النحل إذ يجمعهما من النباتات ويضيف إليهما بعضا من العسل أو الشمع ممزوجا باللعاب، فتصبحان شافيتين للناس من بعض الأمراض، ولذلك لم يذكر أن ما يخرج من بطون النحل شاف للناس بصفة عامة، إذ- قد لا يكون شافيا من أحد الأمراض إلا بإضافته إلى مواد اخرى، مثل حبوب اللقاح أو الصموغ ( التى تسمى بعد ذلك بروبوليس) فى الحالة المذكورة أو إلى المواد الطبية الأخرى مثل الحبة السوداء. أو زيت الزيتون أو عصير البصل وغيرها فى حالات أخرى متعددة.
    وكلمة شراب التى جاءت فى هذه الآية مفسرة فى الكتب الدينية على أن العسل يشرب، ولكننى أعتقد أن المقصود بها سوائل صالحة للشرب سواء كانت تشرب مباشرة وهى سائلة أو بعد إسالتها أو إذابتها إذا كانت متجمدة كما يتجمد العسل فى فصل الشتاء.. فلا يصلح حينئذ للشرب إلا بعد تعريضه للحرارة أو إذابته فى الماء أو فى أحد المشروبات الأخرى وهذا ينطبق كذلك على منتجات النحل الأخرى كله مثل الغذاء الملكى والشمع والسم.
    وكما أن العسل حين استعماله للتداوى (سواء فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم أو قبل ذلك أثناء الحضارات البشرية القديمة ) لم يستعمل فى هيئة شراب فقط، فقد اكتحل به ودهنت به الجروح، واستخدم فى عمل العصائر وغيرها، وهذا ينطبق أيضا على منتجات النحل الأخرى .


    ( إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون ) :
    ختمت آية النحل بأن إعجازها لن يظـهر إلا بالتعمق والتروى فى التفكير،إذ أنـها تبـدو سهـلة وبسيطة إذا قرأناها قراءة سطحية، وتبدر ركيكة غير متناسقة وغير واقعية إذا تمعنا فى تركيبها بنفس الفكرة الأولية التى كانت معروفة عن النحل منذ بدء الخـليقة، ولكنها تتطابق تماما مـع المعلومات التى عرفت حديثا عن النحل ولم تكن معروفة حين نزول القرآن على سيد المرسلين ، ويتضح من ذلك أن فى هذه. الآية معجزة تدل على أنها من عند الله العليم بالإضافة إلى الإلهام الذى وهبه سبحانه وتعالى للنحل لينتج لنا سوائل متعددة فيها شفاء للناس .



    المعـجزات الإلهية المشتركة بين الأديان السماوية

    للأستاذ الدكتور محمد على البنبى
    أستاذ علوم النحل والحشرات الاقتصادية
    بكلية الزراعة جامعة عين شمس
    إن الله سبحانه وتعالى يدعم رسله بقدرات خارقة للعادة لكى يقتنع بهم أهلوهم الذين أرسلوا إليهم، وكانت معجزات الأنبياء الأوائل حسية ملموسة، إذ أن قوم كل نبى كانوا يرون تفوقه على ما نبغ فيه أكثرهم قدرة وعلما.
    فكانت معجزة إبراهيم عليه السلام أن أنجاه الله من الاحتراق بالنار بدون أن ينزل عليها المطر ليطفئها كما جاء فى قوله تعالى: ( قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم)(الأنبياء: 69)
    ومعجزة موسى عليه السلام أن تمكن بعصاه أن يشق البحر لينجو وأهله من عدوان فرعون، كما جاء فى القرآن الكريم قوله (اضرب بعصاك البحر... ).
    وكانت معجزة عيسى عليه السلام أنه كان يشفى الأكمة والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله.
    ومعجزة القرآن تختلف عن معجزات الرسل السابقين، كما جاء فى التفسيرات المتقنة الشيقة الممتعة لفضيلة الشيخ محمد متولى الشعراواى... معجزات الرسل خرقت نواميس الكون وقوانين الطبيعة أى أنها معجزات كونية ملموسة، من رآها أمن بها عن بينة، ومن لم يرها صارت عنده خبرا.... إن شاء صدقه وإن شاء لم يصدقه..
    وحيث أن كل رسول من عند الله يأتى مصدقا أو متمما لمن جاه قبله، فقد ذكرت أنباء كثير من الرسل السابقين فى القرآن الكريم فأصبح المسلمون يصدقون بهم.
    أما محمد خاتم الأنبياء حيث لانبى بعده، فلكى يستمد الإيمان بما جاء به فيجب أن تستمر معجزته فى التأثير وأن تكون هذه المعجزة عقلية تساير التطور الذى يطرأ على البشرية، والقرآن يحقق هذه المعجزة الأزلية؟ فعلاوة على بلاغته التى بهرت أهل عصر الرسول حتى صدقوا به، فإن بيانه لا يزال مستمرا وقد زاد بيان القرآن وضوحا وإعجازا فى العصر الحديث، وتطورت في معانيه مع تطور اكتشافات والاختراعات.
    .. وبينما كانت بعض معانى القرآن غير مفهومة فى العصور السابقة فقد أمكن تفسيرها بسهولة ويسر بناء على المعلومات الحديثة...وبينما تخلى كثير من البشر عن الروحانيات منذ القرن الماضى واتجهوا إلى الماديات وجاهروا بتجاهل الأديان السماوية. أصبح القرآن دليلا ماديا على وجود الإله الخالق الذى يحيط الكون بعلمه، إذ جاء ت الإشارات القرآنية إلى فضل الله على الإنسان(بخلقه كل ما فى السموات وما فى الأرض) بأسلوب مطابق للوقع وفيه ايجاز وأعجاز، ولكن لا يستطيع كشفه وتحقيقه إلا العلماء المتخصصون فى العلوم الكونية بمجالاتها المتعددة.
    وحيث إننى من الدارسين للزراعة فقد لاحظت إعجازا علميأ فى الآيات القرآنية التى تشير إلى الكائنات الحية النباتية والحيوانية، ومنها آية النحلى وكثير من التشبيهات القرآنية،
    وحيث إن معانى القرآن وبلاغته وإعجازه مستمرة مع تطور مظاهر الحياة وتجدد الأكتشافات، فقد حفظه الله بنصه كما جاء فى قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: 9).
    وأمر المؤمنين أن يحفظوه بلغته. (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا)(فصلت : 3).
    ولا يترجم القرآن لأى لغة غيرعربية إلا لتفسير معانيه فقط" وليس لكى يحفظ أو يقرأ بهذه اللغة، لأن دقة الترجمة إلى آية لغة تعتمد على ما يفهمه المترجم، وفى هذه الحالة قد تبدو بعض المعانى سطحية وقد يصعب تفسير بعضها، وفى هذه الحالة قد تطمس إعجازات القرآن
    الإعجاز العلمى فى آية النحل:
    ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل رُّبك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون) (النحل68- 69 )
    عند التمعن فى هاتين الآيتين الكريمتين يتضح تطابق كل كلمة فيهما، بل
    كل حرف، مع المعلومات التى لم تعرف عن النحل إلا حديثا.
    (وأوحى ربك إلى النحل )

    لم يذكر فى القرآن الكريم وحى الله منسوبا إلى ربك إلا مـرتين فقط
    (1) إلى الأرض يوم القيامة (بأن ربك أوحى لها)
    (2) إلى النحل فى هذه الآية التى يفهم منها أن فيها مقارنة معنوية دقيقة بين العقل الذى خلقه الله للإنسان وبين الفطرة التى خلق النحل عليها لتأدية الأعمال التى كلفة بها،
    إذ أن النحل هو الكائن الوحيد (بعد الإنسان) الذى يمكنه أن يحيط مجتمعه علما بالأماكن البعيدة مثل مواقع السكن الذى يبحث عنه، أو الغذاء الذى يجمعه بدون أن يصحب آيا من أفراد أسرته( كما تفعل سائر الحيوانات الأخرى)، وليس عن طريق الكلام كما يفعل الإنسان، ولكن بلغة حركية ذات قدرة فائقة على تحديد المسافات والاتجاهات يؤديها بطريقة تلقائية روتينية فطرية موروثة (أى بناء على وحى الله له) بدقة لا تقارن إلا بتقنيات أحدث الأجهزة التى اخترعها الإنسان، مثل الأجهزة الإلكترونية والحاسبات الآلية والرادار والأجهزة الموجهة للقذائف والأجهزة الفلكية وأجهزة الموجات فوق الصوتية... وربما غيرها مما سيخترع فى المستقبل القريب أو البعيد.
    ( أن اتخذى من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون )

    جاء وحى الله للنحل أن يبنى بيوته فى مواقع لا تصلح لسكنى أى كائن آخر، فهو إما أن يبنى أقراصه الشمعية فى العراء معلقة تحت صخور الجبال أو فروع الأشجار... أو فى جحور واسعة ناتجة عن العوامل الطبيعية ومداخلها صغيرة ضيقة لا يمكن أن يراها بعيونه ولكنه يتمكن من تمييزها بواسطة الموجات فوق الصوتية التى تصدر منها، وهى قدرة لا تتوفر للإنسان إلا باستخدام أجهزة خاصة.
    وجاء عند اختيار المسكن حرف "من" التى تعنى التبعيض أوالتحديد، إذ أن من النحل نوعين يتخذان البيوت داخل الجحور ذات المواصفات المذكورة ونوعين آخرين تكون بيوتها معلقة فى أماكن خاصة مناسبة لحياتها فى العراء.
    وجاء تسلسل الاختيار بدءا بالجبال التى هى الأكبر حجما والأسبق فى الوجود وتليها الأشجار التى ظهرت بعد ذلك ثم ما يعرش الإنسان سواء كان مصنوعا من أحجار وطمى الجبال أو من أخشاب الأشجار.
    وقد جاء الكلام عن النحل مؤنثا فى هذه الجملة وما بعدها لأن ما يقوم بجميع هذه الأعمال فى طائفة النحل هى الشغالات (وهى إناث عقيمة)، فهى التى تختار المسكن عند التطريد، وهى التى تجمع الغذاء وهى التى تخرج من بطونها المواد الشافية للناس، بل هى التى تقوم بجميع الأعمال داخل الخلية وخارجها، وهذه الحقيقة لم تعرف إلا حديثا، أما الذكور والملكات فلا تقوم إلا بالتكاثر.
    (ثم كلى من كل الثمرات )

    إن بدء هذه الجملة بحرف العطف (ثم) يعنى الترتيب مع التراخى، أى الترتيب مع التأجيل وهذا ينطبق تماما مع ما يحدث فعلا وما لم يعرف إلا منذ زمن قصير، إذ أن النحل حين يخرج من مسكنه قاصدا عشا جديدا (فيما يسعى بظاهرة التطريد) يكون مالئا بطنه بكمية كبيرة من العسل، قد تفوق وزن جسمه استعدادا للرحلة المجهولة، وبعد عثوره على المسكن لايمكنه أن يأكل و أن يبحث عن الغذاء إذ يكون متخما بالعسل، ولا يستطيع التخلص من هذا العسل إلا بعد أن يحول جزءا منه إلى شمع يبنى به أقراصه ذات العيون السداسية، فيفرغ فيها ما يبقى فى جوفه من عسل وبعد ذلك يبدأ فى البحث عن الغذاء، ولذلك لم يعبر عنها بأى من حر فى العطف الآخرين "الواو" أو " الفاء"، فسبحان الله القادر العليم.
    وعند التعمق فى جملة "ثم كلى من كل الثمرات، يتضح أنها تتضمن مصدر المادة العلاجية الفعالة فيما يخرج من بطون النحل، إذ أن النحل، لا يأكل من كل الثمرات حلوها ومرها لتتحول فى أجوافه إلى عسل حلو كما كان الاعتقاد سائدا فى التفسيرات المعروفة، فالنحل لا يقترب من الثمار المرة أو الصلدة، بل لا يتمكن من أن يأكل من الثمار الحلوة إذا كانت سليمة صحيحة لأنه لا يستطيع أن يصيبها مهما كانت سليمة صحيحة لأنه لا يستطيع أن يصيبها مهما كانت ضعيفة أو قشورها رقيقة ولكنه قد يتناول عصارة الثمار الحلوة إذا كانت مجروحة بفعل إحدى الحشرات الضارة أو مفتوحة بسبب زيادة نضجها، وفى هذه الحالة ينتج عسلا غير مستساغ الطعم.
    أما الغذاء الطبيعى للنحل فيتكون من رحيق الأزهار وحبوب لقاحها، فالرحيق يتحول إلى عسل وهو مصدر الطاقة لما يحتويه من مواد سكرية، أما حبوب اللقاح فهى مصدر المكونات الحيوية الأخرى من بروتينات وأحماض أمينية وفيتامينات وعناصر معدنية.
    ويبدو أن الرحيق وحده غير مقصود بهذه الجملة لأنه لا يوجد فى كل النباتات، إذ تخلو منه معظم الأزهار التى تلقح بفعل الرياح، وكذ لك بعض الأزهار التى تلقح بواسطة الحشرات أما حبوب اللقاح فيبحث النحل عنها ويجمعها سواء من الازهار التى تلقح بواسطة الحشرات أو بواسطة الرياح، وحيث أن ثمرات جميع أنواع النباتات تتكون نتيجة اندماج حبات اللقاح فى مبايض الازهار، فإن حبوب اللقاح تدخل فى تركيب جميع أنواع الثمرات وعلى ذلك فيبدو أن حبوب اللقاح هى المقصودة فى هذه الآية بالتعبير الوارد فيها ( ثم كلى من كل الثمرات) لأنها من مكونات كل أنواع الثمرات، حيث يأكل النحل منها ولا يسبب أى نقص فيها بل يساعد على إثمارها وزيادة إنتاجها.
    والآية رقم من سورة الرعد تؤكد نفس التفسير بأن حبوب اللقاح هى المقصودة بتعبير " كل الثمرات " بقوله سبحانه وتعالى: (..... ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) (الرعد: 3)
    أى أن الثمرات التى تنتجها جميع أنواع النباتات يدخل فى تكوينها خلايا ذكرية وأخرى أنثوية، فالخلية الذكرية هى حبة اللقاح والخلية الأنثوية هى بويضة الزهرة... ومن دقة التعبير القرآنى المحكم فى آية النحل وفى هذه الآية كذلك- حتى لا تدعا مجالا للشك من أنهما من عند الله العليم الخبير- إن سبق (كل الثمرات) فيهما حرف"من " الذى يعنى الاستثناء لأن بعض أصناف الثمار لا تحتوى على خلايا ذكرية مثل الموز والبرتقال بسره والعنب البناتى وغيرها من الثمار عديمة البذور، وهى أصناف ظهرت كطفرات من الأنواع النباتية البذرية، تتكون ثمارها بكريا بنمو مبيض الزهرة وحده، وهذه المعلومات لم تعرف إلا فى العصر الحديث، ومع ذلك فقد وردت فى القرآن الكريم بأسلوب فيه إعجاز وإيجار ..
    وقد تأكد أن حبوب اللقاح التى تبقى بكميات ضئيلة فى العسل بعد تصفيته هى المصدر الرئيسى للمواد الفعالة فيه، علاوة على أن الغذاء الملكى وسم النحل بما لهما من قيمة علاجية عالية لا يستطيع النحل إفرازهما بدون التغذية على حبوب اللقاح، والغدد التى تحول المواد السكرية إلى شمع لا تستطيع أن تفرزه إلا بعد أكل حبوب اللقاح، علاوة على أن الأنزيمات اللازمة لتكوين كل المنتجات الشافية فى النحل نابعة من حبوب اللقاح.
    (فاسلكى سبل ربك ذللا )

    وجود هذه الجملة فاصلة بين تغذية النحل على الثمرات وبين اخراجه للسوائل التى تشفى الناس، جعلت معناها بعيدا عن التفسير الدارج بأن تسلك سبل الله بالطيران فى جو السماء ولكنها أقرب إلى كونها سبلا ممهدة لإخراج السوائل الشافية من بين النحل لاسيما وأنها تضمنت تعبير (سبل ربك) أى سبيل الذى خلق النحل، وذلك فيه تحديد بأن هذا السبل مخصصة للنحل فقط ،لا يوجد مثلها فى كائن سواه وهذا السبل يمكن أن تفسر بأحد معنيين المعنى الأول هو الطرق أى الممرات التى تصل بين معدة النحل وبين الغدد المختلفة التى تقوم بتحويل الغذاء إلى السوائل الشافية المتعددة والمعنى الثانى هو الطرق (جمع طريقة) أى التقنينات التى علمها الله للنحل وذللها له وغرسها في فطرته، وأدخلها فى غريزته لكى يحول غذاءه إلى أى من السوائل المختلفة الشافية للناس.
    ومما يؤكد صحة هذا التفسير أن الجملة التالية جأء ت بدون حرف عطف مما يعنى أن الحدث الذى يتم فيها يكون ناتجا عن الفعل فى الجملة السابقة، أى أن الشراب الخارج من بطون النحل يكون ناتجا عن سلوك سبل ربه.
    ( يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس )

    لم يذكر صراحة أن العسل- هو الذى يخرج من بطون النحل أو أنه هو الذى فيه شفاء للناس ، لأن الله يخرج من بطون النحل سوائل أخرى مختلفة الألوان وفيها شفاء للناس ولكنها لم تكن معروفة حين نزل القرآن علي سيد المرسلين فكأن هذه الجملة الموحزة تتضمن المعنى الذى كان معروفا فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عن القيمة العلاجية للعسل والمعنى الذى لم يعرف إلا فى القرن العشرين عن القيم العلاجية لكل من سم النحل والغذاء الملكى والشمع وحبوب اللقاح والبروبوليس، وازدياد معرفة القيم الطبية للعسل يوما بعد يوم .
    والمادتان الأخيرتان (حبوب اللقاح والبروبوليس) لا تخرجان طبعا من بطون النحل إذ يجمعهما من النباتات ويضيف إليهما بعضا من العسل أو الشمع ممزوجا باللعاب، فتصبحان شافيتين للناس من بعض الأمراض، ولذلك لم يذكر أن ما يخرج من بطون النحل شاف للناس بصفة عامة، إذ- قد لا يكون شافيا من أحد الأمراض إلا بإضافته إلى مواد اخرى، مثل حبوب اللقاح أو الصموغ ( التى تسمى بعد ذلك بروبوليس) فى الحالة المذكورة أو إلى المواد الطبية الأخرى مثل الحبة السوداء. أو زيت الزيتون أو عصير البصل وغيرها فى حالات أخرى متعددة.
    وكلمة شراب التى جاءت فى هذه الآية مفسرة فى الكتب الدينية على أن العسل يشرب، ولكننى أعتقد أن المقصود بها سوائل صالحة للشرب سواء كانت تشرب مباشرة وهى سائلة أو بعد إسالتها أو إذابتها إذا كانت متجمدة كما يتجمد العسل فى فصل الشتاء.. فلا يصلح حينئذ للشرب إلا بعد تعريضه للحرارة أو إذابته فى الماء أو فى أحد المشروبات الأخرى وهذا ينطبق كذلك على منتجات النحل الأخرى كله مثل الغذاء الملكى والشمع والسم.
    وكما أن العسل حين استعماله للتداوى (سواء فى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم أو قبل ذلك أثناء الحضارات البشرية القديمة ) لم يستعمل فى هيئة شراب فقط، فقد اكتحل به ودهنت به الجروح، واستخدم فى عمل العصائر وغيرها، وهذا ينطبق أيضا على منتجات النحل الأخرى.
    (إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون )

    ختمت آية النحل بأن إعجازها لن يظـهر إلا بالتعمق والتروى فى التفكير،إذ أنـها تبـدو سهـلة وبسيطة إذا قرأناها قراءة سطحية، وتبدر ركيكة غير متناسقة وغير واقعية إذا تمعنا فى تركيبها بنفس الفكرة الأولية التى كانت معروفة عن النحل منذ بدء الخـليقة، ولكنها تتطابق تماما مـع المعلومات التى عرفت حديثا عن النحل ولم تكن معروفة حين نزول القرآن على سيد المرسلين ، ويتضح من ذلك أن فى هذه. الآية معجزة تدل على أنها من عند الله العليم بالإضافة إلى الإلهام الذى وهبه سبحانه وتعالى للنحل لينتج لنا سوائل متعددة فيها شفاء للناس .
    الإعجازات العلمية فى التشبيهات القرآنية : ـ

    لقد جاءت بعض الآيات القرآنية ( التى تتضمـن الإشارة إلى المخلوقات الكونية والكائنات الحــية)بأسلوب لا تنطبق عليه أبسـط قواعـد اللغة العربية المألوفة ، فيرهـق فى تأوليـها الفقهاء المتخصصـون فى التفسـير وتبـدو ( لمن فى قلوبهم زيغ) أنها أخطاء لغوية ويطالبون بتصحيحها وحاش الله أن تكون كذلك إذ أن فى واقع الأمر تضمن إعجازات علمية دقيقة وبعض هذه التعبيرات المشار إليها واضحة الغرابة ، وتبدو كأخطاء إعلانية حيث لا يتطابق فيها الضمير أو صيفة الفعل مع ظاهرة الاسم المنسوب أليه ولكنة يتناسب تماما مع مضمون الحالة التى يتحقق بها الفعل مع ظاهرة الاسم المنسوب إليه ولكنه يتناسب تماما مع مضمون الحالة التى يتحقق بها الفعل ففى سورة الحج آيه 5 ( ونقر فى الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا) وفى سورة غافر آية 67 ( هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم يخرجكم طفلا ) وفى كلتا الآيتين جاءت كلمة طفلا مفردا لأن الأطفال يولدون فرادى عادة ويكون التعدد نادرا.
    وفى سورة النحل ( وأوحى ربكإلى النحل أن أتخذى.... ثم كلى.... فأسلكى.... يخرج من بطونها.... ) بينما كانت كلمة النحل جمع تكسير يدل على مذكر، جاء ت صيغة الفعل المقرون بها مفردا مؤنثا، لأن وحى الله إلى النحل جعله غريزة موروثة فى كل نحلة شغالة على حدة لتأدية الأعمال التى كلفها الله بها بطريقة تلقائية.. بينما الكلمة المماثلة (وهى النمل)جاء فعلها فى صيغة جمع المذكر فى سورة النمل قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم... لأن المخاطب فيها النمل بجميع فئاته من ذكور وملكات وشغالات (وكذلك جنود فى حالة النمل الأبيض) حيث أن الجمع الذى يشمل الذكور والإناث يجمع مذكرا.
    وبعض الآيات القرآنية تنصح أوجه الغرابة فى أسلوبها ولكن يصعب تفسيرها إلا عن طريق العلوم الكونية، ومن أمثلتها: ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون، إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شىء وهو العزيز الحكيم وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) (العنكبوت 41- 43 )
    وقد جاعت صيغة الفعل " اتخذت بيتا " مؤنثة لا تتطابق مع ظاهر الاسم (العنكبوت) وهو لفظ مذكر، ولكنها تتناسب تمامـا مع مضمـون الحالة التى يتحـقق بها الفـعل، لأن أنثى العنـكبوت هـى التى تبنى البيت وتنسج خيوطه من مغازل فى مؤخر بطنها... وفى هذا التناقض الظاهـرى تناسب واقعى يدل على إعجاز علمى دقيق .
    وفى التشبيه ( أو المثل) المذكور إعجاز لغوى آخر حيث يتضمن بعض الحقائق التى لم تعرف إلا فى العصر الحديث ففيها تشبيه على دقيق، بوصف حال الذين يعبدون غير الله أو يعتمدون على غير الله (الذين اتخذوا من دون الله أولياء) على مستويين من التشبيه بالنسبة للذين اتخذوهم أولياء... ولنبدأ بالتشبيه العام أو الاقرب للتصور، فمثلهم كمثل العناكب (بصفة عامة) وهى لا تقطن إلا الأماكن المظلمة ذات الهواء الراكد والجو الفاسد، وتتخذ بيوتها من الخيوط الرفيعة حيث تحتمى بها وتعيش بها، وتعيش فى استرخاء وأمان لأن هذه الخيوط منسوجة بطريقة فنية تجعلها شديدة الحساسية لأية اهتزازات خارجية، فتعمل على تنبيه العنكبوت وتحذيره فى اللحظة المناسبة، علاوة علّى أن خيوطها تعمل على تكبيل أية حشرة تلامسها، فتجعلها لقمة شائعة للعنكبوت، الذى يشعر بالفريسة فى الحال، فينقض عليها ويتغذى بها، أى أن هذه البيوت تمد العنكبوت بالحماية التامة بتوفير الطعام الأمان، ولكن الله سبحانه وتعالى وصفها بأوهن.البيوت لأنها تتحطم تماما على ما فيها، إذا انقض عليها كائن أكبر أو ضغط عليها بأى شىء ، علاوة علّى أن هذه البيوت لا تحمى من فيها من الضوء أو الرياح،إذ تهجرها إذا تعرضت للإضاءة أو تجدد هواؤها حيث تتهدل هذه البيوت وتتلاصق خيوطها ولا تصلح للسكن فيها.. وفى هذا التشبيه إشارة إلى أن الذى يلجأ إلى غير الله يهلك بهلاك من يلجأ إليه، لأن هذا الولى مهما كان جبروته لا يستطيع أن يحمى نفسه أو يحمى من يحتمى به.
    ونفس الآية تعطى تشبيها آخر أكثر دقـة، حيث أن الولى أو المحتمى به يحفظ من يلجـأ إليـه طالما يستفيد من بقائه، وبمجرد أن يكتفى من الاستفادة يضحى بمن لجأ إليه، وذلك كما يحدث للعنكبوت الذكر بقوله كمثل العنكبوت" عندما يلجأ إلى العش الذى تبنيه وتسكنه العنكبوتة الأنثى لكى يتم التزاوج بقوله "اتخذت بيتا" إذ ترحب به الأنثى وبمجرد أن تشبع حاجتها تنقض على العنكبوت الذكر وتلتهمه.
    ومن سورة النحل (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، إن فى ذلك لآية لقوم يسمعون، وإن لكم فى الأنعام لعبرة نسقيكم مما فى بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ) (الآية 65، 66).
    ففى هاتين الآيتين تشبيه علمى دقيق (لم يعرف إلا فى العصر الحديث)
    بين الوسيلة التى ينبت الله بها الزرع فى الأرض الجرداء، وتلك التى يخرج بها اللبن من بطون الأنعام، وجاء هذا التشبيه بأسلوب فيه إعجاز لغوى يتميز به القرآن الكريم، ولتفسير تلك المعنى نبدأ بالآية الخاصة بالأنعام، إذ لو كانت من تأليف بشر لما جاءت كلمة بطون فيها منسوبة إلى مذكر، بل كانت تنسب إلى مؤنث لأن كلمة الأنعام جمع تكسير (جمع الجمع) مما اعتاد العرب على تأنيثه، والأنعام التى تخرج الألبان من بطونها كلها إناث، وكل أهل البادية منذ عصر ما قبل التاريخ يعرفون هذه الحقيقة، ومن البديهى أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وعشيرته كانوا يعرفونها كذلك ومع ذلك لم يجرؤ أحد على تعديل هذه الكلمة، ولو على اعتبار أن فيها خطأ إملائيا لأن الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين معه كانوا متيقنين أنها من عند الله العليم الخبير، واحتار فى تفسيرها الفقهاء، إذ لم تنطبق عليها القواعد اللغوية التى تؤنث جمع التكسير المماثل لهذه الكلمة، علاوة على أنها لم تؤنث ما بدا مؤنثا بقوله (نسقيكم مما فى بطونه) حيث جاء الضمير فيها مذكرا ومفردا.
    واعتقد(والله أعلم) أن الضمير المذكر الذى يعود على الأنعام فى هذه الآية مقصود بذاته، ويعنى به " نسقيكم مما يوجد فى بطون ذكر الأنعام" وجاء هذا الضمير فى صيغة المفرد لتأكيد ذلك، لأن الضمير هنا إذا جاء فى صيغة الجمع لايميز بين الذكور والإناث ولو قيل فيها (نسقيكم من بطونها) لكانت تعنى من بطون الأنعام بصفة عامة ومن بطون إناثها بصفة خاصة، لأن الإناث هي التى تفرز اللبن، ولايجوز أن يقال(نسقيكم من بطونه) لأن اللبن لا ينزل من بطون الذكور، ولكن بقوله "نسقيكم مما فى بطونه" أى مما يوجد فى بطون ذكور الأنعام لأن النطفة الذكرية إذا سببت إخصاب البويضة وتكوين الجنين فى بطن الأنثى تعمل فى نفس الوقت على تنشيط ونمو الغدد اللبنية، حتى يكتمل إفرازها بولادة الصغير، أى يوجد تزامن بين الحمل وتنشيط الحمل وتنشيط الغدد اللبنية، وتزامن بين وضع الوليد وإدرار اللبن، ومن المعروف أن الإناث التى لا تضع صغارا لا تفرز لبنا مهما طال بها العمر إلا فيما ندر.
    وقد ربط الله سبحانه وتعالى بين الآيتين السابق ذكرهما بقوله: "(وإن لكم فى الأنعام لعبرة ) أى أن فى الأنعام نموذجا ومثلا يعتبر به فى قدرة الله على إحياء الأرض الميتة بواسطة الماء الذى ينزله من السماء، إذ أن مفعول هذا الماء فى إنبات البذور التى توجد بالأرض واستخلاصها متطلبات نموها من بين حبيبات التربة وما تحتويه من مواد متحللة، يماثل مفعول النطفة الذكرية فى بطون إناث الأنعام، إذ تسبب لها الحمل، وفى نفس الوقت تنشط الغدد اللبنية فيها فتستخلص اللبن من عصارة المأكولات التى تعافها الأنفس عن طريق الدم الذى يحملها، وتخرجه لبنا لذيذ الطعم بمجرد أن تضع المولود الصغير.
    ومع أن هذا التفسير العلمى قد لا يقبله المفسرون اللغويون، فقد اقتنع به أحد فقهاء الشريعة العاملين فى مجال فتاوى الأحوال الشخصية، وأكده بالمبدأ المتعارف عليه عن أبوة زوج المرضع للرضيع، فادا أرضعت امرأة رضيعا صار زوجها أبا للرضيع، وأخو الزوج عما له لأن اللبن ناتج عن الذكر، كما قال صاحب الفقه الإسلامي وأدلته عن لبن الفحل، والفحل هو الرجل المتزوج المرأة المرضعة (إذا كان لبنها منه) والحكم المقرر قوى جمهور الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد أن اللبن للفحل، فهو الذى يتعلق به التحريم، أى أنه حق للرجل، وقد حدث بسببه، ولا تنقطع نسبة اللبن عن زوج مات أو طلق، فيه يصبح زوج المرضع أبا للرضيع... كما جاء عن السيدة عائشة أم المؤمنين أنها قالت: "إن أفلح أخا أبى القعيس (وزج السيدة التى أرضعتها حين كانت طفلة جاء يستأذن عليها بعد أن أنزل الحجاب قالت فأبيت أن آذن له علىًّ، فلّما جاء رسول الله أخبرته بالذى صنعت فقال لها: ائذنى له فإنه عمك. ".. وسئلابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلاما، أيحل للغلام أن يتزوج الجارية، قال لا.... اللقاح واحد.
    والآية المشابهة فى سورة المؤمنون "وإن لكما فى الأنعام لعبرةنسقيكم مما فى بطونها ولكم فيها منافع كثير ومنها تأكلون، عليها وعلى الفلك تحملون " الآيات21، 22 والتي لم يذكر فيها اللبن جاء ضمير البطون بها مؤنثا ويعود على الأنعام بصفة عامة ذكورها وإناثها، بعد أن أضاف الله إليها المنافع المتعددة التى تعود من الأنعام إلى الإنسان.
    المراجع:
    1- القرآن الكريم.
    2- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم- تأليف محمد فؤاد عبد الباقى
    - مؤسسة جمال للنشر- بيروت.
    3- صفوة التفاسير- المجلد الثانى- تأليف محمد على الصابونى- مكتب الغزالى- دمشق- بيروت.
    4- النصف الأول من القرآن الكريم وبهامشه التفسير المسمى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل " تأليف إمام المحققين وقدوة المدققين القاضى ناصر الدين أبى سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازى البيضاوى-الطبعة الثانية 1375 هـ- 1955 م
    5- نحل العسل فى القرآن والطب- للدكتور محمد على البنبى- دا المعارف- القاهرة 1995.


  5. #5
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل

    {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)} سورة الحديد


    والآية الكريمة التي نحن بصددها تؤكد أن الحديد قد أنزل إنزالا كما أنزلت جميع صور الوحي السماوي‏,‏ وأنه يمتاز ببأسه الشديد‏,‏ وبمنافعه العديدة للناس‏,‏ وهو من الأمور التي لم يصل العلم الإنساني إلي إدراكها إلا في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين‏.‏
    وهنا يبرز التساؤل‏:‏ كيف أنزل الحديد؟ وما هو وجه المقارنة بين إنزال وحي السماء وإنزال الحديد؟ ما هو بأسه الشديد؟ وما هي منافعه للناس؟ وقبل الإجابة علي تلك الأسئلة لابد من استعراض سريع للدلالات اللغوية لبعض ألفاظ الآية الكريمة‏,‏ وكذلك للمواضع التي ورد فيها ذكر‏(‏ الحديد‏)‏ في كتاب الله‏(‏ تعالي‏).






    الدلالات اللغوية لبعض ألفاظ الآية الكريمة :


    ‏(‏النزول‏)‏ في الأصل هو هبوط من علو‏,‏ يقال في اللغة‏ : ‏ (نزل‏),(‏ ينزل‏)(‏ نزولا‏),‏ و‏(‏منزلا‏)‏ بمعني حل‏,‏ يحل‏,‏ حلولا‏;‏ والمنزل بفتح الميم والزاي هو‏(‏ النزول‏)‏ وهو الحلول‏,‏ و‏(‏نزل‏)‏ عن دابته بمعني هبط من عليها‏,‏ و‏(‏نزل‏)‏ في مكان كذا أي حط رحله فيه‏,‏ و‏(‏النزيل‏)‏ هو الضيف‏.‏
    ويقال‏:‏ (أنزله‏)‏ غيره بمعني أضافه أو هبط به‏;‏ و‏(‏استنزله‏)‏ بمعني‏(‏ نزله تنزيلا‏),‏ و‏(‏التنزيل‏)‏ ايضا هو القرآن الكريم‏,‏ وهو‏(‏ الإنزال المفرق‏),‏ وهو الترتيب‏;‏ وعلي ذلك فإن الإنزال أعم من التنزيل‏;‏ و‏(‏التنزل‏)‏ هو‏(‏ النزول في مهلة‏),‏ و‏(‏النزل‏)‏ هو ما يهيأ‏(‏ للنزيل‏)‏ أي مايعد‏(‏ للنازل‏)‏ من المكان‏,‏ والفراش‏,‏ والزاد‏,‏ والجمع‏(‏ انزال‏);‏ وهو أيضا الحظ والريع‏,‏و‏(‏النزل‏)‏ بفتحتىن‏,‏ و‏(‏المنزل‏)‏ الدار والمنهل‏(‏ أي المورد الذي ينتهل منه لأن به‏(‏ ماء‏)‏ أو هو عين ماء ترده الإبل في المراعي‏,‏ وتسمي المنازل التي في المفاوز علي طرق‏(‏ السفار‏);‏ و‏(‏المنزلة‏)‏ مثله‏,‏ أو هي الرتبة أو المرتبة‏;‏ و‏(‏المنزلة‏)‏ لاتجمع‏.‏
    ويقال استنزل فلان‏(‏ بضم التاء وكسر الزاي‏)‏ أي حط عن مرتبته‏,‏ و‏(‏المنزل‏)‏ بضم الميم وفتح الزاي‏(‏ الإنزال‏),‏ نقول‏:'‏ رب أنزلني‏(‏ منزلا‏)‏ مباركا‏,‏ وأنت خير‏(‏ المنزلين‏)*';‏ و‏(‏إنزال‏)‏ الله‏(‏ تعالي‏)‏ نعمه ونقمه علي الخلق هو إعطاؤهم إياها‏,‏ وقال المفسرون في قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏): (‏ ولقد رآه نزلة أخري‏)‏ إن‏(‏ نزلة‏)‏ هنا تعني مرة أخري‏.‏
    وفي قوله‏(‏ تعالي‏)'‏ جنات الفردوس نزلا‏'‏ قال الأخفش‏:‏ هو من‏(‏ نزول‏)‏ الناس بعضهم علي بعض‏,‏ يقال‏:‏ ماوجدنا عندك نزلا‏;‏ و‏(‏النازلة‏):‏ الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس‏,‏ وجمعها‏(‏ نوازل‏);‏ و‏(‏النزال‏)‏ في الحرب‏(‏ المنازلة‏);‏ و‏(‏النزلة هي الزكمة من الزكام‏,‏ يقال به‏(‏ نزلة‏),‏ وقد نزل بضم النون‏.‏




  6. #6
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل


    شروح المفسرين للآية الكريمة :

    ذكر ابن كثير‏(‏ يرحمه الله‏)‏ في تفسير قول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس‏*.‏
    أي وجعلنا الحديد رادعا لمن أبي الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه‏,‏ ولهذا أقام رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحي إليه السور المكية‏,‏ وكلها جدال مع المشركين‏,‏ وبيان وإيضاح للتوحيد‏,‏ وبيناته ودلالاته‏,‏ فلما قامت الحجة علي من خالف‏,‏ شرع الله الهجرة‏,‏ وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب‏,‏ وقد روي الإمام أحمد‏,‏ عن ابن عمر قال‏..‏ قال رسول الله‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له‏,‏ وجعل رزقي تحت ظل رمحي‏,‏ وجعل الذلة والصغار علي من خالف أمري‏,‏ ومن تشبه بقوم فهو منهم‏)‏ ولهذا قال تعالي:‏ (‏ فيه بأس شديد‏)‏ يعني السلاح كالسيوف والحراب والسنان ونحوها‏(‏ ومنافع للناس‏)‏ أي في معايشهم كالسكة والفأس والمنشار والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ وغير ذلك‏..‏ وقوله تعالي‏(‏ وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب‏)‏ أي من نيته في حمل السلاح نصرة لله ورسوله‏(‏ إن الله قوي عزيز‏)‏ أي هو قوي عزيز ينصر من نصره من غير احتىاج منه إلي الناس‏,‏ وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض‏.‏
    وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏(‏ رحمهما الله‏)‏ في تفسير هذه الآية الكريمة مانصه‏:‏ لقد أرسلنا رسلنا الملائكة إلي الأنبياء‏(‏ بالبينات‏)‏ بالحجج القواطع‏(‏ وأنزلنا معهم الكتاب‏)‏ بمعني الكتب ـو‏(‏الميزان‏)‏ العدل‏,(‏ ليقوم الناس بالقسط‏(‏ وأنزلنا الحديد‏)‏ أي أنشأناه‏,‏ وخلقناه‏,‏ لقوله تعالي‏(‏ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج‏)‏ أي خلق‏,‏ وقيل‏:‏ أخرجناه من المعادن‏,(‏ فيه بأس شديد‏)‏ يعني السلاح‏,‏ يقاتل به من أبي الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه‏,(‏ ومنافع للناس‏)‏ في معايشهم كالفأس والمنشار وسائر الأدوات والآلات‏,(‏ وليعلم الله‏)‏ علم مشاهدة‏,‏ معطوف علي‏(‏ ليقوم الناس‏)(‏ من ينصره‏)‏ بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره‏(‏ ورسله بالغيب‏)‏ حال من هاء‏(‏ ينصره‏)‏ أي غائبا عنهم في الدنيا‏,‏ قال ابن عباس‏:‏ ينصرونه ولايبصرونه‏(‏ إن الله قوي عزيز‏)‏ لاحاجة له إلي النصرة لكنها تنفع من يأتي بها‏.‏
    وذكر صاحب الظلال‏(‏ رحمه الله رحمة واسعة‏):‏ وفي النهاية يجيء المقطع الأخير في السورة‏,‏ يعرض باختصار خط سير الرسالة‏,‏ وتاريخ هذه العقيدة من لدن نوح وإبراهيم‏,‏ مقررا حقيقتها وغايتها في دنيا الناس‏,‏ ملما بحال أهل الكتاب‏,‏ وأتباع عيسي ـ عليه السلام ـ بصفة خاصة‏..‏ فالرسالة واحدة في جوهرها‏,‏ جاء بها الرسل ومعهم البينات عليها‏,‏ ومعظمهم جاء بالبينات الخوارق‏..‏ والنص يقول‏:‏ (وأنزلنا معهم الكتاب‏)‏ بوصفهم وحدة‏,‏ وبوصف الكتاب وحدة كذلك‏,‏ إشارة إلي وحدة الرسالة في جوهرها‏.‏
    ‏(‏والميزان‏)..‏ مع الكتاب‏,‏ فكل الرسالات جاءت لتقر في الأرض‏,‏ وفي حياة الناس ميزانا ثابتا ترجع إليه البشرية‏..‏ ميزانا لايحابي أحدا لأنه يزن بالحق الإلهي للجميع‏,‏ ولايحيف علي أحد لأن الله رب الجميع‏.‏
    فلابد من ميزان ثابت يثوب إليه البشر‏..(‏ ليقوم الناس بالقسط‏)!‏
    ‏(‏ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس‏,‏ وليعلم الله من ينصره‏,‏ ورسله بالغيب‏)‏ والتعبير بـ‏(‏ أنزلنا الحديد‏)‏ كالتعبير في موضع آخر بقوله تعالي‏(‏ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج‏)‏ كلاهما يشير إلي إرادة الله وتقديره في خلق الأشياء والأحداث‏...‏ أنزل الله الحديد‏(‏ فيه بأس شديد‏)‏ وهو قوة الحرب والسلم‏(‏ ومنافع للناس‏)‏ وتكاد حضارة البشر القائمة الآن تقوم علي الحديد‏(‏ وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب‏)‏ وهي إشارة إلي الجهاد بالسلاح‏,‏ تجيء في موضعها من السورة التي تتحدث عن بذل النفس والمال‏.‏
    ولما تحدث عن الذين ينصرون الله ورسله بالغيب‏,‏ عقب علي هذا بإيضاح معني نصرهم لله ورسله‏,‏ فهو نصر لمنهجه ودعوته‏,‏ أما الله سبحانه فلا يحتاج منهم إلي نصر‏:‏ إن الله قوي عزيز‏..‏
    وذكر صاحب ـ‏(‏صفوة البيان لمعاني القرآن‏):..‏ و‏(‏أنزلنا الحديد‏)‏ أي خلقناه لكم‏,‏ كقوله تعالي‏(‏ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج‏)‏ أي هيأناه لكم‏,‏ وأنعمنا به عليكم‏,‏ وعلمناكم استخراجه من الأرض وصنعته بإلهامنا‏,(‏ فيه بأس شديد‏)‏ أي فيه قوة وشدة‏,‏ فمنه جنة وسلاح‏,‏ وآلات للحرب وغيرها‏,‏ وفي الآية إشارة إلي احتىاج الكتاب والميزان إلي القائم بالسيف‏,‏ ليحصل القيام بالقسط‏,(‏ ومنافع للناس‏)‏ في معاشهم ومصالحهم‏,‏ وما من صنعة إلا والحديد آلتها‏,‏ كما هو مشاهد‏,‏ فالمنة به عظمي‏...‏
    وقال صاحب‏(‏ صفوة التفاسير‏)‏ (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد)‏ أي وخلقنا وأوجدنا الحديد فيه باس شديد‏,‏ لأن آلات الحرب تتخذ منه‏,‏ كالدروع والرماح والتروس والدبابات وغير ذلك ومنافع للناس أي وفيه منافع كثيرة للناس كسكك الحراثة والسكين والفأس وغير ذلك‏,‏ وما من صناعة إلا والحديد آلة فيها‏,‏ قال أبوحيان‏:‏ وعبر تعالي عن إيجاده بالإنزال كما قال‏ :‏ (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج‏)‏ لأن الأوامر وجميع القضايا والأحكام لما كانت تلقي من السماء جعل الكل نزولا منها‏,‏ وأراد بالحديد جنسه من المعادن قاله الجمهور‏.‏
    وذكر أصحاب‏(‏ المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏)‏ مانصه‏:‏ لقد أرسلنا رسلنا الذين اصطفيناهم بالمعجزات القاطعة‏,‏ وأنزلنا معهم الكتب المتضمنة للأحكام وشرائع الدين والميزان الذي يحقق الإنصاف في التعامل‏,‏ ليتعامل الناس فيما بينهم بالعدل‏,‏ وخلقنا الحديد فيه عذاب شديد في الحرب‏,‏ ومنافع للناس في السلم‏,‏ يستغلونه في التصنيع‏,‏ لينتفعوا به في مصالحهم ومعايشهم‏,‏ وليعلم الله من ينصر دينه‏,‏ وينصر رسله غائبا عنهم إن الله قادربذاته‏,‏ لايفتقر إلي عون أحد‏.‏
    وجاءوا في الهامش ببعض من صفات الحديد وفوائده‏.‏



  7. #7
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل


    حديد الأرض في العلوم الكونية:

    بينما لاتتعدي نسبة الحديد في شمسنا‏0.0037%‏ فإن نسبته في التركيب الكيميائي لأرضنا تصل إلي‏35,9%‏ من مجموع كتلة الأرض المقدرة بحوالي ستة آلاف مليون مليون مليون طن‏,‏ وعلي ذلك فإن كمية الحديد في الأرض تقدر بأكثر من ألفي مليون مليون مليون طنا‏,‏ ويتركز الحديد في قلب الأرض‏,‏ أو مايعرف باسم لب الأرض‏,‏ وتصل نسبة الحديد فيه إلي‏90%‏ ونسبة النيكل‏(‏ وهو من مجموعة الحديد‏)‏ إلي‏9%‏ وتتناقص نسبة الحديد من لب الأرض إلي الخارج باستمرار حتى تصل إلي‏5,6%‏ في قشرة الأرض‏.‏
    وإلي أواخر الخمسينيات من القرن العشرين لم يكن لأحد من العلماء إمكانية التصور‏(‏ ولو من قبيل التخيل‏)‏ أن هذا القدر الهائل من الحديد قد أنزل إلي الأرض من السماء إنزالا حقيقيا‏!!‏
    كيف أنزل؟ وكيف تسني له اختراق الغلاف الصخري للأرض بهذه الكميات المذهلة؟ وكيف أمكنه الاستمرار في التحرك بداخل الأرض حتى وصل إلي لبها؟ وكيف شكل كلا من لب الأرض الصلب ولبها السائل علي هيئة كرة ضخمة من الحديد والنيكل يحيط بها وشاح منصهر من نفس التركيب‏,‏ ثم أخذت نسبته في التناقص باستمرار في اتجاه قشرة الأرض الصلبة؟
    لذلك لجأ كل المفسرين للآية الكريمة التي نحن بصددها إلي تفسير‏(‏ وأنزلنا الحديد‏)‏ بمعني الخلق والإيجاد والتقدير والتسخير‏,‏ لأنه لما كانت أوامر الله تعالي وأحكامه تلقي من السماء إلي الأرض جعل الكل نزولا منها‏,‏ وهو صحيح‏,‏ ولكن في أواخر القرن العشرين ثبت لعلماء الفلك والفيزياء‏,‏ الفلكية أن الحديد لايتكون في الجزء المدرك من الكون إلا في مراحل محددة من حياة النجوم تسمي بالعماليق الحمر‏,‏ والعماليق العظام‏,‏ والتي بعد أن يتحول لبها بالكامل إلي حديد تنفجر علي هيئة المستعرات العظام‏,‏ وبانفجارها تتناثر مكوناتها بما فيها الحديد في صفحة الكون فيدخل هذا الحديد بتقدير من الله في مجال جاذبية أجرام سماوية تحتاج إليه مثل أرضنا الابتدائية التي وصلها الحديد الكوني‏,‏ وهي كومة من الرماد فاندفع إلي قلب تلك الكومة بحكم كثافته العالية وسرعته المندفع بها فانصهر بحرارة الاستقرار في قلب الأرض وصهرها‏,‏ ومايزها إلي سبع أرضين‏!!‏ وبهذا ثبت أن الحديد في أرضنا‏,‏ بل في مجموعتنا الشمسية بالكامل قد أنزل إليها إنزالا حقيقيا‏.‏



  8. #8
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل


    أولا‏:‏ إنزال الحديد من السماء :

    في دراسة لتوزيع العناصر المختلفة في الجزء المدرك من الكون لوحظ أن غاز الإيدروجين هو أكثر العناصر شيوعا إذ يكون أكثر من‏74%‏ من مادة الكون المنظور‏,‏ ويليه في الكثرة غاز الهيليوم الذي يكون حوالي‏24%‏ من مادة الكون المنظور‏,‏ وأن هذين الغازين وهما يمثلان أخف العناصر وأبسطها بناء يكونان معا أكثر من‏98%‏ من مادة الجزء المدرك من الكون‏,‏ بينما باقي العناصر المعروفة لنا وهي‏(103)‏ عناصر تكون مجتمعة أقل من‏2%‏ من مادة الكون المنظور‏,‏وقد أدت هذه الملاحظة إلي الاستنتاج المنطقي أن أنوية غاز الإيدروجين هي لبنات بناء جميع العناصر المعروفة لنا وأنها جميعا قد تخلقت باندماج أنوية هذا الغاز البسيط مع بعضها البعض في داخل النجوم بعملية تعرف باسم عملية الاندماج النووي تنطلق منها كميات هائلة من الحرارة‏,.‏ وتتم بتسلسل من أخف العناصر إلي أعلاها وزنا ذريا وتعقيدا في البناء‏.‏
    فشمسنا تتكون أساسا من غاز الإيدروجين الذي تندمج أنويته مع بعضها البعض لتكون غاز الهيليوم وتنطلق طاقة هائلة تبلغ عشرة ملايين درجة مئوية‏,‏ ويتحكم في هذا التفاعل‏(‏ بقدرة الخالق العظيم‏)‏ عاملان هما زيادة نسبة غاز الهيليوم المتخلق بالتدريج‏,‏ وتمدد الشمس بالارتفاع المطرد في درجة حرارة لبها‏,‏ وباستمرار هذه العملية تزداد درجة الحرارة في داخل الشمس تدريجيا‏,‏ وبازديادها ينتقل التفاعل إلي المرحلة التالية التي تندمج فيها نوي ذرات الهيليوم مع بعضها البعض منتجة نوي ذرات الكربون‏12,‏ ثم الأوكسجين‏16‏ ثم النيون‏20,‏ وهكذا‏.‏
    وفي نجم عادي مثل شمسنا التي تقدر درجة حرارة سطحها بحوالي ستة آلاف درجة مئوية‏,‏ وتزداد هذه الحرارة تدريجيا في اتجاه مركز الشمس حتى تصل إلي حوالي‏15‏ مليون درجة مئوية‏,‏ يقدر علماء الفيزياء الفلكية أنه بتحول نصف كمية الإيدروجين الشمسي تقريبا إلي الهيليوم فإن درجة الحرارة في لب الشمس ستصل إلي مائة مليون درجة مئوية‏,‏ مما يدفع بنوي ذرات الهيليوم المتخلقة إلي الاندماج في المراحل التالية من عملية الاندماج النووي مكونة عناصر أعلي في وزنها الذري مثل الكربون ومطلقة كما أعلي من الطاقة‏,‏ ويقدر العلماء أنه عندما تصل درجة حرارة لب الشمس إلي ستمائة مليون درجة مئوية يتحول الكربون إلي صوديوم ومغنيسيوم ونيون‏,‏ ثم تنتج عمليات الاندماج النووي التالية عناصر الألومنيوم‏,‏ والسيليكون‏,‏ والكبريت والفوسفور‏,‏ والكلور‏,‏ والأرجون‏,‏ والبوتاسيوم‏,‏ والكالسيوم علي التوالي‏,‏ مع ارتفاع مطرد في درجة الحرارة حتى تصل إلي ألفي مليون درجة مئوية حين يتحول لب النجم إلي مجموعات التيتانيوم‏,‏ والفاناديوم‏,‏ والكروم‏,‏ والمنجنيز والحديد‏(‏ الحديد والكوبالت والنيكل‏)‏ ولما كان تخليق هذه العناصر يحتاج إلي درجات حرارة مرتفعة جدا لاتتوافر إلا في مراحل خاصة من مراحل حياة النجوم تعرف باسم العماليق الحمر والعماليق العظام وهي مراحل توهج شديد في حياة النجوم‏,‏ فإنها لاتتم في كل نجم من نجوم السماء‏,‏ ولكن حين يتحول لب النجم إلي الحديد فانه يستهلك طاقة النجم بدلا من إضافة مزيد من الطاقة إليه‏,‏ وذلك لأن نواة ذرة الحديد هي أشد نوي العناصر تماسكا‏,‏ وهنا ينفجر النجم علي هيئة مايسمي باسم المستعر الأعظم من النمط الأول أو الثاني حسب الكتلة الابتدائية للنجم‏,‏ وتتناثر أشلاء النجم المنفجر في صفحة السماء لتدخل في نطاق جاذبية أجرام سماوية تحتاج إلي هذا الحديد‏,‏ تماما كما تصل النيازك الحديدية إلي أرضنا بملايين الأطنان في كل عام‏.‏
    ولما كانت نسبة الحديد في شمسنا لاتتعدي‏0.0037%‏ من كتلتها وهي أقل بكثير من نسبة الحديد في كل من الأرض والنيازك الحديدية التي تصل إليها من فسحة الكون‏,‏ ولما كانت درجة حرارة لب الشمس لم تصل بعد إلي الحد الذي يمكنها من انتاج السيليكون‏,‏ أو المغنيسيوم‏,‏ فضلا عن الحديد‏,‏ كان من البديهي استنتاج أن كلا من الأرض والشمس قد استمد ما به من حديد من مصدر خارجي عنه في فسحة الكون‏,‏ وأن أرضنا حينما انفصلت عن الشمس لم تكن سوي كومة من الرماد المكون من العناصر الخفيفة‏,‏ ثم رجمت هذه الكومة بوابل من النيازك الحديدية التي انطلقت إليها من السماء فاستقرت في لبها بفضل كثافتها العالية وسرعاتها الكونية فانصهرت بحرارة الاستقرار‏,‏ وصهرت كومة الرماد ومايزنها إلي سبع أرضين‏:‏ لب صلب علي هيئة كرة ضخمة من الحديد‏(90%)‏ والنيكل‏(9%)‏ وبعض العناصر الخفيفة من مثل الكبريت‏,‏ والفوسفور‏,‏ والكربون‏(1%)‏ يليه إلي الخارج‏,‏ لب سائل له نفس التركيب الكيميائي تقريبا‏,‏ ويكون لب الأرض الصلب والسائل معا حوالي‏31%‏ من مجموع كتلة الأرض‏,‏ ويلي لب الأرض إلي الخارج وشاح الأرض المكون من ثلاثة نطق‏,‏ ثم الغلاف الصخري للأرض‏,‏ وهو مكون من نطاقين‏,‏ وتتناقص نسبة الحديد من لب الأرض إلي الخارج باستمرار حتى تصل إلي‏5,6%‏ في قشرة الأرض وهي النطاق الخارجي من غلاف الأرض الصخري‏.‏
    من هنا ساد الاعتقاد بأن الحديد الموجود في الأرض والذي يشكل‏35,9%‏ من كتلتها لابد وأنه قد تكون في داخل عدد من النجوم المستعرة من مثل العماليق الحمر‏,‏ والعماليق العظام والتي انفجرت علي هيئة المستعرات العظام فتناثرت أشلاؤها في صفحة الكون ونزلت إلي الأرض علي هيئة وابل من النيازك الحديدية‏,‏ وبذلك أصبح من الثابت علميا أن حديد الأرض قد أنزل إليها من السماء‏,‏ وأن الحديد في مجموعتنا الشمسية كلها قد أنزل كذلك إليها من السماء‏,‏ وهي حقيقة لم يتوصل العلماء إلي فهمها إلا في أواخر الخمسينيات‏,‏ من القرن العشرين‏,‏ وقد جاء ذكرها في سورة الحديد‏,‏ ولايمكن لعاقل أن يتصور ورودها في القرآن الكريم الذي أنزل منذ أكثر من أربعة عشر قرنا علي نبي أمي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏,‏ يمكن أن يكون له من مصدر غير الله الخالق الذي أنزل هذا القرآن بعلمه‏,‏ وأورد فيه مثل هذه الحقائق الكونية لتكون شاهدة إلي قيام الساعة بأن القرآن الكريم كلام الله الخالق‏,‏ وأن سيدنا محمدا‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ ما كان ينطق عن الهوي‏(‏ إن هو إلا وحي يوحي‏*‏ علمه شديد القوي‏.‏


  9. #9
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل


    ثانيا‏:‏ البأس الشديد للحديد :

    الحديد عنصر فلزي عرفه القدماء‏,‏ فيما عرفوا من الفلزات من مثل الذهب‏,‏ والفضة‏,‏ والنحاس‏,‏ والرصاص‏,‏ والقصدير والزئبق‏,‏ وهو أكثر العناصر انتشارا في الأرض‏(35,9%)‏ ويوجد أساسا في هيئة مركبات الحديد من مثل أكاسيد‏,‏ وكربونات‏,‏ وكبر يتيدات‏,‏ وكبريتات وسيليكات ذلك العنصر‏,‏ ولايوجد علي هيئة الحديد النقي إلا في النيازك الحديدية وفي جوف الأرض‏.‏
    والحديد عنصر فلزي شديد البأس‏,‏ وهو أكثر العناصر ثباتا وذلك لشدة تماسك مكونات النواة في ذرته التي تتكون من ستة وعشرين بروتونا‏,‏ وثلاثين نيوترونا‏,‏ وستة وعشرين إليكترونا‏,‏ ولذلك تمتلك نواة ذرة الحديد أعلي قدر من طاقة التماسك بين جميع نوي العناصر الأخرى‏,‏ ولذا فهي تحتاج إلي كميات هائلة من الطاقة لتفتيتها أو للإضافة إليها‏.‏
    ويتميز الحديد وسبائكه المختلفة بين جميع العناصر والسبائك المعروفة بأعلي قدر من الخصائص المغناطيسية‏,‏ والمرونة‏(‏ القابلية للطرق والسحب وللتشكل‏)‏ والمقاومة للحرارة ولعوامل التعرية الجوية‏,‏ فالحديد لاينصهر قبل درجة‏1536‏ مئوية‏,‏ ويغلي عند درجة‏3023‏ درجة مئوية تحت الضغط الجوي العادي عند سطح البحر‏,‏ وتبلغ كثافة الحديد‏7,874‏ جرام للسنتيمتر المكعب عند درجة حرارة الصفر المطلق‏.‏

  10. #10
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل


    ثالثا‏:‏ منافع الحديد للناس :

    للحديد منافع جمة وفوائد أساسية لجعل الأرض صالحة للعمران بتقدير من الله‏,‏ ولبناء اللبنات الأساسية للحياة التي خلقها ربنا‏(‏ تبارك وتعالي‏)‏ فكمية الحديد الهائلة في كل من لب الأرض الصلب‏,‏ ولبها السائل تلعب دورا مهما في توليد المجال المغناطيسي للأرض‏,‏ وهذا المجال هو الذي يمسك بكل من الغلاف الغازي والمائي والحيوي للأرض‏,‏ وغلاف الأرض الغازي يحميها من الأشعة والجسيمات الكونية ومن العديد من أشعات الشمس الضارة‏,‏ ومن ملايين الأطنان من النيازك‏,‏ ويساعد علي ضبط العديد من العمليات الأرضية المهمة من مثل دورة كل من الماء‏,‏ والأوكسجين‏,‏ وثاني أكسيد الكربون‏,‏ والأوزون وغيرها من العمليات اللازمة لجعل الأرض كوكبا صالحا للعمران‏.‏
    والحديد لازمة من لوازم بناء الخلية الحية في كل من النبات والحيوان والانسان إذ تدخل مركبات الحديد في تكوين المادة الخضراء في النباتات‏(‏ الكلوروفيل‏)‏ وهو المكون الأساسي للبلاستيدات الخضراء التي تقوم بعملية التمثيل الضوئي اللازمة لنمو النباتات‏,‏ ولانتاج الأنسجة النباتية المختلفة من مثل الأوراق والأزهار‏,‏ والبذور والثمار والتي عن طريقها يدخل الحديد إلي أنسجة ودماء كل من الانسان والحيوان‏,‏ وعملية التمثيل الضوئي هي الوسيلة الوحيدة لتحويل طاقة الشمس إلي روابط كيميائية تختزن في أجساد جميع الكائنات الحية‏,‏ وتكون مصدرا لنشاطها أثناء حياتها‏,‏ وبعد تحلل أجساد تلك الكائنات بمعزل عن الهواء تتحول إلي مختلف صور الطاقة المعروفة‏(‏ القش‏,‏ والحطب‏,‏ والفحم النباتي‏,‏ والفحم الحجري‏,‏ والغاز الفحمي والنفط‏,‏ والغاز الطبيعي وغيرها‏),‏ والحديد يدخل في تركيب بروتينات نواة الخلية الحية الموجودة في المادة الحاملة للشفرة الوراثية للخلية‏(‏ الصبغيات‏)‏ كما يوجد في سوائل الجسم المختلفة‏,‏ وهو أحد مكونات الهيموجلوبين وهي المادة الأساسية في كرات الدم الحمراء‏,‏ ويقوم الحديد بدور مهم في عملية الاحتراق الداخلي للأنسجة والتمثيل الحيوي بها‏.‏ ويوجد في كل من الكبد‏,‏ والطحال والكلي‏,‏ والعضلات والنخاع الأحمر‏,‏ ويحتاج الكائن الحي إلي قدر محدد من الحديد إذا نقص تعرض للكثير من الأمراض التي أوضحها فقر الدم والحديد عصب الصناعات المدنية والعسكرية فلا تكاد صناعة معدنية أن تقوم في غيبة الحديد‏.‏

    العلاقة بين رقم سورة الحديد في المصحف الشريف ورقم الآية في السورة بكل من الوزن الذري والعدد الذري للحديد علي التوالي

    للحديد ثلاثة نظائر يقدر وزنها الذري بحوالي‏57,56,54‏ ولكن أكثرها انتشارا هو النظير الذي يحمل الوزن الذري‏56(55,847).‏
    ومن الغريب أن رقم سورة الحديد في المصحف الشريف هو‏57,‏ وهو يتفق مع الوزن الذري لأحد نظائر الحديد‏,‏ ولكن القرآن الكريم يخاطب المصطفي‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)‏ في سورة الحجر بقول الحق‏(‏ تبارك وتعالي‏):‏
    ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم‏(‏ الحجر‏:87)‏
    وواضح من هذه الآية الكريمة أن القرآن الكريم بنصه يفصل فاتحة الكتاب عن بقية القرآن الكريم‏,‏ وبذلك يصبح رقم سورة الحديد‏(56)‏ وهو الوزن الذري لأكثر نظائر الحديد شيوعا في الأرض‏,‏ كذلك وصف سورة الفاتحة بالسبع المثاني وآياتها ست يؤكد أن البسملة آية منها‏(‏ ومن كل سورة من سور القرآن الكريم ذكرت في مقدمتها‏,‏ وقد ذكرت في مقدمة كل سور القرآن الكريم ماعدا سورة‏(‏ التوبة‏)‏ وعلي ذلك فإذا أضفنا البسملة في مطلع سورة الحديد إلي رقم آية الحديد وهو‏(25)‏ أصبح رقم الآية‏(26)‏ وهو نفس العدد الذري للحديد‏,‏ ولايمكن أن يكون هذا التوافق الدقيق قد جاء بمحض المصادفة لأنها لايمكن أن تؤدي إلي هذا التوافق المبهر في دقته‏,‏ وصدق الله العظيم الذي قال في وصفه للقرآن الكريم‏.‏
    لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفي بالله شهيدا‏*‏ ‏(‏النساء‏:166)‏
    وقوله تعالي (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )‏(‏النساء‏82 )


    بقلم : د. زغلول النجا

  11. #11
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) } سورة البقرة







    إنها آية "الدَّيْن" أطول آية في القرآن الكريم تحدث فيها المولى تبارك وتعالى عن القوانين التي تنظم العمليات التجارية بين الناس بشكل مذهل، وهذا سبق قرآني مهم في علم القانون ....

    يتميز كتاب الله عز وجل بأنه كتاب صالح لكل زمان ومكان، ولذلك فهو شامل لكل العلوم التي يحتاجها الإنسان في حياته، ومنها علم القانون والقضاء، وربما نعجب إذا علمنا أن معظم القوانين الوضعية التي يفتخر رجال القانون باكتشافها ووضعها، معظمها موجود في كتاب الله تعالى، ومن هذه القوانين ما ينظم شؤون الدين والعقود والبيع والشراء، أو ما يسمى بنظام الكاتب بالعدل.
    وإذا ما تأملنا اليوم هذا النظام نرى بأنه يتضمن العديد من القوانين وجميعها موجود في القرآن ولكن بصورة أكثر بلاغة ووضوحاً. وسوف نعدد بعضاً من الأنظمة التي وضعها رجال القانون في فرنسا منذ أكثر من قرنين، وأخذتها معظم الدول العربية فيما بعد على أنها نتاج الحضارة الغربية "المتقدمة" ثم تبيّن بعد ذلك أن هذه القوانين هي ذاتها في كتاب الله تبارك وتعالى!
    والذي يثير العجب أن الله تعالى جمع كل هذه المعاملات في آية واحدة من القرآن وهي آية الدَّين وهي أطول آية في كتاب الله تبارك وتعالى، لنتأمل هذه المعجزات التشريعية الرائعة.

  12. #12
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل



    1- نظام التوثيق :
    في القرن السابع الميلادي لم يكن مألوفاً لدى العرب أو لدى الأمم من حولهم عملية توثيق البيع والشراء. فقد كانت العمليات التجارية تتم عشوائياً من دون أي تنظيم، إلا في حدود ضيقة جداً. وبقي الوضع على ما هو عليه حتى جاء الإسلام عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوثيق العمليات التجارية بين الناس.
    وبالطبع لم يأت النبي بهذا النظام من تلقاء نفسه، بل بأمر إلهي في قوله تعالى:(إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) [البقرة: 282]، ولذلك يمكن القول بأن أول تنظيم للعمليات التجارية تم في العهد الإسلامي. وفي العصر الحديث جاءت الثورة الفرنسية، وبدأت بعدها صياغة مجموعة من القوانين التي تنظم العمليات التجارية، والعجيب أن هذه القوانين ذاتها موجودة في القرآن العظيم!

  13. #13
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل


    2- نظام الكاتب بالعدل :
    هذا النظام لم يكن معروفاً في الدول المتقدمة إلا حديثاً، ثم أخذته الدول العربية منها، ونسينا بأن هذا النظام موجود في القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً في قوله تعالى: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)، ولذلك يجب القول بأن نظام الكاتب بالعدل والذي يهدف لتوثيق عمليات البيع والشراء بين الناس، هو نظام قرآني وليس نظاماً غربياً!
    ثم إن القرآن أمر بكتابة كافة التفاصيل في العَقد، وكتابة العقود فنّ قائم بذاته، لأن كلمة واحدة قد تغير مضمون العقد بشكل كامل، ولذلك فإن القوانين الحديثة تقول بأنه ينبغي كتابة كل التفاصيل صغيرة أو كبيرة، وهذا ما أشار إليه القرآن بقول تعالى: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ)، انظروا معي كيف تحدد هذه الآية الأجل أو المدة في العقد، ويقول خبراء القانون، إن أهم ركن من أركان العقد هو الأجل أو مدة العقد أو زمن تسديد الدين!
    القوانين الحديثة تقول بأنه ينبغي على الكاتب بالعدل أن يكتب الحقيقة كاملة ولا يتواطأ مع أحد الفريقين على حساب الآخر، وهذا ما أكده القرآن ولم يغفل عنه بقوله تعالى: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ).
    كذلك تقول القوانين الحديثة إنه يجب الإقرار من قبل كلا الطرفين وبخاصة الطرف الدائن أو البائع أو صاحب السلعة، وأن يكون الإقرار واضحاً لا لبس فيه، والعجيب أن القرآن ذكر هذا الأمر أيضاً، يقول تعالى: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) "يملل" أي يردد العبارات التي تفيد بأنه موافق على عملية الدين أو البيع.



  14. #14
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل


    3- نظام الوليّ والوكالة :
    هناك أشخاص ليس لديهم القدرة على البيع والشراء وليسوا مؤهلين قانونياً لمثل هذه العمليات، ومنهم الأطفال والمصابين بأمراض عقلية وهؤلاء أجاز لهم القانون اتخاذ ولي أو وكيل لهم ينوب عنهم في العقد. والقرآن أيضاً لم ينسَ ذلك وقد ذكر هذا الأمر بقوله تعالى: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْل)، وتأملوا معي التأكيد القرآني على العدل دائماً (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْل) لأن العدل أساس النظام القضائي الناجح.
    بالنسبة لقوانين الوكالات في البلاد العربية فإن هذا النظام مأخوذ بالكامل من القوانين الفرنسية والغربية، حيث أن الناس اليوم ليس لديهم خبرة في أمور القانون فيلجأون إلى محامٍ ينوب عنهم في متابعة القضية التجارية أو غيرها، مع العلم أن القرآن قد طرح هذا التشريع قبل 1400 سنة، وذلك من خلال قوله تعالى: (أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)، فالولي أو الوكيل هو الشخص الذي ينوب عن صاحب العلاقة الأصلي، وهو ما نسميه بالوكالة.





  15. #15
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل


    4- نظام الشهود :
    نظام الشهادة مهم جداً لحل أي نزاع قانوني ينشأ بين المتخاصمين، وقد تم تطوير هذا النظام عبر السنين حيث تم وضع ضوابط تنظم عمل الشهود والعجيب أن القرآن طرح هذا التشريع بل وأمر به وهو أن يكون هناك شهود على أي عملية تجارية، ونظام الشهود معروف في القوانين الغربية، ويعتبرونه من إنجازاتهم، مع العلم أن القرآن قد سبقهم إلى هذا الأمر قبل ذلك بزمن طويل. يقول تعالى: (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ)، ثم يقول بعد ذلك محدداً عدد الشهود اللازم، ولضمان عدم كذب الشاهد: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ).
    وهنا تجدر الإشارة إلى أن القرآن ميز بين الرجل والمرأة، فالشهادة عملية دقيقة وحساسة ويتوقف عليها مصالح الناس، وبالتالي فإن شهادة المرأة الواحدة لا تكفي لا بد من امرأتين،
    (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) لماذا؟ ببساطة دماغ المرأة أصغر من دماغ الرجل بنسبة 10 % على الأقل، وكفاءة دماغ المرأة في عمليات التذكر واستحضار المعلومات وسرعة معالجتها أقل من الرجل، وهذه حقيقة علمية سبق القرآن إليها! ولذلك قال تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى).
    كذلك فإن القوانين الحديثة تؤكد على ضرورة امتثال الشاهد للشهادة أمام القاضي، ولا يجوز له أن يتخلف عنها، ويؤكدون أن ذلك ضروري من أجل نجاح القضاء وتحقيق العدالة. العجيب يا أحبتي أن القرآن لم يغفل ذلك!! يقول تعالى: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا).
    كذلك حدد القرآن نوعية الشهود وأن يكونوا صادقين: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)، وهذا ما تقول به القوانين الحديثة، حيث يطلب القاضي أن يكون الشاهد عدلاً صادقاً، ولا تُقبل شهادة الكاذب أو الذي اشتهر بالكذب.




  16. #16
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل



    5- نظام التجارة الحاضرة :
    يقول خبراء القانون: ليس ضرورياً كتابة كل شيء في العمليات التجارية الجارية، حيث يتعذر على التاجر أن يكتب العمليات التي تتم بالبيع نقداً دون أجل، وبالتالي فإن ذلك يسهل الكثير من العمليات التجارية الجارية، والعجيب أن القرآن قد أشار إلى ذلك ولم يغفل عنه، يقول تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ)، فمثل هذا النوع من أنواع البيع والشراء ليس ضرورياً أن يكتب أو يوثق، قال تعالى بعد ذلك: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا)، ولذلك فإن القرآن وضع أساساً للعمليات التجارية.
    والقرآن يؤكد دائماً على نقطة لا نجدها في القوانين الوضعية، وهي أن الله تعالى يعلم كل شيء، ويعلم ما في النفوس، ولذلك قال: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وهذا أسلوب نفسي رائع لضمان تطبيق هذه القوانين وعدم التلاعب فيها، أو التحايل على القانون كما نراه اليوم. فعندما تدرك أيها البائع أو أيها المشتري أن الله يعلم ما تفكر به، ويعلم نيَّتك وسوف يحاسبك عليها، والعقوبة ستكون نار جهنم، عندها لابد أن تنضبط وتطبق ما أمرك الله تعالى به، وهنا تتجلى روعة هذه القوانين الإلهية.


  17. #17
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل


    6- نظام الرهن :
    هناك نظام مهم في العمليات التجارية هو الرهن، وربما نتذكر الأزمة المالية العالمية وأحد أسبابها إساءة هذا النظام، وعقد صفقات وهمية مع البنوك، مما أدى إلى انهيار النظام المالي العالمي. هذا الرهن تحدث عنه القرآن ونظّمه بقول تعالى: (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ)، ولذلك فإن القرآن سبق القانونيين في الغرب إلى مثل هذا النظام، ولم يكتف بذلك (كما تفعل البنوك اليوم) بل أمر بأداء الأمانة بقوله تعالى: (فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ)، وسبحان الله! لو تأملنا معظم الدعاوى والشكاوى في المحاكم وجدناها تحت بند "إساءة الأمانة"، ولو أن الناس طبقوا هذه الآية لزالت كل المشاكل والقضايا التي تساهم في دمار الاقتصاد العالمي.

  18. #18
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل




    7- نظام حماية الشهود وعقوبة الشهادة الكاذبة :
    يؤكد المشرعون حديثاً على ضرورة الاهتمام بموضوع حماية الشهود، وهذا الموضوع أخذ مساحة كبيرة من المؤتمرات والمناقشات بهدف تحسين حماية الشهود، حتى إن بعض القانونيين يعتبرون أن النظام القضائي لن يكون ناجحاً من دون تأمين الحماية الكافية للشهود، وعدم خوفهم من بطش أحد الفريقين المتخاصمين.
    ربما نعجب أن هذه الآية العظيمة لم تغفل هذا الجانب المهم، بل أضافت له جانباً مهماً وهو حماية الكاتب بالعدل أيضاً، ولذلك قال تعالى: (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ)، وحذر من خطورة الإضرار بالشهود أو بالكاتب، فقال: (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ). ومثل هذه التعاليم تجد صدى كبيراً في النفس البشرية. ولكن الشاهد أحياناً لا يقول الحقيقة كاملة، وهذا يحدث كثيراً في المحاكم، فهل نسي القرآن هذا الأمر المهم؟
    بالطبع الله لا ينسى أي شيء، كيف ينسى وهو خالق كل شيء عز وجل، ولذلك قال: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ)، فهذا أمر صريح بضرورة قول الحقيقة كاملة، وانظروا كيف أن الله تعالى أمر باتخاذ الشهود، ونظم عملهم وأمر بحمايتهم وأمرهم بقول الحقيقة، وهذا ما نجده في القوانين الحديثة.


  19. #19
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل




    أطول آية في القرآن :
    والآن نأتي إلى النص الكريم الذي ينظم هذه العلاقات ويعطي كل ذي حق حقه، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [البقرة: 282-283].
    هناك شيء ملفت للانتباه في هذه الآية العظيمة، وهي موضوع التقوى الذي تكرر ثلاث مرات: في قوله تعالى: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) : أمر إلهي بالتقوى وأن الله يراك ويرقبك، ولذلك إياك أيها المشتري أن تأخذ ما ليس لك، أو تنقص من قيمة البضاعة بل أعط صاحبها حقه كاملاً. وقوله (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ) : وهنا أمر إليه بالتقوى للجميع (الكاتب والشهود والبائع والمشتري). وقوله (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ) : أمر بالتقوى وعدم كتمان الشهادة. ولكن ماذا يعني ذلك؟
    إن مشكلة القوانين الوضعية أنه عند غياب الرقيب، فلا توجد وسيلة فعالة تمنع الإنسان من الخطأ أو الغش أو إساءة الأمانة، ولكن القرآن جعلك تشعر بمراقبة الله لك في كل لحظة، وهنا ضمن التطبيق العملي للقوانين حتى أثناء غياب الرقابة عليه، وهذه هي عظمة التشريعات الإلهية.
    كذلك يؤكد خبراء القانون أن وضع القانون لا يكفي إنما ينبغي وضع الآلية التي تضمن تطبيق القوانين، مثل دراسة جدوى هذه القوانين وفائدتها وانعكاساتها على المجتمع، والعجيب أن القرآن لم يغفل هذه الناحية الهامة، ولم يضع القوانين من دون هدف وحكمة وتوجيه، بل وضع التوجيهات اللازمة والتي تضمن تطبيق هذه القوانين، ولذلك فقد وضع لنا الله ثلاثة أهداف من هذه القوانين وهي في قوله تعالى: (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) :


  20. #20
    الصورة الرمزية حنان
    تاريخ التسجيل
    Nov 2009
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    8,857

    افتراضي رد: صور جمالية ... تأمل



    1- ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ: انظروا معي كيف يضع القرآن دائماً وفي مقدمة الأهداف، التوجه إلى الله تعالى، فقبل كل شيء، يجب أن تشعر بمراقبة الله لك، وعندما تحقق ذلك فإنه يستحيل أن تخون الأمانة أو تغش أو تبخس الآخرين حقوقهم، وهذا ما لم تحققه القوانين الوضعية التي "تهمل" وجود خالق عظيم يتصرف بهذا الكون، ولذلك نرى بأن تطبيق القوانين الوضعية يكون ضعيفاً، وغالباً ما تخضع لتعديلات وإضافات مستمرة، على عكس القوانين الإلهية الثابتة.
    2- وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ: هذا الهدف يحدد الطريقة المثالية للتعامل من خلال توضيح الشهادة، حيث أن معظم النزاعات التجارية التي نراها اليوم، تحدث نتيجة غموض العقد والتباس ذلك على الشهود، ولكن القرآن كان حريصاً على التدقيق على هذه النقطة، أي ضرورة إحكام الشهادة ووضوحها وتوثيقها، وضمان عدم الالتباس والابتعاد عن الأخطاء.
    3- وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا:هذا الهدف مهم جداً لدفع أية شبهة أو خطأ أو ارتياب. ويقول القانونيون والمشرعون، من الضروري جداً أن تتم كتابة العقد بوضوح كامل مراعية كل التفاصيل، وأن يتم دفع أي ارتياب يمكن أن يحدث. ونقول أليس هذا ما أمر به القرآن؟
    النظام القرآني للعمليات التجارية يتميز بأنه صادر من الله تعالى، ولذلك فإنه يمثل أمراً إلهياً من تركه فقد أثم، ومن فعله أخذ الأجر والثواب، وهذا لا نجده في القوانين الوضعية التي جاءت فقط لحماية الحقوق.
    قد يقول قائل كيف يمكن بكلمات قليلة أن نختصر كتب القانون التي تملأ المكتبات والجامعات؟ ونقول إن المسلمين بفضل هذه التعليمات القليلة بكلماتها ولكنها عظيمة بأثرها، استطاعوا أن يفتحوا العالم وأن يحقوا العدل بشكل لم يحققه أحد على مر العصور!! وهذا يدل على أثر تعاليم القرآن على الناس، ولكننا عندما ابتعدنا عن هذا الكتاب وعن تعاليم الخالق عز وجل، ركبتنا الهموم وأصبحنا أكثر الأمم تخلفاً: غثاء كغثاء السيل!!
    وقد يقول آخر: هناك العديد من القوانين في شريعة حمورابي والقوانين الرومانية والقوانين التي كانت سائدة في حضارة الصين والهند وغيرها قبل الإسلام، ونقول: إن هذه القوانين كانت مزيجاً من الصواب والخطأ، بل هذه القوانين كانت تعطي الحصانة المطلقة للملك أو الإمبراطور، والذي فعله الإسلام أنه صحح القوانين الخاطئة، وأبقى على القوانين الصحيحة، وهذا لم يكن باستطاعة بشر يعيش في ذلك الزمن، ولذلك فإن هذه الآية من آيات الإعجاز التشريعي والتي تشهد على صدق القرآن وأنه كتاب صالح لكل زمان ومكان.
    ونقول بالله عليكم: هل يمكن لإنسان يتهمونه بالتخلف والإرهاب، أن يأتي بمثل هذه التشريعات التي تعمل بها اليوم كبرى الدول في العالم؟ إنه دليل صادق على أنه رسول من عند الله عز وجل، وأنه كما وصفه ربه بقوله: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 188]. ولابد من السؤال: من أين جاء هذا النبي بتشريعات دقيقة كهذه، واختصرها في آية واحدة، لو لم يكن رسولاً من عند الله؟!

    بقلم : م/عبد الدايم الكحيل .

صفحة 1 من 16 1234511 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. لا تملأ الاكواب بالماء
    بواسطة صاحب الظل في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 06-21-2020, 02:01 PM
  2. وقفه تأمل...
    بواسطة زهرة البنفسج في المنتدى منتدى غذاء الفكر وبقاء الذكر((الصوتيات))
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-04-2013, 12:33 AM
  3. وقفة تأمل و محاسبة
    بواسطة أم تقوى في المنتدى منتدى الصحوة القرآنية القسم العام
    مشاركات: 36
    آخر مشاركة: 09-07-2011, 11:35 AM
  4. أنظر و تأمل ، ثم أختار !! من موقع شقيق
    بواسطة عبدالله أمجد في المنتدى منتدى عالم الابداع والتميز
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 07-27-2010, 09:05 PM
  5. تأمل معي يرحمك الله في هذا الخطاب القرآني لرسول الله
    بواسطة أم حنان في المنتدى منتدى القرآن الكريم
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-30-2010, 01:08 AM

مواقع النشر "شارك "

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •